مرحبًا بكممن جديد في السينما التي تسكننا.في الحلقةالسابقة، تحدثنا عن التأثير النفسي والبصري للأفلام والمسلسلات، وكيف تتسلل إلىأعماقنا. أما اليوم، فنفتح بابًا آخر: كيف تشكّل الشاشة هويتنا؟ كيف تساهم في بناءقيمنا، معتقداتنا، وحتى نظرتنا لأنفسنا والآخرين؟
منذ الطفولة،نبدأ في تكوين صورة عن العالم من خلال ما نراه على الشاشة. نرى الأبطال، نرىالأشرار، نرى الحب، نرى الخوف، ونبدأ في رسم خريطة داخلية لما هو"طبيعي" أو "مقبول". لكن السؤال هو: من يقرر هذه الصورة؟ ومنيُمثَّل فيها؟ ومن يُستبعَد؟
في دراسةأجرتها USCAnnenberg Inclusion Initiative، تبيّن أن 70% من الشخصيات الرئيسية فيأفلام هوليوود هم من الذكور البيض، بينما تمثيل النساء والأقليات لا يزال محدودًا رابط الدراسة. هذا يعني أنملايين المشاهدين حول العالم يرون أنفسهم أقل حضورًا، أقل أهمية، وربما أقل قيمة.
خذ مثلًاشخصية المرأة في المسلسلات العربية القديمة: إما ضحية، أو خائنة، أو أم مثالية.نادرًا ما نراها كقائدة، مفكرة، أو حتى شخصية معقدة. لكن مع تطور الإنتاج، بدأتتظهر نماذج جديدة مثل شخصية "نيللي كريم" في سجن النسا، أو"هند صبري" في عايزة أتجوز، حيث نرى المرأة في صراعات واقعية،إنسانية، بعيدة عن التنميط.
أما فيالغرب، فمسلسل مثل The Handmaid’s Tale لا يعرض فقط قصة خيالية، بل يطرح أسئلة وجودية حولالحرية، الجسد، والسلطة. هذا النوع من الأعمال لا يكتفي بالتمثيل، بل يغيّر طريقةتفكيرنا، ويحفّزنا على إعادة النظر في مفاهيم مثل "الطاعة"و"الهوية".
لكن التأثيرلا يقتصر على القضايا الكبرى. حتى التفاصيل الصغيرة، مثل طريقة اللباس، طريقةالكلام، أو حتى شكل العلاقات، تتأثر بما نراه. في دراسة من Psychology of Popular Media Culture، وُجد أنالمراهقين الذين يشاهدون مسلسلات رومانسية بشكل مكثف، يطوّرون توقعات غير واقعيةعن الحب، مثل فكرة "الشريك المثالي" أو "العلاقة الخالية منالمشاكل"رابطالدراسة.
وهنا يأتيدور التمثيل الواقعي. عندما نرى شخصيات تشبهنا، تتحدث مثلنا، تعاني مثلنا، نشعربأننا لسنا وحدنا. هذا ما فعله مسلسل Sex Education، حيث عرض شخصيات من خلفيات متنوعة، بأفكارمختلفة، وبتحديات حقيقية. النتيجة؟ ملايين المشاهدين شعروا بأنهم"مرئيون"، بأن قصتهم تستحق أن تُروى.
لكن ماذا عنالجانب السلبي؟ عندما يُقدَّم الفقر كفشل، أو يُصوَّر أصحاب البشرة الداكنة كخطر،أو تُختزل الهوية في لهجة أو لباس، فإن الشاشة تصبح أداة للتمييز بدلًا منالتنوير. وهذا ما يجعلنا نطرح سؤالًا مهمًا: هل نحن نستهلك القصص، أم القصصتستهلكنا؟
في مسلسل La Casa de Papel، نرى مجموعةمن المتمردين يواجهون النظام. لكن خلف الأقنعة الحمراء، هناك رمزية أعمق: رفضالصورة النمطية، وخلق هوية جماعية جديدة. هذا النوع من الأعمال لا يكتفي بالإثارة،بل يزرع فكرة: أن الهوية يمكن أن تُعاد صياغتها، أن التغيير ممكن.
حتى فيالسينما الجزائرية، نجد أعمالًا مثل الطاحونة أو كرنفال في دشرة،التي لم تكن مجرد سرد، بل مقاومة ثقافية. الشاشة هنا تصبح ساحة معركة، بين مايُراد لنا أن نكون، وما نريد أن نكونه.
في النهاية،الشاشة لا تعكس فقط، بل تُشكّل. هي مرآة، لكنها أيضًا فرشاة ترسم ملامحنا. فلنكنواعين لما نراه، ولنطالب بتمثيل أوسع، أعمق، وأكثر صدقًا. لأن الهوية ليست ثابتة،بل تُبنى… مشهدًا بعد مشهد.
في الحلقةالقادمة من السينما التي تسكننا، سنتحدث عن العلاقات العاطفية كما تصورهاالشاشة: هل تخلق لنا حبًا مثاليًا؟ أم تزرع خيبة يصعب تجاوزها؟ فابقوا معنا.