
Sign up to save your podcasts
Or


“اهداء الى ذكرى المُعلم الأول والأب الروحي .. أ. فتحي ابو الروس”
تخيل انك مهندس بحريات، متخصص في البحث عن السفن الغارقة في أعماق المحيطات. من سنوات فكرة واحدة مسيطرة على عقلك، العثور على أكبر كنز غارق في المحيط! السفينة الامريكية The SS Central America غرقت في اعماق المحيط الهادي في إعصار شديد سنة 1857 فى رحلة عودتها من بنما الى مدينة نيويورك وعلى متنها 14 ألف كيلوجرام من الذهب الخام المستخرج من عمليات التنقيب، ومئات الضحايا من الركاب. العثور على السفينة الغارقة من أكثر من 150 سنة أصبح شغلك الشاغل. بدأت رحلة بحثك عن طاقم عمل يدعمك في عملية البحث الصعبة. بتبدأ بجارك وصديقك اللى كان متخصص في دراسة تاريخ الرحلات البحرية. اللي يتحمس للفكرة بشدة وعكف على جمع ودراسة كافة شهادات أفراد الطاقم والركاب الناجون، عن موقع السفينة، سرعة الرياح، ارتفاع الموج، وتوقيت العاصفة. على الجانب الآخر بتبدأ بطرح فكرتك على الأثرياء بحثا عن تمويل لمشروعك الضخم والصعب في نفس الوقت. السؤال المحير كيف ستبحث عن سفينة عن غارقة من عشرات السنوات في محيط واسع بُبناء على مجموعة من شهادات النجاة في أحسن الحالات غير دقيقة ان لم تكن خاطئة تماما. صديقك وضع مصفوفة لجميع البيانات المتواترة في شهادات الناجين. لكنكم لم تكونوا كباقي المنقبين عن الذهب في أعماق البحار، مجرد هواة تبحثوا عن الثراء السريع، طريقتكم كانت علمية. بدأتم في البحث عن متخصصين في وضع خوارزميات البحث عن المفقودات بناء على كميات ضخمة من المعلومات. بتتصلوا بلارى أحد العلماء الذين كان لهم يد في تطوير خوارزمية العثور على القنبلة الهيدروجينية المفقودة. بيوافق على العمل معكم في البحث على السفينة المفقودة. بتُحيط عملية البحث بسرية كبيرة تجنبا لتسرب الاخبار ومحاولة الآخرين منافستك في العثور على الكنز المفقود. لما بتبدى شكك في دقة المعلومات المجموعة من الشهادات، لارى بيأكد لك ان كل البيانات مهمة طالما اضفنا لها قيمة بتمثل الثقة في صحتها. ويبدأ في تكوين خريطة بايزية احتمالية باستخدام خطة بحث قائمة على نظرية بايز للاحتمالات. كل معلومة جديدة من شهادات الناجين تحدث القيمة المبدئية لاحتمال موقع السفينة، وهكذا في متوالية بايزية متراكمة للتنبؤ بموقع السفينة. لارى بيضع نموذج بايزي بناء على جميع المتغيرات التي من الممكن أن يكون لها تأثير في التنبؤ بموقع السفينة الغارقة من شهادات الناجين. صديقك كان بمثابة عميل جمع البيانات، تنظيمها، وترتيبها بطريقة من الممكن لنموذج لارى البايزي أن يستوعبها ويتعامل معها. أما لارى كان عميل تحليل البيانات باستخدام خوارزميات البحث البايزي الاحتمالية. نموذج لارى الاحتمالي قادة لوضع 3 فرضيات رئيسية عن موقع غرق السفينة. لارى استخدم نظرية بايز الاحتمالات لوضع طريقة من الممكن اتباعها للبحث عن السفينة الغارقة في المساحة الشاسعة التي غطتها جميع البيانات. بدأت مع فريق البحث باستخدام غواصة من الممكن التحكم فيها عن بعد بالبحث في المناطق ذات الاحتمالية الاعلى اللى حددتها خوارزمية بوب، وتدريجيا تتحرك حلزونيا تجاه المناطق ذات الاحتمالية الأقل. عملية البحث كانت بطيئة وبدت غريبة لطاقم السفينة معاك لانها تتحرك في خطوط عجيبة وفي كثير من الأحيان عكس الموج، لكنك اصرت على اتباع نموذج لارى الاحتمالي بكل دقة. في البداية بتعثورا على سفينة في المنطقة ذات الاحتمالية الأعلى، لكن بعد بحثها بتكتشفوا أنها سفينة أخرى، البعض بدأ يتشكك في قدرتك على العثور على السفينة لكنك مصمم على اتباع نموذج لارى الاحتمالي بدقة حتى تغطى رقعة البحث بالكامل. بالفعل في احد المناطق على خريطة البحث بتظهر السفينة المفقودة ساكنة في أعماق المحيط. تبدأوا في عملية استخراج حطام السفينة المليئة السبائك والعملات الذهبية. لكن للأسف العثور على الذهب المفقود كان بداية المصاعب. شركات التأمين على السفينة المفقودة من عشرات السنين طاردتك في المحاكم القضائية مطالبة بحقها في الذهب مقابل التعويضات التي دفعتها لأهالي المفقودين والضحايا على السفينة، المستثمرين بيطالبوا بحقوقهم، و الديون بدأت تطاردك من كل جانب. القضايا استمرت في المحاكم الفدرالية لعشرة سنوات، تضاعفت فيها أتعاب فريق الدفاع عنك لتصبح بالملايين، أصبحت مُحاصر من الجميع، المشروع الذى بدأ مشروع بحثي بدأ كالحلم وقتها، تحول الى كابوس بشع يطاردك في كل مكان .. حتى اختفيت عن الجميع ولم يعثر لك على أثر!
محاور
نظرية الاحتمالات والحقيقة، قاعدة بايز، المعادلة البايزية، المسلمات الاحتمالية، نظرية الاحتمالات الذاتية، المشروطية البايزية، الآلة البايزية، تقييم البايزية، إشكالية الدليل القديم، الواقعية العلمية والاستدلال بالإزالة
إشكالية التأكيد بظلالها المعتمة خيمت على فلسفة العلم ومفكريها معظم القرن العشرين. الإشكالية كانت ومازالت بسيطة في وصفها لكنها معقدة وبعيدة المنال في حلها. سؤال الإشكالية الأساسي ماهو المطلوب في مُلاحظة ما كي تقدم دليل كافي لتأكيد نظرية علمية ما؟ .. زى ما شفنا أحد المحاولات الطامحة قام بها فلاسفة التجريبية المنطقية logical empiricism في بدايات القرن العشرين باستخدام أفكار بسيطة أساسية وقواعد منطقية من الممكن استخدامها لبناء نوع من المنطق الاستقرائي inductive logic لتقديم إطار عمل علمي منطقي لتأكيد النظريات والفرضيات العلمية زى مثال بملاحظة عدة غربان سوداء يقدم دليل او تأكيد على ان كل الغربان لونها أسود (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية) .. لكن للأسف الفشل كان نهاية تلك المغامرة الطموحة. كارل بوبر Karl Popper كان العلامة الثانية الفارقة في تاريخ محاولة حل إشكالية التأكيد. اللى بعد تماما عن اصطلاح التأكيد بالمرة و عارض الفكرة كلية في العلم، واستبدالها بفكرة قابلة للدحض أو النفي Falsification الفكرة اللى لاقت نجاح كبير لكنها عجزت عن حل الاشكالية بالكامل وواجهت صعوبات في التعامل مع بعض الحالات زى الجمل الاحتمالية والوجودية (ارجع لحلقة قابلية النفي) .. وأخيرا عرضنا طرح توماس كوهين لفكرة تحول النموذج الفكري والثورات العلمية والإشكاليات المتعلقة بها التى لم تركز بشكل محدد على إشكالية التأكيد وظلت المشكلة قائمة (إرجع لحلقة الثورات العلمية). والصور الغير تقليدية لفكرة التأكيد والتفسير في العلم التي ناقشناها في حلقات ما بعد الثورات العلمية، و الواقعية العلمية كان من الغير عادى طرحها لو كان هناك نظرية قوية مقنعة للتأكيد اللى في غيابها أصبح فلاسفة التجريبية في موضع دفاع زى ما شفنا في حلقة التفسير العلمي. لكن الصورة تغيرت في النصف الثاني من القرن العشرين وأصبح هناك أمل في نظرية للتأكيد والأدلة في العلم بعد تطور مدرسة جديدة وهي مدرسة البايزية الاحتمالية Bayesianism، التي تطورت نواة أفكارها تدريجيا في القرن العشرين، ومع نهايات القرن أصبح من الممكن وضع تصور كلي لتلك الأفكار قد يقدم نظرية تأكيدية علمية بديلة. والمدرسة البايزية أصبحت الطريقة الأكثر شيوعا الآن مع بدايات القرن الواحد والعشرين لحل إشكالية التأكيد داخل الوسط العلمي.
النظرية البايزية في أبسط صورها بتحاول فهم فكرة التأكيد والدليل من خلال نظرية الاحتمالات Probability Theory. الفكرة مش جديدة في تاريخ فلسفة العلم رودلف كارناب قضى عقود بيحاول يحل الإشكالية باستخدام نظرية الاحتمالات. ده غير ان الفكرة بديهية لكثير من الناس، مثلا لو رأيت سيارة أحمد خارج منزلة من المحتمل جدا ان احمد بالمنزل. كلا من الإحصاء statistics وتحليل البيانات data analysis قائمين على نظرية الاحتمالات لوصف النتائج التى من الممكن استخلاصها من العينات و الدراسات الاستقصائية surveys. وحتى في دائرة القانون والقضاء فكرة الادلة القائمة على الطب الشرعي forensic أصبحت سائدة زى تحليل الدى ان اية القائم في الأساس على نظرية احتمالية لكن يعتد به كدليل ادانة او برائة. وبالتالي الكثير من الفلاسفة حاولوا فهم ودراسة الدليل من خلال فكرة الاحتمالات، الفكرة ببساطة ان عند وجود شك أو ريبة uncertainty في فرضية ما، الأدلة المستقاة من الملاحظة قد تقلل أو تزيد من احتمالية probability الفرضية. المدرسة البايزية أحد صور الفكرة العامة دى، وقائمة على معادلة رياضية بسيطة يعتبرها أنصار المدرسة الحل السحرى لإشكالية التأكيد والدليل. توماس بايز Thomas Bayes كان رجل دين ورياضي انجليزى أثبت النظرية التي نسبت إليه نظرية بايز Bayes’s theorem في القرن الثامن عشر ومن وقتها اتباع المدرسة اعتبرة إنه توصل لاكتشاف غير عادى.
نظرية الاحتمالات والحقيقة Probability and Truth
لو نسيت القواعد الرياضية لنظرية الاحتمالات اللى درستها من سنين في المدرسة، هحاول أفكرك بالقواعد الاساسية لنظرية الاحتمالات لان الاساس بنى عليه بايز نظريتة. احتمالية الحدث Probability of Event تعبر عن عدد المرات اللى حصلنا فيها على نتيجة معينة عند إجراء نفس التجربة عدة مرات. الاحتمالية ضرورية ومهمة في منظومات الحقيقة في الحالات اللى النتائج فيها اما عشوائية او ببساطة شديدة التعقيد يصعب علينا فيها التنبؤ بالنتيجة. نتيجة الحدث Outcome هو أحد النتائج المحتمل حدوثها في فضاء العينة، مثلا لو رمينا النرد، الحصول على الرقم واحد أحد النتائج المحتملة. فضاء العينة Sample Space هو مجموعة كل النتائج المحتمل حدوثها لتجربة ما مثلا فضاء العينة في حالة إلقاء نرد هو مجموعة الأعداد (1,2,3,4,5,6). أما الحدث Event مجموعة جزئية من فضاء العينة، عادة ما يمكن التعبير عن غالب الاحداث بانها تجيب على سؤال نعم أم لا. مثلا حدث الحصول على الرقم 6 عند إلقاء النرد؟ .. السؤال “هل تم الحصول على الرقم 6 عند إلقاء النرد مرة واحدة؟” .. باستخدام المصطلحات الرياضية دى من الممكن إعادة تعريف الاحتمال على أنه النسبة الجزئية لمرات حدوث الحدث من كل النتائج الممكنة في فضاء العينة. احتمالية الأحداث ينطبق عليها معاملات المنطق الأساسية. بمعنى قابلية الاتحاد، التقاطع، التكامل، والنفي .. مثلا احتمالية الحدث س1 اتحاد احتمالية الحدث س2 هى مجموع النتائج في كلا من س1 و س2. تقاطع احتمالية س1، وس2 هو مجموعة النتائجة المشتركة بين س1 وس2. واحد الأفكار البديهية لكن الهامة للغاية لفهم النظرية البايزية هى ان لو س1 وس2 مجموعتى احتمالات منفصلتين إذن التقاطع ما بينهم هو صفر لان لا توجد نتائج مشتركة، ونعبر عن تلك النتيجة بالرمز سيتا في الرياضيات. هنبنى على الفكرة دى، تخيل مثلا اننا الحدث س1 هو إلقاء نرد، والحدث س2 هو إلقاء عملة. عند إلقاء النرد مرة واحدة احتمال الحصول على كل عدد هو 1/6 لان هناك ست اوجهة وكل رقم من الممكن أن يظهر مرة واحدة فقط، اذن عدد مرات الحدوث الجزئية لكل عدد من فضاء العينة هو 1/6. وبنفس المنطق بما ان هناك نتيجتين محتملتين فقط في حالة العملة ملك وكتابة، إذن احتمالية الحصول على كل منهم 1/2. بالتالي لتلك الحدثين المنفصلين احتمالية الحصول على الرقم 5 والكتابة هو حاصل ضرب احتمالية الحصول على كل حدث منفصل، أي 1/6 x 1/2 يصبح 1/12. الفكرة الأخيرة التي سأقدمها لك في نظرية الاحتمالات الرياضية المهمة والأساسية في نظرية بايز معروفة بالاحتمالية الجزئية أو المشروطة Conditional Probability .. الفكرة بتتعامل مع الاحتمالية الأحداث المعتمدة على بعضها البعض. مثلا من مثال النرد شفنا ان احتمالية الحصول مثلا على العدد 3 هي 1/6 لان فضاء العينة لكل النتائج هو 6 والعدد الجزئي المعبر عن الحصول على الرقم 3 عند رمي النرد مرة واحدة هو 1. إذن الاحتمالية هي 1/6. تخيل دلوقتى ان القيت بالنرد وبطلب منك انك تخمن احتمالية الحصول على النتيجة. ردك هيكون 1/6. لكن لو أضفت لك معلومة ان النتيجة عدد فردى، ياترى هيكون ردك ايه؟ .. بالظبط بالبديهة فضاء العينة في الحالية دى اتغير، لان كل النتائج لم تعد محتملة الحدوث .. الأعداد الفردية في فضاء العينة الاصلى هى الأعداد (1,3,5) .. في تلك الحالة احتمالية الحصول مثلا على العدد 2 تساوى صفر لانه رقم زوجى خارج فضاء العينة. ومثلا لو سألت عن احتمالية الحدوث على العدد 3 في حالة ان النتائج كلها أعداد فردية . في تلك الحالة الاحتمالية المشروطة هتكون 1/3 بديهيا. والقانون الرياضي ورائها هو أن احتمالية س1 عند حدوث س2 = تقاطع احتمالية س1 وس2 مقسومة على احتمالية س2 ( إثبات المعادلة دى خارج نطاق مناقشنا حاليا، لكنها معادلة بسيطة من الممكن ان تثبتها بديهيا).
قاعدة بايز Bayes Rule
المقدمة الرياضية اللى بدأنا بيها حول نظرية الاحتمالات الرياضية ضرورية لفهم اطروحة بايز. قاعدة بايز بتتعامل مع عدد من الفرضيات المتنافسة حول تفسير ظاهرة ما في ضوء الأدلة المُلاحظة. هبدأ بمثال لتوضيح الفكرة، قبل ما أطرح عليك المعادلة الرياضية. تخيل انك صحيت في يوم من الايام حاسس بصداع، وحالتك بشكل عام ليست على ما يرام. لما تزور الدكتور ويجرى عليك مجموعة من الاختبارات لانة غير متأكد من حالتك، بعد كام يوم بتظهر نتيجة الاختبارات وللأسف بيكتشف ان عندك مرض نادر جدا بيُصيب 1% فقط من البشر .. أعراض المرض سيئة للغاية، فبتسأل الدكتور ان متأكد بنسبة كام ان عندى المرض ده؟ … بيرد الدكتور ان دقة الاختبار عالية جدا لكنها ليست قاطعة، الاختبار قادر على تحديد المرض في 99% من الحالات، لكنه هناك نسبة خطأ 1% أن الاختبار يقرر أن الفرد عنده المرض وهو غير مصاب بيه. … ياترى ايه احتمالية أنك مصاب بالمرض فعلا؟ … لو كانت اجابتك 99%، ماتتسرع انت اعتبرت نسبة نجاح الإختبار هي احتمالية إصابتك بالمرض! .. وده حساب إحتمال خاطئ .. انت محتاج نظرية بايز علشان تقدر تحسب الاحتمالية في الحالة دى!! … قاعدة بايز هتساعدنا في حساب احتمالية فرضية ما (خلينا نقول في الحالة دى هى انك مصاب فعلا بالمرض) مشروطة بوجود بيانات معينة أو حدث معين (في المثال الحدث هو انك اجريت الاختبار) .. الاحتمالية من الممكن حسبها باستخدام الاحتمالية المبدئية Prior Probability للحدث (اى الاحتمالية المبدئية انك مصاب بالمرض قبل الاختبار) وضربها في احتمالية حدوث الحدث في حالة ان الاحتمالية فعلا كانت صحيحة (في تلك الحالة احتمالية أن نتيجة الاختبار تكون إيجابية وفعلا انك مصاب بالمرض الايجابية الحقيقية True Positive .. اى انه قدر يحدد ان عندك المرض فعلا) ونقسم الناتج على المجموع الكلي لاحتمالات الحدث أو الدليل (في الحالة دى مجموع احتمالية ان يكون عندك المرض و نتيجة الاختبار تكون إيجابية (الايجابية الحقيقية True Positive) و احتمالية أنك غير مصاب بالمرض و نتيجة الاختبار تكون إيجابية (الايجابية الكاذبة False-positive) ) .. الاحتمالية المبدئية في المعادلة دى عادة ما تكون المُعامل الأصعب تحديدة، وفي كثير من الوقت مش هتكون اكثر من مجرد تخمين زى ما سنرى بعد قليل. لكنا في المثال الحالي هنعتبر ان الاحتمالية المبدئية هو نسبة حدوث المرض في البشر (1%) ، احتمالية ان الاختبار يكون ايجابي وانت فعلا مصاب بالمرض (الايجابية الحقيقية) هى 99% مشتقة من درجة دقة الاختبار. والاحتمالية الكلية للاختبار هي مجموع كلا من احتمالية الإيجابية الحقيقة اى حاصل ضرب 99% في 1% من البشر فعلا مصابين + احتمالية الايجابية الكاذبة اى حاصل ضرب 1% نسبة خطأ الاختبار في 99% من البشر الغير مصابين .. لو طبقت كل الارقام ستحصل على أن احتمالية انك تكون مصاب فعلا بالمرض 50% (جرب بنفسك تحسبها بالورقة والقلم). في الحقيقة لما بايز توصل للقاعدة دى للمرة الاولى ماكنش شايف انها ثورية أو عبقرية بالمرة .. لدرجة انه لم يعتقد انها تستحق حتى النشر! .. وتم اكتشاف القاعدة ضمن أوراقه بعد عشر سنوات مات بالصدفة، الورثة عرضوها على صديقة الفيلسوف الانجليزي ريتشارد بريز Richard Price علشان يقرر ان كان الاوراق مهمة ولا لأ، بريز نشر الورقة تحت عنوان “مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances” سنة 1763، اللى أحدثت ثورة في تاريخ الرياضيات، الفلسفة، والعلم من وقتها.
