
Sign up to save your podcasts
Or


تخيل أنك طالب فلسفة في السنوات الأولى ، قابلت زميلتك رضوى في الكلية بعد محاضرة الدكتور فتحى مدرس الفلسفة الطبيعية، تقول لرضوى “لقد ناقشنا سؤال إن كان من الممكن أن يصبح الروبوت فرد في المجتمع له حقوق مثل البشر!” .. أبتسمت رضوى فهي تعلم أن إلى أين سيقود هذا الحوار ثم قالت “يبدو انها كانت محاضرة شيقة، لكن الروبوت لا يمكن أن يصبح كالإنسان” .. ترد بسرعة “ولما هذا؟” .. ترد “الأمر بسيط، إذا كان الروبوت شخصا، إذن سيصبح عقلانيا، لكن لايوجد روبوت عقلاني، إذن لا يمكن أن يكون شخص” .. تقول “تمهلي، الروبوت يستطيع حل المشاكل، ويستطع صنع القرارات،إذا كان الروبوت قادر على صناعة القرارات وحل المشاكل، إذن لابد وانه عقلاني. أليس كذلك؟ .. وبالتالي الروبوت عقلاني” .. ترد رضوى ببعض الضيق “لا أنهم ليسوا كذلك، إذا كان الروبوت عقلاني إذن لابد وان يكون له وعي، وإن كان له وعي إذن لابد وان لديه قدرة عقلية على تأمل الذات، لكن لايوجد اى روبوت قادر على تأمل ذاته، وبالتالي لا يوجد روبوت عاقل” .. تصمت قليلا ثم تجيب “كيف تعلمين أن الروبوت غير قادر على تأمل ذاته؟” .. تتعلثم رضوى قليلا من السؤال المفاجئ “لأن الكائنات القادرة على تأمل ذاتها هى الكائنات التى لديها روح فقط، ومن السخيف ان تعتقد ان الروبوت من الممكن ان يكون لدية روح، أو يمتلك روح في يوم من الايام، وبالتالي الروبوت ليس لدية قدرة على تأمل الذات” .. ترد “فكرى معي في هذا الأمر، إما الروح كائن مادي أو كائن غير مادي. تتفقين معي حول هذا الأمر، أليس كذلك؟” .. تجيب رضوى بسرعة “بالطبع” .. تكمل “حسنا، لو كانت الروح كائن مادى، إذن لو كان الروبوت مصنوع من المادة، من السهل أن يحصل على روح. لكن إذا كانت الروح كائن غير مادي، إذن، لو وضع الله الروح فية بالتالي قد يحصل على الروح، وبما أن الروبوت مصنوع من المادة، والله قادر على فعل أى شئ، إذن الروبوت قد يحصل على الروح” .. تبتسم في ثقة بعد أن شعرت أنك على وشك حسم النقاش، ترد رضوى بهدوء “حسنًا ، أعلم أن ديكارت كان يعتبر البشر آلات لها أرواح ، لكن بالنسبة لي ، من الجنون الاعتقاد بأن الله سيغرس الروح في الكمبيوتر. ستجادل بعد ذلك أن الله سيغرس الروح أيضًا في كومة من الصخور. على أى حال، دعني أجرب حُجة أخرى، إذا كان الروبوت شخص، إذن لابد وانه لديه حرية إرادة. لكن لو الروبوت كائن مبرمج، إذن ليس لدية حرية إرادة. الروبوت هو مجرد كمبيوتر على صورة إنسان، وكل كمبيوتر يتم برمجتة، إذن، الروبوت ليس شخص” … تلمع عينك وترد بسرعة “بإتباع حُجتك حتى البشر ليس لديها حرية إرادة” .. تندهش رضوي من ردك “كيف هذا” .. تجيب “حسنا، كل أفعالنا سببها تركيبنا الجيني أو تكيفنا البيئي، إن كانت أفعالنا سببها تركيبنا الجيني، إذن هي محددة مسبقا، وإن كانت مسببة نتيجة للظروف البيئية، إذن هي ايضا محددة مسبقا، بالتالي نحن لسنا أحرار” .. اعترضت رضوى “لا أتفق معك. أفعالنا فعلا قد تكون متأثرة بتركيبنا الجيني أو تكيفنا الاجتماعي، لكنها ليست مُسببة بها بصورة حتمية. وإن لم تكن مُسببة حتميا بتلك العوامل إذن أفعالنا حرة، ونحن أحرار” .. تقول “رضوى، لا أعلم ماذا تعنين بأن أفعالنا متأثرة بتركيبنا الجيني أو تكيفنا الاجتماعي لكنها غير مسببة حتميا بها؟!” .. تضيف “إذا كان س فعل متأثر ب ص، إذن س مُسبب ب ص، وإذا كان س مُسبب ب ص، إذن س مُحدد بحدوث ص سلفا. إذن عندما نقول ان س متأثر ب ص، نقول بصورة غير مباشرة ان س محدد ب ص” .. يظهر الضيق على وجهه رضوى ثم تقول “أنت ترواغ حول معنى السببية، لكن ان لم تكن مقتنع بتلك الحجة أيضا، اليك حجة اخرى. إذا كان الروبوت شخص، إذن سكون لدية مشاعر، ولو كان لدية مشاعر، إذن سيشعر بالحب، والتعاطف. لكن لايوجد روبوت يحب، تأمل للحظات جهازى كمبيوتر يحبا بعضهما البعض، الفكرة سخيفة. وبالتالي الروبوت ليس بشر” .. ترد ” حسنا حسنا، دعنا نفكر في الامر، المشاعر إما عقلية ذهنية أو فيزيائية، إن كانت ذهنية، إذن هي حالات للمخ. وإن كانت مجرد حالات للمخ، إذن الروبوت يستطيع الحصول عليها. لان كل حالات المخ ماهي الا ترتيب للذرات والجزيئات بصورة معينة. وإذا كانت المشاعر ظاهرة فيزيائية إذن الروبوت يستطيع الحصول عليها، مرة أخرى لأن كل الظواهر الفيزيائية هي مجرد ترتيب للذرات والجزيئات بصورة معينة .. إذن الروبوت يستطيع الحصول على المشاعر” … تضحك رضوى بتوتر “هذه أسوأ حجة سمعتها اليوم، بالتأكيد المشاعر قد يصاحبها تغيير حالات فيزيائية، لكنها غير متطابقة مع المشاعر! .. على أى حال ميعاد المحاضرة التالية أقترب، ويجب ان أغادر، لكن قبل أن أذهب دعني أسألك هل تعتقد فعلا ان الروبوت من الممكن أن يكون أنسان؟!” … ترد “نعم أعتقد أنه أمر جائز” .. ترد رضوى “ممم، إذن هل تعتقد أن الروبوت لديه حقوق؟ مثلا الحق في الانتخاب؟” .. تتردد بعض الشيء “الأمر يتوقف” .. تقاطعك رضوى “يتوقف على ماذا؟” .. تضحك في سخرية “إن كان البشر لها الحق في التصويت أصلا!” .. تضحك رضوى “ههه .. حسنا، الآن اقتربنا من الخطوط الحمراء .. أنا ذاهبة الى المحاضرة!” .. هذا الحوار المتخيل لم يحدث في الواقع لكنى آمل أن أرى صيغة ومنهجية الحوار بصورة متكررة في مجتمعاتنا العربية، على أى حال داخل الحوار هناك العديد من الحجج المنطقية، قم بإخراجها وحاول وضعها على صورة منطق القضايا، ثم قم بأستخدام جداول الحقيقة لتحديد صلاحية كل حجة! .. وتذكر، المنطق مثل الرياضيات أفضل وسيلة لإدراكه هي استخدامه!
محاور
منطق القضايا، الجمل البسيطة والجمل المركبة، أنواع الجمل المركبة، الجمل الشرطية والتضمين، قواعد الترقيم والرموز، دوال الحقيقة، حساب دالة الحقيقة، اللغة و المعاملات المنطقية، التضمين المادي، جداول الحقيقة للفرضيات، تصنيف، القضايا المنطقية، جداول الحقيقة للحجج، قوالب الحجج
اى نظرية عامة للمنطق الاستنتاجي لابد وان تحقق هدفين الأول، تفسير العلاقات بين المقدمات والنتيجة داخل الحجة. والثاني تقديم طرق وأدوات للتفريق ما بين الاستنتاج الصالح و الغير صالح. وفي الواقع هناك منظومتين فقط في تاريخ علم المنطق حاولتا التعامل مع هذين الهدفين، وهما منظومة المنطق الكلاسيكية او الارسطوطالية، والثانية عادة ما يطلق عليها منظومة المنطق الرمزية symbolic او الرياضية mathematical، والبعض قد يطلق عليها المنطق الحديث Modern Logic. وبالرغم من ان منظومة المنطق الكلاسيكي والحديث يحاولا تحقيق نفس الأهداف إلا أن الطرق المستخدمة تختلف كثيرا بينهم. المنطق الحديث غير قائم على نظام قياس كما في حالة المنطق الكلاسيكي، ولايبدأ بتحليل الفرضيات الحملية. المنطق الحديث يبدأ أولا بتحديد الروابط المنطقية الاساسية التى تقوم عليها الحجج الاستنتاجية، وبأستخدام تلك الروابط يتم وضع نموذج عام للحجة، وتطبيق طرق اختبار صلاحية الحجة بناء على هذا النموذج. لكن كي تنجح منظومة المنطق الحديث في هذا المسعى، كان لابد من تجنب الغموض، الالتباس، والإشكاليات اللغوية الأخرى الناتجة عن استخدام اللغة البشرية. اللغات الانسانية بمختلف طوائفها تحتوي على الالتباس، التشبية، الاستعارات، التمثيل، البناء العاطفي، وغيرها من وحدات البناء التى قد تجعل استخدام اللغة أكثر أنسانية لكن تحول دون تحليلها المنطقي. وبالتالي المنطق الحديث وضع لغة رمزية صناعية artificial symbolic language من خلالها يمكن حل الكثير من تلك الإشكاليات، ويمكن تمثيل العلاقات المنطقية بوضوح ودقة عالية. الرموز تساعد بشكل كبير عند تفكيرنا في الحجج، لأنها تمكنا من الوصول الى قلب الحجة، واختزال جميع جوانبها الغير أساسية. هذا بالاضافة ان عند استخدام الرموز يمكننا اجراء العديد من العمليات المنطقية بصورة ميكانيكية تلقائية بمجرد النظر إليها، على العكس من العمليات المنطقية الاخرى كما رأينا في حلقة القياس المنطقي تتطلب الكثير من المجهود كي نضعها في صورة قابلة للتحليل. جودة وكفاءة الرموز المستخدمة داخل أى لغة صناعية لها أثر كبير على سرعة استخدام تلك اللغة وتعامل المخ معها بسهولة، يمكن أكثر الادلة المباشرة اليوم على هذه الفكرة هي الرموز العربية والهندية المستخدمة لكتابة الارقام سواء في اللغة الانجليزية او العربية، هذة المنظومة الرمزية استبدلت منظومة الرموز الرومانية بسبب صعوبة تلك الرموز والقواعد المحيطة بها. وفي الواقع علماء المنطق الكلاسيكي لم يعوا إلى هذا الأثر الكبير للرموز عند تحليل الحجج المنطقية. أرسطو استخدم الرموز للإشارة الى المتغيرات في تحليلاته والتابعين عليه من المناطقة العرب والغربيين في العصور الوسطى طورا هذا الاستخدام بشكل محدود ومعقد الى درجة كبيرة. لكن التقدم الحقيقي في تطوير عملية ترميز المنطق لم يبدأ حتى القرن العشرين الذى ادى الى تلك المنظومة المنطقية الحديثة. حركة الترميز الحديث تلك اختلفت كثيرا عن رموز المنطق الكلاسيكي، والعلاقات بين الفئات لم تعد محور اهتمام علماء المنطق الحديث كما كان الأمر مع أرسطو وتابعية. وبدلا من هذا يقوم المنطقيين الان بتحليل البنية الداخلية للقضايا والحجج. وبالتبعية المنطق الحديث لا يتطلب عمليات التحويل للصور القياسية التى كانت أساسية داخل المنطق الكلاسيكي كما رأينا سابقا في منطق القياس. وقد يجادل البعض ان المنطق الحديث أصبح أقل رونقا وبساطة من منظومة المنطق الكلاسيكي التي وضعها أرسطو، لكنه أصبح أكثر قوة، هناك صور من الحجج الاستنتاجية لا يمكن تمثيلها من خلال منطق القياس، لكن باستخدام لغة الترميز في المنطق الحديث من الممكن ان نمثلها مباشرة دون الدخول في عمليات تحويل معقدة وندرس صلاحية الحجة وصحتها.
الجمل البسيطة والجمل المركبة Simple and Compound Statements
صلاحية الحجة الاستنتاجية قائمة على شكلها، بمعرفة شكل أو هيئة الحجة الاستنتاجية نستطيع تحديد صلاحيتها بسهولة، لكن كما رأينا في الحلقات السابقة الاشكالية الكبرى التى تواجه المنطق الكلاسيكي هو أن اللغة البشرية تخفي صورة وهيئة الحجة، نتيجة لعوامل الغموض والالتباس في اللغة الدراجة. للتعامل مع تلك الاشكالية، منطق القياس قدم رموز للتمثيل الحدود داخل الحجة القياسية، الأمر الذى سهل وضعها في صورة قياسية. في المنطق الحديث عملية الترميز تلك تتم من خلال نوع من الرموز يطلق عليه المعاملات operators أو في بعض الأحيان يطلق عليه الوصلات connectives. عندما يتم وضع الحجج الاستنتاجية في تلك الصورة الرمزية عادة تقييم صلاحيتها يكون مسألة بسيطة قد نجريها بالعين المجردة كما في المسائل والمعادلات الرياضية! في المنطق الكلاسيكي الحدود او الفئات كانت وحدة البناء الأساسية للحجج (أرجع لحلقة منطق القياس) لكن في منطق القضايا propositional logic وحدة البناء للحجة هي الجمل أو القضايا proposition والجمل يتم تمثيلها من خلال احرف، ويتم دمج تلك الأحرف مع بعضها من خلال المعاملات لتكوين صورة رمزية كما الحال في المعادلات الرياضية. كي نستطيع فهم عملية الترميز المستخدمة في منطق القضايا أو المنطق الحديث لابد من التفريق بين نوعين من الجمل، الجمل البسيطة والجمل المركبة. الجمل البسيطة simple statement
هي الجمل التي لا تحتوي على أي جمل اخرى جزئية بداخلها مثلا “الطاووس طائر ملون” ، أو “نجيب محفوظ كتب ملحمة الحرافيش” أو “القاهرة عاصمة مصر” .. الخ. في المنطق الرمزي أو منطق القضايا من الممكن استخدام اى حرف من أحرف اللغة الانجليزية الكبيرة لتمثيل الجملة، مثلا حرف A capital قد يمثل الجملة الأولى وحرف B قد يمثل الجملة الثانية وهكذا (سأوضح لك بعد قليل لماذا يجب أن يتم التمثيل باستخدام الأحرف الكبيرة). الجمل المركبة compound statement هي الجملة كما واضح من الاسم التى تتركب او تتكون من جملة واحدة بسيطة على الاقل. إذن الجمل إما أن تكون بسيطة Simple اى لا تحتوى على اكثر من جملة مكونة لها، مثلا “أحمد نظيف” جملة بسيطة. الجمل المركبة compound statement تحتوى على أكثر من جملة مكونة، مثلا “أحمد نظيف، و أحمد نشيط”. الجملة تحتوى على جملتين بسيطتين مكونتين لها. وقد تكون الجملة المركبة مركبة من جمل مركبة! .. قد يخطر على ذهنك الى ان اى جملة داخل الجملة هي مكون لها، لكن هذا التعريف غير دقيق. مثلا “الرجل الذي اغتال الرئيس السادات كان ضابط في الجيش” .. لو اقتطعت الكلمات الست الاخيرة في الجملة “الرئيس السادات كان ضابط في الجيش” هذه جملة، وبغض النظر عن صحتها، إلا أن هذه الجملة بكل تأكيد ليست مكون داخل الجملة الاصلية. إذن كي تكون الجملة مكون داخل جملة أخرى لابد وأن يتوفر شرطين
(1) الجزء المقتطع لابد وان يكون جملة مستقلة بذاته
(2) لو تم استبدال الجزء المقتطع داخل الجملة الكبرى بجزء آخر لابد وأن تكون النتيجة مازال لها معني.
