في الماضي، لم تكن الحياة تسير وفقًا للمخططات المعقدة أو الحسابات الدقيقة التي نراها اليوم، بل كان الاعتماد الأكبر على الفطرة، والحدس، والبركة التي اعتقد الناس أنها تحمل الحلول لكل المعضلات. "كله بالبركة" لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل فلسفة حياة كاملة عاشها الأجداد، تُختصر في فكرة أن الرزق مكتوب، والأمور ستجري على خير حال مهما بدا الوضع صعبًا. لم يكن لديهم التطبيقات الحديثة أو جداول الأعمال التي تملأ ساعات اليوم، بل اعتمدوا على البساطة وإيمان بأن الكون يسير وفق نظام أكبر من قدرتهم على التحكم به.
حياة الناس حينها كانت تتسم بالهدوء رغم المشقة، لأنهم كانوا يؤمنون أن البركة في القليل هي التي تجعل هذا القليل يكفي ويفيض. كان الفلاح يزرع حقله دون حسابات علمية معقدة، فقط يثق أن الأرض ستنبت بقدر جهده. كان الحرفيون يصنعون بأيديهم دون دراسة جدوى أو توقعات أرباح، ويبيعون ما تيسر لهم. وحتى في العلاقات الاجتماعية، كانت القرارات تُتخذ بالقلب أكثر مما تُتخذ بالعقل. الزواج كان يتم بـ"النصيب"، والأطفال يكبرون في مجتمع ممتد، يتعلمون من الحياة أكثر مما يتعلمون من الكتب.
ولكن هذا "الكله بالبركة" لم يكن دائمًا أمرًا مثاليًا، بل كان يحمل في طياته تحديات أيضًا. أحيانًا كان يعني المجازفة، أو اتخاذ قرارات دون وعي كامل بالنتائج. ورغم ذلك، كان الناس يجدون طرقًا للتأقلم. كانوا يتعاونون، يشاركون ما لديهم، ويواجهون المصاعب بروح جماعية. إذا مرض أحدهم، لم تكن هناك مشافٍ متقدمة، بل كان التداوي بالأعشاب والنصائح التي تناقلتها الأجيال. وإذا وقع خلاف، كان "شيخ القبيلة" أو "كبير العيلة" هو المرجع، و"البركة" في حكمه كافية لإغلاق أي جدال.
اليوم، ومع كل التقدم الذي نعيشه، قد ننظر إلى تلك الأيام بنوع من الحنين، ليس لأن الحياة كانت أسهل، بل لأن هناك شعورًا بأن الأمور كانت أكثر صدقًا وبساطة. نعم، التكنولوجيا والعلوم أضافت الكثير لحياتنا، لكنها أحيانًا سلبت منا ذلك الإيمان بأن الأمور يمكن أن تسير "بالبركة". أصبحنا نحسب كل شيء، من عدد السعرات الحرارية إلى توقيت النوم، وكأننا نحاول السيطرة على كل جوانب حياتنا. لكن ربما، لو أخذنا لحظة لنتعلم من الماضي، لوجدنا أن جزءًا من سعادتنا قد يكمن في ترك مساحة للبركة والحدس، لأن الحياة ليست دائمًا بحاجة إلى مخططات معقدة لتنجح.