إنّ استدعاء مفهوم الذات إلى دائرة التحليل العلمي والنظر الفلسفي لم يَعُد ترفًا فكريًا، بل غدا ضرورةً تُمليها تحوّلات العالم المعاصر، ولا سيما إذا ما نُظر إليه من زاوية الأخلاق. فهذه التحوّلات تضعنا أمام سؤالٍ أخلاقيٍّ مركزي: كيف ينبغي أن نحيا في زمنٍ تآكلت فيه ثوابت القيم والمعايير، وتراجعت مرجعيات المعنى، مُفرِزًا واقعًا متحوّلًا على المستويات الثقافية والنفسية والتقنية والمناخية؟
في هذا السياق، تغدو الذات مُهدَّدة بأشكالٍ متعدّدة من التفكّك، أو التهجين، أو الارتداد إلى نقيضها. ومن ثمّ يبرز سؤال الذات الإسلامية بوصفه سؤالًا حديثَ النشأة، لم تعرفه الفلسفات الكلاسيكية إلا في حدود تصوّرٍ عقلانيٍّ للذات الفردية، كما تبلور مع الكوجيطو الديكارتي، ثم في امتداداته الكانطية، وما تلاها من صيغٍ فلسفية لاحقة. لكنه من جهة أخرى يعدّ سؤال الذات من الأسئلة القديمة أيضًا؛ لأن «مدار الفلسفة برمتها تقريبًا هو معرفة مكانة الذات البشرية في الكون ومعناها»[1]، من ثم فإن سؤال الذات هو سؤال المعنى في محايثته للوجود.
كثيرًا ما يُعبَّر عن القلق إزاء ما يُوصَف بـ«الانحلال الأخلاقي»، حتى ليُوحي تكرار هذه الشكاوى بأن الذات، بمعناها الأخلاقي، قد انصهرت أو اقتُلِعت من جذورها اقتلاعًا كليًا، وأنها أضحت في كثير من التجارب المعاصرة تُعامَل بوصفها آلةً بلا ضمير، ولا وعي، ولا عاطفة. ولا ريب أنّ هذا التصوّر يُعَدّ من أقوى الأسباب المؤدية إلى الخراب الروحي للإنسانية.
غير أنّ السؤال يكتسب أفقًا أوسع إذا ما رُبِط بين الذات والتقنيات المعاصرة؛ إذ لم تُنتج وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد سهولةٍ في «التعارف» وتقريب المسافات، بل أفضت إلى تحوّل جذري في علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين على السواء. ومن شأن هذا التحوّل أن يُخلِّف آثارًا عميقة في بنية الروابط الاجتماعية والنفسية والثقافية، سواء داخل المجتمع الواحد أو في علاقات المجتمعات بعضها ببعض. إنّه تحوّل يمكن وصفه دون مبالغة بأنّه ثورة مزدوجة الوجه: وجهٌ أول يتعلّق بكيفية نظر الـ«أنا» إلى ذاتها، ووجهٌ ثانٍ يخصّ نظرتها إلى الآخر، بحكم انخراطها في أفق إنسانيٍّ مشترك. والمفارقة تكمن في أنّ هذه الصلة بين الذات والتقنيات المعاصرة تظلّ مفتوحة على نتائج لا يمكن التنبؤ بها على نحوٍ قطعي. وما يعنينا في هذا السياق هو التفكير في جملة من الأسئلة المركزية، في مقدّمتها: ما دلالات الذات الإسلامية، وما التصوّرات التي تُشكّل بها وعيها بذاتها، وبالآخر، وبالوجود، حينما تميل إلى إقصاء غيرها من الأفق الإنساني المشترك؟ وكيف تحضر هذه الذات في صيرورات التقدّم التي حقّقتها الإنسانية في مجال التقنيات المعاصرة، ولا سيما في ميادين الإعلام والتواصل؟
ذلك أنّ الذات الإسلامية، من حيث الواقع، تستفيد من منجزات هذا التقدّم التقني، غير أنّ بعض تمثّلاتها المعاصرة -لدى أفراد معزولين أو جماعات إقصائية ذات وعي تسلّطي-لا تعترف بشرعية هذا الوجود الإنساني التعدّدي، ولا بشروطه المعرفية والأخلاقية التي أفرزت تلك المنجزات.