… تخيل مثلا أن استبدلت الجزء المستقطع “الرئيس السادات كان ضابط في الجيش” بجملة “الجمال تعيش في الصحراء” تصبح الجملة “الرجل الذي اغتال الجمال تعيش في الصحراء” .. جملة بلا معنى!
أنواع الجمل المركبة Compound Statements Types
هناك عدة صور من الممكن ان تركب بها الجملة، كل صورة تطلب عملية ترميز منطقى مختلفة، تأمل تلك الجمل (1) “ليست الحقيقة أن القاعدة منظمة إنسانية” أو (2) “أم كلثوم مغنية قديمة و ماجدة الرومي مغنية حديثة” أو (3) “أما أن يلتزم الناس بالقانون أو يصبح المجتمع غابة” أو (4) “إذا أنتهت الحروب من العالم إذن سيعم الرخاء والسلام” أو (5) “الاهلي سيكسب الدورى فقط إذا ربح المبارة” . باستخدام الاحرف الانجليزية الكبيرة من الممكن تمثيل الجمل السابقة كالآتي (1) “ليست الحقيقة أن A” .. أو (2) “D و C” أو (3) “إما R أو E” .. أو (4) “إذا F إذن O” أو (5) “H فقط إذا K” … لاحظ ان الجملة الاولى مركبة بالرغم انها تحتوي على جملة بسيطة واحدة رمزنا لها بالرمز A بشكل عام دون الدخول في تفاصيل لغوية ومنطقية معقدة جمل النفي تعامل على أنها جمل مركبة تتكون من معامل النفي والجملة المنفية أو الجملة المؤكدة. في تلك الحالة معامل النفي كان “ليست الحقيقة”. في الخمس أمثلة السابقة هناك خمس معاملات منطقية قمت باستخدامها. (1) معامل النفي “ليس” ويرمز إليه بعلامة tilde “~” .. ثانيا (2) معامل الاقتران conjunction “و” “ايضا” “بالاضافة الى” ويرمز له بالنقطة “.” ثالثا (3) معامل الانفصال disjunction “أو” ويرمز له بعلامة “V” رابعا (4) معامل التضمين أو التبعية implication “إذا … إذن” “لو .. إذن” .. ويرمز لة بحدوة الحصان الافقية horseshoe “⊃” واخيرا (5) معامل التكافؤ equivalence “فقط إذا” ويرمز له بثلاثة شرط “≡” (انظر الجدول المرافق).
ترميز الجمل من اللغة البشرية الى اللغة الرمزية المنطقية لايعني ان الجمل سيتم ترجمتها كلمة بكلمة وتصبح متطابقة، كما الحال في الترجمة من لغة بشرية الى اخرى الترجمة تكون تقريبية وتفقد بعد المعاني خلال عملية الترجمة. مثلا المعاملات قد لا تكون على نفس الصورة التى استخدمتها في الامثلة السابقة، وقد تكون غائبة تماما في الجملة. الآن لو قمنا باستخدام المعاملات السابقة في صورتها الرمزية على الخمس أمثلة السابقة يصبح لدينا أولا جملة negation النفي “∼A” و ثانيا جملة conjunctive الاقتران “D . C” و ثالثا جملة disjunctive الانفصال “R v E” وفي جمل الانفصال شقي الجملة يطلق عليهم conjuncts و رابعا الجملة conditional الشرطية وتعبر عن علاقة التضمين المادية material implication ” F ⊃ O” فيها F هو الشرط أو جمل السابق antecedent و O جملة النتيجة او اللاحق او التابع consequent وخامسا جملة biconditional أو التكافؤ “H ≡ K” وتعبر عن علاقة التكافؤ المادي material equivalence.
النفي Negation
نفي الجمل في اللغة العربية قد يحدث بعدة صورة مثلا بإضافة معامل نفي لغوي في أول الجملة مثل “ليس”، “لا”، “لم”، الخ. وقد يتم استخدام مركب لغوي كامل لتحقيق النفي مثل “ليس من الصحيح أن …” أو “لم يحدث … ” .. الخ. في المنطق يستخدم رمز tilde ~ في بداية الجملة للأشارة الى النفي، وفي بعض النصوص القديمة بعض الشئ يستخدم علامة – ناقص. تأمل تلك الامثلة وعملية ترجمتها الى صورة رمزية “مصانع الحديد والصلب لا تنتج أجهزة التليفون المحمول” .. يتم ترميزها الى “~ R” نفس الجملة بصورة اخرى “ليس من الصحيح أن مصانع الحديد والصلب تنتج أجهزة التليفون المحمول”، أو “من الخطأ ان مصانع الحديد والصلب تنتج أجهزة التليفون المحمول” .. كلها يتم ترميزها بنفس الصورة رمز النفي يظهر أمام الحرف المختار لتمثيل الجملة. وكما أشرنا سابقا معامل النفي ليس معامل ربط او تكوين اى انه لايستخدم لربط جملتين لكن يطبق على جملة واحدة سواء كانت تلك الجملة بسيطة أو مركبة. على سبيل المثال قد يأتي معامل النفي أما جملة أقتران مركبة مثلا “~(D.C)” وفي تلك الحال يقال إن المعامل نفي الجملة المركبة ككل اى الجملة داخل القوسين. وقد تكون الجملة المركبة نفسها مركبة من عدة جملة مركبة ايضا ويتم تطبيق معامل النفي على مجمل الجملة مثلا “[(D.C) v (A≡B)]~”. في المنطق الرمزي عادة ما يستخدم مصطلح المعامل الرئيسي main operator للإشارة إلى المعامل الذى يتم تطبيقة على مجمل الجملة التركيبية، أي أن نطاقة يشمل الجملة كلها. ان لم تحتوي الجملة على أقواس عادة ما تحتوي الجملة على معامل واحدة فقط وبالتالي يصبح هو الرئيسي، لكن إن احتوت الجملة أكثر من معامل في تلك الحالة النفي لا يكون هو العامل الرئيسي إن وجد. لكن إن وجدت أقواس في الجملة، المعامل الرئيسي هو المعامل الذي يقع خارج كل الأقواس، لو وجد أكثر من معامل خارج الأقواس، معامل النفي ان وجد ليس المعامل الرئيسي. مثلا في جملة “H . (J v K)” المعامل الرئيسي هو معامل الاقتران او النقطة. لأنه نطاق تطبيقة يمتد ليشمل كل الجملة. أو في جملة “~ )K.M)” معامل النفي هو المعامل الرئيسي.
الاقتران Conjunction
الاقتران اى الجمل التى يتم فيها التركيب من خلال الاقتران بين جملتين باستخدام معامل الربط، العطف او الاقتران “و” أو And بين “ايضا” “بالاضافة الي” شقي الاقتران أو الجملتين الذين يتم الربط بينهما يطلق عليهما conjuncts .. تأمل هذا المثال “تقع القاهرة في قارة أفرقيا و دبي في قارة آسيا” أو “تقع القاهرة في قارة أفريقيا لكن دبي في قارة آسيا” أو “تقع القاهرة في قارة أفريقيا ومع ذلك تقع دبي في قارة آسيا” أو “القاهرة ودبي يقعا في الشرق الاوسط” .. كل تلك الجمل يمكن التعبير عنها بالصورة الرمزية للاقتران كالاتي T.B .. هناك بعض الرموز الأخرى التى قد تستخدم في بعض الكتب القديمة للتعبير عن الاقتران مثل علامة &. لكن النقطة أكثر شيوعا الآن. معامل الاقتران إذن هو معامل ربط ثنائي أي يتم تطبيقه على جملتين، قد يكونا جملتين بسيطتين أو مركبتين.
الأنفصال Disjunction
جملة مركبة من مكونين يتم الفصل بينهما بمعامل الانفصال “أو” وشقي الجملة المركبة في تلك الحالة يطلق عليهما disjuncts. عادة ما يتم التعبير عنة بمعاملات مثل “أو”، “إلا” .. الانفصال يعني أن أحد شقي الجملة على الاقل صحيح، وفي تلك الحالة يقال أن الانفصال ضعيف. وقد يعني الانفصال أن أحد شقي الجملة فقط يمكن أن يكون صحيح، وفي تلك الحالة يقال أن الانفصال قوى. في المنطق نستخدم علامة V للإشارة الى معامل الانفصال. تأمل تلك الأمثلة “تسمح مصر بالتصوير في المعابد الاثرية او الاردن” .. “إما مصر تسمح بالتصوير في المعابد الاثرية أو الاردن” .. “تسمح مصر بالتصوير في المعابد الاثرية إلا إذا كانت الاردن” .. صور متعددة للانفصال بين جملتين كلها يمكن تمثيلها باستخدام معامل الاقتران A v T وكمعامل الاقتران معامل الانفصال هو معامل ربط ثنائي اى لابد من تطبيقى على جملتين.
الجمل الشرطية والتضمين Conditional Statements and Material Implication
صورة أخرى من الجمل المركبة حيث يتم تركيب جملتين أحدهما شرط والاخرى نتيجة مشروطة الحدوث بتحقق الشرط. عادة ما يسبق الشرط كلمة او معامل الشرط في اللغة العربية “إذا” ، “لو” .. جملة الشرط يطلق عليها جملة السالف او السابق antecedent. ويسبق النتيجة معامل النتيجة “إذن” وجملة النتيجة عادة ما يطلق عليها جملة اللاحق او التابع consequent .التبعية، التضمين أو الجمل الشرطية If — Then يتم التعبير عنها برمز حدوة الحصان ⊃ لكن بعض الكتب تستخدم رمز السهم -> للتعبير عن العلاقة الشرطية.. التضمين عادة ما يظهر بصور عدة في اللغة الإنسانية، كلمات مثل “بشرط”، “بناء على”، “في حالة” عادة ما يتم ترجمتها الى جملة شرطية “لو … إذن” .. مثلا “إذا أحمد ذهب إلى العمل إذن سيارة أحمد ليست أمام المنزل” .. جملة السالف أو الشرط “أحمد ذهب الي العمل” و جملة التابع هي “سيارة أحمد ليست أمام المنزل”. الجملة الشرطية تؤكد أن في حالة ان السالف صواب لابد وان يتبع ذلك أن التابع صواب. وتكتسب الجملة الشرطية قيمة حقيقتها من فكرة التبعية او التضمين implication. غموض اللغة البشرية وإشكاليات الالتباس بها قد تجعل التضمين أو التبعية تظهر بعدة صورة تختلف من حيث المعنى، وبالتالي لابد من التفريق بين تلك الصور كي نستطيع ترميزها. تأمل تلك الجمل الشرطية. (1) إذا كانت كل البشر فانية وسقراط إنسانًا ، فإن سقراط فاني. (2) إذا كان أحمد متزوج، إذن أحمد ليس عازب (3) إذا تم وضع هذه القطعة من ورق عباد الشمس الأزرق في الحمض ، فستتحول هذه القطعة من ورق عباد الشمس الأزرق إلى اللون الأحمر (4) لو خسر الأهلي المباراة، سأدمر التلفاز” .. لو تأملت تلك الجمل الأربعة ستلاحظ أن التبعية في كل منها مختلفة بُناء على العلاقة السببية في كلا منها. مثلا في الجملة الأولى، التبعية نشئت بسبب التتابع المنطقي لو كل البشر فانية وسقراط أحد تلك البشر لابد اذن انه سيكون فاني ايضا. لكن في الجملة الثانية التبعية نشأت بناء على تعريف مصطلح متزوج الذى يعني بالضرورة ان الفرد غير عازب. والتبعية في الجملة الثالثة لم تنشأ بسبب المنطق او التعريف كما في السابق، لكن بسبب الحقيقة العلمية التى يمكن فقط اختبارها من خلال التجربة العملية. واخيرا الجملة الرابعة التبعية لم تنشأ بسبب المنطق، التعريف، أو قوانين السببية لكن بسبب ان قرار أخذه الفرد أن يدمر التلفاز في حال فوز فريقه. هذة الجمل الاربعة اختلفت في الطريقة التي دعمت بها التبعية لكنها مازالت أكدت على صورة ما من التبعية بين الشرط و النتيجة.
التكافؤ Equivalence
التكافؤ أو “فقط في حالة” هو عكس الجملة الشرطية، مثلا لو قلنا “ستصطاد السمك فقط إن كان هناك طعم في الصنارة” .. الشرط في تلك الجملة لايعني ان لو الصنارة بها طعم ستصطاد السمك، والا كانت كل صنارة بها طعم تصطاد السمك، لكن الشرط في تلك الحالة يعني نفي وقوع الحدث في حالة عدم وقوع النتيجة، اى ان لم تكن الصنارة بها طعم لن تصطاد السمك. الجملة المكافئة منطقيا للجملة الشرطية “إذا لم يكن هناك طعم بالصنارة، إذن لن تصطاد السمك”. أي أن جملة التكافؤ تعكس الجملة الشرطية. جملة التكافؤ يرمز فيها لمعامل التكافؤ بثلاثة شرط “≡”. حتى تستطيع التفرقة بين التكافؤ والجملة الشرطية، هناك قاعدة بسيطة. مركب الجملة التابع لكلمة إذا في الجملة الشرطية دائما ما يكون الشرط، أما في جملة التكافؤ مركب الجملة التابع ل”فقط إذا” دائما ما يكون التابع او النتيجة.. وبالتالي جملة التكافؤ “س فقط إذا ص” تترجم إلى ” س ⊃ ص” اى لو س إذن ص”. الفكرة دى مهمة جدا لان لا يجب أن يتم فيها خلط مركب الشرط في الجملة بمركب النتيجة. كما في الرياضيات 8/4 ليست نفس الشئ ك 4/8 بنفس الصورة A ⊃ B ليست مكافئة لـ B ⊃ A. رمز الحدوة يستخدم أيضا للتعبير عن فكرة الكفاية والضرورة في الجمل الشرطية. مثلا حدث أ يقال أنه شرط كافي sufficient condition لحدث ب عندما يكون حدوث أ هو كل المطلوب كي يحدث ب. اى يكفي حدوث أ كي تحدث ب. على الجانب الآخر، حدث أ يقال أنه شرط ضروري necessary condition لحدث ب، عندما يكون حدوث ب جائز دون حدوث أ. أى أن أ ليست كافية لحدوث ب بمفردها. مثلا “الانفلونزا سبب كافي للمرض في حين أن تنفس الهواء سبب ضروري للحياة” .. هناك أشياء اخرى بجانب الانفلونزا قد تجعلنا مرضى لكنها كافية بمفردها لحدوث المرض، وبجانب الهواء هناك أشياء اخرى ضرورية كي نحيا، لكن بدون الهواء لا يمكن أن نحيا، اى ان الهواء ضروري لكنه غير كاف بمفردة للحياة. كي نعبر عن الكفاية والضرورة بالرموز في المنطق، نضع جملة الكفاية في محل مركب الشرط داخل الجملة الشرطية، والضرورة في محل مركب التبعية داخل الجملة الشرطية. يعنى مثلا لو قلنا “إصدار آبل لتليفون جديد شرط كافي كي تصدر سامسونج تليفونها الجديد” .. نعبر عن تلك الجملة رمزيا كالاتي “لو س إذا ص” حيث س تعبر عن إصدار آبل لتليفون جديد و ص عن إصدار سامسونج لتليفون جديد. لكن لو غيرنا الجملة إلى “إصدار آبل لتليفون جديد شرط ضروري كي تصدر سامسونج تليفونها الجديد” .. في تلك الحالة نعبر عن الجملة رمزيا كالاتي “لو ص إذا س”
قواعد الترقيم والرموز Punctuation and Symbolism Rules
الترقيم في لغة المنطق الرمزية Punctuation فكرة غاية في الاهمية لضمان خلو الجمل المنطقية الرمزية من الالتباس أو الغموض. إن كنت درست الرياضيات أو علوم البرمجة هذة الفكرة ستكون بسيطة ومباشرة بالنسبة لك، لكني سأحاول الاستفاضة في شرحها للتوضيح لقطاع أكبر من المستمعين. عند تطبيق معاملات الربط بصورها المتعددة داخل الجمل المركبة أشرنا إلى أن الربط قد يتم بين جمل بسيطة غير مركبة، لكن هذا الامر غير حصرى على الجمل البسيطة. اى ان الربط داخل الجمل المركبة قد يتم بين جملتين مركبتين وفي تلك الحالة بسبب كثرة المعاملات يصبح معنى الجملة غامض او متعدد المعاني. كي أوضح لك الفكرة سأبدأ أولا بمثال رياضي. تأمل تلك المعادلة 2X3+5 .. كيف تعتقد أنه يجب تطبيق تلك المعاملات الثلاثة. هل نضرب ال 2X3 ثم نجمع النتيجة على 5 اى يساوي 11 أم هل نضرب 2 في حاصل جمع 3+5 أي يساوي 16 . كما تلاحظ النتيجة تختلف حسب قراءتك للمعادلة و تطبيقك للمعاملات المستخدمة. لتجنب هذا الغموض الرياضيين طوروا عدة أدوات منها مثلا أسبقية المعاملات operator precedence اى هناك أولية لتطبيق بعض المعاملات قبل الاخرى عند ظهورهم في نفي المعادلة جنبا إلى جنب، لكن الاداة الاخرى هي ترقيم أو تشكيل المعادلة باستخدام الأقواس لتحديد المعنى المراد .. مثلا في المعادلة السابقة قد نعيد صياغتها كالآتي (2×3( + 5 في تلك الحالة جمعنا عملية الضرب داخل قوسين لنحدد أن معامل الضرب سيتم تطبيقه على الرقمين 2 و3 ثم معامل الجمع سيتم تطبيقة على الرقم الناتج بالاضافة الى الرقم 5. نفس الفكرة تستخدم في المنطق الرمزي مثلا جملة منطقية مركبة على الصورة الرمزية الاتية س . ص V ع جملة غامضة لان ليس من الواضح كيف يجب تطبيق معاملات الربط تلك. قد يكون المقصود تطبيق معامل الاقتران بين س و ص ثم تطبيق معامل الانفصال على نتيجة تلك الجملة المركبة والجملة ع. أو قد تفسر الجملة كالآتي، يطبق معامل الانفصال اولا على الجمة ص و ع ثم يطبق معامل الاقتران على النتيجة والجملة س. لكننا نزيل هذا الغموض ببساطة ان وضعنا قوسين حول (س.ص) V ع .. في تلك الحالة واضح أن المراد هو تطبيق الاقتران على س و ص ثم الانفصال. هذة الفكرة البسيطة قد تصبح معقدة بسرعة عند تركيب عدة جمل مركبة، وفي تلك الحالة تستخدم الأقواس المربعة لدمج تكونيات من عدة جمل .. مثلا هذه الجملة ~[~(A.X) . (Y V ~ B)] هذة الجملة المركبة من الممكن حساب قيمة الحقيقة لها لو وضعنا قيمة الحقيقة للجمل البسيطة المكونة لها .. لو فرضنا أن الجملتين A و B لهم قيمة حقيقة صواب و الجملتين X و Y لهم قيمة حقيقة خطأ.