المعادلة البايزية Bayesian Equation
المعادلة القائمة عليها النظرية البايزية تعد معادلة رياضية بسيطة جدا. نظرية بايز تحاول قياس الفرق الذي من الممكن أن يحدثة دليل ما في صحة أو تأكيد فرضية. لو P(h) هو احتمال س فرضية بدون الدليل د. و P(h|e) هو احتمال الفرضية س في ضوء الدليل د. إذن لو كان احتمال الفرضية س في ضوء د أكبر من احتمال الفرضية س بدون د. إذن د يُأكد الفرضية س. او بصورة ادق د تجعل الفرضية س أكثر أحتمالا. اى ان لو فرد ما اعتنق فرضية ما س بدون وجود دليل بنسبة احتمالية، بعد ظهور الدليل د المفروض ان احتمالية صحة الفرضية عند الفرد تزداد. أي أن النظرية بتساعدنا على تحديث قيمة الاحتمال في الاعتقاد في ضوء الأدلة المتاحة. الفكرتين الرئيسيتين في نظرية بايز. فكرة دليل د يؤكد فرضية ما س لو كان د يزيد من احتمالية س، وفكرة أن الاحتمالات لابد وان يتم تحديثها طبقا لنظرية بايز. لكن ازاى نظرية بايز بتفسر احتمالية فرضية س في ضوء د؟ .. النظرية بتعبر عن هذه الاحتمالية كدالة رياضية لمتغيرين احتمالين آخرين. وهما الاحتمالات المبدئية Prior للفرضية س P، والاحتمالات السابقة لعكس او نفي الفرضية س P not مجموع هذين الرقمين لابد وان يكون واحد صحيح، لأنهما متكاملين. احتمالية الفرضية س في ضوء د P س|د عادة ما بيطلق عليها أرجحية الدليل likelihoods of evidence. خلينى أحاول تبسيط الأفكار الرياضية الجافة من خلال مثال .. تخيل انك مش متأكد من وجود صديق لك بالمنزل، لكنك رأيت سيارته بالخارج (دليل د) .. هنفترض ان قبل رؤية سيارته كونت فرضية انه بالمنزل بنسبة احتمالية 50%، واحتمالية ان سيارته ستكون أمام المنزل اذا كان بداخل المنزل بنسبة 80% لانه عادة لا يغادر المنزل بدون السيارة. في حين أن احتمالية انه لا يكون بالمنزل بالرغم من وجود سيارته بالخارج 10% فقط. باستخدام معادلة بايز من الممكن اننا ندخل الارقام السابقة للحصول على احتمالية وجوده في المنزل في ضوء وجود سيارته بالخارج 50*80/(50*80+50*10) .. اللى تقريبا 90% إذن رؤية سيارته صديقك خارج منزله يزيد من الاحتمالية الأولية لوجوده داخل المنزل بدون وجود دليل اللى قدرناها ب 50% الى تقريبا 90% .. اى ان رؤية السيارة يؤكد بقوة فرضية أن صديقك بالمنزل! … ارجو ان الفكرة البديهية والمعادلات الرياضية البسيطة أصبحت واضحة بالنسبة لك. في الحقيقة بايز في ورقته قام بتجربة بسيطة جدا، كان قاعد وضهرة لمنضدة خلفة وفي ايده كرة، بيلقيها خلف ظهره، كل مرة يلقي الكرة، يطلب من مساعدة يحدد مكانة نسبيا بالنسبة للرمية السابقة عليها، مثلا هل كانت على يمينها، وشمالها، أمامها، وخلفها. وهكذا باعادة اجراء التجربة، وتحديث الاحتمالية المبدئية كل مرة بناء على نتائج التجربة الحالية، بايز اعتقد ان من خلال تلك الطريقة من الممكن انه يستمر في تحديث مكان الكرة الاولي اللى ما يعرفوش، طبعا عمره ما هيكون متأكد من المكان الاولي ده، لكن مع كل معلومة جديدة يزداد دقة تنبؤة بمكان الكرة الاول. ودى الفكرة الفلسفية اللى بنى عليها بايز تصوره للعالم والحقيقة، ليس اعتقاده في ان لا توجد حقيقة موضوعية محددة ومجردة، لكننا لن نكون قادرين على الوصول إليها بدقة قاطعة ابدا .. وكل ما يجب ان نسعى الية هو ان نحدث فهمنا وتصورنا للحقيقة كل ما تظهر معلومة جديدة تزيد من دقة تنبئنا بحقيقة الواقع. إذن معادلة بايز لم يكن الهدف منها أن تطبق مرة واحدة للحصول على الحقيقة القاطعة مرة واحدة للأبد، لكن يتم تطبيقها مرة بعد الأخرى،في كل مرة تضيف معلومة جديدة وتقربنا أكثر للحقيقة. في مثال المرض اللى حسبنا احتمالية إصابتك بة ب 50% تخيل انك قررت انك تزور طبيب آخر وتجرى الاختبار مرة اخرى حتى تتأكد أن احتمالية ال50% انك مصاب بالمرض، لو طبقنا معادلة بايز مرة تانية .. الاحتمالية المبدئية في الحالة دى 50% (الاحتمالية اللى حصلنا عليها من الاختبار الاول Posterior .. اى اننا حدثنا الاحتمالية الاولية اللى كانت 1% احتمالية الاصابة في البشر بالاحتمالية الجدية الناتجة من الاختبار الاول) و نضربها في احتمالية الاختبار ايجابي وانت مصاب بالمرض 99% ونقسم على الاحتمالية الكلية للاختبار . هتلاقى ان احتمالية الجديدة انك تكون مصاب بالمرض في حالة أن نتيجة الاختبار الثاني كانت ايجابية هتكون 99% .. الأمر البديهي أيضا نتيجة معملين مستقلين اظهرت ان عندك المرض في الغالب فعلا هيكون عندك المرض، مش معقول هتكون صدفة .. لكنها مش امر مستحيل لان الاحتمالية مازالت 99% فقط اى ان مازال هناك 1% ان الأمر كان مجرد خطأ وصدفة وأنك غير مصاب بالمرض! .. وهكذا يمكنك اعادة تطبيق الاختبار لزيادة دقة الاحتمالية. الصعوبة في نظرية بايز هو أنها لا تساعدنا في تحديد الاحتمالات الأولية للفرضية . الاحتمال الاولي للفرضية س في غياب الدليل د ياترى ايه القيمة المناسبة له؟ .. في مثل صديقك اللي في المنزل قدرنا احتمال وجوده ب 50% ، لكن فرد آخر قد يقدر نفس الاحتمالية ب 70%، او 30% .. اى ان لا يوجد معيار واحد محدد متفق عليه لتحديد الاحتمالات الأولية .. القيمة دى هى العامل الأساسي في تحديد القيمة النهائية لاحتمالية س في ضوء د. وبالتالي بالرغم من أن نظرية بايز مفيدة جدا في نقاش الادلة على نظرية علمية ما، في كثير من الأحيان كثير من قراءات الاحتمالية ستكون شبهة مستحيلة لأن من الصعب تحديد الاحتمالات المبدئية Prior للنظرية أو الفرضية محل التأكيد. إذن لابد من وضع صورة موحدة متفق عليها او تفسير واحد لمفهوم الاحتمالات المبدئية حتى يصبح استخدام معادلة بايز موحد ويعطي نفس النتيجة تحت الظروف والتفسيرات المختلفة، التفسير الموحد للأحتمالات المبدئية ده كان المبدأ المهم الذي طورة بايز و أطلق عليه التفسير الذاتي subjectivist interpretation .
التفسير الذاتي للأحتمالات Subjectivist Interpretation of Probability
معظم التفسيرات لفكرة الاحتمالات اعتبرت انها طريقة لقياس خاصية موضوعية مجردة Objective في الأحداث. قيمة الاحتمال Probability Value هى قياس لفرصة وقوع الحدث، حيث الفرصة بصورة ما خاصية في الحدث نفسه وموقع وزمان حدوثه في العالم. دى مثلا الفكرة اللى عند كثير مننا لما بنتكلم عن إحتمالية فريق ما انه يكسب مباراة رياضية. لكن الرؤية دى غير دقيقة طبقا للتفسير الذاتي للأحتمالات. اللى بتفسر الاحتمالات على انها درجة الاعتقاد degrees of belief. الاحتمالية تقيس درجة ثقة الفرد في حقيقة إدعاء ما. وبالتالي لو قلت لك ان احتمال ان فريق الزمالك المصري لكرة القدم يكسب المباراة مع فريق الأهلي غدا 40% .. وكأني بقول لك ان درجة اعتقادى او ثقتى في إدعاء فوز فريق الزمالك هى 40%. الطريقة الذاتية لتفسير الاحتمالات قدمها للمرة الأولى بشكل مستقل فيلسوفان ورياضيين شهرين في أوائل القرن العشرين فرانك رمزى Frank Ramsey وبرونو دى فينيتي Bruno de Finetti. الطرح اللى كان مهم جدا مش بس في الفلسفة لكن أيضا محورى في نظرية صناعة القرار decision theory اللى بتلعب دور أساسي في العلوم الاجتماعية وخصوصا علم الاقتصاد. وغالب الفلاسفة اللى بستخدموا نظرية بايز لفهم الأدلة العلمية ودورها في تأكيد الفرضيات بيعتقدوا في رؤية ذاتية للاحتمالات! سواء كان الفهم ده بسبب قناعة ان دى الطريقة الوحيدة الصحيحة لفهم الاحتمالات او بسبب ان لابد من فهم الاحتمالات على تلك الصورة من أجل تطبيق نظرية بايز. وأكيد مش محتاج اقول لك ان الرؤية الذاتية كانت ومازالت محل خلاف فكرى كبير بين الفلاسفة والرياضيين، هحاول أعرض لك بعض جوانب هذا الخلاف بدون التطرق لتفاصيل رياضية وفنية معقدة قدر المستطاع. زى ما شفنا الرؤية الذاتية للاحتمالات بتشوف ان الاحتمال هو درجة اعتقاد الفرد في ادعاء ما أو فرضية ما عن الواقع، لكن من أجل أن نعرف درجة اعتقاد الفرد في فرضية ما لانسألة أن يبحث في عقله عن رقم محدد لتلك الدرجة زى مثلا لما بنسأل فرد عن مقدار النقود في حافظته! .. بدلا من هذا نحدد درجة اعتقاد الفرد من خلال سلوك مقامرتة gambling behavior لكلا من الحقيقي actual والممكن possible. أو بصورة أخرى درجة أعتقادك بتظهر في الرهان اللى قد تقامر علية والرهان اللى قد ترفضه. ( في الواقع كثير من الناس العادية قد يكونوا ضد المقامرة والرهان حتى لو كانت فرصتهم في الفوز كبيرة والعكس أيضا صحيح، لكن دى على اى حال الفكرة المثالية للبشر اللى تبنتها نظرية بايز .. مش هنحاول حل الإشكالية دى دلوقتى وهنفترض ان ده السلوك الطبيعي لغالب الناس). إذن كى نعرف درجة اعتقد إنسان ما في فرضية ما، بننظر إلى سلوكه في المقامرة حول الفرضية. في رهان ما احتمالية أن الفرد يأخذ أيا من جانبي الرهان .. أى احتمالية 50% نطلق عليها احتمالات متعادلة للشخص subjectively fair odds. مثلا تصور أن احتمالات رهان فرد على حقيقة فرضية ما “ف” هى 3:1 .. أى أن الفرد الذى يراهن على صحة “ف” يربح نقطة ان كانت “ف” فعلا صحيحة ويخسر 3 نقاط ان كانت “ف” خاطئة. بصور أعم لو قلنا إن الرهان على فرضية “ف” بنسبة (س: 1 ) هو الاستعداد لان تخسر س من النقاط لو ظهر ان ف خاطئة وفي المقابل تكسب 1 من النقاط لو كانت ف صحيحة. معناه ايه الكلام ده؟ … معناة ان كل ما أصبحت قيمة س كبيرة كلما زادت درجة ثقتك في صحة “ف”، لان لديك استعداد لخسارة رقم كبير من النقاط إن كانت “ف” خاطئة وبالتالى لايوجد شخص عاقل سيغامر بخسارة نقاط كثيرة خصوصا لو كانت النقاط دى مثلا نقود! .. إذن لو كانت الاحتمالات العدالة لرهانك الشخصى على فرضية “ف” هى ( س:1 ) اذن درجة اعتقادك في “ف” هى ( س / س+1 ). “س” هى درجة قابليتك للخسارة في حالة ان “ف” غير صحيحة و ( س+1 ) هى مجموع احتمالات أن “ف” صحيحة و”ف” غير صحيحة. لو متابع معايا حتى الآن حددنا درجة اعتقادك في فرضية ما “ف”. لكن درجة الاعتقاد في “ف” مرتبطة بدرجة اعتقادك في فرضيات أخرى. مثلا درجة اعتقادك في “ف” مرتبطة بدرجة اعتقادك في “ق” ايضا وكذلك درجة اعتقادك في “نفي ف”، الخ .. وبالتالي كي نجد الاحتمالية الذاتية subjective probability ل “ف” و “ق”، نحدد الاحتمالات العادلة لرهانك على كلا من “ف” و “ق”. إذن منظومة معتقدات الفرد في لحظة ما هى وصف لشبكة محددة من الاحتمالات الذاتية لهذا الفرد حول مجموعة كبيرة من الفرضيات عن الواقع. هذة الشبكة من الاحتمالات بتعمل في تناغم من تفضيلات الفرد utilities كي تنتج سلوكياته. في وجهة النظري البايزية، الحياة ماهى الا متسلسلة من الرهانات a series of gambles فيها سلوكياتنا بتمثل رهاننا حول طبيعة العالم.
المسلمات الاحتمالية Axioms of Probability
المدرسة البايزية تدعى انها تقدم نظرية حول درجة عقلانية أو اتساق شبكة معتقدات الفرد. وانصارها بيجادلوا أن مجموعة متسقة من درجات الاعتقاد لابد وأن تتبع مجموعة محددة من القواعد الرياضية للأحتمالات. (أوعدك ان دى هتكون أخر مجموعة من المعادلات الرياضية في الحلقة) .. الرياضي الروسي Kolmogorov وضع مجموعة أساسية من المسلمات الرياضية axioms اللى قامت عليها نظرية بايز. المسلمة الأولى: كل الاحتمالات هي أرقام تقع ما بين الصفر والواحد. مسلمة 2: اذا كان ادعاء ما صحيح بشكل تحليلي او مبسط أذن له احتمالية 1. مسلمة 3: لو كانت “ف” و”ف*” هى بدائل حصرية exclusive alternatives اى ان لا يمكن لكلاهما ان يكون صحيح، اذن احتمالية ف أو “ف*” تساوى احتمالية “ف +” احتمالية “ف*”. مسلمة 4: احتمالية “ف” في ضوء دليل “د” تساوى احتمالية “ف” و “د” مقسومة على احتمالية “د” .. حيث احتمالية “د” أكبر من الصفر. و نظرية بايز هي نتيجة للمسلمة 4 لان احتمالية ف و د من الممكن التعبير عنها كـ احتمالية كلا من “ف” في ضوء “د” مضروبة في احتمالية “د” أو كـ احتمالية “د” في ضوء “ف” مضروبة في احتمالية وبما أن هاتين الاحتمالين متساويتين إذن نظرية بايز صحيحة. أنا عارف ان المسلمات مش هى مشكلتك دلوقتى لكن السؤال المهم .. لماذا درجة أعتقدانا في أي معتقد لابد وأن تتبع المسلمات السابقة؟! .. في الحقيقة أنصار نظرية التفسير الذاتي للأحتمالات قدموا جدلية شهيرة للإجابة على هذا السؤال .. معروفة بـ جدلية الكتاب الهولندي Dutch book argument .. الجدلية من الممكن صياغتها كالآتي .. لو كانت درجة اعتقادك في فرضية ما لا تتفق مع مبادئ حساب نظرية الاحتمالات probability calculus سيكون هناك مواقف جائزة من المقامرة من المؤكد أنك ستخسر فيها المال. المواقف دى هى المواقف اللى هتضارب فيها على جانبي الفرضية، أو على جميع الاحتمالات الممكنة للفرضية. في تلك الحالات، إن لم تتفق درجة اعتقادك مع حساب الاحتمالات، وكان لديك الاستعداد لقبول أي رهان متوافق مع درجة اعتقادك، إذن ستقبل مزيج من الرهانات التى تضمن خسارتك! … خلينى ابسط لك الفكرة، من خلال مثال .. تخيل اننا بنلعب لعبة رمي العملة المعروفة في مصر ب ملك وكتابة .. لو كانت درجة اعتقادك ان الرمية المقبلة بنسبة 60% ملك ونسبة 60% كتابة .. هتكون خالفت حساب الاحتمالات طبقا للمسلمة الثالثة اللى طبقا لها مجموع اعتقاداتك هتكون 120% الأمر المستحيل طبقا للمسلمة الاولى وهى ان كل الاحتمالات تقع ما بين الصفر والواحد أو صفر% و 100% .. لكن تخيل انك اصرت على درجة معتقداتك وكان عندك الاستعداد للرهان عليها. دلوقتى تخيل أنك تراهن 10$ على 150:1 أن النتيجة هتكون ملك، ورهان اخر ب 10$ 150:1 أن النتيجة هتكون كتابة. لابد وأن تقبل كلا من المراهنين لان تفسيرك الذاتي للاحتمالات يقبل أن احتمال كلا من الملك والكتابة قد يكون 150:1. لابد وان تخسر، لو النتيجة كانت ملك هتكسب 10$ من الرهان الأول وتخسر 5$ من الرهان الثاني، والعكس صحيح. حتى تتجنب تلك الحالة لابد وأن معتقدات المختلفة تتفق مع قواعد الاحتمالات. الافكار اللى استخدمناها حتى اللحظة تنطبق على معتقدات الفرد في لحظة زمنية، لكن من الممكن استخدامها لإعطاء نظرية ما طريقة من خلالها يمكن تأكيد معتقدات النظرية عند ظهور الأدلة. نظرية بايز بتصف علاقة ما بين احتمالية “س” بدون وجود دليل “د” واحتمالية “س” في وجود دليل مادى “د”. وكلا الاحتمالين تم صياغتها في غياب الدليل “د”. وفي حالة العثور على الدليل د طبقا للنظرية البايزية، اى عميل عاقل سيغير من درجة معتقداته كى تصبح درجة الثقة في الاحتمالية “س” قائمة على احتمالية “س” في وجود الدليل “د” P(h|e) . اى ان قيمة احتمالية حدوث “س” الجديدة تساوي قيمة احتمالية حدوث “س” القديمة في وجود الدليل “د”. Pnew(h) = Pold(h|e) . اى أن القيمة الجديدة لاحتمالية “س” لدى الفرد تصبح الاحتمالية القديمة ل “س” في حالة ظهور الدليل المادي “د”. اى ان الاحتمالات اللاحقة posterior probability للبارحة هي الاحتمالات المسبقة Prior probability للغد. إذن طبقا للرؤية الذاتية للأحتمالات لا يمكن لمجموعة من درجات الاعتقاد أن تكون أقرب للحقائق من مجموعة أخرى من الاحتمالات، طالما ان مجموعتى الاحتمالات بيتبعا مسلمات أو قواعد حساب الاحتمالات. لكنها ليست الرؤية الوحيدة لنظرية الاحتمالات البايزية، بعض أنصار النظرية بيعتقد في مزيج من رؤية ذاتية subjective ، ورؤية مجردة objective.