الذات بين الماهية واللاوعي
الملاحظة التي تستوقفنا هنا: أن مفهوم الذات في تاريخ الفكر الإنساني يختلف اليوم إلى حدّ التضاد؛ فمن الذات المفكرة، السياسية، الاجتماعية التي وقف عندها فلاسفة اليونان، مرورًا بفلاسفة العصرين الوسيط والحديث، إلى الذات التي يتحكم فيها اللاوعي أو اللاشعور أو الخلايا العصبية، أو الذات المتفاعلة مع الرقميات، أي الذات التي تصنع وعيها اللوَّحات الرقمية، كما هو حال الذات في الفلسفات المعاصرة، خاصة منها النفسية والعصبية. أما بيان ذلك فيمكن ذكره على الشكل الآتي:
إذا عدنا إلى الفيلسوف اليوناني سقراط مثلا سنجده يؤكد أن ما يجعل الذات كذلك هو بحثها عن العلل الأولى للوجود والقيم والمعرفة، وعليه فإن تحققها رهين بوعيها؛ فهكذا كان سقراط يوقظ الشك في كل من يلقاهُ، متوجهًا إلى سبر رُوح التفلسف في من يستطيع أن يفكر. كان سقراط يسأل بهدوء: ما هي العدالة؟ وما هي الحياة؟ وما معنى الموت؟ وماذا تعني كلمة الشرف، والفضيلة، والأخلاق، والوطنية؟ لقد أحب سقراط كما يقول ويل ديورانت أن تحيط الذات نفسها بالبحث والسؤال، قصد وضع تحديدات محكمة، صُلبة، صحيحة وغير فاسدة، واضحة لا لبس فيها، مستدلّا عليها استدلالا صحيحًا، بعيدة كل البعد عن المغالطات أو الاستدلالات الزائفة. لذلك أزعج كل ذات خاملة، واعترض « البعض على طريقته هذه، وقالوا له أنه يسأل أكثر مما يجيب، ويترك عقول الرجال أكثر اضطرابًا مما كانت عليه قبل المحاورة والنقاش أو الحديث»[2]. أما تلميذه أفلاطون فلا غرو أن تصوره للذات لم يذهب بعيدًا عن تصور معلّمه سقراط؛ إذ عدّ الذات بحث في الجواهر، أي القيم العليا، والفضائل السامية، وهكذا لم يذهب أفلاطون بعيدًا عن الحكمة البديعة لمعلّمه “اعرف نفسك بنفسك “.
أما أرسطو فقد جمع في تصوره للذات بين الحس والمعنى، أي بين الجسد والعقل، فمن جهة هي تأمل وإدراك لعالمنا المحيط بنا، ومن جهة أخرى هي تأمل لجواهر العالم وأسبابه الأولى. وطبيعي أن تتوجه الذات إلى طرح مثل هذه التصورات عن نفسها لأن ما كان يشغل الفكر اليوناني على الأقل منذ طاليس هو الإجابة عن السؤال الأقدم: ما هو أصل الكون؟ أما جماعة السفسطائيين، بوصفهم معلمي الحكمة المتجولين، ولا سيما جورجياس وهيبياس، فقد وجّهوا اهتمامهم إلى الذات، من خلال مساءلة طبيعتها، وأفكارها، ومقاييسها في معرفة الأشياء؛ أي إنهم انصرفوا، في البدء والمنتهى، إلى جعل الذات محور التفكير، بدل توجيه النظر إلى عالم الأشياء في ذاته جملةً وتفصيلًا.
