تعد سويسرا من البلدان التي اشتهرت بسياساتها الحيادية منذ قرون، وهي دولة لا تشارك في الصراعات العسكرية الكبرى ولا تلتزم بتحالفات عسكرية مع أي طرف. ومع ذلك، فإن حيادها لم يكن يومًا نتيجة لضعفها أو تخليها عن الدفاع عن نفسها. بل على العكس، قامت سويسرا ببناء قوة عسكرية هائلة تضمن لها الحفاظ على حيادها وتوفير الأمن لمواطنيها في حال حدوث تهديدات خارجية.
عند النظر في تاريخ سويسرا، نلاحظ أن سياسة الحياد بدأت بشكل تدريجي بعد الحروب النابليونية في أوائل القرن التاسع عشر، حيث كانت سويسرا تسعى لتجنب الانزلاق إلى صراعات القوى الأوروبية الكبرى التي كانت تحيط بها. في عام 1815، تم تثبيت حياد سويسرا في مؤتمر فيينا، مما أعطاها حماية دولية ضد التدخلات العسكرية. منذ ذلك الوقت، أصبحت هذه السياسة جزءًا لا يتجزأ من هويتها السياسية الخارجية. ومع ذلك، فإن هذا الحياد لم يُفهم على أنه "عدم استعداد للدفاع" بل كان يعتمد على مبدأ الحفاظ على جيش قوي ومستعد دائمًا.
النظام العسكري في سويسرا يعتمد بشكل رئيسي على "التجنيد الإلزامي"، حيث يُلزم المواطنون الذكور بأداء الخدمة العسكرية في سن معين. ما يميز النظام السويسري هو أن المجندين، بعد إتمامهم الخدمة، لا يتركون أسلحتهم في معسكرات الجيش، بل يُسمح لهم بحملها معهم إلى بيوتهم. بهذه الطريقة، تكون سويسرا دائمًا على استعداد للدفاع عن نفسها في حالة وقوع هجوم مفاجئ. وبوجود هذا الجيش الاحتياطي الضخم، يمكن لسويسرا الاستجابة بسرعة لأي تهديد دون الحاجة إلى تشكيل جيش دائم كبير، مما يسمح لها بالحفاظ على مستوى عالٍ من الكفاءة العسكرية دون تكاليف ضخمة.
الجيش السويسري لا يتوقف عن التدريب المستمر. على الرغم من أن سويسرا لم تشارك في الحروب العالمية مثل معظم دول أوروبا، فإنها كانت دائمًا على استعداد لتأمين حدودها وحماية مصالحها. خلال الحربين العالميتين، على سبيل المثال، حافظت سويسرا على حيادها بشكل فعال، حيث كان لديها خطة دفاع محكمة من خلال الدفاع عن الممرات الجبلية الاستراتيجية. بالإضافة إلى ذلك، كانت سويسرا قد أعدت العدة في حال محاولة اجتياح أرضها، حيث كان الجيش مهيأ لتحويل أراضيه الجبلية إلى حصون طبيعية لا يمكن اختراقها.
استمرار هذا النظام العسكري في سويسرا حتى اليوم يعتبر أحد أسباب قوتها في الحفاظ على حيادها، فهو يضمن للأمة أن بإمكانها الدفاع عن نفسها في حال حدوث أي تهديد عسكري. وتجدر الإشارة إلى أن هذه السياسة ليست مقتصرة على الجيش فقط، بل تشمل أيضًا تعزيز الدبلوماسية والتعاون الدولي في الحفاظ على الأمن والسلام.