نظرية الاحتمالات الذاتية Subjective Probability
المدرسة البايزية Bayesianism قائمة على مبادئ ثلاثة أساسية، أولها هو الموقف المعرفي epistemic attitude للعلماء تجاه أي اقتراح مهم عمليا يجب أن يستند على الاحتمال الذاتي الذي يقرره العالم لهذا الاقتراح. الاحتمال الذاتي subjective probability هو رقم ما بين الصفر والواحد يعبر عن ثقة العالم في صحة فرضية ما. الاحتمال الذاتي عادة ما يطلق عليها درجة الاعتقاد degrees of belief. وبالتالي الاحتمال الذاتي للفرضية هو تعبير عن حقيقة نفسية للعالم وليس عن حقيقة مجردة مستقلة عن العالم أو الشخص المُلاحظ للفرضية. أى أن لا يعبر بالضرورة عن حقيقة الفرضية، لكن عن احتمال حقيقة الفرضية من وجهة نظر العالم ومن هنا أطلق عليها الاحتمالات الذاتية. على النقيض من الطرق المختلفة لتأكيد النظرية العلمية التى تعرضنا لها في الحلقات السابقة، النظرية البايزية ليست قائمة على فكرة قبول acceptance النظرية. لان لايوجد قدر كافي من الادلة للحث على تحول نوعي في الموقف المعرفي البايزي من عدم قبول إلى قبول النظرية. التعلم من الادلة هو دائما مسألة تعديل كمي لتغيير الاحتمال الذاتي الخاص بك تجاة فرضية ما حتى تعكس درجة اعتقادك في صحتها ظهور الأدلة الجديدة. أى أن النظريات الأكثر تفصيلا ما بين العلماء هى ببساطة تلك النظريات التي لديها أعلى قدر من الاحتمالات الذاتية. وبالتالي من المنطقي أن العلماء تحت إطار عمل بايزي ان يضعوا احتمال ذاتي لكل فرضية في عملية بحثهم. الفيلسوف البريطاني فرانك رمزي Frank P. Ramsey في ورقة بحثية بعنوان “الحقيقة والاحتمال Truth and probability” نشرها سنة 1931 أقترح أن يكون لديك أحتمال ذاتي لفرضية ما هو أن يكون هناك تصرفات معينة، هذا التصرف من الممكن قياسه في حالات كثيرة عن طريق تقييم سلوك المراهنة كالاتي، لكما زادت أحتماليتك الذاتية لفرضية ما، قلت الفرص حال ثبات كافة المتغيرات الاخرى، ستكون على استعداد لقبول المراهنة على حقيقة هذه الفرضية. بشكل أكثر دقة لو فرضنا ان الاحتمال الذاتي لفرضية ما ف هو “س” .. إذن ستقبل الفرص بنسبة 1:س على حقيقة هذه الفرضية، بمعنى آخر ستتجنب الرهان بأكثر من قيمة “س”، مثلا لو كانت قيمة احتمالك الذاتي هى 0.3 فلن تدفع أكثر من 3 جنيهات للعب لعبة قد تربح فيها 10 جنيهات في حالة صحة احتمالك، لأن مقدار رهانك على صحة الفرضية هو الثلث فقط. رمزى اعتقد ان معظم البشر سيكون لديها ميل طبيعي تجاه هذا القياس باستخدام الرهان كأختبار لاحتمالتهم الذاتية. على أى حال الأداة الرئيسية في النظرية البايزية هي حجة رياضية، بالتحديد حساب الاحتمالات في الرياضيات القياسية probability calculus اللى بالنسبة له جميع الاحتمالات الذاتية يفترض أن تتوافق. المبدأ الثاني في النظرية البايزية هو التطابق مع البديهيات، هنا بتظهر الناحية الارشادية او الاجبارية في نظرية بايز .. بعد ما تحقق أن العلماء لابد وان يكون لديهم حقائق نفسية عن درجة اعتقادهم أو أحتمالتهم الذاتية في صحة فرضية ما، الخطوة الثانية هو يجب عليهم وضع تلك الاحتمالات في صورة متوافقة مع مسلمات وقواعد حساب الاحتمالات.
المشروطية البايزية Bayesian Conditionalization
المبدأ الثالث في النظرية البايزية هو قاعدة المشروطية Bayes’ conditionalization rule بيلزم العالم بتحديث الاحتمالات الذاتية بمجرد ظهور الأدلة. القاعدة بتضع أربع خطوات أساسية، الاولي هو تحديد الاحتمالات الذاتية السابقة prior اللاحقة posterior اى قيمة احتمالات الذاتية لديك عن الفرضية في غياب الأدلة وقيمة احتمالات الفرضية لديك عن الفرضية بعد ظهور الأدلة. قاعدة بايز بتقدم معادلة لحساب الاحتمالات اللاحقة لاى فرضية من خلال الاحتمالات السابقة وطبيعة الدليل. الخطوة الثانية هى الاحتمال الشرطي conditional probability أحد قواعد حساب الاحتمالات القياسية مثلا في احتمال الحصول على رقم 4 في رمية نرد هي 1/6 لان هناك ست طرق محتملة لها نفس الفرصة ان يكون احدها الرقم أربع. من الممكن صياغة القاعدة بشكل رسمى كالاتي، احتمالية الفرضية ف مشروطة بفرضية أخرى س من الممكن التعبير عنها على صيغة أحتمالية ف مشروطة ب “س” C(h|g). الخطوة الثالثة هى تحديث احتمال الفرضية عند ظهور الدليل كى تصبح الاحتمالية اللاحقة اى الاحتمالية في وجود الدليل. اى ان بمجرد معرفة ان الدليل كان صحيح او له وجود تصبح احتمالية الذاتية اللاحقة هي الاحتمالية السابقة. ام الخطوة الاخيرة ملاحظة نتيجة رياضية بسيطة لتعريف الاحتمال الشرطي اللى يطلق عليها نظرية بايز Bayes’ rule اللى طبقا لها في حالة الحصول على الدليل “د” .. نضرب قيمة الاحتمالية القديمة ل “ف” في أحتمالية الدليل “د” في وجود “ف” على احتمالية “د”. المعامل ده عادة ما يطلق علية المضاعف البايزي Bayesian multiplier .. لكن ايه السبب في قبول تلك القاعدة؟ … لماذا لابد وأن نجعل الاحتمال اللاحق على ظهور الدليل في حالة ظهوره هو الاحتمال السابق للفرضية. في الواقع هناك العديد من الجدليات والحجج حاولت إثبات القاعدة في العديد من الأدبيات البايزية معظمها يعتمد على حجة الكتاب الهولندي، لكن على اى حال الإجماع ما بين الرياضيين أن معظم الحجج غير كافي او مقنع. ومن المهم الاشارة لان الرياضيات في تلك الحالة غير كافية للأجابة على السؤال بمفردها .. لان حساب الاحتمالات بيعقد علاقة ما بين مجموعتين من الاحتمالات التي تعد جزء من نفس التوزيع العام، لكن قاعدة بايز بتعقد علاقة ما بين مجموعتين من الاحتمالات من توزيعين مختلفين، توزيع الاحتمال السابقة وتوزيع الاحتمالات اللاحقة. أذن اكتشاف الدليل تأثيرة واضح على الاحتمال بتطبيق القاعدة الرياضية وضرب الاحتمال السابق في المضاعف البايزي نحصل على الاحتمال اللاحق، وبالتالي ظهور الدليل يؤدى إلى زيادة احتمالية الفرضية “ف”، وفي تلك الحالة يقال أن الدليل “د” يُأكد الفرضية س. لكن حين يقلل الدليل من احتمالية الفرضية، يقال إن الدليل ينفي الفرضية. لو لاحظت ان زيادة احتمالية حدوث الشئ ليست نفس الشئ كـ تأكيده، وتقليل احتمالية ليست نفس الشئ كـ نفية لكن أتباع النظرية البايزية يحاولوا استبدال مفاهيم التأكيد بمفاهيم احتمالية جديدة.أي أن تحت المفهوم البايزي أن نقول أن نظرية ما مؤكدة هو القول فقط بأن احتمالاتها ازدادت، وقد تكون زيادة قليلة جدا ادت اللى ان الاحتمال اللاحق أصبح الاحتمال السابق طالما كان احتمال الدليل كافي لتحديث الاحتمال طبقا لقاعدة بايز الشرطية.
الآلة البايزية The Bayesian Machine
تخيل انك بتحاول معرفة ان كانت عملة ما مُحايدة اى انها غير مُنحازة لا تجاة الوجه (الملك) أو الظهر (الكتابة) .. من الممكن ان ترمى العملة المعدنية عشر مرات، على أمل الحصول على خمس مرات ملك وخمس مرات كتابة. كيف من الممكن أن نطبق قاعدة بايز الشرطية على هذا الدليل؟ .. في تلك الحالة سنحتاج لثلاثة قيم احتمالات ذاتية، احتمال سابق للفرضية “ف” بأن العملة مُحايدة، واحتمال سابق للدليل “د”، واحتمال الفرضية “ف” في وجود “د” ولابد من وضع قيم كمية لتلك الاحتمالات الثلاثة من خلال عملية عكسية نقوم فيها باتباع مسلمات وقواعد حساب الاحتمالات. لكن هذه العملية معقدة ومطولة ان تمت بشكل يدوى .. الجذاب في نظرية بايز ان الاحتمالات الذاتية من الممكن تحديدها بشكل اتوماتيكي بمجرد تحديد مجموعة من الاحتمالات يدويا. في حالة مثال العملة المعدنية بمجرد تحديد الاحتمالات السابقة للفرضية “ف” والاحتمالات الاخرى المنافسة لها، بقليل من الفلسفة والرياضيات من الممكن الحصول احتمالية الفرضية في حالة الدليل. نبدأ بإمكانية احتمالية الحصول على خمس مرات ملك في حال رمى العملة 10 مرات وافتراض أن العملة مُحايدة. بما أن المُحايدة يتبع منها القسمة العادلة بين وجهى العملة إذن احتمال الحصول على الملك 0.5 أو 50% بغض النظر كم مرة رمينا العملة. وبالتالى من المنطقى أن نحدد قيمة احتمال الفرضية في حالة وجود الدليل ب 50%، الفكرة البديهية دى بيطلق عليها مبدأ ميلر Miller’s Principle وفي أحيان أخرى قد يطلق عليها مبدأ تنسيق الاحتمالات Probability Coordination Principle أو اختصارا PCP. النظرية البايزية بتعتمد هذا المبدأ في تحديد إمكانية او احتمالية الفرضيات في حالة ظهور الدليل كى تقلل من عناء وضع تلك الاحتمالات بشكل يدوي. إذن لو كانت الفرضيات المتنافسة تضع احتمالات محددة ذات قيمة احتمالية محددة للدليل تشكل مجموعة حصرية ومتبادلة، إذن كم خلال مبدأ ميلر، وحساب الاحتمالات ومضاعف بايز من الممكن تحديد جميع الفرضيات بمجرد تحديد احتمالاتها السابقة. بهذا الشكل يصبح المطلوب من العلماء وضع مجموعة صغيرة ومحدودة جدا من الاحتمالات في البداية قبل ظهور أى أدلة، اى أن العالم لابد أن يضع قيم للأحتمالات الذاتية لكل فرضية علمية ممكنة متنافسة لتفسير ظاهرة ما. وباقي الاحتمالات سيتم الحصول عليها بتطبيق مبدأ ميلر وقواعد حساب الاحتمالات، التأكيد البايزي Bayesian confirmation بيعمل كآلة مميكنة، تدخل الاحتمالات المبدئية وتقدم الأدلة للفرضيات المتنافسة ودع حساب الاحتمالات يُأكد الفرضية.
تقييم البايزية Assessing Bayesianism
تحت قواعد المدرسة البايزية بنبدأ بمجموعة من الاحتمالات المبدئية للعديد من الفرضيات، التي بنحدثها مع ظهور الأدلة. المجال حر تمام ومفتوح لأختيار المجموعة دى من الاحتمالات المبدئية، بمعنى انه لاتوجد مجموعة أولية من الاحتمالات افضل من مجموعة أخرى، طالما أنها بتتبع قواعد ومسلمات حساب الاحتمالات. الفكرة دى محل نزاع في النظرية البايزية البعض رأى أنها نقطة ضعف والبعض الآخر رآها على العكس نقطة قوة! .. نقطة ضعف لأن النظرية لا تقدم اى ادوات لنقد الاحتمالات المبدئية مهما كانت غريبة أو عجيبة، وقد نجادل أن النتيجة اللى سنتهى إليها بعد ظهور الأدلة ستكون وثيقة الارتباط بالاحتمالات التي بدأنها بيها! .. لكن ده جانب واحد فقط من الحقيقة .. لان بالرغم فعلا من أن الاحتمالات الأولى بيتم اختيارها بحرية تامة وقد تكون عجيبة جدا طالما أنها اتبعت مسلمات حساب الاحتمالات، إلا أنها بتختفى تدريجيا في كثير من الاحيان مع ظهور الادلة الداعمة او الناقدة طالما اتبعنا قواعد المنطق السليم في تطوير تلك الاحتمالات. اى ان الاحتمالات المبدئية بتقل أهميتها كلما ظهرت أدلة جديدة. مثلا لو فى شخصين لديهم مجموعتين مختلفتين من الاحتمالات المبدئية حول فرضية س، لكن نفس إمكانية الحصول على الادلة “د1″، “د”2،”د3″، الخ .. دلوقتى تخيل ان الفردين توصلوا لنفس الأدلة. بالتالى احتمالية الفردين للفرضية س ستقترب أكثر وأكثر من بعضها البعض، ومن الممكن رياضيا إثبات أن لاى عدد طبيعي جائز من الاختلافات ما بين مجموعتين من الاحتمالات المبدئية، لابد من وجود عدد طبيعي محدد من الأدلة الكافية انها تجعل المجموعتين يلتقيا حول احتمال واحد حول الفرضية. إذن الاختلافات المبدئية للاحتمالات بتقل مع ازدياد عدد الأدلة. عملية التقاء convergence الاحتمالات دى قد تأخذ مدة زمنية طويلة، حتى تتوفر جميع الادلة، مدة زمنية ليس لها تأثير في الإثبات الرياضي نظريا لكن من غير الممكن تحقيقها عمليا. وبالتالى لابد وأن نقبل مع المجال المفتوح لاختيار اى عدد من الاحتمالات هيكون من الجائز وجود مجموعة من الاحتمالات المبدئية الأدلة لن تكون كافية للألتقائها في فترة زمنية عملية. ومن هنا بعض أنصار النظرية البايزية حاولوا يحددوا قواعد حاكمة لمجموعة الاحتمالات المبدئية. لكن هناك إشكالية أخرى في فكرة إلتقاء الاحتمالات المبدئية وهي افتراض أن بالرغم من اختلاف الاحتمالات المبدئية المتعددة حول الفرضية، إلا أن إمكانيات الادلة أو احتمالات الفرضية في وجود الادلة واحدة .. لكن ايه الاساس اللى علية اعتقدنا أن احتمالات الفرضية في وجود الادلة ستتفق أو تتقابل؟ .. لية الأفراد التي بتختلف جذريا حول احتمالات فرضية ما من الممكن أن تتفق حول امكانية الأدلة؟ .. خلافتهم في الغالب ستؤثر على رؤيتهم حول الادلة الممكنة والمطلوبة لتأكيد أحتمالتهم. أدبيات النظرية البايزية عادة ما بتستخدم أمثلة على شاكلة العاب القمار يبدو فيها أن إمكانية وجود أدلة تتلاقي في النهاية أمر معقول، لكن الامثلة دى نظرية وغير تقليدية في الواقع. الإشكالية دى في النظرية البايزية من الصعب تحديد أثرها خصوصا ان الاحتمالات المبدئية أساسية في الرد القياسي للنظرية على لغز جودمان للاستدلال Goodman’s new riddle of induction اللى تعرضنا له في حلقة إشكالية المنطق والتجريبية. اللغز من الممكن تبسيطه في المثال الآتي .. لو أمامنا جديلتين استدلاليتين قائمتين على ملاحظة مجموعة من الزمرد الاخضر .. الاولي خلصت لان كل الزمرد لونة أخضر، والثانية كل الزمرد لونة جرو (جرو كلمة افتراضية معنها ان الشئ المُلاحظ قبل سنة 2019 لونه أخضر وبعد 2019 لونه أزرق) .. لماذا نفترض ان هناك جدلية أصح من الاخرى؟ .. لو فاكر من مناقشتنا السابقة من غير الممكن التفريق ما بين تلك الجديلتين. رد النظرية البايزية أن كلا الجديلتين صحيحتين، لان كلاهما تأكدت بملاحظة زمرد أخضر . لكن مع ذلك فرضية جميع الزمرد أخضر بالنسبة لمعظم الناس سيكون لها أحتمال مسبق أعلى بكثير من فرضية جميع الزمرد جرو. وبالتالي بالرغم من أن كلا من الفرضيتين تأكدتا بالملاحظة الا ان احتمالية فرضية كل الزمرد أخضر ستكون الأكثر قبولا .. وفعلا ده بيضع فرق ما بين الجدليتين، لكن مش من الواضح لماذا ستكون احتمالية فرضية جميع الزمرد جرو أقل؟ .. لأن الفرد قد يبدأ باحتمالية أن جميع الزمرد جرو كالاحتمالية الوحيدة والملاحظة ستأكدها لان لا يوجد هناك ما يمنع في الرؤية البايزية ما يمنع اعتناق أى احتمالات مبدئية طالما اتبعت قواعد حساب الاحتمالات.
إشكالية الدليل القديم The Problem of Old Evidence
أحد أهم نتائج نظرية الجاذبية لنيوتن كان قدرتها على التنبؤ بالمد والجزر و المدار القمرى. وفي الغالب هذا النجاح كان وراء تأكيد النظرية، أو باستخدام اصطلاح بايزى، الحقائق المُلاحظة عن المد والجزر زادت من احتمالية النظرية النيوتنية. لكن في الواقع لا يجوز للبيزنين أن يستخدموا هذا الادعاء، لان الحقائق حول المد والجزر كانت معروفة بالفعل وقت وضع نيوتن لنظريتة، أي أن احتمالية الدليل كانت قيمتها واحد لأنه تم العثور عليه بالفعل، وبالتالي احتمالية الدليل واحتمالية النظرية في حالة العثور على الدليل اصبحتا متساويين لأن الدليل كان موجود بالفعل وقت وضع النظرية، أي أن المُضعاف البيزى قيمته كانت واحد، وبالتالي نظرية نيوتن لم تزداد احتماليتها من وضعها تنبؤ بحدوث المد والجزر! … المشكلة من الممكن تعميمها فى حالة “الدليل القديم old evidence” .. لو الدليل “د” تم العثور عليه قبل وضع الفرضية “س”، إذن “د” غير قادر على رفع احتمالية “س” من خلال استخدام الاحتمال الشرطي. الإشكالية دى فى الحقيقة هى المعضلة الكبيرة محل بحث أنصار المدرسة البايزية، وتم طرح عدد من الطرق للتعامل معها، لكنها كلها كانت غير مقنعة. الاشكالية ان لو نظرية ما تم اكتشافها خلال عملية البحث، لابد من وضع قيمة سابقة على النظرية. وضع قيمة سابقة على ارضية غير تجريبية، قبل ما نبدأ بتقييم النظرية شرطيا من خلال كل الادلة التى تم العثور عليها حتى تلك اللحظة، لكن لأن الأدلة القديمة قيمة احتمالها واحد أو 100% لان تم العثور عليها بالفعل، يصبح الإثبات الشرطى عديم القيمة. الرد الأول على المعضلة هو أن تعتبر الدليل المكتشف وقت وضع النظرية جزء من النظرية نفسها او الحالة السابقة وبالتالي لا يمكن استخدامة كمعامل شرطى في اثبات او نفي النظرية، لكنه يصبح الاحتمال المسبق لنظريتك Prior بما ان لاتوجد قيود على اختيار الاحتمالات السابقة على الفرضية. رد اخر بيتطلب مراجعة جذرية لمشروطية بايز. وذلك بدلا من استخدام الاحتمال الفعلى للادلة القديمة او التى عثر عليها بالفعل، استخدام احتمالية الادلة المضادة counterfactual لها زى مثلا الاحتمالات المضادة قبل اكتشاف الدليل، ده بيقدم طريقة طبيعية لوضع شروط نفي ضد الأدلة القديمة، لكن الصعوبة في أختيار تلك الاحتمالات المضادة مسبقا دفع العديد من أنصار النظرية البايزية هجر هذا الحل. الحل الثالث واللى غالبا الاكثر شهرة، بيقول بالرغم من ان وضع مشروطية على الدليل قديم او المكتشف بالفعل لن يكون له تأثير على احتمالية النظرية، وضع مشروطية على حقيقة أن النظرية تتنبأ بالدليل قد يكون له تأثير. الفكرة ان قبل وضع النظرية لم تكن تعرف أن الدليل سيتبع منها، لكن بمجرد وضع النظرية وقيمة لاحتمالية السابقة عليها، من الممكن أن تكون مشروطيتها قائمة على أن تحقق تبعية الدليل من النظرية. في الحقيقة هناك صعوبات في الرد ده. الاولى ان التبعيات هى حقائق منطقية، اللى طبقا لحساب الاحتمالات لابد من وضع قيمة لها واحدة في المرة. جعل الحقائق المنطقية قديمة كالدليل نفسه. الصعوبة الثانية هي أن نظرية الشرطية على الحقائق المنطقية لم يتم تطويرها بالقدر الكافي كما تطورت النظرية البايزية.
