سيف الله حسين الرواشدة

مئوية الجدار الحديدي، أملنا وأمنهم.


Listen Later

نشر "جابوتنسكي" في صحيفة" راسزبايت" الروسية في العام ١٩٢٣ مقالة بعنوان الجدار الحديدي، لخص الرجل فيها عقيدة الدولة العبرية ورواسخ ايدولوجيتها، كما أضاء بشكل لافت على طريقة التفكير الصهيونية بصوت صريح، اذ بدأ مقاله بالاعتراف بشكل سافر بمشروع الصهيونية الاستعماري في فلسطين -مع محاولته إضفاء بعد أخلاقي له في مقالة منفصلة- تحت عباءة العدل الواقعي والعنيف، وبحجة أحقية من لا يملك شيئا بالمطالبة بالفائض مما يملكه الاخرون.
انطلق جابوتنسكي، وهو الاب الروحي لليمين الإسرائيلي الممتد من "بيغين" الى "نتنياهو" -الذي كان يعمل والده سكرتيرا للرجل في نيويورك- وعبر قيادات الليكود المختلفة، من نقطة واضحة جدًا، وهي: أن لا شعب تحت السماء مهما بلغ به التخلف والرجعية ومهما طال الفساد قياداته ونخبه، سيقبل بقوة اجنبية تستعمر أرضه، مادام يملك بصيصا من الامل في الانفلات والتحرر، مهما كانت الحوافز والمغريات الاقتصادية ولاجتماعية كبيرة، فلا يوجد عاقل قد يبدل بيته ومقابر عائلته بخدمات نقل ممتاز وفرص عمل جيدة، ولا يوجد شعب يرضى بجار مستعمر مهما كان طيبا.
ويكمل في مقالته تحديد أهداف المشروع الصهيوني بإنشاء دولة استعمارية، يهودية القومية والأكثرية، لا يسمح للعرب أو غيرهم فيها الا أن يكونوا أقلية، حتى يتمكنوا من ممارسة الديموقراطية على الطريقة الصهيونية فقط، ولذلك فما يمكن تقديمه من تنازلات في أي مفاوضات هو محدود جدًا إذا اردت تحصيل هذا الهدف.
يرسم الرجل معالم الطريق لإسرائيل لتفرض وجودها واندماجها في المنطقة بحكم فرض الواقع تحت خطة الجدار الحديدي، وهي تتمحور حول إيجاد قوة غاشمة (عسكرية واقتصادية) صهيونية ذاتية أو عبر تحالفات مع القوى العظمى، لا يستطيع العرب (الفلسطينيون أو غيرهم) التغلب عليها مهما طال بهم أمد المحاولة، كمن يقرع رأسه بجدار حديدي، وهذا يزرع في أفكار الجميع فكرة استقلالية وجود الدولة العبرية عن قبول المحيط بها، فهي أمر واقع ملموس، رفضك لها لا يضيرها وكذلك قبولك بها لا يعززها، إضافة للعمل الدائم للحفاظ على تخلف العرب ورجعيتهم.
وفي اللحظة التي يفقد فها العرب الامل بالتحرير فلسطين، وتتخلى الحواضن الاجتماعية عن المقاومين والنخب الرافضة للمشروع الصهيوني، لتستبدلهم بنخب أكثر عقلانية – على حد وصف الرجل- سيكون وقت المفاوضات قد جاء، تلك التي تضمن لإسرائيل (الأرض، والأكثرية، ويهودية الدولة) إضافة للاندماج بالمنطقة، ومن هذه النقطة تحديدا يهاجم الرجل وأتباعه اليسار الإسرائيلي ومشاريع السلام والعيش المشترك – السابق لأوانها حسب اعتقادهم- متهمين اياهم بالغباء والسذاجة السياسية حينا والخيانة حينا آخر.
الجدار الحديدي يلخص عقيدة إسرائيل (الأمنية والسياسية) ويتفق عليه طيف واسع منهم من اليمين الى اليسار، فلن تجد من يرفض قصف غزة وهدم مئات البيوت للرد على بضع صواريخ بدائية، أو هدم وتخريب مخيمات وقرى الضفة الغربية وقتل العشرات واعتقال المئات للرد على بعض الرصاص والعمليات الفردية، لأنهم بكل بساطة يريدون قتل الامل وليس الرد على الفعل المقاوم فقط.
هذه الاطلالة على العقل الصهيوني تخبرنا: أن إسرائيل مستعمرة لا تفهم الا منطق القوة ولن تستريح مادمنا نملك أملا بغد أفضل.
...more
View all episodesView all episodes
Download on the App Store

سيف الله حسين الرواشدةBy سيف الله