من ثمة يمكن عدّ الذات في التصور اليوناني القديم نتيجة ثقافة تُصارع نفسها بين اللوغوس والميثوس؛ فمن التصور السحري الأسطوري للكون الذي يرى بأن أصله ماء أو الإله أوقيانوس ( في الميثولوجيا الإغريقية) أو النار أو التراب أو اللامتناهي، إلى التصور الذي يؤسس الذات على عناصرها الواعية، المُحددة أساسًا في الوعي بأسباب الوجود المادية، والتأمل في قيم الإنسان، حتى قيل إن مع سقراط أنزل التفكير الفلسفي من السماء إلى الأرض، بعدما كان مخلوطًا بالأسطورة. وسيتضح ذلك خاصة في الأورغانون أو كتاب المنطق الأرسطي الذي وضع فيه مبادئ وقواعد وأسس التَّفكير العقلاني! وكأن هؤلاء الثلاثة، سقراط، أفلاطون، أرسطو، يشيرون إلى أنّ هناك فلسفة أحق بأن يهتم بها لنكون ذواتنا، أجدر من دراسة جميع الأشجار والحجارة التي تملأ الطبيعة، وحتى أهم من جميع هذه النجوم والكواكب، وهي عقل الإنسان. إنها فلسفة تهتم بــ«ما هو الإنسان؟ وإلى أي شيء سيتحول في المستقبل ؟»، الشيء الذي جعل الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو لا يتردد في تعريف الفلسفة على أنها «شكل الفكر الذي يتساءل حول ما يسمح للذات كي تبلغ الحقيقة، وحول ما يجعلها قادرة على معرفة الحقيقية. إنّ الفلسفة في نظر فوكو هي شكل من الفكر الذي يحاول أن يحدد شروط وحدود بلوغ الحقيقة من قبل الذات»[3] مقدما في ذلك مثال سقراط كأنموذج الاهتمام بالذات، وعدَّ هذا الاهتمام حكمة للحياة الفلسفية والأخلاقية القديمة.
أما رينه ديكارت فإنّ الذات ستنتقل من جوهريتها وماهيتها إلى «الأنا أفكر» وعندما نسأل عن طبيعة التفكير، فإن ديكارت يحدده في خصائص معلومة، وهي: الشك، التخيل، النقد، المراجعة، الإحصاء، النفي، الإرادة، الإحساس … إلخ. والتفكير نفسه رهين بالوجود، فما دمت أفكر فلا بدّ وأنني موجود، ومتى انقطعت عن الوجود انقطعت عن التفكير قطعًا، هذا ما يلخصه كوجيطو ديكارت «أنا أفكر إذن أنا موجود»؛ يتعلق الأمر هنا كما يقول ميشال فوكو بالتأكيد على المسافة الشاسعة التي تفصل وتضم في الوقت ذاته، الفكر الماثل لذاته وما فيه يضرب بجذوره في ما لم يفكر فيه (…) فما أن ظهر أن «الأنا أفكر» غارق في سمك كثيف يكادُ لا يمثل فيه، حتى لم يعد من الممكن أن نلحقه بعبارة «أنا موجود»[4]؛ قد يفهم من هذا الكلام طريقة في اختفاء الذات في الأنا، واختفاء هذا الأخير في التفكير، من ثمة لم تعد لنا فرصة في الوصول إلى النصف الثاني من الكوجيطو، أو استنتاج «أنا موجود». وفي سياق مضاد يقول جاك لاكان «أفكر حيث لا أوجد، وأوجد حيث لا أفكر. أنا لا أوجد حيث أكون لعبة تفكيري، وإنما أوجد حيث أكون لعبة في يد لا شعوري»[5]؛ اللاشعور هو المحدد الرئيس لوجود الأنا، هكذا يصير من الصعب علينا تصور المكان الذي يوجد فيه الأنا داخل منطقة اللاشعور، لأنها منطقة لا واعية، منطقة الضلال والأشباح والأوهام والخيالات .. والأرشيف السّريّ. فهل مع هذا النقد يمكنُ للذات أن تكون سيدة قرارها؟