الواقعية العلمية والاستدلال بالإزالة Scientific Realism and Eliminative Inference
من الجائز أن تنتصر النظرية البايزية في نهاية المطاف في الصراع القائم حولها الآن. لكن قبل ما أختم جولتنا حول الطرح الاحتمالي لحل إشكالية التأكيد، سأعرض عليك بعض النظريات الأخرى، اللى قد تندرج تحت نفس المدرسة الاحتمالية بالرغم أن مش من الواضح ان كانت تلك النظريات في حالة منافسة أو تكامل مع النظرية البايزية . على اى حال المدرسة التجريبية في غالب القرن العشرين ركزت مناقشتها حول الدليل على صورة مبسطة جدا لكا يجب أن يحققه الاختبار العلمي، ببساطة هدف الاختبارات والتجارب العلمية هو اما تأكيد أو نفي التعميمات التى تطرحها النظريات من خلال المُلاحظة. في حالة النفي المنطق الاستنتاجي deductive logic سيكون كافي، اما في حالة التأكيد من الممكن استخدام صور خاصة من المنطق الاستقرائي inductive logic للوصول للحقيقة. لكن هذة الرؤية فشلت كما رأينا في الحلقات السابقة، فشلت من حيث عقلانيتها واتساقها الداخلي، وفشلت من حيث عمليتها للأستخدام داخل الدوائر العلمية. لكن أحد الصور البديلة لهدف الاختبار في العلم هي أن الاختبار العلمي عادة ما يكون محاولة للأختيار ما بين فرضيتين متنافستين حول التركيب الخفي او البعيد عن حواسنا للعالم الطبيعي. هذه الفرضيات عادة ما يتم التعبير عنها من خلال النماذج الرياضية، او التركيبات اللغوية، او بصور أخرى خارج نطاق طرحنا الحالي. أحيانا تلك التركيبات الخفية المُقترحة قد تعد مُسببات لظواهر طبيعية، وأحيانا قد تكون علاقات رياضية من الصعب ترجمتها لصورة بديهية من السبب والنتيجة يسهل علينا استيعابها بديهيا. وأحيانا قد يكون الهدف وضع تفسير جديد بالمرة، واحيان اخرى وصف بعض التفاصيل داخل نظرية أكبر. أحيانا الهدف قد يكون فهم أنماط طبيعية عامة، وأحيان أخرى قد يكون الهدف بناء صورة الأحداث وترتيبها الزمني في الماضي. في بداية الثورة العلمية كان من الشائع جدا رؤية إشكالية الدليل من خلال مثال الساعة، العالم يلاحظ حركة عقارب الساعة من الخارج ويحاول بناء استنباطات عن كيفية حركة تلك العقارب داخليا في الساعة. هذا المثال محدود جدا في التعبير عن حقيقة عمل العلم، لكنه في الواقع أقرب كثير لحقيقة العلم عن كثير من الصور المطروحة في غالب أدبيات الفلسفة التجريبية في القرن العشرين. محاولة التعامل مع اشكالية الدليل من خلال المنظور الواقعي ده قد تساعدنا في الوصول لطرح أكثر عملية لهدف عملية الاختبار العلمي. كون Kuhn ولودن Laudan أكدا بشكل صحيح أن النظريات والنماذج العلمية المختلفة بتضع معيار صحة النظرية العلمية معها. وبالتالي قد نقبل صورة تعددية لنظرية الأدلة في العلم. بمجرد انتقالنا تجاه صورة واقعية للعلم Scientific Realism يصبح من الجوهري ضرورة فهم الاستدلال التفسيري explanatory inference في اى عملية اختبار علمية. الاستدلال التوضيحي زي ما ناقشنا على مدار الحلقات السابقة هو استنباط فرضية من مجموعة من البيانات حول تركيب، عملية، أو كائن ما في الطبيعة بصورة تسمح بتفسير تلك البيانات. في الواقعية العلمية الاستدلال التفسيري أكثر اهمية لعملية البحث العلمي اليومية من المفاهيم النظرية الفلسفية حول الاستقراء induction. الاستنباطات الجيدة حول ما يمكن التنبؤ به، الأنماط التى من الممكن ان نتوقع حدوثها او استمرارها في تجاربنا اليومية، وكيفية عمل العمليات الطبيعية كلها ذات فائدة عملية مباشرة ملموسة في حياة البشر، في حين أن الفلاسفة لم يحرزوا الكثير من التقدم في فهم الاستدلال التفسيري explanatory inference. لكنها كانت فكرة مهملة لسنوات طويلة داخل فلسفة العلم لأن التجريبين انشغلوا بالبحث في طبيعة الاستقراء. أحد الصور المهمة لعملية الاستدلال التفسيري هى الاستدلال من خلال ازالة الاحتمالات Eliminative inference ..أو الاستدلال بطريقة شارلوك هولمز نسبة لشخصية المحقق الانجليزي الخيالية، اللى من خلالها يمكن الاستدلال على الحقيقة من خلال إزالة الاحتمالات الاخرى. الطريقة دى تم تجاهلها في غالب الوقت داخل فلسفة العلم في القرن العشرين، غالبا لأن فلاسفة العلم عادة ما افترضوا أن هناك عدد لانهائى من الاحتمالات البديلة لأي نظرية علمية. وبالتالي من المستحيل ازالة كل الفرضيات المنافسة، في حين أن الفكرة في جوهرها سليمة الا ان من الممكن ان نحد من هذا العدد اللانهائي من النظريات من خلال التقيد فقط بالنظريات البديلة ذات الصلة بالنظرية موضع الاختبار relevant alternatives وفي تلك الحالة من الممكن الاستدلال على صحتها من خلال ازالة الفرضيات الغير صحيحة. في الحقيقة الفكرة دى طرحها الكيميائي الأمريكي جون بلات John Platt في ورقة بحثية (انصحك بقرائتها) بعنوان “الاستدلال القوى Strong Inference ” نشرها ستة 1964 وركز فيها على فكرة الاستدلال من خلال ازالة الفرضيات المنافسة، وبدت فيها رؤية كصورة معدلة لنظرية قابلية النفي لكارل بوبر. لكن الورقة تم تجاهلها من غالب الفلاسفة في تلك الفترة، لكن بعض العلماء اخذوها بعين الاعتبار. وفي السنوات الاخيرة، الفلاسفة عادوا لأحياء أطروحة الاستدلال من خلال الاختزال مرة أخرى. على سبيل المثال الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون أيرمان John Earman طرح في كتابة البديع “بايز أم الإفلاس؟ Bayes or bust?” اللى نشرة سنة 1992 إطار عمل للأستدلال العلمي دون الاعتماد على أفكار احتمالية او بايزية بالمرة . والفيلسوف الإنجليزي المعاصر فيليب كيتشر Philip Kitcher طرح إطار عمل مشابه غير معتمد على النظرية البايزية الاحتمالية في كتابه المهم “تقدم العلوم The Advancement of Science” اللى نشرة سنة 1993. على اى حال الاستدلال من خلال الازالة قد يتم في صورة استنتاجية او غير استنتاجية. في أبسط صورة من الممكن إزالة كافة الفرضيات المنافسة ماعدا فرضية واحدة. وفي تلك الحالة من الممكن وضع حجة استنتاجية deductive argument قوية وسليمة طالما كانت إدعائها سلمية. تقريبا معظم صور المنطق اللى استخدمها آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle في حجج شخصيته الخيالية المحقق شارلوك هولمز. لكن الصور الغير استنتاجية من الممكن مقابلتها في حالتين. الاولي قد نكون غير قادرين على ازالة بعض الفرضيات بشكل قاطع، في تلك الحالة قد نكون قادرين على اظهار ان كافة الفرضيات من غير المُحتمل أن تكون صحيحة باستثناء فرضية واحدة. وثانيا قد نكون قادرين على ازالة معظم الفرضيات المنافسة لكن ليس كلها. وفي تلك الحالة مع ازالة عدد أكبر من الفرضيات المنافسة قد تكتسب تلك الفرضية دعم جزئي، لكن بالطبع يبقى الشك حول صحتها طالما بقيت هناك فرضيات اخرى منافسة قوية. وفي تلك الحالة من الممكن ان نقول ان من المرجح ان النظرية صحيحة. بكل تأكيد في الحالات الغير استنتاجية مثل الامثلة السابقة، من الممكن استخدام مزيج من الاستدلال من خلال الإزالة والنظرية البايزية اللى بتعطينا طريقة محددة للتعامل مع الاحتمالات. لان النظرية البايزية بتتعامل مع الالة بطريقة قائمة في الأساس على المقارنة حتى تكتسب فرضية ما صحتها وتخسر الفرضية الاخرى. إذن تتكون علاقة تكاملية بين الاستدلال من خلال الإزالة والنظرية البايزية في تلك الحالة. في الواقع الاستدلال من خلال الإزالة طبيعية جدا في العملية العلمية، والعلماء بيطرحوا جدلياتهم وحجتهم في غالب الوقت من خلال عملية ازالة الفرضيات، وبالتالي الفكرة ليست مجرد شطح فلسفي أو نظرى. و عملية الإزالة Elimination مهمة جدا في فهم الحالات الصعبة التى تتعامل معها نظرية الاستدلال التفسيري، الحالات اللى بيتم فيها وضع تفسيرات، نماذج، ونظريات جديدة كاملة. لان في تلك الحالات عادة ما بتتم مقارنة ما بين ما هو قائم من الفرضيات او النظريات لتفسير الظاهرة والفرضية الجديدة، ولابد من ازالة إحدى النظريتين. مثلا نظرية التطور لدارون في مقابل نظرية تنوع صور الحياة على الأرض من خلال عملية الخلق. أو فيزياء جاليلو في مقابل الفيزياء الارسطوطالية. أو نظرية سكينر السلوكية للغة في مقابل مقاربة تشومسكي المعرفية، الخ .. لكن في الحقيقة، بالنظر لتاريخ العلم، يصبح من الواضح لنا أن الصعوبة الكبرى اللى تواجه الجدليات الأزالية هو كيف من الممكن ان نعرف ونتأكد أننا أزلنا كل الفرضيات البديلة الممكنة؟ .. وقد يجادل البعض ان العلماء بشكل عام بيميلوا للثقة المُبالغ فيها في انهم ازالوا كافة الفرضيات البديلة! .. ودى حاجة غير مبالغ فيها، لان من السهل علينا أن نعتقد ان العلماء قد أخذوا في الاعتبار كافة البدائل الممكنة لفرضية ما، لكن الواقع قد يكون مختلف، خصوصا عندما يثبت خطأ النظرية وتظهر نظريات جديدة، في تلك الحالة يظهر أن العلماء لما يأخذوا بعين الاعتبار كافة البدائل! .. اذن الاستدلال من خلال الازالة قد يكون لنجاحات كبيرة في العلم لكنه ايضا قد يكون لفشل كبير خلال عملية البحث عن الحقيقة. على اى حال في اعتقادى الاستدلال من خلال الازالة لابد وان يكون جزء من اى نظرية فلسفية تحاول تفسير الاختبار والادلة في العلم، من الجائز لن تكون جوهر تلك النظرية لكنها بكل تأكيد ستلعب دور مهم.
في الورقة البحثية اللى نشرت بعد عشرات السنوات من موت عالم الرياضيات والاحصاء الإنجليزي توماس بايز Thomas Bayes “مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances”، بايز فجر ثورة رياضية، فلسفية، وعلمية لم تمتد حياتة كي يرى آثارها الايجابية على المعرفة البشرية لأنها لم تشتعل حتى النصف الثاني من القرن العشرين قبل يتخذ المجتمع العملي منحى بايزياً في البحث عن الحقيقة. من الفيزياء الطبيعية، لأبحاث السرطان، من الذكاء الاصطناعي لعلم النفس! الفيزيائين بيضعوا تفسيرات و اطروحات بايزية لميكانيكا الكم quantum mechanics، ويدافعوا عن نظرية الأوتار String Theory وتعدد العوالم multiverse من على أرضية بايزية. والفلاسفة يجادلوا أن العلم في مجملة من الممكن رؤيته كعملية بايزية احتمالية، والقاعدة البايزية قادرة وكافية لتفريق العلم الحقيقي عن الزائف. الباحثين في الذكاء الاصطناعي بداية بمصممي السيارات ذاتية القيادة، لأجهزة المساعدة الصوتية، للشبكات الاجتماعية بيوظفوا الطريقة البايزية لتطوير قدرة الآلات على التعرف على الأنماط بصورها المتعددة في المجالات المختلفة فتصبح صناعة القرار بداخلها ذاتية من خلال خوارزميات التعلم الآلي! .. الآلية البايزية عاملة اليوم في جميع مناحي الحياة، من فرز رسائل البريد الإلكتروني الغير مرغوب فيها، لتقييم المخاطر الطبية والدولية، حتى في فك شفرة الحمض النووي، وغيرها الالاف التطبيقات. وكثير من علماء الإدراك يفسروا ظاهرة المخ البشري كصورة بيولوجية من الآلة البايزية . برهان بايز طريقة لحساب صحة المعتقدات، الفرضيات، أو الادعاءات بُناء على أفضل الأدلة المُتاحة من خلال التجربة، المُلاحظة، والبيانات. لو حاولت تلخيص الفكرة البايزية في جملة واحدة أعتقد ستكون “المعتقدات المبدئية بالاضافة لأدلة جديدة تساوى معتقدات جديدة أفضل”. الرؤية البايزية لم تنكر أن واقعية العالم المجردة المطلقة، لكن ادعت أن البشر لن يكونوا قادرين أبدا على الوصول إلى الحقيقة المطلقة للواقع، لكن تزداد درجة اقترابهم من الحقيقة مع كل تجربة يتم اجرائها ومعلومة جديدة يتم اضافتها. المعرفة المطلقة لا يمكن نفيها بالدليل القاطع. لأنها ليست قائمة على الاحتمالية. عالم الإحصاء الأمريكي المعاصر نيثان سيلفر Nate Silver في كتابه البديع “الإشارة والضجيج the signal and the noise” جادل أن المناظرات بين افراد معتقداتهم المبدئية 100% وأفراد معتقداتهم المبدئية 0% حول فرضية ما عديمة القيمة، غياب القيمة الاحتمالية سيبقى ابدا سدا منيع للتواصل بينهم و عائق أمام الوصول للحقيقة المجردة، التى قد نقترب منها أبعد ما يكون لكن لن نمتلكها ابدا!
القصة اللى بدأنا بيها .. مقتبسة عن قصة الفيلم الوثائقي القصير ” في الأعماق In Deep Water” اللى قدمة المخرج الامريكي ستيفين ليكارت Steven Leckart على شبكة ESPN الأمريكية وتابع فيه القصة الحقيقة للعثور على السفينة الغارقة The SS Central America الغارقة سنة 1857 و اللى قام بيها فريق بحثي بقيادة تومي تومسون Tommy Thompson سنة 1988 واللى اعتمد في بحثة على طريقة رياضية قائمة على نظريات بايز الاحتمالية وشهادات الناجين من السفينة لوضع فرضيات للتنبؤ بموقع السفينة. بعد النجاح الكبير اللى حققة تومي هو وفريقة باكتشاف السفينة الغارقة وعلى متنها سفينة غارقة منذ أكثر من 150 عام في أكبر مسطح مائي على وجه الارض، اذن العثور على كل الحقائق الاخرى ممكن فقط ان اتبعنا الاحتمال البايزي! .. تومي نشر تفاصيل عملية البحث عن الكنز بتفاصيلها الرياضية، البحرية، والتحقيقة في كتابة “كنز أمريكا المفقود America’s Lost Treasure” اللى نشرة سنة 1998 .. قصة محقق يحاول العثور على دليل كالابرة في كون ضخم من القش! … لكن للأسف نهاية قصة تومي لم تكن سعيدة، بالرغم من أن شركته باعت الذهب سنة 2000 بقيمة تعدت ال50 مليون دولار، الا ان الديون أحاطت به من كل جانب سواء من أتعاب المحاماة ضد شركات التأمين او مستحقات المستثمرين. في نهاية الأمر تومي اختفى لسنوات بأموال طائلة قبل أن تعثر علية السلطات الفيدرالية سنة 2015 ومازالت قضيتة منظورة أمام المحاكم الفيدرالية الامريكية، قصة اجتمعت فيها روح المغامرة المستثمر، عبقرية العقل والطمع الإنساني!
ودلوقتى … تأمل للحظات المعرفة التي اكتسبتها عبر حياتك .. ماهى درجة ثقتك في صحة تلك المعرفة؟ .. هل أقتربت من اليقين؟ .. وهل من الممكن أن تقترب أبدا من اليقين؟ .. من الجائز أن تبقى المعرفة احتمالية الى الابد … لكن السؤال هل النظرية البايزية قادرة على حل إشكالية التأكيد والدليل في العلم؟ .. وهل قاعدة بايز قادرة على تمييز العلم الحقيقي من الزائف؟ .. أم أن البحث مازال جارى عن نظرية شاملة للتأكد في العلم؟ .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP54/EP54_2019_10_31.mp3
في الحلقة الجاية … هنكمل رحلة البحث في طبيعة العلم، في جولة أخيرة هناقش فيها أبعاد الإشكالات العقلية والمنطقية اللى فتحت أبوابها المجتمعات العلمية الحديثة! … عن تعدد النماذج … الواقعية الجديدة .. المثالية العلمية .. ومستقبل فلسفة العلم .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك:
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
https://goo.gl/GeKj3K
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
https://goo.gl/RRfoqg
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
https://goo.gl/DfrzG4
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
https://goo.gl/c2eosa
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
https://goo.gl/Dc53as
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
https://goo.gl/5khso5
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
https://goo.gl/BwQf5o
الواقعية العلمية Scientific Realism
https://stanford.io/2RKYOkC
http://bit.ly/2Pxv1uB
إشكالية التأكيد Problem of Confirmation
https://stanford.io/2K5VZqN
إشكالية التفسير Problem of Explanation
https://stanford.io/2KamlYI
الاستدلال الاستقرائي inductive inference
http://bit.ly/2K5VhtB
مدرسة البايزية الاحتمالية Bayesianism
http://bit.ly/32ffC6K
نظرية الاحتمالات Probability Theory
http://bit.ly/2C8dxPo
توماس بايز Thomas Bayes
http://bit.ly/3398NVL
مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances
http://bit.ly/2PU58Yj
ريتشارد بريز Richard Price
http://bit.ly/2JM8yIp
نظرية الاحتمالات الذاتية Subjective Probability
http://bit.ly/2PMWIBJ
الحقيقة والاحتمال Truth and probability
http://bit.ly/36uM7RZ
فرانك رمزي Frank P. Ramsey
http://bit.ly/2pCPzt7
جون أيرمان John Earman
http://bit.ly/32ipAoh
بايز أم الإفلاس؟ Bayes or bust?
