أهلًا
يظن غالبية الناس أن التشابه هو مكمن العلاقات الناجحة، وهو سرها، وهذه الفكرة انما هي فكرة حالمة لا واقعية، فالمرء يطمئن لتوازي الأشياء ويستريح لتناسقها ويشعر بالأمان لفكرة تكرار الأشياء الجيدة.. وهذا مناط الأمر لا أكثر ولا أقل.
…
والحقيقة أن التشابه نعمة محدودة، وأن الاختلاف هو النعمة الواسعة المأمولة.. تخيلوا معي أن تتشاركوا مع الآخر الحياة أو المشاريع أو المنزل وأنتم بذات الشخصيات، بذات الطباع وبذات الهوايات لا مدًّا ولا جزر، بل موجٌ ساكن يسير دفعة واحدة ويعود دفعة واحدة ..
…
إن التشابه فيما هو جيّد يخلق أمانًا من نوع معين، لكن الاختلاف يخلق الابداع والتنوع والتقدم، يخلق الحياة والألوان والعجلة التي تدور الحياة بها.. ولقد عاش الناس طويلًا على فكرة البحث عن شريك مشابه على سبيل المثال ، أما أنا وبعض الذين آمنو بنعمة الاختلاف مبكرًا لم نكن نسعى إلى ذلك، فقد كان اختلاف زوجي عني : تكملة لما كان ينقصني وعلى النقيض أيضًا وهذا ما آمنت به.
أما الوجه الآخر لهلع الاختلاف فيكمن في تنشئة الأبناء، ومايسكن الوالدين من قلق غير مبرر في أن يكون أبنائهم نسخًا لم يتعرفوا عليها يومًا، ولقد كان سعيهم منذ البدايات أن يُنشئوا طفلًا يحمل عقائدهم وايديولجياتهم، أفكارهم وأراءهم ، طريقة أكلهم وشربهم وهواياتهم .. ليخلقوا للعالم نسخًا أخرى عنهم، لاتعرف أوجهًا للابداع ولا مجالاتٍ للتنوير.
إن هلع الاختلاف ومنعه هو النار التي يتلظى بها الابداع، ويندثر بها العطاء، فلولا النقص ماوجد العطاء، ولولا البعد ماوجد القرب ، ولولا تضاد الأشياء لما كان للحياة معنى ولون..
..
وفي الأمثلة الدينية التي تحث على التنوع والاختلاف، كان من حكمة الله أن خلق وقال : "وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا". فلم يعجزه سبحانه أن يخلق الناس شعبًا واحداً وقبيلة واحدة، لكنه خلق التنوّع وحث على التعرف عليه لما في ذلك من فوائد اجتماعية وانسانية عظيمة.
..
إن التنوع مثارٌ للعقل، وفيه حث على السعي.. واختلاف الآخرين عنّا هو مايجعلنا نبحث ونشغف ونطمح ونتعلم، اذ أن الناس باختلافهم لابد وأن يكون فيهم مايستفز غرائزنا ومايدفعنا نحو طرق لم نكن لنندفع نحوها لولا نعمة وجودهم، وسواء استخدم المرء منّا اختلاف الآخر عنه سلبًا او ايجابًا لن ينكر يومًا أن الاختلاف دفع دماؤه للتحرك وخوض التجارب أو المعارك.
..
إن للاختلاف حاجة ولذّة، ولولا ذلك ماكان للكمادة الباردة على جبهة المريض بالحُمى معنى، ولم يكن للمدفئة في جو الصقيع قيمة.. نحن ننجو بالاختلاف ونجمع المتضادات لنوفّق بينها، لنعيش حياة طيبة، ولو قررنا أن نجمع المترادف والمتشابه لن يكون أمامنا إلا خيارًا واحدًا، أُحادي الوجهة، متطرف الجانب.
…
في نهاية الأمر.. يتجلى نعيم الاختلاف في حثه على الاستفادة منه، على ملاحظة ميزات الآخرين، على التعايش معها والتمتع بها، أو حتى التعلم منها.. لذا فلم يكن الاختلاف يومًا نقمة، بل كان نعمة جلية تدفع بعجلة التنمية في الحياة، وتلون مراكبها ، وتغذي كل جوانبها.. فحمدالله على النعم كلها دُقها وجلها، حمدًا تطيب به الأنفس وتسكن فيه القلوب.