(1) نبدأ بتطبيق الاقتران A.X بما ان X خطأ إذن تصبح قيمة الاقتران الكلية خطأ
(2) نطبق قيمة الانفصال Y V ~ B بما ان B صواب إذن نفيها خطأ وتطبيق الانفصال على نفيها وقيمة Y التي هي خطأ تصبح القيمة الكلية للحقيقة هي خطأ.
(3) تطبيق النفي على النتيجة السابقة .. تصبح القيمة الكلية صواب
(4) تطبيق معامل الاقتران بين النتيجة السابقة والنتيجة من الخطوة 1 .. اى بتطبيق الاقتران على خطأ وصواب تصبح النتيجة خطأ
(5) وأخيرا بتطبيق معامل النفي على النتيجة من الخطوة الرابعة .. تصبح الجملة صواب لأن نفي الخطأ صواب! (أنظر الشكل المرافق).
هذة العملية المنهجية التي تشبه في تطبيقها معادلات الرياضيات تجعل عملية تقييم الحقيقة لاى جملة منطقية في صورتها الرمزية أمر سهل ومباشرة بمجرد تحديد قيمة الحقيقة للجمل البسيطة المكونة لها وتطبيق معاملات الربط على تلك الجمل بصورة اجرائية منهجية نصل لحقيقة الجملة المركبة ككل! .. لكن ليس دائما من الممكن معرفة قيمة الحقيقة للجمل البسيطة المكونة للجملة المركبة، في تلك الحالة أحد الطرق المستخدمة لحساب قيمة الحقيقة للجملة المركبة هو افتراض قيمة حقيقة للجملة البسيطة بداخلها مثلا صواب، ثم حساب قيمة الحقيقة الكلية للجملة المركبة، ثم اعادة حساب قيمة الحقيقة للجملة الكلية المركبة بافتراض قيمة الحقيقة خطأ للجملة البسيطة بداخلها، إن كانت قيمة الحقيقة الناتجة في الحالتين متساوية، إذن وصلنا لقيمة الحقيقة للجملة المركبة لاننا نعلم ان هناك قيمتين ممكنتين فقط لاى جملة بسيطة. وأخيرا اللغة الرمزية لمنطق القضايا كأى لغة بشرية كانت أو صناعية هناك صيغة جيدة التشكيل للجمل well-formed formulas لها. أي أن الجمل يتم تركيبها وصياغتها لغويا طبقا للقواعد اللغوية، مثلا في اللغة العربية جملة “أحمد يشرب القهوة” جملة جيدة الصياغة لكن جملة “القهوة أحمد يشرب” جملة غير صحيحة لغويا. بنفس الصورة جملة منطقية رمزية ك “A ⊃ v B” او “A . B (v C )” جمل غير سليمة الصياغة. إذن هناك مجموعة من القواعد البسيطة يجب اتباعها عند صياغة الجمل المنطقية الرمزية.
(1) الجمل لا يمكن تركيبها معا بدون معاملات منطقية للربط ما بينها. وبالتالي لايمكن ان نضع رمز س مباشرة بجوار ص لابد من معامل ربط ما بينهم
(2) علامة النفي ~ لا يمكن أن تتبع جملة مباشرة لكن يمكن ان تسبق اى جملة.
(3) علامة النفي لايمكن ان تسبق معامل ربط اخر لابد وأن تسبق جملة
(4) معاملات الاقتران، الانفصال، التبعية، والتكافؤ لابد وان تقع بين جملتين
(5) الاقواس لابد ان تستخدم كي تزيل الغموض والالتباس من الجمل.
دوال الحقيقة Truth Functions
قيمة الحقيقة لجملة مركبة من أكثر من قضية منطقية باستخدام معاملات الربط المنطقية، يقال أنها دالة في قيمة الحقيقة للقضايا المكونة لها. أى أن قيمة الحقيقة لجملة مركبة يتم تحديدها بصورة مُطلقة بناء على قيمة الحقيقة للجمل الجزئية المكونة لها. لو كانت قيمة الحقيقة لتلك الجمل الجزئية معروفة أصبحت مهمة تحديد قيمة الحقيقة للجملة الكلية أمر مباشر بتطبيق معاملات الربط المنطقية. وبالتالي تصبح دالة الحقيقة truth function هى أي قضية مركبة يتم تحديد قيمة الحقيقة بالكامل لها من خلال قيم الحقيقة لمكوناتها. الكثير من القضايا والأطروحات المركبة في اللغة البشرية الدارجة ليست دالة حقيقة. مثلا جملة “أحمد يعتقد ان نادر ليس أهل للثقة” جملة مركبة تتكون من جملة مركبة وهي “نادر ليس أهل للثقة” لكن قيمة الحقيقة للجملة المركبة لا يمكن تحديدها بناء على قيمة الحقيقة لمكوناتها لأن أعتقاد أحمد في أن نادر ليس أهل للثقة ليس بناء على اى سمة في نادر. سنبدأ أولا بتعريف كيف يمكن تحديد قيمة الحقيقة بناء على الخمس معاملات المنطقية الرمزية ثم ننتقل الى قضايا مركبة أكثر تعقيدا.
تطبيق معاملات الربط المنطقية في الجمل المنطقية يتم من خلال المتغيرات variables التى نعبر عنها بحروف إنجليزية صغيرة تعبر عن الجملة مثلا المتغير a قد يعبر عن جملة A. متغيرات الجمل تستخدم لتكوين “قالب أو هيئة الجملة statement form”، القالب أو الهيئة هي ترتيب لمتغيرات الجملة والمعاملات المنطقية بحيث يمكن استبدال تلك المتغيرات داخل نفس القالب وتبقى النتيجة كما هي. مثلا ~ a او a ⊃ b هي قوالب جمل لأننا إذا قمنا باستبدال المتغيرات بجمل A و B بالترتيب نحصل على الجمل ∼A and A ⊃ B. مثال أكثر تعقيدا “(p . q) ⊃ (q v r)” قالب جملة، لأن باستبدال المتغيرات بالجمل A B C نحصل على الجملة المركبة (A . B) ⊃ (B v C) أي أن تلك الجملة هي صور تمثيلية لقالب الجملة.
دالة حقيقة النفي Negation Truth Function
الآن بعد أن أوضحنا فكرة هيئة أو قالب الجمل دعنا نبدأ بدراسة دالة الحقيقة لقالب جملة النفي المنطقية. تعريف دالة الحقيقة لاى جملة منطقية يمكن الحصول عليه من خلال جدول الحقيقة Truth Table وهو ترتيب لجميع قيم الحقيقة الممكنة للجملة المركبة بناء على الجمل الجزئية المكونة لها بناء على المعاملات المنطقية المستخدمة في الجملة. مثلا في جملة النفي، هناك جملة واحدة تكون جملة النفي المركبة، وبالتالي احتمالات قيمة الحقيقة للجملة ككل يتوقف على احتمالات قيمة الحقيقة للجملة الجزئية، وبما أن هناك احتمالان فقط لقيمة الحقيقة للجملة الجزئية إذن هناك احتمالان فقط لجملة النفي ككل، وبالتالي جدول حقيقة الجملة المركبة تحتوي على صفين وعمودين، الاحتمال الأول (الصف الأول) في حالة صواب الجملة الجزئية (العمود الأول)، تصبح الجملة المركبة خاطئة (العمود الثاني). والاحتمال الثاني (الصف الثاني) في حالة خطأ الجملة الجزئية (العمود الأول) لابد من صواب الجملة المركبة ككل (العمود الثاني). أنظر الشكل المرافق. مثلا “ليس من الحقيقي أن البشر خالدون” دالة الحقيقة لتلك الجملة هي الصواب لأن دالة الحقيقة للجملة الجزئية “البشر خالدون” خطأ، إذن بناء على جدول الحقيقة، الاحتمال الثاني هو صواب الجملة المركبة في حالة خطأ الجملة الجزئية.
دالة حقيقة الاقتران Conjunction Truth Function
ثانيا دالة الحقيقة لمعامل الاقتران “.” في حالة الجمل المركبة على صورة الاقتران conjunction قيمة الحقيقة للجملة يتم تحديدها فقط بناء على شقي او مركبي جملة الاقتران. لو كان كلا من الشقين صواب تصبح الجملة كلها صواب، والعكس صحيح. ولذا يطلق على الجمل المركبة الاقترانية انها مركب حقيقة وظيفي truth-functional compound و شقيها يطلق عليها مكونات الحقيقة الوظيفية truth-functional components. لكن ليست كل الجمل المركبة لها خاصية الحقيقة الوظيفية truth-functional مثلا “أحمد يعتقد أن محمد مخلص لوطنة” قيمة الحقيقة لتلك الجملة لا يمكن تحديدها من خلال مكوناتها، لان من الممكن أن يكون يعتقد أحمد في أن محمد مخلص لوطنه بغض النظر إن كان محمد فعلا مخلص أم لا. وبالتالي المُكون “محمد مخلص لوطنه” ليس مكون حقيقة وظيفي في تلك الجملة وبالتبعية الجملة كلها ليست مركب حقيقة وظيفي. لو كان هناك جملتين س وص يكونا جملة مركبة على صورة الاقتران، إذن هناك أربع احتمالات ممكنة لقيمة الحقيقة للجملة الرئيسية بناء على توزيعات قيم الحقيقة للجملتين س و ص. من الممكن التعبير عن تلك الصور كالاتي (1) لو س صواب، وص صواب إذن س . ص صواب (2) لو س صواب و ص خطأ إذن س.ص خطأ (2) لو س خطأ وص خطأ إذن س.ص خطأ (4) لو س خطأ و ص خطأ إذن س.ص خطأ. من الممكن تمثيل تلك الحقائق الاربعة في صورة جدول للتعبير عن حقيقة الجملة الرئيسية في حالة احتمالية الصواب او الخطأ لكل شق هذا الجدول يطلق علية جدول الحقيقة Truth Table (أنظر الجدول المرافق). لو عبرنا عن الصواب بالرمز T وعن الخطأ بالرمز F يصبح الجدول في حالة س = T و ص = F إذن في خانة س.ص قيمة الحقيقة هي T وهكذا. جدول الحقيقة يمكن استخدامه لتعريف عملية الاقتران أو رمز النقطة لانه يمثل قيمة الحقيقة لكل الحالات الممكنة عند استخدام معامل الاقتران للربط بين جملتين. إذن طبقا لجدول الحقيقة السابق قيمة الحقيقة لجمل الاقتران صواب فقط في حالة ان كان شقي أو مكوني الاقتران صواب.
دالة حقيقة الانفصال Disjunction Truth Table
ثالثا جمل الانفصال Disjunction بما أن المعامل يربط ما بين جملتين إذن هناك أربع احتمالات لقيمة الحقيقة للجملة المركبة
(1) لو كانت الجملتان صواب، تصبح الجملة المركبة صواب
(2) لو الجملة الأولى صواب والثانية خطأ، إذن الجملة المركبة صواب
(3) لو الجملة الأولى خطأ والثانية صواب تصبح الجملة المركبة صواب
(4) واخيرا لو الجملتين خطأ تصبح الجملة المركبة خطأ. (أنظر الجدول المرافق).
مثلا “القط يرتدي إما قلادة حمراء أو قلادة خضراء، القط لا يرتدي قلادة حمراء، إذن القط يرتدي قلادة خضراء” يعد من نوع القياس الانفصالي disjunctive syllogism لأن الحجة الأولى جملة مركبة على الصورة الانفصالية، أى أنها مركبة من شقين منفصلين بمعامل “أو” .. وبالتالي من الممكن ان يكون احدهما فقط صحيح طبقا لتعريف الانفصال في صورتة الضعيفة. أى أن القط قد يرتدي قلادة واحدة فقط أما خضراء او حمراء. وبالتالي بناء على مقدمة الحجة الثانية التى أيضا جملة مركبة على صورة النفي وتقر بأن القط لا ترتدي القلادة الخضراء، إذن بالتكامل بين المقدمتين لابد إذن أن يرتدي القط القلادة الحمراء اى نتيجة الحجة! أمثلة أخرى “إما نجيب محفوظ أو عبد الحليم حافظ كاتب”، “إما نجيب محفوظ أو يوسف إدريس كاتب”، “إما محمد عبد الوهاب او عبد الحليم حافظ كاتب”. كما واضح لك الجملة الأولى صواب لان على الاقل أحد شقيها صواب، والثانية صواب لأن كلا شقيها صواب، وأخيرا الثالثة خطأ لأن كلا من شقيها خطأ.
Conditional Truth Function دالة حقيقة التضمين
رابعا، الجمل التضمينية أو الشرطية Conditional قيمة الحقيقة للجملة يتم تحديدها بناء على جدول حقيقة له أربع احتمالات بما ان هناك جملتين
(1) لو الشرط صواب والنتيجة صواب لابد وأن الجملة الشرطية صواب
(2) لو الشرط صواب والنتيجة خطأ لابد وأن الجملة الشرطية خطأ
(3) لو الشرط خطأ والنتيجة صواب الجملة الشرطية كلها صواب
(4) لو الشرط خطأ والنتيجة خطأ، الجملة الشرطية كلها صواب. (أنظر الجدول المرافق).