ما سيفعله الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط لمفهوم الذات هو رفعها إلى المستوى المتعالي، الترنسندنتالي، حتى تصير متميزة عن باقي الموجودات الأخرى، وبالتالي سيفرغ تصور ديكارت للذات من كل محتوى عندما ينظر إليها بوصفها اللاموضوع غير القابل للدراسة أو الرؤية الواضحة والمتميزة. إنها «لن تعود موجودًا بين الموجودات: إنها غائبة في مستوى المعرفة رغم أنها تؤسسها، لكنها مستحيلة في مستوى الأخلاق ما دامت نفيًا لكل معطى»[6] . لكن ما سيحدث مع الكانطيين الجدد باعتناقهم لنزعة إنسانية بتقويمهم الأخلاقي للذات؛ فالحياة قائمة على الشخص الأخلاقي القادر على أن يكون مصدر أفعاله وأعماله. هنا نلحظ الصلة المباشرة بين الأخلاق والحرية، من ثمة يكون ما يؤسس الذات هو الحرية في الفعل الأخلاقي. وهنا نطرح السؤال الآتي: أية حرية نرجوها بين المجتمعات حتى تصير الذات متنبهة لأفعالها الأخلاقية؟
الذات والروح الجماعية المحافظة
انصهار الذات وأخلاقياتها الموضوعية لا يمكنُ أن يتحقق إلاّ بضمور الذات الجماعية، بمعنى دمار الروح الأخلاقية المشتركة والجماعية. لكن أدورنو يرفض أن نعلن الحداد على الأفكار الأخلاقية وبالتالي الذات المتخلقة؛ «لأن الروح الجماعية محافظة على الدوام، فهي تفترض وحدة زائفة تسعة إلى قمع الصعوبات والتحديات القادمة من الروح المعاصرة. ولا يعني ذلك أن الوحدة كانت موجودة من قبل ثم تعرضت إلى التفكيك، بل تعني أنها وحدة مثالية حسب، نزعة وطنية لم تعد لها مصداقية، ولا ينبغي أن تكون لها. لذلك يحذر أدورنو من الاستعانة بالأخلاق وسيلة لنوع من القمع والعنف»[7] إن ما يدفع الذات إلى الحياة ضمن الأخلاق المحافظة حتى بعد أن يكف الواقع عن قَبولها، هو القمع؛ فلا يخلو وعيّ معنّف من قيم وعادات تقليدية متمسك بها، أو بتعيبر جوديث بيتلر «إنّ العنف والشر هما ما يزجّ بهذه العادات في صراع مع الخلق، لا انحلال الخلق الذي يَأسى عليه منظرو الانحطاط»[8]، وعندما تثار الأسئلة الأخلاقية فهذا دليل على أن الروح الجماعية حيّة، لكنها ضعيفة، فتريد من أسئلتها تأكيد غلبتها، أو قل: إنّ أفول الأخلاق شرط وجود الروح الجماعية ! لها إرادة واحدة في تأكيد نفسها في الحاضر.
لكن المفارقة أنّ التقنيات التواصلية الرقمية المعاصرة رسمت حياة أخرى اجتماعية على نقيض الحياة الاجتماعية التقليدية، والتي كانت لها ثقافتها الخاصة وقيمها، بل وعاطفتها الخاصة بها إذا نظرنا إليها من جهة الجماعة نفسها؛ فالأونلاين Online العابر للقارات والهويات، بله المجتمعات، هو مسلك الانتماء إلى الشبكات الاجتماعية، وفي مثل هذه اللحظات: كيف يمكنُ النظر إلى روح الجماعة كما وصفها أدورنو؟ وهل يمكنُ لروح الجماعة الشبكية أن تقدم طريقة للحياة واضحة تستوعب كلّ الذوات؟ إذا كان الأمر ممكنا: كيف نفسر الهوس بالفضيحة ومشاركتها Partage والتفنن في صناعة الخدع الاعلانية وغيرها من المشاهد العنيفة؟
إن المشكلة هنا لا تتصل بروح الجماعة، ولا بالجماعة نفسها، إنّ الأمر أعوص من ذلك؛ في عالم الأونلاين Online فإنّ الروح الأخلاقية تنعدم، فلكثرتها وأنانيتها وسطحية ثقافتها، تنصهر بين «الاتصال» و«إعادة الاتصال» وهو ما يعني أنّ الذات في المجتمع تفقد مكانتها مسبقًا قبل مشاركة الفضاء العنكبوتي الاجتماعي، وكل ذلك على حساب الخصوصية والحرية والسعادة؛ فعندما تختطف الأنا من محيطها ظنًا منها أنها متصلة به، فهذا هو الفخ الأكبر لكل استيلاب فوري محض. وقد يصبح لنا ضمير آخر نتيجة الانخراط الشبكي مثقل ب