صعود اليمين في أوروبا وأمريكا هو ظاهرة سياسية وثقافية تعكس التحولات الجذرية في السياسات والمجتمعات على مدار العقود الأخيرة. تعود جذور هذا الصعود إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية التي شكلت الواقع المعاصر في العديد من الدول الغربية. في أوروبا، شهدت عدة دول في الآونة الأخيرة زيادة في دعم الأحزاب والحركات السياسية التي تتبنى خطابات قومية، معادية للهجرة، وأحيانًا متشددة في مواقفها تجاه قضايا مثل الهوية الوطنية والتكامل الأوروبي.
التغيرات الاقتصادية كانت من أبرز الأسباب التي ساعدت في هذا الصعود، حيث شهدت العديد من الدول الأوروبية تراجعًا في النمو الاقتصادي، زيادة في البطالة، وفوارق اجتماعية متزايدة. هذه الظروف تسببت في حالة من الإحباط لدى فئات كبيرة من المواطنين الذين شعروا بأنهم مغيبون عن الفوائد التي حققتها العولمة. الأحزاب اليمينية، التي ظهرت كرد فعل على هذه الظروف، وعدت بالعودة إلى السياسات الوطنية وحماية مصالح المواطن المحلي من تهديدات الهجرة والتعددية الثقافية.
على مستوى الولايات المتحدة، يمكن تفسير صعود اليمين بجزء من الانتفاضات الشعبية ضد المؤسسة السياسية القائمة، وهو ما تجسد في انتخاب دونالد ترامب رئيسًا في 2016. ترامب، الذي رفع شعار "أمريكا أولاً"، اعتمد على سياسة معادية للهجرة، ودعوة للانسحاب من الاتفاقات الدولية التي اعتبرها تضر بالاقتصاد الأمريكي. وترافق ذلك مع زيادة في دعم بعض المجموعات القومية البيضاء التي شعرت بأنها مهددة من تنامي التنوع العرقي والثقافي في البلاد.
عوامل أخرى ساعدت في تنامي اليمين في الغرب تشمل استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية التي ساعدت في نشر خطاب الكراهية والتطرف بسهولة أكبر. الشبكات الاجتماعية أصبحت ساحة خصبة لانتشار الأفكار اليمينية المتطرفة، مما أثر على الرأي العام وعزز من قوة بعض الأحزاب اليمينية في انتخابات عدة.
على الرغم من أن صعود اليمين قد أظهر نجاحات انتخابية ملحوظة في العديد من البلدان، فإن هذه الظاهرة أثارت جدلاً واسعًا حول تأثيراتها على الديمقراطيات الغربية. من جهة، هناك من يرى أن هذه الحركات تعكس تراجعًا في قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بمواقفها المعادية للمهاجرين والأقليات. ومن جهة أخرى، هناك من يرى فيها تجسيدًا لصوت المواطنين العاديين الذين يشعرون بالتهميش ويريدون استعادة السيطرة على مصيرهم الوطني في عالم معولم سريع التغير.