أي أن الجملة الشرطية خطأ فقط عندما يكون الشرط صواب لكن النتيجة خطأ. تأمل تلك الامثلة “إذا كان أحمد زكي ممثل إذن عادل إمام أيضا”، “إذا كان أحمد زكي ممثل، إذن نجيب محفوظ أيضا”، “إذا كان نجيب محفوظ ممثل، إذن أحمد زكي أيضا”، “إذا كان نجيب محفوظ ممثل، إذن يوسف إدريس أيضا”. طبقا لجدول الحقيقة للجمل الشرطية قيمة الحقيقة للجملة الأولى صواب والثانية خطا. الأمر الذى غالبا سيتطابق مع الصورة البديهية لدى معظمنا، في الجملة الأولى أحمد زكي ممثل وايضا عادل إمام وبالتالي الشرط والنتيجة صواب إذن الجملة ككل صواب. وفي الجملة الثانية، أحمد زكي ممثل، لكن نجيب محفوظ ليس كذلك، إذن الشرط صواب لكن النتيجة خطأ إذن الجملة ككل خطأ. لكن الجملة الثالثة والرابعة قد يصعب على البعض إدراك السبب وراء قيمة الحقيقة لها، بالرغم من أن القيمة متطابقة مع إدراكنا البديهي لحقيقة تلك الجمل لكن ليس من الواضح كيف تم الوصول إلى تلك القيمة. كي أقرب الفكرة لك تأمل هذا المثال “لو تدربت الأسبوع المقبل، إذن ستكسب المباراة النهائية” .. هناك احتمالان قد تتحقق فيهم خسارتك في المباراة النهائية، الاول هو انك لم تتدرب لمدة أسبوع، أي أن الشرط خطأ والنتيجة خطأ والثاني، هو انك تدربت لمدة أسبوع لكنك مازلت خسرت المباراة لأسباب أخرى، أي أن الشرط صواب، لكن النتيجة خطأ.
دالة حقيقة التكافؤ Biconditional Truth Function
وأخيرا قيمة الحقيقة لجمل التكافؤ Biconditional يتم تحديدها بناء على جدول حقيقة له أربع احتمالات بما ان هناك جملتين
(1) لو الشرط صواب والنتيجة صواب لابد وأن الجملة صواب
(2) لو الشرط صواب والنتيجة خطأ لابد وأن الجملة خطأ
(3) لو الشرط خطأ والنتيجة صواب الجملة كلها خطـأ
(4) لو الشرط خطأ والنتيجة خطأ، الجملة الشرطية كلها خطأ . (أنظر الجدول المرافق).
أي أن جملة التكافؤ صواب فقط في حالتين الشرط والنتيجة صواب أو الشرط والنتيجة خطأ. هذه الحقيقة المنطقية نابعة من الفكرة البسيطة وهي أن جملة التكافؤ “س فقط إذا ص” هي مجرد اختصار منطقي لجملة منطقية مركبة وهي “لو س إذن ص و لو ص إذن س” (p ⊃ q) . (q ⊃ p) .. او باللغة الدارجة والبداهة العقلية لابد وان يتحقق كلا من س وص كي تصح الجملة او لايتحقق كلا من س وص كي تصح الجملة. تأمل تلك الجمل “هيكل صحفي فقط إذا كان مصطفى أمين”، “هيكل صحفي فقط إذا كان نجيب محفوظ”، “أحمد زكي صحفي فقط إذا كان نجيب محفوظ” … دالة الحقيقة للجملة الأولى قيمتها صواب، لأن شقي الجملة صواب، والثانية خطأ لأن نجيب محفوظ ليس صحفي إذن أحد شقي الجملة “النتيجة” لم تثبت صحته. وأخيرا الجملة الثالثة صواب، لان شقي الجملة خطأ لا أحمد زكي ولا نجيب محفوظ صحفيين. الان بعد قمنا بتعريف جداول الحقيقة لاحتمالات دالة الحقيقة لمعاملات الربط المنطقية الخمسة ننتقل الى جمل مركبة أكثر تعقيدا.
حساب دالة الحقيقة Truth Function Computation
كي نحسب قيمة دالة الحقيقة لجملة مركبة معقدة سنستخدم طريقة تشبه التعامل مع المعادلات الرياضية. سنقوم بالخطوات التالية
(1) نكتب قيمة الحقيقة للجمل الجزئية البسيطة أسفل الحروف المعبرة عنها.
(2) سنستخدم قيم الحقيقة للجمل البسيطة لحساب قيمة الحقيقة للجمل المركبة، ونكتب قيمة الحقيقة للجملة المركبة تحت معامل الربط داخل الجملة.
سنبدأ بمثال بسيط. تصور أن هناك ثلاث جمل فرضية بسيطة غير مركبة A, B, and C قيمة الحقيقة لها صواب. وثلاث جمل فرضية بسيطة غير مركبة D, E, and F قيمة الحقيقة لها خطأ. الآن لو هناك جملة فرضية مركبة (A v D) ⊃ E أولا نكتب قيمة الحقيقة للجمل البسيطة مباشرة تحت الرموز المعبرة عنها (سنعبر ب T اختصار True عن قيمة الصواب، و F أختصار False عن الخطأ) .. إذن نحصل على (T v F ) ⊃ F ثانيا نحسب قيمة الحقيقة للجملة المركبة داخل القوسين ( T v F ) ونكتبها أسفل المعامل. في تلك الحالة طبقا لجدول حقيقة معامل الانفصال قيمة الحقيقة للصواب أو الخطأ هي الصواب. إذن الجملة الناتجة الان T ⊃ F وأخيرا نقوم بتطبيق المعامل الاخير وهو الجملة الشرطية أو معامل حدوة الحصان، طبقا لجدول الحقيقة قيمة حقيقة شرط صواب ونتيجة خطأ هو الخطأ. ثم نكتب النتيجة النهائية تحت رمز حدوة الحصان (أنظر الشكل المرافق). إذن النتيجة النهائية لهذه الجملة الفرضية هي أن قيمة حقيقتها خطأ في حالة ان كانت A صواب، و D E خطأ. مثال آخر بفرض نفس قيمة الحقيقة للجمل البسيطة السابقة، تأمل تلك الأمثلة (B . C ) ⊃ (E ⊃ A) أولا نعوض عن قيم الجمل البسيطة بقيمة حقيقتها (T . T) ⊃ (F ⊃ T) ثانيا نحسب قيمة الحقيقة للجمل المركبة داخل الأقواس نحصل على النتيجة التالية طبقا لجداول الحقيقة لتلك المعاملات T ⊃ T وثالثا وأخيرا نطبق المعامل الاخير ونحسب قيمة الحقيقة النهائية (أنظر الشكل المرافق). هذة الجمل قد تكون شديدة التعقيد مثلا [∼ (D v F) . (B v ∼ A) ] ⊃ ∼ (F ⊃ ∼ C) (أنظر الشكل المرافق) .. لكن باستخدام الطريقة البسيطة السابقة نستطيع التوصل لقيمة الحقيقة بكل بساطة لاى جملة اى كانت درجة تعقيدها.
اللغة و المعاملات المنطقية Language and Logical Symbols
التصور المبدئي عند ترميز اللغة البشرية الى صورة منطقية رمزية قائمة على معاملات ربط منطقية، هو أن هناك تطابق في المعنى بين الكلمات المستخدمة في اللغة لتكوين الجمل المركبة والرموز المنطقية المستخدمة لنفس الغرض في المنطق، لكن هذة الرؤية غير دقيقة. أولا معامل الاقتران “.” الذي عادة ما يستخدم لترميز كلمات مثل “و” “and” “لكن” التطابق في المعنى بين اللغة البشرية والرمزية كبير لكن يحدث الاختلاف عندما يتوقف معنى جملة الاقتران على ترتيب شقي الجملة، مثلا تأمل تلك الجمل “لقد تزوجت و أنجبت” … “لقد أنجبت وتزوجت” .. الجملة الاولي تتضمن معنى أن الزواج حدث اولا ثم الانجاب لاحقا، في حين أن الجملة الثانية تتضمن المعنى المعاكس الانجاب ثم الزواج. هذا المعنى الضمني في الجملة العربية يضيع تماما عند ترجمة الجملة رمزيا لان لو عبرنا عن الزواج ب س والإنجاب ب ص. تصبح الجملة الأولى س.ص و الثانية ص.س و الجملتين من الناحية المنطقية متساويتين منطقيا! .. صورة أخرى من الخلاف عند الترميز تحدث في جمل الاقتران عندما يكون ترتيب الشق الأول في الجملة conjuncts يتضمن علاقة سببية. تأمل هذا المثال “لقد وقع من على السلم وكسر ساقة” .. “لقد كسر ساقة ووقع من على السلم”. في الجملة الأولى هناك معنى ضمني أن الوقوع من على السلم سبب كسر الساق، ويمكن التعبير عنها رمزيا ب س . ص .. والجملة الثانية لا تحتوى على نفس تلك العلاقة السببية بين الوقع من على السلم وانكسار الساق، ويتم التعبير عنها منطقيا ب ص . س وقيمة الحقيقة منطقيا للجملتين واحدة لكن المعنى ليس واحدا. ثانيا معامل الانفصال “v” الذى يستخدم عادة للتعبير عن “أو” “or” “مالم” .. المعامل يعبر عن أنفصال شامل inclusive disjunction لكن كلمة أو في اللغة العربية قد تعبر في بعض الأحيان عن انفصال جزئي exclusive disjunction ونفس الفكرة تنطبق على “مالم” .. مثلا “لن تكسب الجائزة ما لم تشترى تذكرة” … “لن تمطر ما لم يكن هناك غيوم” .. في الجملة الأولى هناك معنى ضمني وهو أن من الجائز أنك قد تشترى التذكرة لكن لن تكسب الجائزة مثلا لأن الحظ لم يحالف رقمك، وفي الجملة الثانية المعنى المتضمن قد يكون هناك غيوم في السماء لكنها لن تمطر، هذا الانفصال شامل ولايفقد اى شئ من المعنى الضمني عند ترميزها. لكن تأمل استخدام نفس المصطلحات لكن في صورة أنفصال حصرية “هذا الخشب يصلح كوقود للنار ما لم يتم بلة بالماء” .. الجملة تتضمن معنى ان لايمكن ان لا يمكن استخدام الخشب كوقود في نفس الوقت وهو مبلول. وبالتالي لو تم ترجمة تلك الجمل باستخدام معامل الانفصال سيفقد جزء من المعنى. ثالثا في الجملة الشرطية حيث يستخدم معامل حدوة الحصان، قد يحدث أيضا عدم التطابق مع اللغة الدارجة احيانا. تأمل مثلا “إذا ارتفعت درجة الحرارة، فسيبدأ الثلج في الذوبان” .. “إذا كان الشكل (أ) مثلثًا ، فإن الشكل (أ) له ثلاثة جوانب” .. “إذا كانت كل أ هي ب وكل ب ج ، فكل أ هي ج” .. الجمل الثلاثة صواب بالرغم من أن الشرط قد يكون خطأ. مثلا في المثال الأول بالرغم من أن درجة الحرارة لم ترتفع إلا أن القانون الذى يحكم ذوبان الثلج مازال صحيحا، بصورة اخرى، الجملة المعبرة عن القانون صواب بغض النظر عن قيمة الحقيقة للشرط. وفي المثال الثاني، حقيقة أن الشكل أ ليس مثلثا لا تؤثر على حقيقة أن المثلث له ثلاثة أضلاع وبالتالي الجملة المعبرة عن تلك الحقيقة الرياضية صحيحة بغض النظر عن قيمة الحقيقة للشرط. واخيرا الجملة الثالثة تعبر عن علاقة منطقية بين الجمل هذة العلاقة المنطقية صحيحة غير متغيرة بغض النظر عن القيم الثلاثة المستخدمة أ ب ج .. فمثلا لو كانت أ تمثل كلاب، وب تمثل قطط، وج تمثل دجاج ، يصبح الشرط والنتيجة خطأ في الجملة، لكن الجملة الشرطية ككل صحيحة لأن العلاقة المنطقية بين الرموز الثلاثة ثابتة غير متغيرة.
التضمين المادي Material Implication
رمز حدوة الحصان لايعبر عن معنى الجملة الشرطية لان كما رأينا التبعية في الجملة الشرطية متعددة المعاني. وبالتالي لا يمكن استخدامه للتعبير عن المعنى والا سيسبب نفس الالتباس كما في اللغة البشرية. لتفريق الرمز عن المعاني الأخرى لفكرة التضمين، علماء المنطق يطلقون على التضمين الناتج عن هذا الرمز التضمين المادي material implication حتى يفرقوا عن المعاني الاخرى المستخدمة في اللغة البشرية. لكن يعني ايه نوع اخر من التضمين، او التضمين المادي .. التضمين المادي هو نوع من التبعية أو الشرطية قيمة حقيقتها تعتمد تماما على قيمة الحقيقة للشرط والنتيجة داخل الجملة وليست قائمة بالمرة على اى علاقة استنتاجية أو استنباطية بين الشرط والنتيجة. ومن ثم عند ترجمة الجمل الشرطية من اللغة البشرية الى اللغة الرمزية يفقد جزء من المعنى. تأمل هذه الجملة “إذا كان مبارك رئيس ديموقراطي، إذن القرود بتتكلم” .. التضمين هنا ليس بناء على علاقة منطقية، سببية، او تعريف، ولا يمثل ايضا علاقة بناء على قرار فردي لأن ليس في امكانية المجادل أن يجعل القرود تتكلم. في الواقع لا توجد اى علاقة بالمرة بين الشرط والنتيجة، وعادة ما تستخدم تلك الجملة الشرطية على صورة السخرية لأن النتيجة بكل تأكيد خطأ ومن المستحيل أن تكون ابدا صحيحة، إذن لابد وان يكون الشرط خطأ، أي أن مبارك ليس رئيس ديموقراطي. على اى حال الفكرة التى أحوال إيصالها لك، هو أنه لا توجد علاقة حقيقية بين السابق واللاحق طبقا للتضمين المادي. الآن تأمل هذه الجملة “إذا كان الجليد أخف من الماء ، فإن الجليد يطفو في الماء.” أرجو أن تكون لاحظت العلاقة الاستنتاجية بين الشرط والنتيجة في تلك الجملة، حقيقة أن الجليد أخف من الماء هي السبب وراء أنه يطفو فوق الماء. وعندما يتم تحويل الجملة الى صورتها الرمزية يُفقد هذا المعنى الاستنتاجي في الجملة. ولأن التبعية المادية تتجاهل تلك الوصلة الاستنباطية بين السبب والنتيجة يحدث التعارض بين حقيقة الجملة الشرطية الرمزية وحقيقة الجملة الشرطية في اللغة البشرية، تأمل مثلا هذه الأمثلة “إذا كان أحمد يدافع عن الإرهاب ، إذن فهو مواطن صالح” … “إذا كانت بنها تقع في القليوبية، إذن بنها قريبة جدا من أسوان” … طبقا لتفسير الجمل السابقة طبقا للغة العادية، كليهما جمل خاطئة. المواطن الصالح لا يدافع عن الإرهاب، وبنها بعيدة جدا عن أسوان. لكن عند ترجمة تلك الجمل الى صورتها الرمزية، كليهما صواب! .. لأن الشرط فيهما خاطئ وطبقا لجدول حقيقة الجمل الشرطية الجملة ككل صواب إن كانت الشرط خاطئ بغض النظر عن النتيجة أو الحالة الثالثة والرابعة. في الحالات التى يحدث فيها هذا التعارض بين اللغة الدارجة واللغة الرمزية عادة يكون من الأفضل عدم استخدام رموز الحدوة لتمثيل الجملة.