http://bit.ly/2Ca7OIZ
الإشارة والضجيج the signal and the noise
http://bit.ly/2WEPgtJ
In Deep Water
https://53eig.ht/2CbrNXI
Music Credit
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Jurrivh – Lucid Dream
http://bit.ly/33hDdFm
Brandon Fiechter – Fairy Realm
http://bit.ly/2CbqcBn
Derek Fiechter – Dance of the Shadows
http://bit.ly/2NFnVDB
Brandon Fiechter – Waltz of the Fairies
http://bit.ly/2NvL1MU
Derek Fiechter, Brandon Fiechter – Fey Folk
http://bit.ly/36vVQr5
Adrian von Ziegler – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
Lucas King – Victim
http://bit.ly/2RLBCmm
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
By Ahmed Elmalt4.8
5252 ratings
“اهداء الى ذكرى المُعلم الأول والأب الروحي .. أ. فتحي ابو الروس”
تخيل انك مهندس بحريات، متخصص في البحث عن السفن الغارقة في أعماق المحيطات. من سنوات فكرة واحدة مسيطرة على عقلك، العثور على أكبر كنز غارق في المحيط! السفينة الامريكية The SS Central America غرقت في اعماق المحيط الهادي في إعصار شديد سنة 1857 فى رحلة عودتها من بنما الى مدينة نيويورك وعلى متنها 14 ألف كيلوجرام من الذهب الخام المستخرج من عمليات التنقيب، ومئات الضحايا من الركاب. العثور على السفينة الغارقة من أكثر من 150 سنة أصبح شغلك الشاغل. بدأت رحلة بحثك عن طاقم عمل يدعمك في عملية البحث الصعبة. بتبدأ بجارك وصديقك اللى كان متخصص في دراسة تاريخ الرحلات البحرية. اللي يتحمس للفكرة بشدة وعكف على جمع ودراسة كافة شهادات أفراد الطاقم والركاب الناجون، عن موقع السفينة، سرعة الرياح، ارتفاع الموج، وتوقيت العاصفة. على الجانب الآخر بتبدأ بطرح فكرتك على الأثرياء بحثا عن تمويل لمشروعك الضخم والصعب في نفس الوقت. السؤال المحير كيف ستبحث عن سفينة عن غارقة من عشرات السنوات في محيط واسع بُبناء على مجموعة من شهادات النجاة في أحسن الحالات غير دقيقة ان لم تكن خاطئة تماما. صديقك وضع مصفوفة لجميع البيانات المتواترة في شهادات الناجين. لكنكم لم تكونوا كباقي المنقبين عن الذهب في أعماق البحار، مجرد هواة تبحثوا عن الثراء السريع، طريقتكم كانت علمية. بدأتم في البحث عن متخصصين في وضع خوارزميات البحث عن المفقودات بناء على كميات ضخمة من المعلومات. بتتصلوا بلارى أحد العلماء الذين كان لهم يد في تطوير خوارزمية العثور على القنبلة الهيدروجينية المفقودة. بيوافق على العمل معكم في البحث على السفينة المفقودة. بتُحيط عملية البحث بسرية كبيرة تجنبا لتسرب الاخبار ومحاولة الآخرين منافستك في العثور على الكنز المفقود. لما بتبدى شكك في دقة المعلومات المجموعة من الشهادات، لارى بيأكد لك ان كل البيانات مهمة طالما اضفنا لها قيمة بتمثل الثقة في صحتها. ويبدأ في تكوين خريطة بايزية احتمالية باستخدام خطة بحث قائمة على نظرية بايز للاحتمالات. كل معلومة جديدة من شهادات الناجين تحدث القيمة المبدئية لاحتمال موقع السفينة، وهكذا في متوالية بايزية متراكمة للتنبؤ بموقع السفينة. لارى بيضع نموذج بايزي بناء على جميع المتغيرات التي من الممكن أن يكون لها تأثير في التنبؤ بموقع السفينة الغارقة من شهادات الناجين. صديقك كان بمثابة عميل جمع البيانات، تنظيمها، وترتيبها بطريقة من الممكن لنموذج لارى البايزي أن يستوعبها ويتعامل معها. أما لارى كان عميل تحليل البيانات باستخدام خوارزميات البحث البايزي الاحتمالية. نموذج لارى الاحتمالي قادة لوضع 3 فرضيات رئيسية عن موقع غرق السفينة. لارى استخدم نظرية بايز الاحتمالات لوضع طريقة من الممكن اتباعها للبحث عن السفينة الغارقة في المساحة الشاسعة التي غطتها جميع البيانات. بدأت مع فريق البحث باستخدام غواصة من الممكن التحكم فيها عن بعد بالبحث في المناطق ذات الاحتمالية الاعلى اللى حددتها خوارزمية بوب، وتدريجيا تتحرك حلزونيا تجاه المناطق ذات الاحتمالية الأقل. عملية البحث كانت بطيئة وبدت غريبة لطاقم السفينة معاك لانها تتحرك في خطوط عجيبة وفي كثير من الأحيان عكس الموج، لكنك اصرت على اتباع نموذج لارى الاحتمالي بكل دقة. في البداية بتعثورا على سفينة في المنطقة ذات الاحتمالية الأعلى، لكن بعد بحثها بتكتشفوا أنها سفينة أخرى، البعض بدأ يتشكك في قدرتك على العثور على السفينة لكنك مصمم على اتباع نموذج لارى الاحتمالي بدقة حتى تغطى رقعة البحث بالكامل. بالفعل في احد المناطق على خريطة البحث بتظهر السفينة المفقودة ساكنة في أعماق المحيط. تبدأوا في عملية استخراج حطام السفينة المليئة السبائك والعملات الذهبية. لكن للأسف العثور على الذهب المفقود كان بداية المصاعب. شركات التأمين على السفينة المفقودة من عشرات السنين طاردتك في المحاكم القضائية مطالبة بحقها في الذهب مقابل التعويضات التي دفعتها لأهالي المفقودين والضحايا على السفينة، المستثمرين بيطالبوا بحقوقهم، و الديون بدأت تطاردك من كل جانب. القضايا استمرت في المحاكم الفدرالية لعشرة سنوات، تضاعفت فيها أتعاب فريق الدفاع عنك لتصبح بالملايين، أصبحت مُحاصر من الجميع، المشروع الذى بدأ مشروع بحثي بدأ كالحلم وقتها، تحول الى كابوس بشع يطاردك في كل مكان .. حتى اختفيت عن الجميع ولم يعثر لك على أثر!
محاور
نظرية الاحتمالات والحقيقة، قاعدة بايز، المعادلة البايزية، المسلمات الاحتمالية، نظرية الاحتمالات الذاتية، المشروطية البايزية، الآلة البايزية، تقييم البايزية، إشكالية الدليل القديم، الواقعية العلمية والاستدلال بالإزالة
إشكالية التأكيد بظلالها المعتمة خيمت على فلسفة العلم ومفكريها معظم القرن العشرين. الإشكالية كانت ومازالت بسيطة في وصفها لكنها معقدة وبعيدة المنال في حلها. سؤال الإشكالية الأساسي ماهو المطلوب في مُلاحظة ما كي تقدم دليل كافي لتأكيد نظرية علمية ما؟ .. زى ما شفنا أحد المحاولات الطامحة قام بها فلاسفة التجريبية المنطقية logical empiricism في بدايات القرن العشرين باستخدام أفكار بسيطة أساسية وقواعد منطقية من الممكن استخدامها لبناء نوع من المنطق الاستقرائي inductive logic لتقديم إطار عمل علمي منطقي لتأكيد النظريات والفرضيات العلمية زى مثال بملاحظة عدة غربان سوداء يقدم دليل او تأكيد على ان كل الغربان لونها أسود (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية) .. لكن للأسف الفشل كان نهاية تلك المغامرة الطموحة. كارل بوبر Karl Popper كان العلامة الثانية الفارقة في تاريخ محاولة حل إشكالية التأكيد. اللى بعد تماما عن اصطلاح التأكيد بالمرة و عارض الفكرة كلية في العلم، واستبدالها بفكرة قابلة للدحض أو النفي Falsification الفكرة اللى لاقت نجاح كبير لكنها عجزت عن حل الاشكالية بالكامل وواجهت صعوبات في التعامل مع بعض الحالات زى الجمل الاحتمالية والوجودية (ارجع لحلقة قابلية النفي) .. وأخيرا عرضنا طرح توماس كوهين لفكرة تحول النموذج الفكري والثورات العلمية والإشكاليات المتعلقة بها التى لم تركز بشكل محدد على إشكالية التأكيد وظلت المشكلة قائمة (إرجع لحلقة الثورات العلمية). والصور الغير تقليدية لفكرة التأكيد والتفسير في العلم التي ناقشناها في حلقات ما بعد الثورات العلمية، و الواقعية العلمية كان من الغير عادى طرحها لو كان هناك نظرية قوية مقنعة للتأكيد اللى في غيابها أصبح فلاسفة التجريبية في موضع دفاع زى ما شفنا في حلقة التفسير العلمي. لكن الصورة تغيرت في النصف الثاني من القرن العشرين وأصبح هناك أمل في نظرية للتأكيد والأدلة في العلم بعد تطور مدرسة جديدة وهي مدرسة البايزية الاحتمالية Bayesianism، التي تطورت نواة أفكارها تدريجيا في القرن العشرين، ومع نهايات القرن أصبح من الممكن وضع تصور كلي لتلك الأفكار قد يقدم نظرية تأكيدية علمية بديلة. والمدرسة البايزية أصبحت الطريقة الأكثر شيوعا الآن مع بدايات القرن الواحد والعشرين لحل إشكالية التأكيد داخل الوسط العلمي.
النظرية البايزية في أبسط صورها بتحاول فهم فكرة التأكيد والدليل من خلال نظرية الاحتمالات Probability Theory. الفكرة مش جديدة في تاريخ فلسفة العلم رودلف كارناب قضى عقود بيحاول يحل الإشكالية باستخدام نظرية الاحتمالات. ده غير ان الفكرة بديهية لكثير من الناس، مثلا لو رأيت سيارة أحمد خارج منزلة من المحتمل جدا ان احمد بالمنزل. كلا من الإحصاء statistics وتحليل البيانات data analysis قائمين على نظرية الاحتمالات لوصف النتائج التى من الممكن استخلاصها من العينات و الدراسات الاستقصائية surveys. وحتى في دائرة القانون والقضاء فكرة الادلة القائمة على الطب الشرعي forensic أصبحت سائدة زى تحليل الدى ان اية القائم في الأساس على نظرية احتمالية لكن يعتد به كدليل ادانة او برائة. وبالتالي الكثير من الفلاسفة حاولوا فهم ودراسة الدليل من خلال فكرة الاحتمالات، الفكرة ببساطة ان عند وجود شك أو ريبة uncertainty في فرضية ما، الأدلة المستقاة من الملاحظة قد تقلل أو تزيد من احتمالية probability الفرضية. المدرسة البايزية أحد صور الفكرة العامة دى، وقائمة على معادلة رياضية بسيطة يعتبرها أنصار المدرسة الحل السحرى لإشكالية التأكيد والدليل. توماس بايز Thomas Bayes كان رجل دين ورياضي انجليزى أثبت النظرية التي نسبت إليه نظرية بايز Bayes’s theorem في القرن الثامن عشر ومن وقتها اتباع المدرسة اعتبرة إنه توصل لاكتشاف غير عادى.
نظرية الاحتمالات والحقيقة Probability and Truth
لو نسيت القواعد الرياضية لنظرية الاحتمالات اللى درستها من سنين في المدرسة، هحاول أفكرك بالقواعد الاساسية لنظرية الاحتمالات لان الاساس بنى عليه بايز نظريتة. احتمالية الحدث Probability of Event تعبر عن عدد المرات اللى حصلنا فيها على نتيجة معينة عند إجراء نفس التجربة عدة مرات. الاحتمالية ضرورية ومهمة في منظومات الحقيقة في الحالات اللى النتائج فيها اما عشوائية او ببساطة شديدة التعقيد يصعب علينا فيها التنبؤ بالنتيجة. نتيجة الحدث Outcome هو أحد النتائج المحتمل حدوثها في فضاء العينة، مثلا لو رمينا النرد، الحصول على الرقم واحد أحد النتائج المحتملة. فضاء العينة Sample Space هو مجموعة كل النتائج المحتمل حدوثها لتجربة ما مثلا فضاء العينة في حالة إلقاء نرد هو مجموعة الأعداد (1,2,3,4,5,6). أما الحدث Event مجموعة جزئية من فضاء العينة، عادة ما يمكن التعبير عن غالب الاحداث بانها تجيب على سؤال نعم أم لا. مثلا حدث الحصول على الرقم 6 عند إلقاء النرد؟ .. السؤال “هل تم الحصول على الرقم 6 عند إلقاء النرد مرة واحدة؟” .. باستخدام المصطلحات الرياضية دى من الممكن إعادة تعريف الاحتمال على أنه النسبة الجزئية لمرات حدوث الحدث من كل النتائج الممكنة في فضاء العينة. احتمالية الأحداث ينطبق عليها معاملات المنطق الأساسية. بمعنى قابلية الاتحاد، التقاطع، التكامل، والنفي .. مثلا احتمالية الحدث س1 اتحاد احتمالية الحدث س2 هى مجموع النتائج في كلا من س1 و س2. تقاطع احتمالية س1، وس2 هو مجموعة النتائجة المشتركة بين س1 وس2. واحد الأفكار البديهية لكن الهامة للغاية لفهم النظرية البايزية هى ان لو س1 وس2 مجموعتى احتمالات منفصلتين إذن التقاطع ما بينهم هو صفر لان لا توجد نتائج مشتركة، ونعبر عن تلك النتيجة بالرمز سيتا في الرياضيات. هنبنى على الفكرة دى، تخيل مثلا اننا الحدث س1 هو إلقاء نرد، والحدث س2 هو إلقاء عملة. عند إلقاء النرد مرة واحدة احتمال الحصول على كل عدد هو 1/6 لان هناك ست اوجهة وكل رقم من الممكن أن يظهر مرة واحدة فقط، اذن عدد مرات الحدوث الجزئية لكل عدد من فضاء العينة هو 1/6. وبنفس المنطق بما ان هناك نتيجتين محتملتين فقط في حالة العملة ملك وكتابة، إذن احتمالية الحصول على كل منهم 1/2. بالتالي لتلك الحدثين المنفصلين احتمالية الحصول على الرقم 5 والكتابة هو حاصل ضرب احتمالية الحصول على كل حدث منفصل، أي 1/6 x 1/2 يصبح 1/12. الفكرة الأخيرة التي سأقدمها لك في نظرية الاحتمالات الرياضية المهمة والأساسية في نظرية بايز معروفة بالاحتمالية الجزئية أو المشروطة Conditional Probability .. الفكرة بتتعامل مع الاحتمالية الأحداث المعتمدة على بعضها البعض. مثلا من مثال النرد شفنا ان احتمالية الحصول مثلا على العدد 3 هي 1/6 لان فضاء العينة لكل النتائج هو 6 والعدد الجزئي المعبر عن الحصول على الرقم 3 عند رمي النرد مرة واحدة هو 1. إذن الاحتمالية هي 1/6. تخيل دلوقتى ان القيت بالنرد وبطلب منك انك تخمن احتمالية الحصول على النتيجة. ردك هيكون 1/6. لكن لو أضفت لك معلومة ان النتيجة عدد فردى، ياترى هيكون ردك ايه؟ .. بالظبط بالبديهة فضاء العينة في الحالية دى اتغير، لان كل النتائج لم تعد محتملة الحدوث .. الأعداد الفردية في فضاء العينة الاصلى هى الأعداد (1,3,5) .. في تلك الحالة احتمالية الحصول مثلا على العدد 2 تساوى صفر لانه رقم زوجى خارج فضاء العينة. ومثلا لو سألت عن احتمالية الحدوث على العدد 3 في حالة ان النتائج كلها أعداد فردية . في تلك الحالة الاحتمالية المشروطة هتكون 1/3 بديهيا. والقانون الرياضي ورائها هو أن احتمالية س1 عند حدوث س2 = تقاطع احتمالية س1 وس2 مقسومة على احتمالية س2 ( إثبات المعادلة دى خارج نطاق مناقشنا حاليا، لكنها معادلة بسيطة من الممكن ان تثبتها بديهيا).
قاعدة بايز Bayes Rule
المقدمة الرياضية اللى بدأنا بيها حول نظرية الاحتمالات الرياضية ضرورية لفهم اطروحة بايز. قاعدة بايز بتتعامل مع عدد من الفرضيات المتنافسة حول تفسير ظاهرة ما في ضوء الأدلة المُلاحظة. هبدأ بمثال لتوضيح الفكرة، قبل ما أطرح عليك المعادلة الرياضية. تخيل انك صحيت في يوم من الايام حاسس بصداع، وحالتك بشكل عام ليست على ما يرام. لما تزور الدكتور ويجرى عليك مجموعة من الاختبارات لانة غير متأكد من حالتك، بعد كام يوم بتظهر نتيجة الاختبارات وللأسف بيكتشف ان عندك مرض نادر جدا بيُصيب 1% فقط من البشر .. أعراض المرض سيئة للغاية، فبتسأل الدكتور ان متأكد بنسبة كام ان عندى المرض ده؟ … بيرد الدكتور ان دقة الاختبار عالية جدا لكنها ليست قاطعة، الاختبار قادر على تحديد المرض في 99% من الحالات، لكنه هناك نسبة خطأ 1% أن الاختبار يقرر أن الفرد عنده المرض وهو غير مصاب بيه. … ياترى ايه احتمالية أنك مصاب بالمرض فعلا؟ … لو كانت اجابتك 99%، ماتتسرع انت اعتبرت نسبة نجاح الإختبار هي احتمالية إصابتك بالمرض! .. وده حساب إحتمال خاطئ .. انت محتاج نظرية بايز علشان تقدر تحسب الاحتمالية في الحالة دى!! … قاعدة بايز هتساعدنا في حساب احتمالية فرضية ما (خلينا نقول في الحالة دى هى انك مصاب فعلا بالمرض) مشروطة بوجود بيانات معينة أو حدث معين (في المثال الحدث هو انك اجريت الاختبار) .. الاحتمالية من الممكن حسبها باستخدام الاحتمالية المبدئية Prior Probability للحدث (اى الاحتمالية المبدئية انك مصاب بالمرض قبل الاختبار) وضربها في احتمالية حدوث الحدث في حالة ان الاحتمالية فعلا كانت صحيحة (في تلك الحالة احتمالية أن نتيجة الاختبار تكون إيجابية وفعلا انك مصاب بالمرض الايجابية الحقيقية True Positive .. اى انه قدر يحدد ان عندك المرض فعلا) ونقسم الناتج على المجموع الكلي لاحتمالات الحدث أو الدليل (في الحالة دى مجموع احتمالية ان يكون عندك المرض و نتيجة الاختبار تكون إيجابية (الايجابية الحقيقية True Positive) و احتمالية أنك غير مصاب بالمرض و نتيجة الاختبار تكون إيجابية (الايجابية الكاذبة False-positive) ) .. الاحتمالية المبدئية في المعادلة دى عادة ما تكون المُعامل الأصعب تحديدة، وفي كثير من الوقت مش هتكون اكثر من مجرد تخمين زى ما سنرى بعد قليل. لكنا في المثال الحالي هنعتبر ان الاحتمالية المبدئية هو نسبة حدوث المرض في البشر (1%) ، احتمالية ان الاختبار يكون ايجابي وانت فعلا مصاب بالمرض (الايجابية الحقيقية) هى 99% مشتقة من درجة دقة الاختبار. والاحتمالية الكلية للاختبار هي مجموع كلا من احتمالية الإيجابية الحقيقة اى حاصل ضرب 99% في 1% من البشر فعلا مصابين + احتمالية الايجابية الكاذبة اى حاصل ضرب 1% نسبة خطأ الاختبار في 99% من البشر الغير مصابين .. لو طبقت كل الارقام ستحصل على أن احتمالية انك تكون مصاب فعلا بالمرض 50% (جرب بنفسك تحسبها بالورقة والقلم). في الحقيقة لما بايز توصل للقاعدة دى للمرة الاولى ماكنش شايف انها ثورية أو عبقرية بالمرة .. لدرجة انه لم يعتقد انها تستحق حتى النشر! .. وتم اكتشاف القاعدة ضمن أوراقه بعد عشر سنوات مات بالصدفة، الورثة عرضوها على صديقة الفيلسوف الانجليزي ريتشارد بريز Richard Price علشان يقرر ان كان الاوراق مهمة ولا لأ، بريز نشر الورقة تحت عنوان “مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances” سنة 1763، اللى أحدثت ثورة في تاريخ الرياضيات، الفلسفة، والعلم من وقتها.
