دعاؤك
بقلم الشريف حاتم بن عارف العوني
إلقاء وهندسة: معتصم الشامي
من أرجى أدعيتك إجابةً دعاءٌ تستبعد إجابته لعلمك بتقصيرك في ثقتك بسعة رحمة الله وكرمه !!
قال الشيخ ذلك ، فطاش عقل التلميذ ، وقال : يا شيخنا ، كيف تقول ؟! فما زلت أقرأ وأسمع أن الدعاء المستجاب هو دعاء الواثق من الإجابة المتيقن من الاستجابة !!
فقال الشيخ : يا بني ، عبارة مجملة تلك التي تقول : "الدعاء المستجاب هو دعاء الواثق من الإجابة" ، وكم هلك الناس في المجملات وضلت لهم أفهام وانحرفت تصورات !!
يا بني ، ثقة الداعي بالإجابة إن كانت ثقة بالدعاء فهي غرور ، لا يستحق صاحبه إلا العقوبة !! لأنه وثق بعمله !! إنما الثقة التي تستمطر الرحمات وتستفيء العطايا هي دعوة الواثق بالكرم !! لأن صاحبها وثق بعمل الله تعالى ، لا بعمله ، وشتان ما بين واثق بعمله وواثق بعمل ربه عز وجل .
فقال التلميذ : رضي الله عنكم يا شيخنا ، فكيف يكون معنى قولك الأول : "من أرجى أدعيتك إجابةً دعاءٌ تستبعد إجابته لعلمك بتقصيرك في ثقتك بسعة رحمة الله وكرمه" ؟
فقال الشيخ : لأنك هنا لم تشك في عظيم كرم الله تعالى ، ولا في سعة رحمته ، ولا يئست من دعائه ، بدليل دعائك وإلحافك فيه ، وإنما بلغ احتقارك لعملك ، وبلغ بُعدك عن الاغترار بجهدك : أنك نظرت إلى تقصيرك عن أن تدرك به عظم الجود الرباني وسعة الرحمة الرحمانية ، فخشيت أن تؤاخذ بتقصيرك هذا !
يا بني ، هذا شعور بالضعف ، يجعل دعاء العبد دعاء مضطر يفر من ضعفه إلى مولاه ، فهو يقول له في جنبات دعائه ، وبلسان حاله لا بمقاله : اللهم اغفر تقصيري في تسبيحك ، أني عجزت أن أعبدك حق عبادتك !
فهو لم يشك في الاستجابة لشكه في عظم الجود وسعة الرحمة ، بل ليقينه بهما ، لكنه موقن أيضا أنه ما عرف الله حق معرفته ، وأنه لن يعرفه حق معرفته أبدا ؛ لأنه تعالى لا تدركه الأبصار والبصائر ، ولا تحيط به العيون وقلوبها !!
يا بني ، دعاء القلب المنكسر دعاء مجبور بالإجابة !
يا بني ، دعاء الواثق من عدم استحقاقه دعاء الواثق في حقانية المدعو عز وجل !
يا بني ، دعاء الفارّين من تقصيرهم دعاء الواصلين إلى مأمنهم !!
يا بني ، دعاء الذائبين حياء من ربهم دعاء تفخر به جنبات السموات وسكانها !!
يا بني ، دعاء المحبين الذين يعلمون أنهم لم .. ولن يعرفوا حق المحبوب هو الدعاء المحبوب عند ربهم الودود !!
يا بني ، تواضع ، وانكسر ، وتذلل : ترتفعْ وتَقْوَ وتَعزّ ، فرفعتك تقف عند حدود ما تستحضره في قلبك من ضعف عبوديتك أمام جلال مليكك ومولاك !