حكايات من الكتب

قصة العرب في إسبانيا


Listen Later

من الصحراء إلى فردوس غرناطة في قديم الزمان، كانت شبه الجزيرة العربية واحة من العزلة، يسكنها قومٌ أعزّاء، مستقلون، لا تخضع عزيمتهم لأي فاتح جبار، حتى الإسكندر العظيم. لكن في مطلع القرن السابع الميلادي، بزغ فجر جديد مع ظهور رجل واحد، هو النبي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)، الذي أحدث تحولًا جذريًا في طبائع العرب وأخلاقهم، فحوّل قبائل متفرقة إلى أمة واحدة متماسكة، يملؤها الشوق لنشر دينها. لم يمض وقت طويل حتى اجتاحت جيوشهم بلاد فارس ومصر وشمال إفريقيا، ووصل أذانهم إلى ما وراء نهر جيحون في آسيا الوسطى. كانت إسبانيا في ذلك الوقت تحت حكم القوط الغربيين، قبيلة متوحشة اجتاحت ممالك الإمبراطورية الرومانية المتداعية. كانت إسبانيا القوطية غارقة في الترف والفساد، مجتمعًا منحلًا مقسمًا بين طبقة نبلاء أثرياء غارقة في اللذائذ، وعبيد بائسين، وطبقة وسطى منهكة بالضرائب، مما جعلها ضعيفة وعاجزة عن صد أي فاتح . في عام 710م، وصل الخطر العربي إلى حدود إسبانيا. حدث شقاق بين حاكم سبتة، يوليان، وملك القوط، لذريق، ففتح هذا الشقاق الباب واسعًا أمام العرب. أرسل القائد موسى بن نصير، والي إفريقية، قائده البربري طارق بن زياد في عام 711م على رأس جيش صغير من سبعة آلاف رجل، معظمهم من البربر. رست سفن طارق عند الصخرة التي حملت اسمه منذ ذلك الحين: جبل طارق. التقى جيش طارق بجيش لذريق الضخم، الذي كان يبلغ ستة أضعاف جيش طارق، بالقرب من وادي لكة. كانت معركة طاحنة، لكن عزيمة المسلمين، وثبات طارق الذي صاح في رجاله: "أيها الناس، البحر وراءكم والعدو أمامكم، فليس لكم والله إلا الصبر"، بالإضافة إلى خيانة بعض القادة القوط، حسمت المعركة لصالح العرب. سقط لذريق بشكل غامض، وبدأ الفتح الإسلامي. تابع طارق انتصاره بلا تردد، فقسم قوته إلى ثلاث فرق وأخضع مدينة بعد مدينة بمقاومة تكاد لا تذكر. ثم قدم موسى بن نصير نفسه عام 712م، وعبر المضيق بجيش قوامه ثمانية عشر ألفًا، وأخضع قرطبة وإشبيلية. ورغم الغيرة التي اعترت موسى تجاه طارق، فإن الخليفة الوليد في دمشق أعاد القيادة لطارق. استمر المد الإسلامي شمالاً إلى بلاد الغال (فرنسا حاليًا)، حتى وصلت الجيوش العربية إلى مدينة أربونة وقرخشونة. لكن هذا المد توقف عند أسوار مدينة طلوشة (تولوز) في عام 721م، ثم بشكل حاسم في معركة بلاط الشهداء (تور) في عام 732م على يد شارل مارتل. كانت هذه المعركة كارثة على العرب، لكنها ضمنت استقلال أوروبا الغربية. بعد موجة الفتح الأولى، استقرت الأندلس كولاية تابعة للدولة الأموية، ولكن سرعان ما أصبحت معقلًا للعلم والثقافة في العصور الوسطى، حيث كانت جامعاتها "صحائف من ذهب". كانت الأندلس تتمتع بنظام حكم عادل ومتسامح، بخلاف ما كان عليه القوط. سَعِدَ العبيد بدخول العرب، حيث أصبحوا أحرارًا، وحصل المسيحيون واليهود على معاملة أفضل بكثير مما كانوا يلقونه من القوط، حيث سُمح لهم بممارسة شعائرهم بحرية. لكن الأندلس لم تخلُ من الاضطرابات؛ فقد كانت القبائل العربية تتنافس وتتحاسد، مما أدى إلى فوضى مستمرة. في ظل هذه الظروف، وصل إلى الأندلس شاب أمويٌّ فذٌّ، هو عبد الرحمن الداخل، نجا بنفسه من مذبحة العباسيين لأسرته في الشام. وصل عبد الرحمن إلى إسبانيا عام 755م، واستقبله أنصاره بحماسة. كان شابًا طموحًا، قوي العزيمة، ذا رأي سديد، وشجاع. تمكن من إخضاع جميع العناصر المعادية في الأندلس، وأسس دولة أموية مستقلة في قرطبة، استمرت نحو ثلاثة قرون. كانت دولته رمزًا للقوة والنظام بعد فترة طويلة من الفوضى. شهدت الأندلس ذروة مجدها وقوتها في عهد عبد الرحمن الناصر، حفيد عبد الله، الذي تولى الحكم شابًا في سن الثانية والعشرين عام 912م. كان الناصر محبوبًا من الشعب، واتسم بالحزم والعدل. أخضع جميع العصاة في المملكة، وأعلن نفسه خليفة، متحديًا بذلك الخلافة العباسية في المشرق. شَنَّ الناصر حروبًا ضارية على ممالك الشمال المسيحية، ورغم بعض الهزائم مثل معركة الخندق (سيمانقاس) عام 939م، إلا أنه استعاد