العلاقات الاستنباطية بين الشرط والنتيجة تلعب دور في الجمل الشرطية الدلالية indicative mood كما في الامثلة السابقة، لكنها تلعب دور كبير ومؤثر في الجمل الشرطية التى يتم التعبير عنها بصيغة شرطية مخالفة subjunctive mood .. تأمل تلك الأمثلة “إذا كنت بيل جيتس، فسأكون ثريًا” .. “إذا كانت الدلافين سمكة ، فإنها ستكون بدم بارد” .. “إذا كان برج القاهرة مصنوعًا من الرصاص، فسيكون أخف من الهواء” .. “إذا كان الرئيس السادات أنتحر، لكان على قيد الحياة الان” … الجمل الشرطية المعبر عنها بصورة مخالفة عادة ما يطلق عليها الشرطية المخالفة counterfactual conditionals لان الشرط عادة مايكون خطأ، وبالتالي الطريقة الوحيدة لتحديد قيمة الحقيقة للجملة في اللغة العادية يحدث من خلال نوع من الاستنباط، مثلا في الجملة الأولي من خلال معرفتنا ان بيل جيتس غني نستطيع استنتاج اني لو كنت بيل جيتس سأكون غنيا. بنفس الصورة بمعرفة ان كل الاسماك باردة الدم، نستنتج ان لو الدلفين كان سمكة لاصبح بارد الدم أيضا، وفي المثالين الآخرين نستنتج ايضا من معرفتنا العلمية ان الهواء أخف من الرصاص، أو ان الانتحار يؤدي الى الموت وبالتالي كلا الجملتين خطأ. لان حقيقة الشرطية المخالفة مرتبطة بقوة بتلك العلاقات الاستنباطية وليس بصحة أو خطأ شرط ونتيجة الجملة، الجمل الشرطية المخالفة لاتعد دالة حقيقية بالمرة، ولا يستخدم رمز الحدوة لترجمتها الى صورة رمزية، لو مش مقتنع بكلامي، جرب تترجم الجمل السابقة الى صورة رمزية ستجد انها كلها صواب طبقا لجدول حقيقة الجملة الشرطية، الأمر المخالف لبديهتنا ومعرفتنا. هذة الفكرة نفسها كانت أحد الدوافع لظهور نوع جديد من المنطق يعرف بمنطق الموجهات modal logic القائم بالأساس على فكرة العوالم المحتملة كطريقة كاملة ومتسقة للعالم أو كيف يمكن أن يكون. يتم استخدامها على نطاق واسع كأداة رسمية في المنطق والفلسفة واللغويات من أجل توفير دلالات ومعاني مقبولة في منطق الموجهات. وناقشنها بقدر من التفصيل في سلسلة ماوراء الطبيعة (أرجع لحلقة إشكالية العوالم الممكنة). على أى حال نفس حالات عدم التطابق بين اللغة الدارجة واللغة الرمزية في حالة الجمل الشرطية ينطبق بنفس الصورة في حالة جمل التكافؤ biconditionals، بنفس الشكل الذى يعبر بة رمز الحدوة عن تبعية مادية، رمز التكافؤ يعبر عن تكافؤ مادي material equivalence اى انه يتجاهل أي علاقة استنتاج واستنباط بين مكونات الجملة، ومن ثم يحدث تعارض بين المعنى للجمل الدارجة و المعنى الرمزى للجملة. تأمل هذين المثالين “من السهل تسلق الهرم الأكبر فقط إذا كان ارتفاعه أكثر من 100 متر فقط” .. “الهرم مثلث الشكل فقط إذا كان له خمس أوجه” .. طبقا للغة العادية تلك الجملة خاطئة، المرتفعات التى ارتفاعها أكثر من 100 متر ليست سهلة التسلق، والمثلثات أشكال هندسية لها ثلاثة أوجه وليس خمسة. لكن لو ترجمنا تلك الجمل الى الصورة الرمزية اى صورة التكافؤ المادي، الجملتين صواب، لأن في كلا الحالتين الجمل المكونة للجملة خطأ. وبنفس صورة الجمل الشرطية عندما يحدث التعارض في المعنى في جمل التكافؤ بين اللغة الدارجة والرمزية، في تلك الحالة استخدام معامل التكافؤ المنطقي يصبح غير مناسب. وبنفس الصورة الشرطية، جمل التكافؤ المخالف subjunctive biconditionals لا تعد دالة حقيقة في منطق القضايا ولايستخدم معامل التكافؤ للتعبير عنهم، لكن منطق الموجهات هو مجال تطبيق هذة الجمل.
جداول الحقيقة للفرضيات Propositions Truth Table
كما رأينا منذ قليل جداول الحقيقة هي ترتيب احتمالات قيم الحقيقة لمركبات الجملة كي نصل الى قيمة الحقيقة المحتملة للجملة المركبة. كي نبني جدول الحقيقة لأي فرضية، الخطوة الأولى هي أن نحدد عدد الصفوف في الجدول، كل صف يمثل تمثيل لواحد من الاحتمالات الممكنة عند ترتيب قيم الحقيقة لمركبات الجملة بصورة معينة. عدد الصفوف في الجدول مساوي لعدد الاحتمالات الممكنة لترتيب قيم الحقيقة للقضايا أو المركبات الداخلية للجملة المركبة. مثلا لو الجملة مكونة من قضية واحدة أو مركب واحد سيكون هناك احتمالات فقط لقيمة الحقيقة (صواب وخطأ) وفي تلك الحالة هناك صفين فقط. و إذا كانت الجملة مركبة من فرضيتين، س و ص، سيكون هناك أربع احتمالات لقيم الحقيقة للجملة المركبة، لأن هناك قيمتي حقيقة لكل جملة إذن 2 * 2 = 4، وهكذا لو كان هناك 3 جمل سيكون هناك 8 احتمالات للحقيقة، 4 جمل سيكون هناك 16 أحتمال للحقيقة، الخ (أنظر الجدول المرافق). لأصحاب العقول الرياضية العلاقة بين عدد الجمل وعدد الصفوف أو احتمالات الحقيقة للجملة المركبة يمكن التعبير عنها بمعادلة L = 2n حيث L تعبر عن عدد الصفوف في جدول الحقيقة، و n تعبر عن عدد الجمل أو الفرضيات البسيطة المكونة للجملة المركبة. افضل طريقة لفهم هذه العملية هو تطبيقها على مثال عملي كما في المعادلات الرياضية. تأمل هذا المثال البسيط (A v ∼ B) ⊃ B هناك فرضيتين مكونيتين لتلك الجملة المركبة A, B إذن سيكون هناك أربع احتمالات أو صفوف في جدول حقيقة الجملة. في رأس الجدول نضع كلا من الفرضيتين المكونتين للجملة في عمود، وعمود ثالث للجملة المركبة ككل، ثم أسفلهم أربع صفوف تمثل الاحتمالات الاربعة (أنظر الشكل المرافق). الخطوة الثانية نضع تحت الفرضية A اربع احتمالات لقيم الحقيقة سنمثل قيمة الصواب بالرمز T وقيمة الخطأ بالرمز F. سنقوم بقسمة عدد الاحتمالات الممكنة الى نصفين، اى نقسم عدد الاحتمالات الاربعة الى نصفين كل نصف به صفين، في الصفين الأولين نضع T وفي الصفين الثانين نضع F. الخطوة التالية هى احتمالات الحقيقة ل B كي نوزعها على احتمالات A بصورة تبادلية، نقوم بقسمة الصفين الاولين في الاول نضع T والثاني F نتبع ذلك بقسمة الصفين التالين، نصع T في الاول و F في الثاني (انظر الشكل المرافق). هذا التوزيع يضمن كل الاحتمالات الممكنة لقيم A B. الان نبدأ بحساب قيمة الحقيقة للجملة المركبة بتطبيق المعاملات المنطقية كما رأينا سابقا ووضع القيمة الناتجة أسفل العلامة في كل صف. سنبدأ أولا من داخل القوسين ونطبق النفي على B. في الصف الأول قيمة B كانت صواب، إذن نفيها خطأ وبالتالي نضع F أو خطأ تحت علامة النفي في الصف الاول، وهكذا نكمل الخطوة لمعامل النفي لكل الصفوف (أنظر الشكل المرافق). بعد ذلك ننتقل الى معامل الانفصال v داخل القوس ونقوم بتطبيقة على قيمة الحقيقة ل A وقيمة الحقيقة لنفي B الناتجة من الخطوة السابقة نقوم بتكرار تلك الخطوة للأربع صفوف (أنظر الشكل المرافق). أخيرا نقوم بتطبيق المعامل الاخير خارج القوس، معامل التضمين او التبعية ⊃ في تلك الحالة المعامل يتم تطبيقة لكل صف من الصفوف الاربعة على نتيجة الانفصال من الخطوة السابقة التى كتبناها تحت رمز الانفصال، وقيمة جملة B ثم نكتب النتيجة النهائية تحت معامل التضمين. هذة القيمة هي القيمة النهائية للجملة ككل بما أن هذا المعامل كان أخر المعاملات في الجملة (أنظر الشكل المرافق). هذا الجدول يخبرنا الان بقيم الحقيقة للجملة المركبة في كل احتمالاتها طبقا لقيم الحقيقة للجمل المكونة لها A و B. هذه هي الطريقة التقليدية لبناء جدول الحقيقة للفرضيات، وغالبا ما ستجدها في معظم كلاسيكيات كتب منطق القضايا. هناك طريقة بديلة لحساب جدول الحقيقة أقصر وأسرع بعض الشئ. فيها لا نضع عمودين مستقلين لقيم الجمل البسيطة A و B بدلا من هذا نضع قيمتهم مباشرة تحت رموزهم في الجملة المركبة. اى ان الجدول يكون به عمود واحد رأسه هي الجملة المركبة، وتحت القضية A في الصفوف الاربعة نضع احتمالات قيمة الحقيقة لها بنفس الطريقة السابقة، وتحت القضية B نضع تحتها في الصفوف الاربعة نضع احتمالات قيمة الحقيقة لها بنفس الطريقة السابقة (أنظر الشكل المرافق). ثم نتبع نفس الخطوات السابقة بتطبيق المعاملات ووضع القيم الناتجة في الصفوف الاربعة أسفلها حتى نصل الى النتيجة النهائية تحت معامل التضمين او الحدوة (أنظر الشكل المرافق). أنصحك بالتوقف عن إكمال الحلقة وإحضار ورقة وقلم قم بتطبيق إحدى الطريقتين لحساب قيمة الحقيقة للجملة المنطقية التالية بنفسك (C . ∼ D) ⊃ E ..ثم عُد لإكمال الحلقة، المنطق كالرياضيات أفضل طريقة لإستيعابه هي التطبيق العملي.
تصنيف القضايا المنطقية Logical Propositions Types
جداول الحقيقة قد تستخدم لتحديد إن كانت قيمة الحقيقة لجملة مركبة تعتمد تماما على شكل وقالب الجملة، أو تعتمد أيضا على قيم الحقيقة لمركبتها. الجملة المنطقية المركبة يقال انها صحيحة منطقيا logically true أو طوطولوجية tautologous statement إذا كانت الجملة صواب بغض النظر عن قيمة الحقيقة للجمل أو القضايا المكونة لها. ويقال انها خاطئة منطقيا logically false أو متناقضة self-contradictory statement إذا كانت خاطئة بغض النظر عن قيمة الحقيقة للقضايا المكونة لها. وأخيرا يقال انها جملة مشروطة contingent statement إن كانت قيمة الحقيقة للجملة تعتمد على حقيقة مكوناتها. بالنظر الى قيمة الحقيقة تحت المعامل الرئيسي في الجملة المركبة نستطيع تحديد كيف يمكن تصنيف الجملة طبقا للفئات الثلاثة السابقة. أن كانت كل الاحتمالات صواب تحت المعامل الرئيسي في تلك الحالة الجملة صواب منطقيا أو طوطولوجية، إن كانت كل الاحتمالات خطأ تحت المعامل الرئيسي في تلك الحالة الجملة خطأ منطقيا أو متناقضة. وأخيرا لو كان هناك احتمال واحد صواب،و احتمال واحد خطأ يقال إن الجملة مشروطة (أنظر الجدول المرافق). مثلا في المثال السابق، كان تحت المعامل الرئيسي في الجملة المركبة، معامل التضمين او الحدوة هناك أربع احتمالات أحدهم كان صواب وأحدهم كان خطأ، وبالتالي الجملة تصنف على أنها مشروطة. أو بصورة أبسط حقيقة الجملة مشروطة بقيم الحقيقة لمركباتها. قد تكون صواب أو خطأ بناء على قيم الحقيقة للجملة البسيطة المكونة لها. لكن مثلا لو تأملت الجملة المركبة [ (G ⊃ H) . G ] ⊃ H جدول الحقيقة لها يحتوى على اربع صفوف، تحت المعامل الرئيسي في الجملة معامل التضمين، كل الاحتمالات صواب، إذن الجملة طوطولوجية أو صواب منطقيا (أنظر الشكل المرافق). والجملة المركبة (G v H) ≡ (∼ G . ∼ H) جدول حقيقتها له أربع احتمالات، تحت المعامل الرئيسي في الجملة معامل التكافؤ كل الاحتمالات خطأ، إذن الجملة متناقضة أو خطأ منطقيا. وفي كلا المثالين قيمة الحقيقة للجملة المركبة مشروطة بقيمة الحقيقة للجمل المكونة لها. الأولى صواب بغض النظر عن حقيقة الجمل المكونة لها أى أنها صواب ضروريا، والثانية خطأ بغض النظر عن حقيقة الجمل المكونة لها اى أنها خطأ ضروريا. إن كانت القضية إما صواب منطقيا أو خطأ منطقيا، قيمة حقيقتها تعتمد على هيئة الجملة فقط ولا علاقة لها بمحتوى الجملة .. السؤال اللى غالبا بيدور في عقلك الآن، ما أهمية هذا التفريق؟ في الحقيقة هذا التفريق مهم لأن الجمل من تلك النوعية عادة لا تصنع اى تأكيدات جديدة عن الواقع. مثلا هذه الجملة الطوطولوجية أو الصواب منطقيا “اما انها تمطر أو لا تمطر” هذة الجملة صواب في حالة انها امطرت أم لم تمطر. اى انها لا تخبرنا اى شئ عن حالة الطقس. لكنها مازالت جملة صواب منطقيا، بل صوابها حقيقة ضرورية نابعة من هيئتها أو طريقة تركيبها. وبنفس الصورة، الجمل المتناقضة أو الخطأ منطقيا، لا تقدم أي معرفة عن الواقع مثلا “أنا أكون ولا أكون” هذه الجملة لا تقدم اى معلومات عن كينونتي، لانها تثبت وتنفي نفس الشئ في نفس الجملة. وبالتالي هي خطأ بناء على قالبها وليس محتواها، الامر المختلف تماما عن جملة مثل “أنها تمطر في الشتاء” جملة مشروطة بحقيقة ما في الواقع عن الطقس.
الاستخدام الآخر المهم لجداول الحقيقة، هو مقارنة القضايا المنطقية وعلاقتها ببعضها. مثلا قضيتين يقال انها جمل متكافئة منطقيا logically equivalent statements إذا كان لهم نفس قيم الحقيقة في كل صف تحت المعامل الرئيسي في الجملة. ويقال انهم جملتين متناقضتين contradictory statements ان كانت قيم الحقيقة في كل صف تحت المعامل الرئيسي في الجملة متضادة. ان لم تتحقق تلك الحالتين إما أن تكون الجملتين متسقتين أو غير متسقتين. فرضيتين يقال انهم متسقتين consistent statements ان كان هناك على الأقل صف واحد قيم الحقيقة للاثنين صواب. ويقال انهم غير متسقتان inconsistent statements ان لم يوجد اى صف حيث قيم الحقيقة صواب في الجملتين (أنظر الجدول المرافق). مثلا الفرضية K ⊃ L والفرضية ∼ L ⊃ ∼ K متكافئتان منطقيا لو لأن قيم الحقيقة للمعامل الرئيسي في الجملتين متطابقة (أنظر الشكل المرافق). على العكس من جملة K ⊃ L وجملة K . ∼ L جملتين متناقضتين لأن قيم الحقيقة للمعامل الرئيسي في كليهما متناقضة (أنظر الشكل المرافق). أما مثلا في حالة الجملة K v L والقضية K . L القضيتان متسقتان، لأن الصف الأول لكليهما قيمة الحقيقة للمعامل الرئيس صواب (أنظر الشكل المرافق). على العكس من جملة K ≡ L وجملة K . ∼ L قضيتين غير متسقتان، لان لا يوجد اى صف فية قيمة الحقيقة للمعامل الرئيسي في كليهما كانت صواب (أنظر الشكل المرافق). وعادة ما نطلق على التكافؤ والتناقض بين الجمل علاقة قوية ثم يتبع ذلك العلاقات الضعيفة اى علاقة الاتساق. علاقة الاتساق بين الجمل مهمة جدا لان من الممكن استخدامها لتقييم ان كانت فرضيات الشخص عقلانية أم لا. مثلا “درجة غليان الماء 100 درجة مئوية” وجملة “عدد سكان مصر الحالي 100 مليون نسمة” .. كليهما فرضيات صحيحة في الواقع ولو قمت بتمثيلها في جدول حقيقة ستجد أن هذا الاتساق مُعبر عنه بقيمة الحقيقة حيث القضيتين صواب على الأقل في احتمال واحد، لكنها غير متكافئتين منطقيا لأن قيم الحقيقة للمعامل الرئيسي بهم ليست متطابقة! مثلا عدد سكان مصر في تزايد مستمر وقد يتغير بعد عدة سنوات، لكن الجملة الأولى حقيقة عملية لن تتغير مع الوقت.
