الدحيح

الدحيح - نابليون في الحملة الفرنسية علي مصر


Listen Later

في عام 1798، وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر تحت مبررات متعددة، بعضها عسكري لاستهداف النفوذ البريطاني في الشرق، وبعضها حضاري يتمثل في مزاعم نقل العلم والتقدم. هذه الحملة لم تكن مجرد تحرك عسكري، بل جاءت مدججة بعلماء ومهندسين وفنانين، مما جعلها تبدو وكأنها محاولة لدمج مصر في مسار التحديث الأوروبي. لكنها في جوهرها كانت استعمارية، تسعى للسيطرة على الموارد والموقع الاستراتيجي لمصر. مع ذلك، رافقت هذه الحملة أعمال علمية ضخمة، مثل فك رموز الحضارة المصرية القديمة، التي تُوجت لاحقًا بفك رموز حجر رشيد على يد شامبليون، مما كشف العالم الغربي على أسرار حضارة ضاربة في القدم كانت مجهولة لديهم حتى ذلك الوقت.

لكن فكرة أن الحملة الفرنسية كانت بداية النهضة في مصر تحتاج إلى تمحيص. الحضارة المصرية كانت عريقة قبل وصول الحملة، وشهدت في عصورها الإسلامية ازدهارًا في العلوم والفنون والمعمار، وبرز علماء مثل ابن الهيثم والبطروجي وغيرهم. ما حدث خلال الفترة التي سبقت الحملة كان تدهورًا نسبيًا مرتبطًا بضعف الدولة العثمانية وتراجع دورها العلمي. الحملة الفرنسية جاءت في وقت كانت أوروبا نفسها خارجة من عصور الظلام وتسعى لتوسيع نفوذها على حساب الحضارات الأخرى. وبالتالي، كان الهدف الحقيقي للحملة هو الاستغلال أكثر من كونه نشرًا للعلم.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن تجاهل التأثيرات التي خلفتها الحملة. دخول المطبعة إلى مصر وتأسيس "المجمع العلمي المصري" أديا إلى نشر الأفكار الحديثة بطرق غير مسبوقة، وإن كان ذلك تم لخدمة أهداف الفرنسيين أكثر من المصريين. خروج الفرنسيين بعد ثلاث سنوات من المقاومة المصرية، سواء الشعبية أو العسكرية، لم يكن نهاية القصة. ما زرعته الحملة من بذور معرفية استفادت منه الأجيال اللاحقة، خاصة مع بدايات حكم محمد علي باشا الذي استغل بعض الأفكار الغربية لتأسيس دولة حديثة. لكن هذه التأثيرات لا تعني أن الحملة كانت المخلص أو الشرارة الوحيدة التي أطلقت النهضة.

الخطاب الذي يروج لفكرة أن الحملة أخرجت مصر من الظلام إلى النور يهمش جهود المصريين أنفسهم قبل وبعد هذه الفترة. المصريون لم يكونوا مجرد متلقين للمعرفة الغربية، بل كانوا شركاء في إنتاجها على مدى التاريخ. فكرة النور الأوروبي والظلام الشرقي تعكس استشراقًا متحيزًا يهدف إلى تمجيد الاستعمار وتبريره. النهضة التي شهدتها مصر في القرن التاسع عشر لم تكن نتيجة مباشرة للحملة الفرنسية، بل كانت نتيجة جهود مصرية وعربية واسعة، تضمنت الإصلاح التعليمي وبعثات محمد علي إلى أوروبا والاستفادة من الأفكار الحديثة بما يخدم السياق المحلي.

الحملة الفرنسية كانت لحظة صدام بين حضارتين أكثر من كونها لحظة تحول. التأثيرات العلمية والثقافية التي خلفتها لا يمكن إنكارها، لكنها لم تكن بداية الحضارة في مصر. بل إن مقاومة المصريين لهذه الحملة ورفضهم التبعية الثقافية والسياسية دليل على أن الشعوب التي لديها جذور حضارية عميقة لا يمكن أن تُختزل نهضتها في حدث واحد أو مستعمر أجنبي. الحديث عن الحملة كتاريخ معزول يتجاهل التعقيدات الأوسع لتاريخ مصر وتفاعلاتها مع العالم من حولها، ويقلل من شأن صمود شعبها وإرثه الحضاري الذي ظل حيًا حتى في أوقات الانحسار.
...more
View all episodesView all episodes
Download on the App Store

الدحيحBy Daheeh