سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح الخامس عشر | عدد الآيات: 21
يبدأ الإصحاح بأحد أقوى التصريحات الإلهية الصادمة في العهد القديم، رداً على شفاعة إرميا في الإصحاح السابق:
"وقال الرب لي: وإن وقف موسى وصموئيل أمامي لا تميل نفسي نحو هذا الشعب. اطرحهم من أمامي فيخرجوا!"
اختار الله موسى وصموئيل تحديداً لأنهما تاريخياً أعظم شَفيعين استطاعا صد غضب الله عن الشعب في أوقات التمرد الكبرى. لكن الرب يعلن هنا أن خطية يهوذا تخطت خطوط الشفاعة الحمراء بسبب ما صنعه ملكهم الشربر "منسى بن حزقيا" في أورشليم من رجاسات وسفك دماء.
يقسم الله العقاب إلى أربعة أنواع (العواقب الحتمية): السيف للقتل، الكلاب للسحب، طيور السماء ووحوش الأرض للأكل والهلاك. يصف إرميا بمرارة حال الأمهات اللواتي ثكلن أولادهن، حتى أن التي ولدت سبعة بنين غابت شمسها في نصف النهار من الخزي والحزن.
وسط هذا المناخ المأساوي، ينفجر إرميا بشكوى شخصية مريرة تفيض بالألم والوحدة، تشبه "أزمة منتصف الخدمة"، حيث يشعر أن الجميع يكرهونه رغم أمانته:
"ويل لي يا أمي لأنك ولدتني رجل خصام ورجل نزاع لكل الأرض! لم أقرض ولا أقرضني أحد، وكل واحد يلعنني!"
يتضرع إرميا إلى الله مذكراً إياه بأنه احتمل التعيير لأجله، وأنه عندما وجد كلام الله أكله فصار له بهجة وفرحاً لقلبه، وأنه لم يجلس في محفل المازحين بل جلس "وحده" بسبب يد الله التي ملأته غضباً. ووصل به الإحباط إلى حد التساؤل الصعب: "لماذا صار وجعي دائمًا وجرحي عديم الشفاء يأبى أن يُعصب؟ أَتكون لي مثل كاذب، مثل مياه غير دائمة؟" (أي كسراب يخدع المسافر في الصحراء).
هنا يتدخل الله بعلاج روحي حاسم، لا يطبطب فيه على مشاعر إرميا بل ينقّي دوافعه ويضع له "شروط الاستمرار" كخادم للحق:
"لذلك هكذا قال الرب: إن رجعت أُرجعك فتقف أمامي. وإذا أخرجت الثمين من الرذيل فمثل فمي تكون. هم يرجعون إليك وأنت لا ترجع إليهم."
ويختم الرب بتجديد الوعد الذي قطعه له في الإصحاح الأول: سأجعلك لهذا الشعب سور نحاس حصيناً، يحاربونك ولا يقدرون عليك لأني معك لأنقذك وأخلصك.
✳️ التأمل:يضعنا هذا الإصحاح أمام فكرة "خطورة المعصية التراكمية"؛ فاستحضار اسمي موسى وصموئيل يوضح أن هناك مرحلة من الإصرار على الشر تُبطل مفعول الصلاة والوساطة، ليس لأن الله قاسي، بل لأن الشعب يرفض تغيير قلبه. الصلاة ليست سحراً يغير مشيئة الله، بل وسيلة لتغيير قلب الإنسان، فإذا انعدمت الرغبة في التغيير، غدت الشفاعة بلا جدوى.
أما الأزمة النفسية لإرميا فتكشف عن الجانب الإنساني الضعيف في الأنبياء والخدام. إن شعوره بالوحدة ("جلست وحدي") ناتج عن كونه يحمل رسالة تخالف "الموجة العامة" للمجتمع. الصدق مع الله في التعبير عن الألم—حتى عندما شبه تعامل الله معه بالسراب ("مثل مياه غير دائمة")—يظهر عمق العلاقة وحريتها.
لكن الرد الإلهي هو الدستور الحقيقي لكل قائد ومصلح:
"إن رجعت أُرجعك": الأنبياء أيضاً يحتاجون أحياناً إلى التوبة والرجوع عن إحباطهم وشكوكهم.
"إذا أخرجت الثمين من الرذيل": تكمن عظمة الإنسان في قدرته على تمييز ما هو صالح وأبدي (كلام الله والنفوس التائبة) وسط ركام الفساد والشرور المحيطة به.
"هم يرجعون إليك وأنت لا ترجع إليهم": هذا هو قانون الثبات؛ على صاحب الحق أن يجذب الناس إلى المبادئ الإلهية العالية، لا أن يتنازل ويهبط إلى مستوى خطاياهم ومساوماتهم لإرضائهم.
بعد أن تحصن إرميا مجدداً كـ "سور نحاس"، يطلب الله منه في الإصحاح القادم التخلي عن حياته الاجتماعية والاجتماعية تماماً كرسالة صامتة.. هل ننتقل للإصحاح السادس عشر لنرى لماذا منعه الله من الزواج ودخول المآتم والأفراح؟