جداول الحقيقة للحجج Arguments Truth Tables
جداول الحقيقة هي الطريقة القياسية لاختبار صلاحية الحجج داخل منطق القضايا. وكما اتبعنا طريقة محددة لبناء جدول الحقيقة للقضايا، سنتبع طريقة محددة لبناء جدول الحقيقة للحجج، أتبع الخطوات التالية:
(1) قم بترميز قضايا الحجة
(2) أكتب الصورة الرمزية للحجة وضع خط فاصل بين كل مقدمة، وخطين فاصلين بين المقدمات والنتيجة
(3) قم برسم جدول الحقيقة للحجة الرمزية كما لو كانت القضايا ومجزأة الى أقسام
(4) حدد في الجدول الصف الذي فيه كل المقدمات صواب والنتيجة خطأ، إن وجد هذا الصف الحجة خاطئة، إن لم يوجد، إذن الحجة صواب.
عارف ان الكلام نظري بعض الشئ، لذلك أفضل طريقة استيعابه هو مثال عملي. تأمل الحجة التالية “
(1) إذا كان قتلة الأحداث مسؤولين عن جرائمهم مثل البالغين ، فإن الإعدام يُعد عقوبة مبررة.
(2) قتلة الأحداث ليسوا مسؤولين عن جرائمهم مثل البالغين.
(3) لذلك فإن الإعدام ليس عقوبة مبررة.”
.. نبدأ بالخطوة الاولى وضع الحجة على صورتها الرمزية .. نرمز للقضية “قتلة الأحداث مسؤولين عن جرائمهم مثل البالغين” بالرمز J .. والقضية ” الإعدام يُعد عقوبة مبررة” بالرمز E و بالتالي تصبح “J ⊃ E ..∼J .. ∼E” .. الآن نقوم برسم جدول الحقيقة للحجة بما أن الحجة تحتوى على قضيتين أو رمزين اذن هناك أربع احتمالات للحجة وبالتالي هناك أربع صفوف في الجدول. الان الرموز ستتكرر في كل قضية من قضايا الحجة الثلاث، ضع تحت كل رمز احتمالات قيم الحقيقة موزعة كما رأينا عند صناعة جدول حقيقة القضية. سنكرر قيم الحقيقة تحت كل رمز (أنظر الشكل المرافق). الان نقوم بحساب قيمة الحقيقة لكل قضية بتطبيق المعاملات داخل كل قضية ثم نضع قيمة الحقيقة تحت المعامل (أنظر الشكل المرافق). لاحظ اننا نقوم بتطبيق المعاملات حتى على القضية في نتيجة الحجة. الان اكتمل جدول الحقيقة، بالنظر الى جدول الحقيقة، سنجد الصف الثالث فيه قيمة الحقيقة للقضية الأولى صواب، وقيمة الحقيقة للقضية الثانية صواب، وقيمة الحقيقة للنتيجة خطأ، إذن الحجة ككل خاطئة. الطريقة سهلة وفعالة للوصول لقيمة الحقيقة للحجة، لكنها طريقة غير صالحة في لتقييم حجج تحتوى على مقدمات غير متناسقة inconsistent premises. تأمل هذه الحجة
“(1) السماء زرقاء
(2) السماء ليست زرقاء
(3) إذن، باريس عاصمة فرنسا”
.. لو تأملت جدول الحقيقة للحجة (أنظر الشكل المرافق). بما أن المقدمتين غير متسقتين لن تجد ولا صف في الجدول فيه قيم الحقيقة متساوية،عندما يكون الاحتمال صواب مقدمة لابد وان يكون خطأ للثانية، وبالتبعية لن يوجد ولا صف حيث المقدمات صحيحة والنتيجة خاطئة، اذن طبقا للقواعد السابقة لابد وأن الحجة صواب، لكن بكل تأكيد الحجة غير سليمة unsound لان بها مقدمة غير صحيحة. مثال آخر “القاهرة هي عاصمة مصر، إذن أما أنها تمطر أو لا تمطر” بعد ترميز الحجة ورسم جدول الحقيقة لها (أنظر الشكل المرافق). نتيجة الحجة دائما صواب اى انها قضية طوطولجية اى صواب منطقيا اى دائما صواب بغض النظر عن المقدمات. وبالتالي لن تجد اى صف في الجدول، المقدمات فيه صواب والنتيجة خطأ اذن الحجة صواب، وايضا الحجة سليمة لان المقدمات صواب.
قوالب الحُجج Argument Forms
الكثير من حجج منطق القضايا له شكل وهيئة محددة ومُتعارف عليها بين المنطقيين بأسماء محددة، وكما ناقشنا في الحلقات السابقة الصور والهيئات المحددة تساعد في التعرف بسرعة على صلاحية الحجة بمجرد تحديد هيئتها. سأعرض عليك بعض من تلك الصور سواء للحجج الصالحة أو الغير صالحة. قالب أو هيئة الحجة argument form هو ترتيب للجمل والمعاملات في الحجة بطريقة تجعل من الممكن استبدالها باى جمل وتظل النتيجة واحدة. مثلا ترتيب الرموز التالية هو قالب لحجة p . q .. p لو قمنا باستبدال الجملة أحمد مهندس ونرمز لها بالرمز A محل p والجملة محمد طبيب ونرمز لها بالرمز B محل q إذن تصبح الحجة “أحمد مهندس، محمد طبيب، إذن أحمد مهندس” أو صورتها الرمزية “A . B .. A”. تصور العلاقة بين قالب الحجة وتمثيلها على أنها العلاقة بين الهيكل العظمي للإنسان، والإنسان نفسه. سأعرض عليك ستة صور من قوالب الحجج الصالحة.
(الأولى) القياس الاستثنائي Modus ponens (MP) وتتركب من مقدمة شرطية اولي، ومقدمة ثانية تؤكد الشرط في المقدمة الشرطية، ونتيجة تؤكد النتيجة في المقدمة الشرطية. صورتها الرمزية p ⊃ q .. p .. q .. اى تمثيل لهذا القالب هو حُجة صحيحة مثلا “(1) لو يموت 12 مليون طفل سنويا من الجوع، إذن هناك مشكلة في توزيع الطعام في العالم (2) 12 مليون طفل يموت سنويا من الجوع (3) إذن، هناك مشكلة في توزيع الطعام في العالم!” ..هذه حجة قياس استثنائي صالحة لانها تمثل القالب.
(ثانيا) النفي الاستثنائي Modus tollens (MT) .. قالب منطقي صالح يتكون من مقدمة أولى على صورة قضية شرطية، مقدمة ثانية تنفي نتيجة المقدمة الشرطية، نتيجة تنفي صحة الشرط .. صورتها الرمزية كالاتي p ⊃ q .. ∼q .. ∼p .. مثلا “(1) إذا كانت الحكومة تهتم بحرية التعبير إذن لابد أن يتوقف الحبس في قضايا الرأى (2) لم يتوقف الحبس في قضايا الرأى (3) إذن الحكومة لا تهتم بحرية التعبير”.
(ثالثا) القياس المنطقي الافتراضي Pure hypothetical syllogism (HS) قالب يتكون من مقدمتين شرطيتين، ونتيجة شرطية تشكل سلسلة تتابعية إلى النتيجة. صورتها القياسية ” p ⊃ q .. q ⊃ r .. p ⊃ r” .. مثلا “(1) إذا استمر عدد سكان العالم في النمو ، فستصبح المدن مكتظة. (2) إذا أصبحت المدن مكتظة بالسكان، إذن سينتشر التلوث (3) إذن، إذا أستمر عدد سكان العالم في النمو، سينتشر التلوث”.
(رابعا) القياس الانفصالي Disjunctive syllogism (DS) قالب صالح يتكون من مقدمة أولى جملة انفصالية، ومقدمة ثانية تنفى الشق الأيسر في المقدمة الانفصالية، ونتيجة تؤكد الجزء الأيمن .. صورتها الرمزية “p v q .. ∼p .. q” .. صلاحية تلك الحجة من الممكن التأكد منها بسهولة من خلال جدول حقيقتها، جرب تثبتها بنفسك وترسم جدول حقيقتها. مثلا “(1) إما دبي أو القاهرة تقع في مصر (2) دبي لا تقع في مصر (2) إذن القاهرة تقع مصر” .. الفكرة البديهية في هذا القالب هو أن إحدى شقي الانفصال صحيح، لأن هذا هو معنى الانفصال، وطالما تم نفي أحد الشقين، إذن لابد أن الثاني صحيح!
(خامسا) معضلة البناء Constructive dilemma (CD) .. قالب منطقي صالح يتكون من مقدمة أولى على صورة اقتران بين جملتين شرطيتين، ومقدمة ثانية على صورة أنفصال تؤكد أحد الشرطين في الجملتين الشرطيتين، ونتيجة منطقية تؤكد صحة أحد النتيجتين في الجملتين الشرطيتين. صورتها الرمزية (1) (p ⊃ q) . (r ⊃ s) .. p v r .. q v s .. اى تمثيل لهذا القالب حجة صالحة مثلا “(1) إذا اخترنا الطاقة النووية، فإننا نزيد من مخاطر وقوع حادث نووي ؛ ولكن إذا اخترنا الطاقة التقليدية، فإننا نضيف إلى تأثير الاحتباس الحراري. (2) يجب أن نختار إما الطاقة النووية أو الطاقة التقليدية. (3) لذلك ، إما أن نزيد من خطر وقوع حادث نووي أو نضيف إلى تأثير الاحتباس الحراري.”
(سادسا) معضلة الهدم Destructive dilemma (DD) أيضا قالب منطقي صالح مشابة لمعضلة البناء، يتكون من مقدمة أولى على صورة جملة اقتران بين جملتين شرطيتين، ومقدمة ثانية انفصالية بين نفي نتيجة الجملتين الشرطيتين، ونتيجة انفصالية بين شرطي الجملتين الشرطيتين. اى ان نتيجة الحجة هي نفي أحد شرطي المقدمة الأولى. صورتها الرمزية .. (p ⊃ q) . (r ⊃ s) .. ∼q v ∼s .. ∼p v ∼r .. اى تمثيل لهذا القالب صالح منطقيا. مثلا “(1) إذا أردنا عكس تأثير الاحتباس الحراري ، فعلينا أن نختار الطاقة النووية. ولكن إذا أردنا تقليل مخاطر وقوع حادث نووي ، فيجب علينا اختيار الطاقة التقليدية. (2) إما أننا لن نختار الطاقة النووية أو لن نختار الطاقة التقليدية. (3) لذلك ، إما أننا لن نعكس تأثير الاحتباس الحراري أو لن نقلل من خطر وقوع حادث نووي.”
الان سننتقل الى قالبين من الحجج مرتبطين بقالب القياس الاستثنائي وقالب النفي الاستثنائي، وتعرضنا لهم في حلقات سابقة في سلسلة المنطق، هذين الصورتين خاطئتين ويعدا من صور المغالطات المنطقية الرسمية.
الأولى معروفة بمغالطة تأكيد النتيجة Affirming the consequent (AC) ويتكون فيها قالب الحجة من مقدمة اولى على صورة شرطية، ومقدمة ثانية تؤكد نتيجة الشرط في المقدمة الأولى، ونتيجة الحجة تؤكد شرط المقدمة الأولى. قالب الحجة الرمزي كالاتي “p ⊃ q .. q .. p” .. اى حجة على تلك الصورة غير صالحة وخاطئة بالضرورة، مثلا “إذا أغتيل جمال عبد الناصر، إذن لابد وانه ميت. جمال عبد الناصر ميت. إذن جمال عبد الناصر اغتيل”.
ثانيا. مغالطة نفي الشرط Denying the antecedent (DA) وفيها يتكون قالب الحجة من مقدمة أولي على صورة شرطية، ومقدمة ثانية تنفي الشرط، ونتيجة حجة تنفي النتيجة في المقدمة الشرطية! .. الصورة الرمزية كالاتي “p ⊃ q .. ~q .. ~p”. مثلا “إذا أغتيل جمال عبد الناصر، إذن لابد وانه ميت. لم يتم اغتيال جمال عبد الناصر. إذن جمال عبد الناصر ليس ميت”. أرجو أن يكون من الواضح لك الهيكل المغلوط لتلك المغالطات المنطقية الرسمية.
القصة التى بدأنا بها، حوار خيالي مقتبس بتصرف من كتاب مقدمة مختصرة للمنطق للفيلسوف الأمريكي المعاصر باتريك هارلي، الحوار احتوى على احدى عشر حجة منطقية في صورة قياسية. مثلا حينما قالت رضوى “إذا كان الروبوت شخصا، إذن سيصبح عقلانيا، لكن لايوجد روبوت عقلاني، إذن لا يمكن ان يكون شخص” . هذه حجة رسمية تتكون من مقدمتين ونتيجة، المقدمة الأولى شرطية، والثانية تنفي نتيجة الشرط في المقدمة الأولى، والنتيجة تؤكد شرط المقدمة. من الممكن صياغة تلك الحجة على صورتها الرمزية كالاتي سنعبر عن الروبوت شخصا ب p والروبوت عقلاني ب q إذن تصبح الصورة الرمزية للحجة “p ⊃ q .. ~q .. ~p”. الان تقوم برسم جدول الحقيقة للحجة، بما أن هناك قضيتين في الحجة، إذن هناك أربع احتمالات للحقيقة، نقوم بوضع احتمالات الصواب والخطأ تحت كلا من p و q. ثم نقوم بحساب الاحتمالات لنفي q واخيرا حساب احتمالات قيمة الحقيقة لنفي p وبما أن معامل النفي في النتيجة هو المُعامل الوحيد، إذن هو المُعامل الرئيسي. الان كي نحدد إن كانت الحجة صالحة، نبحث عن صف في الجدول فيه المقدمات صواب، والنتيجة أيضا صواب، لايوجد اى صف به المقدمتين صواب والنتيجة خطأ، إذن هذة الحجة غير صالحة (أنظر الشكل المرافق). لو دققت النظر قليلا في قالب الحجة ستجد أن تلك النتيجة كان يمكن الوصول لها بسرعة، لان قالب الحجة مطابق لقالب مغالطة نفي الشرط الرسمية، وبالتالي اى حجة تمثل هذا القالب غير صالحة وخاطئة دون الحاجة الى حساب جدول الحقيقة لها! .. الآن حاول التعرف على باقي الحُجج وتعرف على حقيقتها إما من خلال رسم جدول الحقيقة، أو البحث عن قالبها المنطقي. وتذكر، المنطق مثل الرياضيات أفضل وسيلة لإدراكه هي استخدامه!
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP63/EP63_2021_04_20.mp3
ودلوقتي .. تأمل صور منطق القضايا وقواعده … هل منطق القضايا كافي للتعبير عن كافة صورة الحقيقة؟ .. ما العلاقة بين منطق القضايا ومنطق القياس؟ … هل من الممكن ترميز الجمل، والوصول لحقيقتها من خلال أدوات رياضية؟ .. أما ان الواقع أكثر تعقيدا كي يتم اختزاله بصورة منطقية رياضية؟ .. فكر تاني
في الحلقة الجاية .. سنكمل رحلتنا في دروب المنطق الرسمي .. ونتعرف على أحد أهم صوره نتيجة للدور المحورى الذى تلعبه في ثورة المعلومات .. بُنيت على الأسس الرمزية والمنطقية التي وضعت في منطق القضايا … عن قواعد الاستدلال .. قواعد التضمين .. قواعد النفي .. ومنطق الإسناد .. هنتفلسف المرة الجاية.
من دلوقتي للحلقة الجاية .. عيش الحياة بفلسفة!