المعادلة البايزية Bayesian Equation
المعادلة القائمة عليها النظرية البايزية تعد معادلة رياضية بسيطة جدا. نظرية بايز تحاول قياس الفرق الذي من الممكن أن يحدثة دليل ما في صحة أو تأكيد فرضية. لو P(h) هو احتمال س فرضية بدون الدليل د. و P(h|e) هو احتمال الفرضية س في ضوء الدليل د. إذن لو كان احتمال الفرضية س في ضوء د أكبر من احتمال الفرضية س بدون د. إذن د يُأكد الفرضية س. او بصورة ادق د تجعل الفرضية س أكثر أحتمالا. اى ان لو فرد ما اعتنق فرضية ما س بدون وجود دليل بنسبة احتمالية، بعد ظهور الدليل د المفروض ان احتمالية صحة الفرضية عند الفرد تزداد. أي أن النظرية بتساعدنا على تحديث قيمة الاحتمال في الاعتقاد في ضوء الأدلة المتاحة. الفكرتين الرئيسيتين في نظرية بايز. فكرة دليل د يؤكد فرضية ما س لو كان د يزيد من احتمالية س، وفكرة أن الاحتمالات لابد وان يتم تحديثها طبقا لنظرية بايز. لكن ازاى نظرية بايز بتفسر احتمالية فرضية س في ضوء د؟ .. النظرية بتعبر عن هذه الاحتمالية كدالة رياضية لمتغيرين احتمالين آخرين. وهما الاحتمالات المبدئية Prior للفرضية س P، والاحتمالات السابقة لعكس او نفي الفرضية س P not مجموع هذين الرقمين لابد وان يكون واحد صحيح، لأنهما متكاملين. احتمالية الفرضية س في ضوء د P س|د عادة ما بيطلق عليها أرجحية الدليل likelihoods of evidence. خلينى أحاول تبسيط الأفكار الرياضية الجافة من خلال مثال .. تخيل انك مش متأكد من وجود صديق لك بالمنزل، لكنك رأيت سيارته بالخارج (دليل د) .. هنفترض ان قبل رؤية سيارته كونت فرضية انه بالمنزل بنسبة احتمالية 50%، واحتمالية ان سيارته ستكون أمام المنزل اذا كان بداخل المنزل بنسبة 80% لانه عادة لا يغادر المنزل بدون السيارة. في حين أن احتمالية انه لا يكون بالمنزل بالرغم من وجود سيارته بالخارج 10% فقط. باستخدام معادلة بايز من الممكن اننا ندخل الارقام السابقة للحصول على احتمالية وجوده في المنزل في ضوء وجود سيارته بالخارج 50*80/(50*80+50*10) .. اللى تقريبا 90% إذن رؤية سيارته صديقك خارج منزله يزيد من الاحتمالية الأولية لوجوده داخل المنزل بدون وجود دليل اللى قدرناها ب 50% الى تقريبا 90% .. اى ان رؤية السيارة يؤكد بقوة فرضية أن صديقك بالمنزل! … ارجو ان الفكرة البديهية والمعادلات الرياضية البسيطة أصبحت واضحة بالنسبة لك. في الحقيقة بايز في ورقته قام بتجربة بسيطة جدا، كان قاعد وضهرة لمنضدة خلفة وفي ايده كرة، بيلقيها خلف ظهره، كل مرة يلقي الكرة، يطلب من مساعدة يحدد مكانة نسبيا بالنسبة للرمية السابقة عليها، مثلا هل كانت على يمينها، وشمالها، أمامها، وخلفها. وهكذا باعادة اجراء التجربة، وتحديث الاحتمالية المبدئية كل مرة بناء على نتائج التجربة الحالية، بايز اعتقد ان من خلال تلك الطريقة من الممكن انه يستمر في تحديث مكان الكرة الاولي اللى ما يعرفوش، طبعا عمره ما هيكون متأكد من المكان الاولي ده، لكن مع كل معلومة جديدة يزداد دقة تنبؤة بمكان الكرة الاول. ودى الفكرة الفلسفية اللى بنى عليها بايز تصوره للعالم والحقيقة، ليس اعتقاده في ان لا توجد حقيقة موضوعية محددة ومجردة، لكننا لن نكون قادرين على الوصول إليها بدقة قاطعة ابدا .. وكل ما يجب ان نسعى الية هو ان نحدث فهمنا وتصورنا للحقيقة كل ما تظهر معلومة جديدة تزيد من دقة تنبئنا بحقيقة الواقع. إذن معادلة بايز لم يكن الهدف منها أن تطبق مرة واحدة للحصول على الحقيقة القاطعة مرة واحدة للأبد، لكن يتم تطبيقها مرة بعد الأخرى،في كل مرة تضيف معلومة جديدة وتقربنا أكثر للحقيقة. في مثال المرض اللى حسبنا احتمالية إصابتك بة ب 50% تخيل انك قررت انك تزور طبيب آخر وتجرى الاختبار مرة اخرى حتى تتأكد أن احتمالية ال50% انك مصاب بالمرض، لو طبقنا معادلة بايز مرة تانية .. الاحتمالية المبدئية في الحالة دى 50% (الاحتمالية اللى حصلنا عليها من الاختبار الاول Posterior .. اى اننا حدثنا الاحتمالية الاولية اللى كانت 1% احتمالية الاصابة في البشر بالاحتمالية الجدية الناتجة من الاختبار الاول) و نضربها في احتمالية الاختبار ايجابي وانت مصاب بالمرض 99% ونقسم على الاحتمالية الكلية للاختبار . هتلاقى ان احتمالية الجديدة انك تكون مصاب بالمرض في حالة أن نتيجة الاختبار الثاني كانت ايجابية هتكون 99% .. الأمر البديهي أيضا نتيجة معملين مستقلين اظهرت ان عندك المرض في الغالب فعلا هيكون عندك المرض، مش معقول هتكون صدفة .. لكنها مش امر مستحيل لان الاحتمالية مازالت 99% فقط اى ان مازال هناك 1% ان الأمر كان مجرد خطأ وصدفة وأنك غير مصاب بالمرض! .. وهكذا يمكنك اعادة تطبيق الاختبار لزيادة دقة الاحتمالية. الصعوبة في نظرية بايز هو أنها لا تساعدنا في تحديد الاحتمالات الأولية للفرضية . الاحتمال الاولي للفرضية س في غياب الدليل د ياترى ايه القيمة المناسبة له؟ .. في مثل صديقك اللي في المنزل قدرنا احتمال وجوده ب 50% ، لكن فرد آخر قد يقدر نفس الاحتمالية ب 70%، او 30% .. اى ان لا يوجد معيار واحد محدد متفق عليه لتحديد الاحتمالات الأولية .. القيمة دى هى العامل الأساسي في تحديد القيمة النهائية لاحتمالية س في ضوء د. وبالتالي بالرغم من أن نظرية بايز مفيدة جدا في نقاش الادلة على نظرية علمية ما، في كثير من الأحيان كثير من قراءات الاحتمالية ستكون شبهة مستحيلة لأن من الصعب تحديد الاحتمالات المبدئية Prior للنظرية أو الفرضية محل التأكيد. إذن لابد من وضع صورة موحدة متفق عليها او تفسير واحد لمفهوم الاحتمالات المبدئية حتى يصبح استخدام معادلة بايز موحد ويعطي نفس النتيجة تحت الظروف والتفسيرات المختلفة، التفسير الموحد للأحتمالات المبدئية ده كان المبدأ المهم الذي طورة بايز و أطلق عليه التفسير الذاتي subjectivist interpretation .
التفسير الذاتي للأحتمالات Subjectivist Interpretation of Probability
معظم التفسيرات لفكرة الاحتمالات اعتبرت انها طريقة لقياس خاصية موضوعية مجردة Objective في الأحداث. قيمة الاحتمال Probability Value هى قياس لفرصة وقوع الحدث، حيث الفرصة بصورة ما خاصية في الحدث نفسه وموقع وزمان حدوثه في العالم. دى مثلا الفكرة اللى عند كثير مننا لما بنتكلم عن إحتمالية فريق ما انه يكسب مباراة رياضية. لكن الرؤية دى غير دقيقة طبقا للتفسير الذاتي للأحتمالات. اللى بتفسر الاحتمالات على انها درجة الاعتقاد degrees of belief. الاحتمالية تقيس درجة ثقة الفرد في حقيقة إدعاء ما. وبالتالي لو قلت لك ان احتمال ان فريق الزمالك المصري لكرة القدم يكسب المباراة مع فريق الأهلي غدا 40% .. وكأني بقول لك ان درجة اعتقادى او ثقتى في إدعاء فوز فريق الزمالك هى 40%. الطريقة الذاتية لتفسير الاحتمالات قدمها للمرة الأولى بشكل مستقل فيلسوفان ورياضيين شهرين في أوائل القرن العشرين فرانك رمزى Frank Ramsey وبرونو دى فينيتي Bruno de Finetti. الطرح اللى كان مهم جدا مش بس في الفلسفة لكن أيضا محورى في نظرية صناعة القرار decision theory اللى بتلعب دور أساسي في العلوم الاجتماعية وخصوصا علم الاقتصاد. وغالب الفلاسفة اللى بستخدموا نظرية بايز لفهم الأدلة العلمية ودورها في تأكيد الفرضيات بيعتقدوا في رؤية ذاتية للاحتمالات! سواء كان الفهم ده بسبب قناعة ان دى الطريقة الوحيدة الصحيحة لفهم الاحتمالات او بسبب ان لابد من فهم الاحتمالات على تلك الصورة من أجل تطبيق نظرية بايز. وأكيد مش محتاج اقول لك ان الرؤية الذاتية كانت ومازالت محل خلاف فكرى كبير بين الفلاسفة والرياضيين، هحاول أعرض لك بعض جوانب هذا الخلاف بدون التطرق لتفاصيل رياضية وفنية معقدة قدر المستطاع. زى ما شفنا الرؤية الذاتية للاحتمالات بتشوف ان الاحتمال هو درجة اعتقاد الفرد في ادعاء ما أو فرضية ما عن الواقع، لكن من أجل أن نعرف درجة اعتقاد الفرد في فرضية ما لانسألة أن يبحث في عقله عن رقم محدد لتلك الدرجة زى مثلا لما بنسأل فرد عن مقدار النقود في حافظته! .. بدلا من هذا نحدد درجة اعتقاد الفرد من خلال سلوك مقامرتة gambling behavior لكلا من الحقيقي actual والممكن possible. أو بصورة أخرى درجة أعتقادك بتظهر في الرهان اللى قد تقامر علية والرهان اللى قد ترفضه. ( في الواقع كثير من الناس العادية قد يكونوا ضد المقامرة والرهان حتى لو كانت فرصتهم في الفوز كبيرة والعكس أيضا صحيح، لكن دى على اى حال الفكرة المثالية للبشر اللى تبنتها نظرية بايز .. مش هنحاول حل الإشكالية دى دلوقتى وهنفترض ان ده السلوك الطبيعي لغالب الناس). إذن كى نعرف درجة اعتقد إنسان ما في فرضية ما، بننظر إلى سلوكه في المقامرة حول الفرضية. في رهان ما احتمالية أن الفرد يأخذ أيا من جانبي الرهان .. أى احتمالية 50% نطلق عليها احتمالات متعادلة للشخص subjectively fair odds. مثلا تصور أن احتمالات رهان فرد على حقيقة فرضية ما “ف” هى 3:1 .. أى أن الفرد الذى يراهن على صحة “ف” يربح نقطة ان كانت “ف” فعلا صحيحة ويخسر 3 نقاط ان كانت “ف” خاطئة. بصور أعم لو قلنا إن الرهان على فرضية “ف” بنسبة (س: 1 ) هو الاستعداد لان تخسر س من النقاط لو ظهر ان ف خاطئة وفي المقابل تكسب 1 من النقاط لو كانت ف صحيحة. معناه ايه الكلام ده؟ … معناة ان كل ما أصبحت قيمة س كبيرة كلما زادت درجة ثقتك في صحة “ف”، لان لديك استعداد لخسارة رقم كبير من النقاط إن كانت “ف” خاطئة وبالتالى لايوجد شخص عاقل سيغامر بخسارة نقاط كثيرة خصوصا لو كانت النقاط دى مثلا نقود! .. إذن لو كانت الاحتمالات العدالة لرهانك الشخصى على فرضية “ف” هى ( س:1 ) اذن درجة اعتقادك في “ف” هى ( س / س+1 ). “س” هى درجة قابليتك للخسارة في حالة ان “ف” غير صحيحة و ( س+1 ) هى مجموع احتمالات أن “ف” صحيحة و”ف” غير صحيحة. لو متابع معايا حتى الآن حددنا درجة اعتقادك في فرضية ما “ف”. لكن درجة الاعتقاد في “ف” مرتبطة بدرجة اعتقادك في فرضيات أخرى. مثلا درجة اعتقادك في “ف” مرتبطة بدرجة اعتقادك في “ق” ايضا وكذلك درجة اعتقادك في “نفي ف”، الخ .. وبالتالي كي نجد الاحتمالية الذاتية subjective probability ل “ف” و “ق”، نحدد الاحتمالات العادلة لرهانك على كلا من “ف” و “ق”. إذن منظومة معتقدات الفرد في لحظة ما هى وصف لشبكة محددة من الاحتمالات الذاتية لهذا الفرد حول مجموعة كبيرة من الفرضيات عن الواقع. هذة الشبكة من الاحتمالات بتعمل في تناغم من تفضيلات الفرد utilities كي تنتج سلوكياته. في وجهة النظري البايزية، الحياة ماهى الا متسلسلة من الرهانات a series of gambles فيها سلوكياتنا بتمثل رهاننا حول طبيعة العالم.
المسلمات الاحتمالية Axioms of Probability
المدرسة البايزية تدعى انها تقدم نظرية حول درجة عقلانية أو اتساق شبكة معتقدات الفرد. وانصارها بيجادلوا أن مجموعة متسقة من درجات الاعتقاد لابد وأن تتبع مجموعة محددة من القواعد الرياضية للأحتمالات. (أوعدك ان دى هتكون أخر مجموعة من المعادلات الرياضية في الحلقة) .. الرياضي الروسي Kolmogorov وضع مجموعة أساسية من المسلمات الرياضية axioms اللى قامت عليها نظرية بايز. المسلمة الأولى: كل الاحتمالات هي أرقام تقع ما بين الصفر والواحد. مسلمة 2: اذا كان ادعاء ما صحيح بشكل تحليلي او مبسط أذن له احتمالية 1. مسلمة 3: لو كانت “ف” و”ف*” هى بدائل حصرية exclusive alternatives اى ان لا يمكن لكلاهما ان يكون صحيح، اذن احتمالية ف أو “ف*” تساوى احتمالية “ف +” احتمالية “ف*”. مسلمة 4: احتمالية “ف” في ضوء دليل “د” تساوى احتمالية “ف” و “د” مقسومة على احتمالية “د” .. حيث احتمالية “د” أكبر من الصفر. و نظرية بايز هي نتيجة للمسلمة 4 لان احتمالية ف و د من الممكن التعبير عنها كـ احتمالية كلا من “ف” في ضوء “د” مضروبة في احتمالية “د” أو كـ احتمالية “د” في ضوء “ف” مضروبة في احتمالية وبما أن هاتين الاحتمالين متساويتين إذن نظرية بايز صحيحة. أنا عارف ان المسلمات مش هى مشكلتك دلوقتى لكن السؤال المهم .. لماذا درجة أعتقدانا في أي معتقد لابد وأن تتبع المسلمات السابقة؟! .. في الحقيقة أنصار نظرية التفسير الذاتي للأحتمالات قدموا جدلية شهيرة للإجابة على هذا السؤال .. معروفة بـ جدلية الكتاب الهولندي Dutch book argument .. الجدلية من الممكن صياغتها كالآتي .. لو كانت درجة اعتقادك في فرضية ما لا تتفق مع مبادئ حساب نظرية الاحتمالات probability calculus سيكون هناك مواقف جائزة من المقامرة من المؤكد أنك ستخسر فيها المال. المواقف دى هى المواقف اللى هتضارب فيها على جانبي الفرضية، أو على جميع الاحتمالات الممكنة للفرضية. في تلك الحالات، إن لم تتفق درجة اعتقادك مع حساب الاحتمالات، وكان لديك الاستعداد لقبول أي رهان متوافق مع درجة اعتقادك، إذن ستقبل مزيج من الرهانات التى تضمن خسارتك! … خلينى ابسط لك الفكرة، من خلال مثال .. تخيل اننا بنلعب لعبة رمي العملة المعروفة في مصر ب ملك وكتابة .. لو كانت درجة اعتقادك ان الرمية المقبلة بنسبة 60% ملك ونسبة 60% كتابة .. هتكون خالفت حساب الاحتمالات طبقا للمسلمة الثالثة اللى طبقا لها مجموع اعتقاداتك هتكون 120% الأمر المستحيل طبقا للمسلمة الاولى وهى ان كل الاحتمالات تقع ما بين الصفر والواحد أو صفر% و 100% .. لكن تخيل انك اصرت على درجة معتقداتك وكان عندك الاستعداد للرهان عليها. دلوقتى تخيل أنك تراهن 10$ على 150:1 أن النتيجة هتكون ملك، ورهان اخر ب 10$ 150:1 أن النتيجة هتكون كتابة. لابد وأن تقبل كلا من المراهنين لان تفسيرك الذاتي للاحتمالات يقبل أن احتمال كلا من الملك والكتابة قد يكون 150:1. لابد وان تخسر، لو النتيجة كانت ملك هتكسب 10$ من الرهان الأول وتخسر 5$ من الرهان الثاني، والعكس صحيح. حتى تتجنب تلك الحالة لابد وأن معتقدات المختلفة تتفق مع قواعد الاحتمالات. الافكار اللى استخدمناها حتى اللحظة تنطبق على معتقدات الفرد في لحظة زمنية، لكن من الممكن استخدامها لإعطاء نظرية ما طريقة من خلالها يمكن تأكيد معتقدات النظرية عند ظهور الأدلة. نظرية بايز بتصف علاقة ما بين احتمالية “س” بدون وجود دليل “د” واحتمالية “س” في وجود دليل مادى “د”. وكلا الاحتمالين تم صياغتها في غياب الدليل “د”. وفي حالة العثور على الدليل د طبقا للنظرية البايزية، اى عميل عاقل سيغير من درجة معتقداته كى تصبح درجة الثقة في الاحتمالية “س” قائمة على احتمالية “س” في وجود الدليل “د” P(h|e) . اى ان قيمة احتمالية حدوث “س” الجديدة تساوي قيمة احتمالية حدوث “س” القديمة في وجود الدليل “د”. Pnew(h) = Pold(h|e) . اى أن القيمة الجديدة لاحتمالية “س” لدى الفرد تصبح الاحتمالية القديمة ل “س” في حالة ظهور الدليل المادي “د”. اى ان الاحتمالات اللاحقة posterior probability للبارحة هي الاحتمالات المسبقة Prior probability للغد. إذن طبقا للرؤية الذاتية للأحتمالات لا يمكن لمجموعة من درجات الاعتقاد أن تكون أقرب للحقائق من مجموعة أخرى من الاحتمالات، طالما ان مجموعتى الاحتمالات بيتبعا مسلمات أو قواعد حساب الاحتمالات. لكنها ليست الرؤية الوحيدة لنظرية الاحتمالات البايزية، بعض أنصار النظرية بيعتقد في مزيج من رؤية ذاتية subjective ، ورؤية مجردة objective.