للأندلس مكانتها وقوتها. في عهده، بلغت قرطبة أوج ازدهارها وعظمتها، فكانت "جوهرة الأندلس"، بمساجدها الفخمة، وقصورها الفاخرة مثل مدينة الزهراء. توافد عليها الرسل من جميع أنحاء أوروبا وآسيا إجلالًا له. بعد الناصر، تولى الحكم ابنه الحكم المستنصر، الذي كان محبًا للعلم وجمع الكتب، فجمع مكتبة عظيمة. لكن في عهده، بدأت نساء القصر يفرضن نفوذهن على رجال الحكومة. وعندما توفي الحكم، كان ابنه هشام الثاني صغيرًا وضعيفًا. هنا بزغ نجم محمد بن أبي عامر، الذي عرف لاحقًا بـ "المنصور". كان المنصور عبقريًا، شجاعًا، وماهرًا في السياسة والحرب. ارتفع نفوذه تدريجيًا حتى أصبح الحاكم الفعلي للأندلس، جاعلًا الخليفة هشام مجرد رمز. شن المنصور أكثر من خمسين غزوة مظفرة على ممالك الشمال المسيحية، ودمر مدنًا وقلاعًا، حتى كنيسة سانتياغو دي كومبوستيلا. كان يوطد حكمه بالقوة، ولا يتردد في استخدام أساليب قاسية ضد معارضيه. مات المنصور عام 1002م. كان موت المنصور إيذانًا بفترة جديدة من الفوضى والاضطراب. انقسمت الأندلس إلى ممالك صغيرة متناحرة عرفت باسم "ملوك الطوائف". أضعف هذا الانقسام الأندلسيين وجعلهم فريسة سهلة للممالك المسيحية المتنامية في الشمال، وعلى رأسها مملكة قشتالة تحت قيادة ألفونسو السادس. لجأ ملوك الطوائف إلى طلب النجدة من المرابطين، قوة بربرية متعصبة من شمال إفريقيا. وصل القائد المرابطي يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، وهزم ألفونسو السادس هزيمة ساحقة في معركة الزلاقة عام 1086م. لكن المرابطين، بعد أن وحدوا الأندلس تحت حكمهم، سرعان ما تحولوا ضد ملوك الطوائف وقضوا عليهم، وأصبحت الأندلس تابعة لدولتهم. ضعفت دولة المرابطين بدورها، وظهرت سلالة جديدة في إفريقيا هي الموحدون، الذين اجتاحوا الأندلس بعدهم. ورغم بعض الانتصارات، إلا أن الموحدين هُزموا هزيمة قاسية في معركة العقاب عام 1212م، مما أدى إلى انهيار حكمهم في الأندلس. انحصر الحكم الإسلامي بعدها في مملكة غرناطة، آخر معاقل المسلمين في إسبانيا، والتي أسسها محمد بن يوسف بن نصر (الأحمر) عام 1238م. كانت غرناطة، وخصوصًا قصر الحمراء، آية في الجمال والفن المعماري، لؤلؤة متألقة وسط جبال نيفادا. لكنها كانت محاطة بالأعداء من كل جانب. عانت غرناطة من صراعات داخلية مريرة، خاصة بين أفراد الأسرة الحاكمة. كان أبو عبد الله محمد الثاني عشر، المعروف بالزغبي والشقي، آخر ملوك بني الأحمر. كان ضعيف الرأي، كثير التردد، ودائمًا ما كان يندب سوء طالعه. بينما كان عمه الزغل قائداً شجاعاً وحازماً. استفاد الملكان الكاثوليكيان فرديناند وإيزابيلا من هذا الصراع الداخلي. سقطت المدن والقلاع الواحدة تلو الأخرى في أيدي المسيحيين. وبعد حصار طويل ومرير، اضطر أبو عبد الله، في ظل المجاعة واليأس الذي أصاب سكان غرناطة، إلى توقيع معاهدة التسليم. في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1491م، تم تسليم غرناطة للملكين الكاثوليكيين. ودخل الجيش المسيحي المدينة في الثاني من يناير عام 1492م، ورفع الصليب فوق قمم الحمراء، بينما بكى أبو عبد الله وهو يودع مدينته التي فقدها. لم تكن دموع أبي عبد الله آخر الأحزان. فرغم الوعود الأولية بحرية العبادة للمسلمين، إلا أن الإسبان نكثوا عهودهم بسرعة. قاد الكاردينال خيمينيس حملة لإجبار المسلمين على التنصر. تم حرق الكتب العربية الثمينة، وأُجبر المسلمون على التخلي عن لغتهم وعاداتهم وأسمائهم، أو النفي. اندلعت ثورات عنيفة، خاصة في جبال البشرات، لكنها قُمعت بوحشية . انتهى الأمر بنفي ما يقرب من نصف مليون مسلم من إسبانيا عام 1610م. وهكذا، سقط فردوس الأندلس، وغابت شمس حضارة أضاءت أوروبا لقرون طويلة. فقدت إسبانيا مصدر نورها وعلومها وفنونها، لتتعثر في الظلام. ولكن آثار عظمة العرب وفضلهم لا تزال ماثلة في الأراضي المزدهرة التي كانت قاحلة، وفي الأنهار التي تجري تحتها الحدائق، وفي ذكرى المدن التي كانت مهدًا للعلم والعلماء.
...more
View all episodesView all episodes
Download on the App Store

حكايات من الكتبBy حكايات من الكتب