الحلقة بدون خلفية موسيقية
زود معلوماتك:
المنطق الأرسطي Aristotelian Logic
https://stanford.io/2QR6TVa
رموز المنطق Logic Symbols
https://bit.ly/3xrabCy
حساب القضايا Propositional calculus
http://bit.ly/36cONCw
دالة الحقيقة Truth function
https://bit.ly/3xpHciH
جدول الحقيقة Truth table
https://bit.ly/2QD2YyJ
منطق الموجهات Modal logic
https://bit.ly/3gFlJwf
طوطولجيا Tautology
https://bit.ly/3xkOrbw
القياس الاستثنائي Modus ponens
http://bit.ly/30xaDzn
النفي الاستثنائي Modus tollens
https://bit.ly/3xu15Fp
القياس المنطقي الافتراضي Pure hypothetical syllogism
https://bit.ly/2S1sA8N
القياس الانفصالي Disjunctive syllogism
http://bit.ly/30x9oAd
معضلة البناء Constructive dilemma
https://bit.ly/2QD1HYt
معضلة الهدم Destructive dilemma
https://bit.ly/2QsvzXI
مغالطة تأكيد النتيجة Affirming the consequent
https://bit.ly/2R1jzfw
مغالطة نفي الشرط Denying the antecedent
https://bit.ly/3tV1tdN
Material implication التضمين المادي
https://bit.ly/3xtLCVC
Material Equivalence التكافؤ المادي
https://bit.ly/3vnjjX7
Counterfactual conditional الشرطية المخالفة
https://bit.ly/3voXEOu
Possible world العوالم الممكنة
https://bit.ly/2RXFyV4
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Tomorrow – http://www.bensound.com
https://bit.ly/3tXkPif
myuu – Fernweh
https://bit.ly/2Gu03D
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Bittersweet
http://bit.ly/36EM1GL
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
تخيل أنت وزوجتك تتجولان في حديقة عامة في أحد أيام الربيع البديعة، الجو مشمس والأطفال مع أسرهم يلعبون في كل مكان. تتوقف للحظات وتتأمل بعض الصبية والبنات يركلون الكرة، تتجه نحو زوجتك وتقول “أعلم أننا تحدثنا عن هذا من قبل ، لكني أتمنى أن نعيد النظر في فكرة عدم الإنجاب”. تنظر زوجتك نحوك بملل وتقل ” حسنا سأعيد التفكير في الأمر” .. تمسك بيديها وأنت تقول “لما لا؟ .. معظم الأزواج يعتقدون أن الأطفال يجلبون السعادة تلقائيًا” .. ترد زوجتك “الأمر ليس بهذه البساطة. لقد قرأت بعض الدراسات الحديثة حول هذا الموضوع. لقد أظهروا أن الأزواج الذين ليس لديهم أطفال يتمتعون بمستويات أعلى من الرفاهية العاطفية عن الأزواج الذين لديهم أطفال. وبالتالي ، فإن الأزواج الذين ليس لديهم أطفال هم أكثر سعادة من الأزواج الذين لديهم أطفال “. تقول “لقد قرأت تلك الدراسات، لكنني لا أعرف ما قيمتها. ضع في اعتبارك هذا. الأطفال تضع البسمة على وجهك، والضحك ضروري لتحقيق السعادة. لذا فإن الأطفال يجعلونك سعيده. بالإضافة إلى ذلك ، بطريقة ما ، إنجاب الأطفال يجعلك خالدة”. … ضحكت زوجتك وهي تقول “خالدة! .. وكيف هذا” .. تقول “حسنًا ، ليس الخلود كما فهمتية، لكن أعني أنهم يجعلونك يخلدون أسمك. يكبر الاطفال وينجبون أطفالًا ، وهؤلاء الأطفال ينجبون أطفال ، وهكذا. هذا الشعور بالمساهمة في إدامة الجنس البشري يجعلك سعيده، ألا تعتقدين ذلك؟ ” … تقول زوجتك “الاحفاد .. هذا الأمر بعيد جدا في المستقبل. ربما في البداية مع الحمل الأول ، يميلون إلى السعادة. ولكن بمجرد ولادة الطفل ينتهي شهر العسل. يجب تغذية المولود الجديد كل ساعتين ، والوالدان لا ينامان ، هؤلاء الآباء ليسوا سعداء”. ترد بسرعة “أتفق معك الامر متعب، لكن لا أتفق معك أنهم غير سعداء .. الأمر مؤقت ويستمر فقط للأشهر القليلة الأولى”. قاطعتك زوجتك “وبعد الأشهر الأولي، لديك ألعاب وطعام في جميع أنحاء المنزل وأشياء ملتصقة على جميع الأثاث. ما مدى سعادتك بالعيش في فوضى مستمرة؟ ” … ترد “لا أعتقد. ولكن هناك ما هو أكثر في الحياة من المنزل الأنيق. إنجاب الأطفال سيدفعنا ألا نكون أنانيين ، ولا يوجد شخص أناني سعيد حقًا. أيضًا ، الأطفال يخلقون جوًا من النمو. إن مشاهدة الأطفال يتعلمون ويتغيرون وينموون يجعل الآباء سعداء. أليس كذلك؟” .. تجيب زوجتك “بالتأكيد، من الناحية النظرية. لكن في الواقع ، النمو يعني أن الأطفال يصبحون أطفالًا صغارًا يصرخون ويشتكون ويدخلون في نوبات غضب. الاضطرار إلى الاستماع إلى كل هذا الصراخ لا يجعل أحدًا سعيدًا. وبعد ذلك ، والحياة أكثر جنونا. يجب أن يتم نقل الأطفال باستمرار من وإلى المدرسة ، والدروس الخصوصية ، والنادي – كل ذلك ينتقص من سعادة الوالدين. أليس كذلك؟” .. ترد “صحيح ، لكن الأطفال مرحون. يلعبون باستمرار. ووجود أطفال مرحون حولك يجلب السعادة. بالإضافة إلى أن بعض الأطفال يكبرون ينجزون أشياء غير عادية. كيف يمكن للمرء ألا يكون سعيدًا بمشاهدة نجاح طفلة؟” .. ترد زوجتك “حسنًا ، لكن الأطفال يأخذون وقتًا طويلاً. الأزواج الذين لديهم أطفال لا يجدون وقتًا لقضاء الإجازات – وأنا أعلم أن هذا لن يجعلك سعيدًا. وبعض الأزواج الذين لديهم أطفال لا يملكون حتى وقتًا لممارسة الجنس. هل تحب هذا؟” .. ترد بسرعة “لا لن أحب هذا، لكن ربما يمكننا تعلم كيفية إدارة وقتنا بشكل أفضل من هؤلاء الأزواج الآخرين. الامر الاخر .. إنجاب الأطفال سيجبرنا على العمل معًا كزوجين. سيؤدي ذلك إلى تعميق علاقتنا ، العلاقات الأعمق أكثر سعادة. ولا تنسى الحب غير المشروط. الأطفال يحبونك كما أنت. لا يهتمون بالشكل الذي أنت عليه ، سواء كنت سمين، أو نحيف. قصير او طويل، هذا الحب الغير مشروط سيجعلك سعيدًا ” … ردت زوجتك “بكل تأكيد، من لايريد الحب الغير مشروط! .. لكن ماذا عن المال؟ الأطفال يكلفون ثروة. الغذاء والملابس والفواتير الطبية والتعليم الجامعي سنكون مفلسين باستمرار. هل يمكن أن نكون سعداء هكذا؟ وماذا عن عملي؟ لدي أهداف عملية أيضا مثلك تماما. الحمل و الاعتناء بالصغار سيمنعني من أن أحققهم أبدًا. لا يمكنني أن أكون سعيدًا إذا حدث ذلك”. .. ترد بسرعة “لا، يجب أن نجد حل لهذا الأمر. مع تقدمنا في السن ، فكرى في كيف ستكون حياتنا بدون أطفال. ستشعر بالوحدة والانقطاع ، من سيواسينا ولا توجد أحفاد لزيارتنا. هل هذه سعادة بالنسبة لك؟ ” … ترد زوجتك “ها!.. أنت تفترض أن الأطفال سيغادرون المنزل بعد مدة طويلة، نحن في عصر السرعة، الأطفال يغادرون المنزل الان سريعا بمجرد دخولهم الجامعة، وقبل أن تدرك الامر يتزوجون وينتقلون إلى حياتهم الخاصة” .. تبتسم ” فعلا لن يبقوا في المنزل طويلا بعد دخولهم الجامعة، لكننا جلبنا الكثير من السعادة إلى آبائنا عندما قررنا الزواج، أليس كذلك؟” … تبتسم زوجتك وهي تحتضنك “نعم، لقد جلينا الكثير من السعادة إلى أهلنا عندما قررنا الزواج، لقد أثبت حجتك، بعض الأطفال علي الاقل ينتهي بهم الأمر إلى إسعاد والديهم”!
تأمل هذا الحوار قليلا، حوار عادي قد يدور بين أى زوجين عصريين، لكنة مليئ بالحجج المنطقية الصالحة والغير صالحة في صورة غير قياسية، حاول التعرف على تلك الحجج وضعها في صورتها القياسية!
محاور
منطق القياس، قواعد القياس الحملي، أشكال القياس الحملي، صلاحية القياس الحملي، مخططات فيين و القياس الحملي، صلاحية القياس في الرؤية الارسطوطالية، مغالطات القياس الحملي، القياس في الحياة اليومية، القياس الخطابي، متسلسلات القياس
منطق القياس Syllogism
القياس Syllogism هو أحد صور الحجج الاستنتاجية تتكون من فرضيتين و نتيجة واحدة. وهو احد اهم صور المنطق الكلاسيكي أو المنطق الصوري الارسطي، ويعد أحد قمم منتجات العقل البشري على العموم، وأرسطو بشكل خاص. بسبب دقته، براعته، وبساطتة، الأمر الذي دعا المئات من المفكرين والباحثين يتناولها بالبحث، الشرح، والتفسير لأكثر من ألفي عام. أرسطو فرق بين نوعين من القياس، التام Perfect والناقص Imperfect .. حيث القياس التام هو الذي لا يتطلب أن تحتوي النتيجة الحجة على بيان شئ لم يكن في المقدمات، لكن القياس الناقص على العكس يتطلب تقرير شئ في النتيجة لم يكن في المقدمات. هذا التفريق بين صورتي القياس مهم في فهم أحد أشهر وأهم صور القياس وهو القياس الحملي Categorical Syllgoism، قوام حجة القياس الحملي هو مقدمتين كبري وصغري، ترتبطان ارتباطا ضروريا بحد أوسط فتلزم عنهما النتيجة. هذا الارتباط بين المقدمتين أمر بين وبديهي لا يتطلب وجود قضية أخرى. أى أن القياس تام متكامل في المقدمات لا يحتاج قضايا أخرى لإثباته. إذن في القياس الحملي هناك ثلاث عناصر أساسية:
الحدود أو الفئات الثلاثة المكونة للحجة: الحد الأكبر major term، الحد الأصغر minor term، والحد الاوسط middle term
المقدمتين، المقدمة الكبرى Major Premise، والمقدمة الصغرى minor permise
وأخيرا النتيجة Conclusion وهي لازمة ضرورية عن ارتباط المقدمتين
تأمل المثال التالي “1 كل حيوان فان، 2 كل إنسان حيوان، 3 إذن كل إنسان فان” .. هذة الحجة من القياس الحملي، حيث تتوفر فيها كل عناصر حجة القياس. المقدمة الكبرى “كل حيوان فان” .. والمقدمة الصغرى “كل إنسان حيوان” .. والنتيجة “كل إنسان فان”. لكن ما هو الحد الأكبر، الأصغر، والأوسط. الحد الأكبر أو الفئة الكبرى major term هي فئة الإسناد أو المحمول predicate في نتيجة الحجة، في المثال السابق فئة “الفناء” او “فان” هي المحمول أو الفئة التي تم إسنادها في النتيجة. والحد الاصغر أو الفئة الصغرى minor term هي فئة الموضوع subject في نتيجة الحجة، في المثال السابق فئة “الانسان” هي فئة الموضوع في النتيجة، إلى الفئة التي تم الاستناد إليها. وأخير الحد الأوسط أو الفئة الوسطى middle term هي الفئة التي تقع في كلا من المقدمة الكبرى والصغرى، وتمثل الرابط بين المقدمتين لكنها لا تظهر في النتيجة. في المثال السابق فئة ” الحيوان” هي الحد الذي ظهر في كلا من المقدمة الأولى والثانية لكنها لم تظهر في النتيجة. والمقدمات كما استنتجت اكتسبت اسمها بسبب احتوائها على الحد، المقدمة الكبرى تحتوي على الحد الأكبر، والمقدمة الصغرى تحتوي على الحد الأصغر. وفي الواقع أرسطو لم ينص تحديدا على ترتيب المقدمات داخل الحجة، الأمر الذي يظهر أثره بوضوح في المناطقة التابعين لأرسطو، فنجد أن المناطقة في الغرب دأبوا على وضع المقدمة الكبرى في بداية الحجة في حين أن الإسلاميين دأبوا على وضع المقدمة الصغرى في مقدمة القياس ( سنعود لدراسة هذا الخلاف بالتفصيل). علي حال أرسطو أشار الا ان الارتباط بين المقدمتين ضروري، هذا لأن الضرورة ناتجة عن الوصلة التي يقدمها الحد الأوسط بين المقدمتين. في المقدمة الكبرى الحد الاوسط يندرج في الحد الأكبر ، وفي المقدمة الصغرى الحد الأصغر يندرج في الحد الاوسط، وبالتبعية يندرج الاصغر في الاكبر ويختفي الاوسط في النتيجة.
قواعد القياس الحملي Categorical Syllogism Rules
أرسطو وضع قواعد دقيقة في التحليلات الأولى لمنطق القياس، هذه القواعد قائمة في الأساس على مكونات حجة القياس التي حددناها منذ قليل. المصطلحات التي وضعناها قد تبدو للوهلة الأولى قليلة الاهمية لكنها مهمة في عملية ترميز الشكل القياسي لحجج منطق القياس، أو ببساطة عند وضع قالب محدد أو شكل رمزي للحج القياسية. الصورة القياسية للقياس الحملي standard-form categorical syllogism لابد وأن تنطبق عليها الشروط التالية:
قضايا الحجة الثلاث لابد وأن تقع على الصورة القياسية للفرضيات التصنيفية standard-form categorical propositions
الحد الأوسط لا يظهر في النتيجة، ويظهر مرة واحدة في كل من المقدمتين.
كل حد أو فئة مستخدم بنفس المعنى خلال الحجة.
المقدمة الكبرى تظهر أولا في الحجة، المقدمة الصغرى تظهر ثانيا، ثم النتيجة.
لا يظهر حد أو فئة جديدة في النتيجة ما لم يظهر في المقدمات.
الشرط الأولي يتطلب ان كل فرضية أو قضية تتكون من معامل quantifier، فئة الموضوع Subject، رابط Copula، وفئة الاسناد او المحول Predicate (إرجع لحلقة القضايا الحملية). الشرط الثاني واضح، والشرط الثالث يمنع احتمالية وقوع الاشتراك اللفظي equivocation .. مثلا لو فئة “قانون” استخدمت مرتين في كل مرة أشارت الى معنى مختلف “قانون علمي” في مقابل “قانون تشريعي” في تلك الحالة يحدث التباس في المعنى (أرجع لحلقة المغالطات المنطقية 2) .. في تلك الحالة حجة القياس اصبحت تحتوي على أربع فئات وليست ثلاثة. هذا يعرف وقتها بمغالطة الحدود الأربع أحد صور المغالطات الرسمية مثلا “كل كريم جواد، وكل جواد له كبوة، إذن، كل كريم له كبوة” وقد تكون نتيجة تلك الحجة صحيحة وصادقة لكنها لا تمثل صورة من صور القياس. واخيرا الشرط الرابع هو ترتيب أولوية ظهور الفرضيات داخل الحجة. المثال الذي بدأنا به يقع على الصورة القياسية، لأن الشروط الأربع متحققة. لكن هذه الحجة على سبيل المثال ليست على الصورة القياسية “(1) كل الأفلام أعمال فنية (2) بعض الأفلام تعد أعمال خالدة (3) إذن، بعض الأعمال الفنية خالدة” … تعتقد لماذا؟ … بالضبط، الشرط الرابع غير منطبق، الفرضية الصغرى ظهرت قبل الفرضية الكبرى داخل الحجة. كي نضع تلك الحجة التصنيفية في صورتها القياسية، لابد وان نعكس ترتيب الفرضية الاولي والثانية. فئة ا”الاعمال الخالدة” هي الفئة الكبرى وظهرت في الفرضية الثانية أي أنها الفرضية الكبرى وبالتالي لابد وأن يكون ترتيبها الأولى داخل الحجة، وفئة “الأفلام” هي الفئة الصغرى ظهرت في الفرضية الاولى اى الفرضية الصغرى وبالتالي لابد وأن يكون ترتيبها الأولى في الحجة. وفي الواقع أرسطو لم يضع تلك القواعد في قائمة محددة، ولكنه تحدث عنها في أماكن متفرقة من أعمالة كلما سنحت الفرصة، لكن علماء المنطق من بعدة عنوا بأشكال القياس وصورة والقواعد التي يمكن أن نستنبطها من أشكال القياس، الامر الذي ادى الى الخلاف المتوقع بين الفلاسفة والمنطقيين حول تلك القواعد، أهميتها، وعددها، واي منها أساسي أو تابع لكن هذا الخلاف خارج نطاق بحثنا الحالي وسنتركة للدارسين والمتخصصين ونكتفي بالاشارة الى ان القواعد الخمس السابقة في مجملها تعبر عن روح قواعد منطق القياس الأرسطي.