نظرية الاحتمالات الذاتية Subjective Probability
المدرسة البايزية Bayesianism قائمة على مبادئ ثلاثة أساسية، أولها هو الموقف المعرفي epistemic attitude للعلماء تجاه أي اقتراح مهم عمليا يجب أن يستند على الاحتمال الذاتي الذي يقرره العالم لهذا الاقتراح. الاحتمال الذاتي subjective probability هو رقم ما بين الصفر والواحد يعبر عن ثقة العالم في صحة فرضية ما. الاحتمال الذاتي عادة ما يطلق عليها درجة الاعتقاد degrees of belief. وبالتالي الاحتمال الذاتي للفرضية هو تعبير عن حقيقة نفسية للعالم وليس عن حقيقة مجردة مستقلة عن العالم أو الشخص المُلاحظ للفرضية. أى أن لا يعبر بالضرورة عن حقيقة الفرضية، لكن عن احتمال حقيقة الفرضية من وجهة نظر العالم ومن هنا أطلق عليها الاحتمالات الذاتية. على النقيض من الطرق المختلفة لتأكيد النظرية العلمية التى تعرضنا لها في الحلقات السابقة، النظرية البايزية ليست قائمة على فكرة قبول acceptance النظرية. لان لايوجد قدر كافي من الادلة للحث على تحول نوعي في الموقف المعرفي البايزي من عدم قبول إلى قبول النظرية. التعلم من الادلة هو دائما مسألة تعديل كمي لتغيير الاحتمال الذاتي الخاص بك تجاة فرضية ما حتى تعكس درجة اعتقادك في صحتها ظهور الأدلة الجديدة. أى أن النظريات الأكثر تفصيلا ما بين العلماء هى ببساطة تلك النظريات التي لديها أعلى قدر من الاحتمالات الذاتية. وبالتالي من المنطقي أن العلماء تحت إطار عمل بايزي ان يضعوا احتمال ذاتي لكل فرضية في عملية بحثهم. الفيلسوف البريطاني فرانك رمزي Frank P. Ramsey في ورقة بحثية بعنوان “الحقيقة والاحتمال Truth and probability” نشرها سنة 1931 أقترح أن يكون لديك أحتمال ذاتي لفرضية ما هو أن يكون هناك تصرفات معينة، هذا التصرف من الممكن قياسه في حالات كثيرة عن طريق تقييم سلوك المراهنة كالاتي، لكما زادت أحتماليتك الذاتية لفرضية ما، قلت الفرص حال ثبات كافة المتغيرات الاخرى، ستكون على استعداد لقبول المراهنة على حقيقة هذه الفرضية. بشكل أكثر دقة لو فرضنا ان الاحتمال الذاتي لفرضية ما ف هو “س” .. إذن ستقبل الفرص بنسبة 1:س على حقيقة هذه الفرضية، بمعنى آخر ستتجنب الرهان بأكثر من قيمة “س”، مثلا لو كانت قيمة احتمالك الذاتي هى 0.3 فلن تدفع أكثر من 3 جنيهات للعب لعبة قد تربح فيها 10 جنيهات في حالة صحة احتمالك، لأن مقدار رهانك على صحة الفرضية هو الثلث فقط. رمزى اعتقد ان معظم البشر سيكون لديها ميل طبيعي تجاه هذا القياس باستخدام الرهان كأختبار لاحتمالتهم الذاتية. على أى حال الأداة الرئيسية في النظرية البايزية هي حجة رياضية، بالتحديد حساب الاحتمالات في الرياضيات القياسية probability calculus اللى بالنسبة له جميع الاحتمالات الذاتية يفترض أن تتوافق. المبدأ الثاني في النظرية البايزية هو التطابق مع البديهيات، هنا بتظهر الناحية الارشادية او الاجبارية في نظرية بايز .. بعد ما تحقق أن العلماء لابد وان يكون لديهم حقائق نفسية عن درجة اعتقادهم أو أحتمالتهم الذاتية في صحة فرضية ما، الخطوة الثانية هو يجب عليهم وضع تلك الاحتمالات في صورة متوافقة مع مسلمات وقواعد حساب الاحتمالات.
المشروطية البايزية Bayesian Conditionalization
المبدأ الثالث في النظرية البايزية هو قاعدة المشروطية Bayes’ conditionalization rule بيلزم العالم بتحديث الاحتمالات الذاتية بمجرد ظهور الأدلة. القاعدة بتضع أربع خطوات أساسية، الاولي هو تحديد الاحتمالات الذاتية السابقة prior اللاحقة posterior اى قيمة احتمالات الذاتية لديك عن الفرضية في غياب الأدلة وقيمة احتمالات الفرضية لديك عن الفرضية بعد ظهور الأدلة. قاعدة بايز بتقدم معادلة لحساب الاحتمالات اللاحقة لاى فرضية من خلال الاحتمالات السابقة وطبيعة الدليل. الخطوة الثانية هى الاحتمال الشرطي conditional probability أحد قواعد حساب الاحتمالات القياسية مثلا في احتمال الحصول على رقم 4 في رمية نرد هي 1/6 لان هناك ست طرق محتملة لها نفس الفرصة ان يكون احدها الرقم أربع. من الممكن صياغة القاعدة بشكل رسمى كالاتي، احتمالية الفرضية ف مشروطة بفرضية أخرى س من الممكن التعبير عنها على صيغة أحتمالية ف مشروطة ب “س” C(h|g). الخطوة الثالثة هى تحديث احتمال الفرضية عند ظهور الدليل كى تصبح الاحتمالية اللاحقة اى الاحتمالية في وجود الدليل. اى ان بمجرد معرفة ان الدليل كان صحيح او له وجود تصبح احتمالية الذاتية اللاحقة هي الاحتمالية السابقة. ام الخطوة الاخيرة ملاحظة نتيجة رياضية بسيطة لتعريف الاحتمال الشرطي اللى يطلق عليها نظرية بايز Bayes’ rule اللى طبقا لها في حالة الحصول على الدليل “د” .. نضرب قيمة الاحتمالية القديمة ل “ف” في أحتمالية الدليل “د” في وجود “ف” على احتمالية “د”. المعامل ده عادة ما يطلق علية المضاعف البايزي Bayesian multiplier .. لكن ايه السبب في قبول تلك القاعدة؟ … لماذا لابد وأن نجعل الاحتمال اللاحق على ظهور الدليل في حالة ظهوره هو الاحتمال السابق للفرضية. في الواقع هناك العديد من الجدليات والحجج حاولت إثبات القاعدة في العديد من الأدبيات البايزية معظمها يعتمد على حجة الكتاب الهولندي، لكن على اى حال الإجماع ما بين الرياضيين أن معظم الحجج غير كافي او مقنع. ومن المهم الاشارة لان الرياضيات في تلك الحالة غير كافية للأجابة على السؤال بمفردها .. لان حساب الاحتمالات بيعقد علاقة ما بين مجموعتين من الاحتمالات التي تعد جزء من نفس التوزيع العام، لكن قاعدة بايز بتعقد علاقة ما بين مجموعتين من الاحتمالات من توزيعين مختلفين، توزيع الاحتمال السابقة وتوزيع الاحتمالات اللاحقة. أذن اكتشاف الدليل تأثيرة واضح على الاحتمال بتطبيق القاعدة الرياضية وضرب الاحتمال السابق في المضاعف البايزي نحصل على الاحتمال اللاحق، وبالتالي ظهور الدليل يؤدى إلى زيادة احتمالية الفرضية “ف”، وفي تلك الحالة يقال أن الدليل “د” يُأكد الفرضية س. لكن حين يقلل الدليل من احتمالية الفرضية، يقال إن الدليل ينفي الفرضية. لو لاحظت ان زيادة احتمالية حدوث الشئ ليست نفس الشئ كـ تأكيده، وتقليل احتمالية ليست نفس الشئ كـ نفية لكن أتباع النظرية البايزية يحاولوا استبدال مفاهيم التأكيد بمفاهيم احتمالية جديدة.أي أن تحت المفهوم البايزي أن نقول أن نظرية ما مؤكدة هو القول فقط بأن احتمالاتها ازدادت، وقد تكون زيادة قليلة جدا ادت اللى ان الاحتمال اللاحق أصبح الاحتمال السابق طالما كان احتمال الدليل كافي لتحديث الاحتمال طبقا لقاعدة بايز الشرطية.
الآلة البايزية The Bayesian Machine
تخيل انك بتحاول معرفة ان كانت عملة ما مُحايدة اى انها غير مُنحازة لا تجاة الوجه (الملك) أو الظهر (الكتابة) .. من الممكن ان ترمى العملة المعدنية عشر مرات، على أمل الحصول على خمس مرات ملك وخمس مرات كتابة. كيف من الممكن أن نطبق قاعدة بايز الشرطية على هذا الدليل؟ .. في تلك الحالة سنحتاج لثلاثة قيم احتمالات ذاتية، احتمال سابق للفرضية “ف” بأن العملة مُحايدة، واحتمال سابق للدليل “د”، واحتمال الفرضية “ف” في وجود “د” ولابد من وضع قيم كمية لتلك الاحتمالات الثلاثة من خلال عملية عكسية نقوم فيها باتباع مسلمات وقواعد حساب الاحتمالات. لكن هذه العملية معقدة ومطولة ان تمت بشكل يدوى .. الجذاب في نظرية بايز ان الاحتمالات الذاتية من الممكن تحديدها بشكل اتوماتيكي بمجرد تحديد مجموعة من الاحتمالات يدويا. في حالة مثال العملة المعدنية بمجرد تحديد الاحتمالات السابقة للفرضية “ف” والاحتمالات الاخرى المنافسة لها، بقليل من الفلسفة والرياضيات من الممكن الحصول احتمالية الفرضية في حالة الدليل. نبدأ بإمكانية احتمالية الحصول على خمس مرات ملك في حال رمى العملة 10 مرات وافتراض أن العملة مُحايدة. بما أن المُحايدة يتبع منها القسمة العادلة بين وجهى العملة إذن احتمال الحصول على الملك 0.5 أو 50% بغض النظر كم مرة رمينا العملة. وبالتالى من المنطقى أن نحدد قيمة احتمال الفرضية في حالة وجود الدليل ب 50%، الفكرة البديهية دى بيطلق عليها مبدأ ميلر Miller’s Principle وفي أحيان أخرى قد يطلق عليها مبدأ تنسيق الاحتمالات Probability Coordination Principle أو اختصارا PCP. النظرية البايزية بتعتمد هذا المبدأ في تحديد إمكانية او احتمالية الفرضيات في حالة ظهور الدليل كى تقلل من عناء وضع تلك الاحتمالات بشكل يدوي. إذن لو كانت الفرضيات المتنافسة تضع احتمالات محددة ذات قيمة احتمالية محددة للدليل تشكل مجموعة حصرية ومتبادلة، إذن كم خلال مبدأ ميلر، وحساب الاحتمالات ومضاعف بايز من الممكن تحديد جميع الفرضيات بمجرد تحديد احتمالاتها السابقة. بهذا الشكل يصبح المطلوب من العلماء وضع مجموعة صغيرة ومحدودة جدا من الاحتمالات في البداية قبل ظهور أى أدلة، اى أن العالم لابد أن يضع قيم للأحتمالات الذاتية لكل فرضية علمية ممكنة متنافسة لتفسير ظاهرة ما. وباقي الاحتمالات سيتم الحصول عليها بتطبيق مبدأ ميلر وقواعد حساب الاحتمالات، التأكيد البايزي Bayesian confirmation بيعمل كآلة مميكنة، تدخل الاحتمالات المبدئية وتقدم الأدلة للفرضيات المتنافسة ودع حساب الاحتمالات يُأكد الفرضية.
تقييم البايزية Assessing Bayesianism
تحت قواعد المدرسة البايزية بنبدأ بمجموعة من الاحتمالات المبدئية للعديد من الفرضيات، التي بنحدثها مع ظهور الأدلة. المجال حر تمام ومفتوح لأختيار المجموعة دى من الاحتمالات المبدئية، بمعنى انه لاتوجد مجموعة أولية من الاحتمالات افضل من مجموعة أخرى، طالما أنها بتتبع قواعد ومسلمات حساب الاحتمالات. الفكرة دى محل نزاع في النظرية البايزية البعض رأى أنها نقطة ضعف والبعض الآخر رآها على العكس نقطة قوة! .. نقطة ضعف لأن النظرية لا تقدم اى ادوات لنقد الاحتمالات المبدئية مهما كانت غريبة أو عجيبة، وقد نجادل أن النتيجة اللى سنتهى إليها بعد ظهور الأدلة ستكون وثيقة الارتباط بالاحتمالات التي بدأنها بيها! .. لكن ده جانب واحد فقط من الحقيقة .. لان بالرغم فعلا من أن الاحتمالات الأولى بيتم اختيارها بحرية تامة وقد تكون عجيبة جدا طالما أنها اتبعت مسلمات حساب الاحتمالات، إلا أنها بتختفى تدريجيا في كثير من الاحيان مع ظهور الادلة الداعمة او الناقدة طالما اتبعنا قواعد المنطق السليم في تطوير تلك الاحتمالات. اى ان الاحتمالات المبدئية بتقل أهميتها كلما ظهرت أدلة جديدة. مثلا لو فى شخصين لديهم مجموعتين مختلفتين من الاحتمالات المبدئية حول فرضية س، لكن نفس إمكانية الحصول على الادلة “د1″، “د”2،”د3″، الخ .. دلوقتى تخيل ان الفردين توصلوا لنفس الأدلة. بالتالى احتمالية الفردين للفرضية س ستقترب أكثر وأكثر من بعضها البعض، ومن الممكن رياضيا إثبات أن لاى عدد طبيعي جائز من الاختلافات ما بين مجموعتين من الاحتمالات المبدئية، لابد من وجود عدد طبيعي محدد من الأدلة الكافية انها تجعل المجموعتين يلتقيا حول احتمال واحد حول الفرضية. إذن الاختلافات المبدئية للاحتمالات بتقل مع ازدياد عدد الأدلة. عملية التقاء convergence الاحتمالات دى قد تأخذ مدة زمنية طويلة، حتى تتوفر جميع الادلة، مدة زمنية ليس لها تأثير في الإثبات الرياضي نظريا لكن من غير الممكن تحقيقها عمليا. وبالتالى لابد وأن نقبل مع المجال المفتوح لاختيار اى عدد من الاحتمالات هيكون من الجائز وجود مجموعة من الاحتمالات المبدئية الأدلة لن تكون كافية للألتقائها في فترة زمنية عملية. ومن هنا بعض أنصار النظرية البايزية حاولوا يحددوا قواعد حاكمة لمجموعة الاحتمالات المبدئية. لكن هناك إشكالية أخرى في فكرة إلتقاء الاحتمالات المبدئية وهي افتراض أن بالرغم من اختلاف الاحتمالات المبدئية المتعددة حول الفرضية، إلا أن إمكانيات الادلة أو احتمالات الفرضية في وجود الادلة واحدة .. لكن ايه الاساس اللى علية اعتقدنا أن احتمالات الفرضية في وجود الادلة ستتفق أو تتقابل؟ .. لية الأفراد التي بتختلف جذريا حول احتمالات فرضية ما من الممكن أن تتفق حول امكانية الأدلة؟ .. خلافتهم في الغالب ستؤثر على رؤيتهم حول الادلة الممكنة والمطلوبة لتأكيد أحتمالتهم. أدبيات النظرية البايزية عادة ما بتستخدم أمثلة على شاكلة العاب القمار يبدو فيها أن إمكانية وجود أدلة تتلاقي في النهاية أمر معقول، لكن الامثلة دى نظرية وغير تقليدية في الواقع. الإشكالية دى في النظرية البايزية من الصعب تحديد أثرها خصوصا ان الاحتمالات المبدئية أساسية في الرد القياسي للنظرية على لغز جودمان للاستدلال Goodman’s new riddle of induction اللى تعرضنا له في حلقة إشكالية المنطق والتجريبية. اللغز من الممكن تبسيطه في المثال الآتي .. لو أمامنا جديلتين استدلاليتين قائمتين على ملاحظة مجموعة من الزمرد الاخضر .. الاولي خلصت لان كل الزمرد لونة أخضر، والثانية كل الزمرد لونة جرو (جرو كلمة افتراضية معنها ان الشئ المُلاحظ قبل سنة 2019 لونه أخضر وبعد 2019 لونه أزرق) .. لماذا نفترض ان هناك جدلية أصح من الاخرى؟ .. لو فاكر من مناقشتنا السابقة من غير الممكن التفريق ما بين تلك الجديلتين. رد النظرية البايزية أن كلا الجديلتين صحيحتين، لان كلاهما تأكدت بملاحظة زمرد أخضر . لكن مع ذلك فرضية جميع الزمرد أخضر بالنسبة لمعظم الناس سيكون لها أحتمال مسبق أعلى بكثير من فرضية جميع الزمرد جرو. وبالتالي بالرغم من أن كلا من الفرضيتين تأكدتا بالملاحظة الا ان احتمالية فرضية كل الزمرد أخضر ستكون الأكثر قبولا .. وفعلا ده بيضع فرق ما بين الجدليتين، لكن مش من الواضح لماذا ستكون احتمالية فرضية جميع الزمرد جرو أقل؟ .. لأن الفرد قد يبدأ باحتمالية أن جميع الزمرد جرو كالاحتمالية الوحيدة والملاحظة ستأكدها لان لا يوجد هناك ما يمنع في الرؤية البايزية ما يمنع اعتناق أى احتمالات مبدئية طالما اتبعت قواعد حساب الاحتمالات.
إشكالية الدليل القديم The Problem of Old Evidence
أحد أهم نتائج نظرية الجاذبية لنيوتن كان قدرتها على التنبؤ بالمد والجزر و المدار القمرى. وفي الغالب هذا النجاح كان وراء تأكيد النظرية، أو باستخدام اصطلاح بايزى، الحقائق المُلاحظة عن المد والجزر زادت من احتمالية النظرية النيوتنية. لكن في الواقع لا يجوز للبيزنين أن يستخدموا هذا الادعاء، لان الحقائق حول المد والجزر كانت معروفة بالفعل وقت وضع نيوتن لنظريتة، أي أن احتمالية الدليل كانت قيمتها واحد لأنه تم العثور عليه بالفعل، وبالتالي احتمالية الدليل واحتمالية النظرية في حالة العثور على الدليل اصبحتا متساويين لأن الدليل كان موجود بالفعل وقت وضع النظرية، أي أن المُضعاف البيزى قيمته كانت واحد، وبالتالي نظرية نيوتن لم تزداد احتماليتها من وضعها تنبؤ بحدوث المد والجزر! … المشكلة من الممكن تعميمها فى حالة “الدليل القديم old evidence” .. لو الدليل “د” تم العثور عليه قبل وضع الفرضية “س”، إذن “د” غير قادر على رفع احتمالية “س” من خلال استخدام الاحتمال الشرطي. الإشكالية دى فى الحقيقة هى المعضلة الكبيرة محل بحث أنصار المدرسة البايزية، وتم طرح عدد من الطرق للتعامل معها، لكنها كلها كانت غير مقنعة. الاشكالية ان لو نظرية ما تم اكتشافها خلال عملية البحث، لابد من وضع قيمة سابقة على النظرية. وضع قيمة سابقة على ارضية غير تجريبية، قبل ما نبدأ بتقييم النظرية شرطيا من خلال كل الادلة التى تم العثور عليها حتى تلك اللحظة، لكن لأن الأدلة القديمة قيمة احتمالها واحد أو 100% لان تم العثور عليها بالفعل، يصبح الإثبات الشرطى عديم القيمة. الرد الأول على المعضلة هو أن تعتبر الدليل المكتشف وقت وضع النظرية جزء من النظرية نفسها او الحالة السابقة وبالتالي لا يمكن استخدامة كمعامل شرطى في اثبات او نفي النظرية، لكنه يصبح الاحتمال المسبق لنظريتك Prior بما ان لاتوجد قيود على اختيار الاحتمالات السابقة على الفرضية. رد اخر بيتطلب مراجعة جذرية لمشروطية بايز. وذلك بدلا من استخدام الاحتمال الفعلى للادلة القديمة او التى عثر عليها بالفعل، استخدام احتمالية الادلة المضادة counterfactual لها زى مثلا الاحتمالات المضادة قبل اكتشاف الدليل، ده بيقدم طريقة طبيعية لوضع شروط نفي ضد الأدلة القديمة، لكن الصعوبة في أختيار تلك الاحتمالات المضادة مسبقا دفع العديد من أنصار النظرية البايزية هجر هذا الحل. الحل الثالث واللى غالبا الاكثر شهرة، بيقول بالرغم من ان وضع مشروطية على الدليل قديم او المكتشف بالفعل لن يكون له تأثير على احتمالية النظرية، وضع مشروطية على حقيقة أن النظرية تتنبأ بالدليل قد يكون له تأثير. الفكرة ان قبل وضع النظرية لم تكن تعرف أن الدليل سيتبع منها، لكن بمجرد وضع النظرية وقيمة لاحتمالية السابقة عليها، من الممكن أن تكون مشروطيتها قائمة على أن تحقق تبعية الدليل من النظرية. في الحقيقة هناك صعوبات في الرد ده. الاولى ان التبعيات هى حقائق منطقية، اللى طبقا لحساب الاحتمالات لابد من وضع قيمة لها واحدة في المرة. جعل الحقائق المنطقية قديمة كالدليل نفسه. الصعوبة الثانية هي أن نظرية الشرطية على الحقائق المنطقية لم يتم تطويرها بالقدر الكافي كما تطورت النظرية البايزية.
الواقعية العلمية والاستدلال بالإزالة Scientific Realism and Eliminative Inference
من الجائز أن تنتصر النظرية البايزية في نهاية المطاف في الصراع القائم حولها الآن. لكن قبل ما أختم جولتنا حول الطرح الاحتمالي لحل إشكالية التأكيد، سأعرض عليك بعض النظريات الأخرى، اللى قد تندرج تحت نفس المدرسة الاحتمالية بالرغم أن مش من الواضح ان كانت تلك النظريات في حالة منافسة أو تكامل مع النظرية البايزية . على اى حال المدرسة التجريبية في غالب القرن العشرين ركزت مناقشتها حول الدليل على صورة مبسطة جدا لكا يجب أن يحققه الاختبار العلمي، ببساطة هدف الاختبارات والتجارب العلمية هو اما تأكيد أو نفي التعميمات التى تطرحها النظريات من خلال المُلاحظة. في حالة النفي المنطق الاستنتاجي deductive logic سيكون كافي، اما في حالة التأكيد من الممكن استخدام صور خاصة من المنطق الاستقرائي inductive logic للوصول للحقيقة. لكن هذة الرؤية فشلت كما رأينا في الحلقات السابقة، فشلت من حيث عقلانيتها واتساقها الداخلي، وفشلت من حيث عمليتها للأستخدام داخل الدوائر العلمية. لكن أحد الصور البديلة لهدف الاختبار في العلم هي أن الاختبار العلمي عادة ما يكون محاولة للأختيار ما بين فرضيتين متنافستين حول التركيب الخفي او البعيد عن حواسنا للعالم الطبيعي. هذه الفرضيات عادة ما يتم التعبير عنها من خلال النماذج الرياضية، او التركيبات اللغوية، او بصور أخرى خارج نطاق طرحنا الحالي. أحيانا تلك التركيبات الخفية المُقترحة قد تعد مُسببات لظواهر طبيعية، وأحيانا قد تكون علاقات رياضية من الصعب ترجمتها لصورة بديهية من السبب والنتيجة يسهل علينا استيعابها بديهيا. وأحيانا قد يكون الهدف وضع تفسير جديد بالمرة، واحيان اخرى وصف بعض التفاصيل داخل نظرية أكبر. أحيانا الهدف قد يكون فهم أنماط طبيعية عامة، وأحيان أخرى قد يكون الهدف بناء صورة الأحداث وترتيبها الزمني في الماضي. في بداية الثورة العلمية كان من الشائع جدا رؤية إشكالية الدليل من خلال مثال الساعة، العالم يلاحظ حركة عقارب الساعة من الخارج ويحاول بناء استنباطات عن كيفية حركة تلك العقارب داخليا في الساعة. هذا المثال محدود جدا في التعبير عن حقيقة عمل العلم، لكنه في الواقع أقرب كثير لحقيقة العلم عن كثير من الصور المطروحة في غالب أدبيات الفلسفة التجريبية في القرن العشرين. محاولة التعامل مع اشكالية الدليل من خلال المنظور الواقعي ده قد تساعدنا في الوصول لطرح أكثر عملية لهدف عملية الاختبار العلمي. كون Kuhn ولودن Laudan أكدا بشكل صحيح أن النظريات والنماذج العلمية المختلفة بتضع معيار صحة النظرية العلمية معها. وبالتالي قد نقبل صورة تعددية لنظرية الأدلة في العلم. بمجرد انتقالنا تجاه صورة واقعية للعلم Scientific Realism يصبح من الجوهري ضرورة فهم الاستدلال التفسيري explanatory inference في اى عملية اختبار علمية. الاستدلال التوضيحي زي ما ناقشنا على مدار الحلقات السابقة هو استنباط فرضية من مجموعة من البيانات حول تركيب، عملية، أو كائن ما في الطبيعة بصورة تسمح بتفسير تلك البيانات. في الواقعية العلمية الاستدلال التفسيري أكثر اهمية لعملية البحث العلمي اليومية من المفاهيم النظرية الفلسفية حول الاستقراء induction. الاستنباطات الجيدة حول ما يمكن التنبؤ به، الأنماط التى من الممكن ان نتوقع حدوثها او استمرارها في تجاربنا اليومية، وكيفية عمل العمليات الطبيعية كلها ذات فائدة عملية مباشرة ملموسة في حياة البشر، في حين أن الفلاسفة لم يحرزوا الكثير من التقدم في فهم الاستدلال التفسيري explanatory inference. لكنها كانت فكرة مهملة لسنوات طويلة داخل فلسفة العلم لأن التجريبين انشغلوا بالبحث في طبيعة الاستقراء. أحد الصور المهمة لعملية الاستدلال التفسيري هى الاستدلال من خلال ازالة الاحتمالات Eliminative inference ..أو الاستدلال بطريقة شارلوك هولمز نسبة لشخصية المحقق الانجليزي الخيالية، اللى من خلالها يمكن الاستدلال على الحقيقة من خلال إزالة الاحتمالات الاخرى. الطريقة دى تم تجاهلها في غالب الوقت داخل فلسفة العلم في القرن العشرين، غالبا لأن فلاسفة العلم عادة ما افترضوا أن هناك عدد لانهائى من الاحتمالات البديلة لأي نظرية علمية. وبالتالي من المستحيل ازالة كل الفرضيات المنافسة، في حين أن الفكرة في جوهرها سليمة الا ان من الممكن ان نحد من هذا العدد اللانهائي من النظريات من خلال التقيد فقط بالنظريات البديلة ذات الصلة بالنظرية موضع الاختبار relevant alternatives وفي تلك الحالة من الممكن الاستدلال على صحتها من خلال ازالة الفرضيات الغير صحيحة. في الحقيقة الفكرة دى طرحها الكيميائي الأمريكي جون بلات John Platt في ورقة بحثية (انصحك بقرائتها) بعنوان “الاستدلال القوى Strong Inference ” نشرها ستة 1964 وركز فيها على فكرة الاستدلال من خلال ازالة الفرضيات المنافسة، وبدت فيها رؤية كصورة معدلة لنظرية قابلية النفي لكارل بوبر. لكن الورقة تم تجاهلها من غالب الفلاسفة في تلك الفترة، لكن بعض العلماء اخذوها بعين الاعتبار. وفي السنوات الاخيرة، الفلاسفة عادوا لأحياء أطروحة الاستدلال من خلال الاختزال مرة أخرى. على سبيل المثال الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون أيرمان John Earman طرح في كتابة البديع “بايز أم الإفلاس؟ Bayes or bust?” اللى نشرة سنة 1992 إطار عمل للأستدلال العلمي دون الاعتماد على أفكار احتمالية او بايزية بالمرة . والفيلسوف الإنجليزي المعاصر فيليب كيتشر Philip Kitcher طرح إطار عمل مشابه غير معتمد على النظرية البايزية الاحتمالية في كتابه المهم “تقدم العلوم The Advancement of Science” اللى نشرة سنة 1993. على اى حال الاستدلال من خلال الازالة قد يتم في صورة استنتاجية او غير استنتاجية. في أبسط صورة من الممكن إزالة كافة الفرضيات المنافسة ماعدا فرضية واحدة. وفي تلك الحالة من الممكن وضع حجة استنتاجية deductive argument قوية وسليمة طالما كانت إدعائها سلمية. تقريبا معظم صور المنطق اللى استخدمها آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle في حجج شخصيته الخيالية المحقق شارلوك هولمز. لكن الصور الغير استنتاجية من الممكن مقابلتها في حالتين. الاولي قد نكون غير قادرين على ازالة بعض الفرضيات بشكل قاطع، في تلك الحالة قد نكون قادرين على اظهار ان كافة الفرضيات من غير المُحتمل أن تكون صحيحة باستثناء فرضية واحدة. وثانيا قد نكون قادرين على ازالة معظم الفرضيات المنافسة لكن ليس كلها. وفي تلك الحالة مع ازالة عدد أكبر من الفرضيات المنافسة قد تكتسب تلك الفرضية دعم جزئي، لكن بالطبع يبقى الشك حول صحتها طالما بقيت هناك فرضيات اخرى منافسة قوية. وفي تلك الحالة من الممكن ان نقول ان من المرجح ان النظرية صحيحة. بكل تأكيد في الحالات الغير استنتاجية مثل الامثلة السابقة، من الممكن استخدام مزيج من الاستدلال من خلال الإزالة والنظرية البايزية اللى بتعطينا طريقة محددة للتعامل مع الاحتمالات. لان النظرية البايزية بتتعامل مع الالة بطريقة قائمة في الأساس على المقارنة حتى تكتسب فرضية ما صحتها وتخسر الفرضية الاخرى. إذن تتكون علاقة تكاملية بين الاستدلال من خلال الإزالة والنظرية البايزية في تلك الحالة. في الواقع الاستدلال من خلال الإزالة طبيعية جدا في العملية العلمية، والعلماء بيطرحوا جدلياتهم وحجتهم في غالب الوقت من خلال عملية ازالة الفرضيات، وبالتالي الفكرة ليست مجرد شطح فلسفي أو نظرى. و عملية الإزالة Elimination مهمة جدا في فهم الحالات الصعبة التى تتعامل معها نظرية الاستدلال التفسيري، الحالات اللى بيتم فيها وضع تفسيرات، نماذج، ونظريات جديدة كاملة. لان في تلك الحالات عادة ما بتتم مقارنة ما بين ما هو قائم من الفرضيات او النظريات لتفسير الظاهرة والفرضية الجديدة، ولابد من ازالة إحدى النظريتين. مثلا نظرية التطور لدارون في مقابل نظرية تنوع صور الحياة على الأرض من خلال عملية الخلق. أو فيزياء جاليلو في مقابل الفيزياء الارسطوطالية. أو نظرية سكينر السلوكية للغة في مقابل مقاربة تشومسكي المعرفية، الخ .. لكن في الحقيقة، بالنظر لتاريخ العلم، يصبح من الواضح لنا أن الصعوبة الكبرى اللى تواجه الجدليات الأزالية هو كيف من الممكن ان نعرف ونتأكد أننا أزلنا كل الفرضيات البديلة الممكنة؟ .. وقد يجادل البعض ان العلماء بشكل عام بيميلوا للثقة المُبالغ فيها في انهم ازالوا كافة الفرضيات البديلة! .. ودى حاجة غير مبالغ فيها، لان من السهل علينا أن نعتقد ان العلماء قد أخذوا في الاعتبار كافة البدائل الممكنة لفرضية ما، لكن الواقع قد يكون مختلف، خصوصا عندما يثبت خطأ النظرية وتظهر نظريات جديدة، في تلك الحالة يظهر أن العلماء لما يأخذوا بعين الاعتبار كافة البدائل! .. اذن الاستدلال من خلال الازالة قد يكون لنجاحات كبيرة في العلم لكنه ايضا قد يكون لفشل كبير خلال عملية البحث عن الحقيقة. على اى حال في اعتقادى الاستدلال من خلال الازالة لابد وان يكون جزء من اى نظرية فلسفية تحاول تفسير الاختبار والادلة في العلم، من الجائز لن تكون جوهر تلك النظرية لكنها بكل تأكيد ستلعب دور مهم.
في الورقة البحثية اللى نشرت بعد عشرات السنوات من موت عالم الرياضيات والاحصاء الإنجليزي توماس بايز Thomas Bayes “مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances”، بايز فجر ثورة رياضية، فلسفية، وعلمية لم تمتد حياتة كي يرى آثارها الايجابية على المعرفة البشرية لأنها لم تشتعل حتى النصف الثاني من القرن العشرين قبل يتخذ المجتمع العملي منحى بايزياً في البحث عن الحقيقة. من الفيزياء الطبيعية، لأبحاث السرطان، من الذكاء الاصطناعي لعلم النفس! الفيزيائين بيضعوا تفسيرات و اطروحات بايزية لميكانيكا الكم quantum mechanics، ويدافعوا عن نظرية الأوتار String Theory وتعدد العوالم multiverse من على أرضية بايزية. والفلاسفة يجادلوا أن العلم في مجملة من الممكن رؤيته كعملية بايزية احتمالية، والقاعدة البايزية قادرة وكافية لتفريق العلم الحقيقي عن الزائف. الباحثين في الذكاء الاصطناعي بداية بمصممي السيارات ذاتية القيادة، لأجهزة المساعدة الصوتية، للشبكات الاجتماعية بيوظفوا الطريقة البايزية لتطوير قدرة الآلات على التعرف على الأنماط بصورها المتعددة في المجالات المختلفة فتصبح صناعة القرار بداخلها ذاتية من خلال خوارزميات التعلم الآلي! .. الآلية البايزية عاملة اليوم في جميع مناحي الحياة، من فرز رسائل البريد الإلكتروني الغير مرغوب فيها، لتقييم المخاطر الطبية والدولية، حتى في فك شفرة الحمض النووي، وغيرها الالاف التطبيقات. وكثير من علماء الإدراك يفسروا ظاهرة المخ البشري كصورة بيولوجية من الآلة البايزية . برهان بايز طريقة لحساب صحة المعتقدات، الفرضيات، أو الادعاءات بُناء على أفضل الأدلة المُتاحة من خلال التجربة، المُلاحظة، والبيانات. لو حاولت تلخيص الفكرة البايزية في جملة واحدة أعتقد ستكون “المعتقدات المبدئية بالاضافة لأدلة جديدة تساوى معتقدات جديدة أفضل”. الرؤية البايزية لم تنكر أن واقعية العالم المجردة المطلقة، لكن ادعت أن البشر لن يكونوا قادرين أبدا على الوصول إلى الحقيقة المطلقة للواقع، لكن تزداد درجة اقترابهم من الحقيقة مع كل تجربة يتم اجرائها ومعلومة جديدة يتم اضافتها. المعرفة المطلقة لا يمكن نفيها بالدليل القاطع. لأنها ليست قائمة على الاحتمالية. عالم الإحصاء الأمريكي المعاصر نيثان سيلفر Nate Silver في كتابه البديع “الإشارة والضجيج the signal and the noise” جادل أن المناظرات بين افراد معتقداتهم المبدئية 100% وأفراد معتقداتهم المبدئية 0% حول فرضية ما عديمة القيمة، غياب القيمة الاحتمالية سيبقى ابدا سدا منيع للتواصل بينهم و عائق أمام الوصول للحقيقة المجردة، التى قد نقترب منها أبعد ما يكون لكن لن نمتلكها ابدا!
القصة اللى بدأنا بيها .. مقتبسة عن قصة الفيلم الوثائقي القصير ” في الأعماق In Deep Water” اللى قدمة المخرج الامريكي ستيفين ليكارت Steven Leckart على شبكة ESPN الأمريكية وتابع فيه القصة الحقيقة للعثور على السفينة الغارقة The SS Central America الغارقة سنة 1857 و اللى قام بيها فريق بحثي بقيادة تومي تومسون Tommy Thompson سنة 1988 واللى اعتمد في بحثة على طريقة رياضية قائمة على نظريات بايز الاحتمالية وشهادات الناجين من السفينة لوضع فرضيات للتنبؤ بموقع السفينة. بعد النجاح الكبير اللى حققة تومي هو وفريقة باكتشاف السفينة الغارقة وعلى متنها سفينة غارقة منذ أكثر من 150 عام في أكبر مسطح مائي على وجه الارض، اذن العثور على كل الحقائق الاخرى ممكن فقط ان اتبعنا الاحتمال البايزي! .. تومي نشر تفاصيل عملية البحث عن الكنز بتفاصيلها الرياضية، البحرية، والتحقيقة في كتابة “كنز أمريكا المفقود America’s Lost Treasure” اللى نشرة سنة 1998 .. قصة محقق يحاول العثور على دليل كالابرة في كون ضخم من القش! … لكن للأسف نهاية قصة تومي لم تكن سعيدة، بالرغم من أن شركته باعت الذهب سنة 2000 بقيمة تعدت ال50 مليون دولار، الا ان الديون أحاطت به من كل جانب سواء من أتعاب المحاماة ضد شركات التأمين او مستحقات المستثمرين. في نهاية الأمر تومي اختفى لسنوات بأموال طائلة قبل أن تعثر علية السلطات الفيدرالية سنة 2015 ومازالت قضيتة منظورة أمام المحاكم الفيدرالية الامريكية، قصة اجتمعت فيها روح المغامرة المستثمر، عبقرية العقل والطمع الإنساني!
ودلوقتى … تأمل للحظات المعرفة التي اكتسبتها عبر حياتك .. ماهى درجة ثقتك في صحة تلك المعرفة؟ .. هل أقتربت من اليقين؟ .. وهل من الممكن أن تقترب أبدا من اليقين؟ .. من الجائز أن تبقى المعرفة احتمالية الى الابد … لكن السؤال هل النظرية البايزية قادرة على حل إشكالية التأكيد والدليل في العلم؟ .. وهل قاعدة بايز قادرة على تمييز العلم الحقيقي من الزائف؟ .. أم أن البحث مازال جارى عن نظرية شاملة للتأكد في العلم؟ .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP54/EP54_2019_10_31.mp3
في الحلقة الجاية … هنكمل رحلة البحث في طبيعة العلم، في جولة أخيرة هناقش فيها أبعاد الإشكالات العقلية والمنطقية اللى فتحت أبوابها المجتمعات العلمية الحديثة! … عن تعدد النماذج … الواقعية الجديدة .. المثالية العلمية .. ومستقبل فلسفة العلم .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك:
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
https://goo.gl/GeKj3K
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
https://goo.gl/RRfoqg
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
https://goo.gl/DfrzG4
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
https://goo.gl/c2eosa
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
https://goo.gl/Dc53as
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
https://goo.gl/5khso5
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
https://goo.gl/BwQf5o
الواقعية العلمية Scientific Realism
https://stanford.io/2RKYOkC
http://bit.ly/2Pxv1uB
إشكالية التأكيد Problem of Confirmation
https://stanford.io/2K5VZqN
إشكالية التفسير Problem of Explanation
https://stanford.io/2KamlYI
الاستدلال الاستقرائي inductive inference
http://bit.ly/2K5VhtB
مدرسة البايزية الاحتمالية Bayesianism
http://bit.ly/32ffC6K
نظرية الاحتمالات Probability Theory
http://bit.ly/2C8dxPo
توماس بايز Thomas Bayes
http://bit.ly/3398NVL
مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances
http://bit.ly/2PU58Yj
ريتشارد بريز Richard Price
http://bit.ly/2JM8yIp
نظرية الاحتمالات الذاتية Subjective Probability
http://bit.ly/2PMWIBJ
الحقيقة والاحتمال Truth and probability
http://bit.ly/36uM7RZ
فرانك رمزي Frank P. Ramsey
http://bit.ly/2pCPzt7
جون أيرمان John Earman
http://bit.ly/32ipAoh
بايز أم الإفلاس؟ Bayes or bust?
http://bit.ly/2Ca7OIZ
الإشارة والضجيج the signal and the noise
http://bit.ly/2WEPgtJ
In Deep Water
https://53eig.ht/2CbrNXI
Music Credit
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Jurrivh – Lucid Dream
http://bit.ly/33hDdFm
Brandon Fiechter – Fairy Realm
http://bit.ly/2CbqcBn
Derek Fiechter – Dance of the Shadows
http://bit.ly/2NFnVDB
Brandon Fiechter – Waltz of the Fairies
http://bit.ly/2NvL1MU
Derek Fiechter, Brandon Fiechter – Fey Folk
http://bit.ly/36vVQr5
Adrian von Ziegler – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
Lucas King – Victim
http://bit.ly/2RLBCmm
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa

3,689 Listeners

71 Listeners

22 Listeners

0 Listeners