أشكال القياس الحملي Categorical Syllogism Forms
القياس الحملي categorical syllogism هو أحد صور الحجج الاستنتاجية يتكون من ثلاث قضايا حملية categorical propositions من الممكن صياغتها في صورة القياس الحملي القياسية. قوام حجة القياس الحملي قائم علي عاملين أساسيين (1) الضرب القياسي mood والذي من خلالة نحدد كيف المقدمات وكمها وكذلك النتيجة التي تنشأ من الارتباط بين المقدمتين. لو فاكر من حلقة القضايا الحملية أرسطو وضع أربع أنواع للقضايا
قضايا الكلية الموجبة ك م A (التأكيدية العامة) Universal affirmative،
قضايا الكلية السالبة ك س E (النفي العام) Universal negative،
قضايا الجزئية الموجبة ج م I (التأكيد الجزئي) Particular affirmative،
قضايا الجزئية السالبة ج س O (النفي الجزئي) Particular negative
معامل الضرب القياسي mood يمثل أنواع القضايا الثلاثة المكونة للحجة، مثلا لو كانت المقدمة الكبرى قضية كلية ك م أو A و المقدمة الصغرى قضية جزئية سالبة ج س O والنتيجة قضية جزئية موجبة ج م I .. في تلك الحالة يصبح معامل الضرب القياسي للحجة هو AOI أي مركب أنواع القضايا الثلاثة المستخدمة داخل الحجة حسب ترتيبها. العامل الثاني هو الهيئة أو الشكل Figure .. شكل حجة القياس يتكون بناء على موقع فئة الوسط middle term داخل المقدمتين الأولي والثانية. بما أن الحد الأوسط يظهر مرتين داخل المقدمتين، إذن فهناك أربع احتمالات ممكنة لموقعه ..
وبالتالي عند تصنيف حجة قياس حملية نقوم بالنظر إلا كلا من معامل الضرب القياسي لها ومعامل الشكل القياسي. تأمل الحجة القياسية الحملية التالية “(1) لا يوجد رسامين نحاتين. (2) بعض النحاتين فنانين.(3) لذلك ، فإن بعض الفنانين ليسوا رسامين” … هذة الحجة تقع على الصورة القياسية للقياس الحملي، معامل ضربها هو EIO طبقا لترتيب أنوع القضايا الحملية الثلاثة المكونة لها، ومعامل شكلها على الصورة الرابعة لأن الحد الأوسط كان الثاني أو فئة المحمول في المقدمة الكبرى و الأول أو فئة الموضوع في المقدمة الصغرى .. وبالتالي يصنف القياس في تلك الحجة على أنه EIO-4. إذن هناك حقيقتان رياضيتين لأصحاب العقول الرياضية يمكن استنتاجها من هذا التصنيف
هناك 64 صورة محتملة لمعامل الضرب القياسي mood لاى حجة قياسية ، بما ان اى حجة قياسية حملية تحتوي على ثلاث قضايا وكل قضية حملية قد تقع في نوع من أربعة إذن (4 × 4 × 4 = 64).
هناك 256 شكل أو صورة ممكنة من حجج القياس الحملي بما أن هناك أربع احتمالات لمعامل الشكل بناء على موقع الحد الأوسط، و64 صورة محتملة بناء على معامل الضرب القياسي (4 × 64 = 256).
قد يكون من المحير بالنسبة لك لماذا أقوم بعد كل الصور الممكنة لحجج القياس الحملي .. لكن كما توقعت غالبا، علماء المنطق يستخدموا تلك الصورة لتحديد صلاحية validity الحجة. بتحديد معامل ضرب الحجة، ومعامل شكلها او هيئتها من الممكن مقارنتها مع الصورة القياسية الرمزية المقابلة لها وتحديد إن كانت حجة صالحة.
صلاحية القياس الحملي Categorical Syllogism Validity
أختلف آباء المنطق الكلاسيكي حول صلاحية الحجج القياسية بناء على مضمونها الوجودي، أي إن كانت الفئات والكائنات المُعبر عنها داخل قضايا الحجة لها وجود في الواقع فعلا أم لا، وانقسم علماء المنطق الى مدرستين، المدرسة الأرسطية التي رأى أرسطو الاب روحي لها أن الفرضيات الصالحة لابد وان تدل على أشياء وكائنات فعلا في الواقع، في حين أن المدرسة المقابلة علي رأسها عالم المنطق الإنجليزي جورج بولي George Boole في القرن التاسع عشر الذي رأى أن ليس بالضرورة أن تدل الحجج الصالحة على كائنات حقيقية في الواقع (إرجع لحلقة القضايا الحملية). في قضايا القياس الحملي بعد ان نقوم بتحديد معامل الضرب وهيئة القياس يمكن تحديد صلاحية الحجة من خلال مقارنة معامل ضربها وهيئتها مع صور حجج القياس الصالحة المعروفة. بداية بأعتناق رؤية بولينية Boolean بالبحث عن معامل الحجة وهيئتها في جدول حجج القياس الصالحة بدون شرط unconditionally valid forms (أنظر الجدول المرافق).
إن وجدت الحجة في الجدول إذن، هي حجة صالحة بدون شرط او قيد، اي بغض النظر ان كانت الحجة تدل على وجود أشياء فى الواقع أم لا. لكن ان لم تظهر الحجة في جدول حجج القياس الصالحة بدون شرط، نتحول لاعتناق الرؤية الارسطوطالية ونبحث عن الحجة في جدول حجج القياس الصالحة بشرط conditionally valid forms (أنظر الجدول المرافق).
إن وجدت إذن الحجة صالحة من وجهة النظر الارسطوطالية بشرط أن الحد أو الفئة الحرجة the “critical” term يمثل كائن له وجود الواقع. هذا الحد الحرج يتم تحديدة بناء على الجدول المرافق. مثلا لو كانت صورة القياس AAI-1 الحد الحرج في الرؤية الارسطوطالية هو فئة الموضوع في النتيجة، بالتالي لابد وان تكون فئة الموضوع لها وجود في الواقع حتى تكون الحجة صالحة. أو لو كانت صورة القياس EAO-3، يكون الحد الحرج طبقا للجدول هو الحد الاوسط، اى فئة الربط بين المقدمتين لابد وان تكون فئة لها وجود في الواقع حتى تصبح الحجة صالحة. عارف ان الكلام قد يكون صعب بعض الشئ، لكن في الواقع الأمر بسيط لو استخدمت الجداول المرفقة واتبعت قواعدها، مثلا تصور حجة قياس على هيئة AAI-1 .. أي أن القضية الكبرى و الصغرى فيها حملية كلية موجبة A، والنتيجة قضية جزئية موجبة I اى معامل ضربها AAI و الحد الاوسط فيها كان فئة الموضوع في المقدمة الكبرى وفئة المحمول في المقدمة الصغرى .. اى من نوع 1. وبالتالي معامل الضرب القياسي هو AAI-1 .. طبقا لجدول حجج القياس الصالحة بشرط، فئة الموضوع في المقدمة الكبرى هي الحد الحرج، أي الذي تبني عليه صلاحية الحجة إن كان له وجود في الواقع، مثلا لو فرضنا أن فئة الموضع في المقدمة الكبرى مثلا كانت فئة النمور .. في تلك الحالة تصبح الحجة صالحة من وجهة النظر الارسطوطالية، لكن ان كانت فئة الموضوع في المقدمة الكبرى هي “فئة كائن العنقاء الخرافي” في تلك الحالة تصبح الحجة غير صالحة من وجهة النظر الارسطوطالية.
مخططات فيين و القياس الحملي Venn Diagrams and Categorical Syllogism
أن كان عقلك النقدي غير متقبل لطريقة الجداول السابقة للتحقق من صلاحية حجة القياس الحملي، وتريد برهان أكثر عقلانية. تذكر من حلقة القضايا الحملية أحد الأدوات الهامة التي استخدمناها للتحقق من صحة القضايا الحملة كانت مخططات فيين Venn Diagrams. الاداة تقدم الطريقة الأبسط و الأكثر شيوعا للتحقق من صحة اى حجة قياس حملية. في حلقة القضايا الحملية، استخدمنا دائرتين في مخطط فين لتمثيل القضية بما أن القضية احتوت على فئتين فقط. عند تمثيل حجج القياس الحملي سنطور الاداة لاستخدام ثلاث دوائر لتمثيل الفئات الثلاث الممثلة في الحجة. عند رسم الثلاث دوائر لابد وان نرسمها بحيث أن تتقاطع الثلاث معا وبالتالي يصبح هناك 7 مناطق تقاطع. ترتيب الدوائر غير مهم، دائرة تمثل فئة الموضوع في النتيجة (الحد الأصغر) ، ودائرة تمثل فئة المحمول أو الاسناد في النتيجة (الحد الأكبر)، ودائرة تمثل فئة الربط او الحد الأوسط بين الفئتين. عملية اختبار صلاحية الحجة بسيطة، نمثل مقدمات الحجة على المخطط ثم نقوم باختبار المخطط للتأكد ان كانت النتيجة تتبع منه. هناك مجموعة من القواعد لابد من أتباعها عند تمثيل الحجة على المخطط، كي نصل إلى النتيجة المبتغاة:
التظليل يشير الى عدم وجود عناصر في تلك المساحة، وعلامة X تشير الى وجود على الأقل عنصر واحد، ونستخدم تلك العلامات لتمثيل المقدمات فقط وليس النتيجة.
لو أحتوت الحجة على مقدمة من القضايا الكلية A أو E نقوم بتمثيلها أولا بغض النظر عن ترتيبها في الحجة، لو كانت المقدمتين من القضايا الكلية نستطيع البدء بتمثيل أيهما أولا.
عند تمثيل القضية على المخطط نركز على الدائرتين الممثلتين لفئتي القضية.
عند تمثيل القضايا من نوع “بعض س هو ص” تترجم الى أن هناك على الأقل عنصر واحد س ويقع في ص، وعند تمثيل قضية “بعض س ليس ص” تترجم الي على الاقل يوجد عنصر واحد س ولا يقع في ص.
عند تظليل منطقة ما يجب أن تظل المنطقة بالكامل وليس جزئيا.
المنطقة التي تقع فيها علامة X عادة ما تكون منقسمة، في تلك الحالة X تضع في الجزء الغير مظلل لأن، الجزء المظلل يعني الخواء او عدم وجود عناصر بداخلة. لو كانت المنطقتين مظللتين نضع X على الخط المشترك بينهما (انظر الشكل المرافق).
علامة X لا يمكن أن تقطع على خط يمثل تقاطع دائرة والفراغ المحيط بها، ولا يمكن أن تقع على تقاطع خطين (أنظر الشكل المرافق).
أفضل طريقة لفهم مخططات فيين هو التمرين على استخدامها في أمثلة عملية. سنبدأ بتطبيقها على الرؤية البولية، لأنها لا تعترف بالمضمون الوجودي في القضايا الكلية، تمثيلها واختبارها باستخدام مخططات فيين أبسط واعم من الرؤية الارسطوطالية. تأمل هذا القالب لحجة قياس حملية على صورة EAE-2 “لا يوجد ص هو ط، كل س هو ط ، إذن لا يوجد س هو ص” .. بما أن المقدمتين في الحجة قضايا كلية، ليس مهم اى مقدمة نبدأ بتمثيلها أولا، سنبدأ بالمقدمة الأولى، الفئة ط هي الدائرة العليا متقاطعة مع الدائرة ص، ونظلل منطقة التقاطع بينهما لنعبر عن عدم وجود عناصر مشتركة بين س وط (أنظر الشكل المرافق) . ثم نمثل المقدمة الثانية، الدائرة س متقاطعة مع الدائرة ط، بما ان القضية أن كل س هو ط، اذن كل المنطقة من س خارج ط يجب أن تظلل لتعبر ان لا يوجد اى عناصر من س خارج ط (أنظر الشكل المرافق). النتيجة تقر بأن لا يوجد س هو ص، اى لا يوجد عنصر مشترك بين س وص، اى ان المنطقة المشتركة بين س وص لابد و ان تكون مظللة، بالفعل بالنظر للمخطط النهائي ستجد فعلا ان المنطقة بين س وص مظللة! .. إذن هذا القياس صحيح من وجهة النظر البولية، اي انها حجة صالحة بدون شروط وجودية unconditionally valid. مثال آخر.. حجة قياس على هيئة AEE-1 “كل ط هو ص، لا يوجد س هو ط، إذن لايوجد س هو ص” .. مرة أخرى المقدمتين قضايا كلية، إذن لا يهم بأيهما نبدأ. نبدأ بالمقدمة الأولى، بما أن كل ط هو ص، إذن نظلل الجزء في ط الغير متقاطع مع ص، والقضية الثانية لا يوجد س هو ط، إذن نظلل المنطقة بين س وط، الشكل الناتج منطقة التقاطع بين س وص، منقسمة بعضها مظلل، وبعضها غير مظلل (أنظر الشكل المرافق). والنتيجة تقر ان لايوجد س هو ص، اى لابد وان تكون منطقة التقاطع بينهما بالكامل مظللة، الأمر الغير صحيح طبقا لنتيجة المخطط، إذن هذا القياس غير صالح. مثال أخر .. حجة قياس على هيئة IAI-4 “بعض ص هو ط، كل ط هو س، إذن بعض س هو ص” .. طبقا للقواعد السابقة نبدأ بتمثيل القضايا الكلية أولا، “كل ط هو س” اى نظلل المنطقة من ط خارج س، ثم المقدمة الاخرى “بعض ص هو ط” .. اى نضع x في منطقة التقاطع بين ص وط، لكن لاحظ ان المنطقة منقسمة واحد شقيها مظلل، إذن طبقا للقواعد نضع علامة x في الجزء الغير مظلل (انظر الشكل المرافق). نتيجة الحجة “بعض س هو ص” .. بالفعل هناك علامة x في منطقة التقاطع بين س و ص .. إذن القياس صالح بدون شروط. مثال أخير .. حجة قياس على هيئة AOO-1 “كل ط هو ص، بعض س ليس ط، إذن بعض س ليس ص” .. كالعادة نبدأ بالمقدمة من نوع القضايا الكلية اولا “كل ط هو ص” .. إذن نظلل الجزء من الدائرة ط الخارج عن ص، ثم المقدمة الثانية “بعض س ليس ط” اى نضع علامة x في س خارج ط، لكن المنطقة من س الخارجة عن ط منقسمة الى قسمين، إذن نضع علامة x على الخط الفاصل بين المنطقتين (انظر الشكل المرافق). النتيجة تقر بأن بعض س ليس ص، اذن لابد وأن تقع علامة x في الجزء من س الخارج علي ص، لكن بالنظر للمخطط نجد أن العلامة تقع على الخط الفاصل بين س و ص! إذن لا نستطيع ان نقرر ان كانت العلامة تقع خارج ص ام في منطقة التقاطع بين س و ص، اذن هذا القياس غير صالح.
صلاحية القياس في الرؤية الارسطوطالية
قمنا بأختبار صلاحية حجة القياس الحملي في الرؤية البولية، التي لا تعترف بأن المقدمات من نوع القضايا الكلية يجب أن يكون لها مضمون وجودي اى تعبر عن وجود كائنات في الواقع. الان ننتقل الى الرؤية الارسطوطالية، التى تعترف بالمضمون الوجودي و يلعب دور هام في تحديد صلاحية الحجة. كي نختبر ان كانت القياس صالح من وجهة النظر الارسطوطالية، نبدأ أولا بأختبار صلاحية الحجة باستخدام مخططات فيين طبقا للرؤية البولية، أن كانت الحجة صالحة، إذن الحجة أيضا صالحة طبقا للرؤية الارسطوطالية ولا داعي لأجراء مزيد من الاختبارات، لكن لو كان القياس غير صالح طبقا للرؤية البولية، والحجة تحتوي على مقدمة كلية ونتيجة جزئية، إذن نعتمد الرؤية الارسطوطالية ونبحث في المخطط عند دائرة مظللة بالكامل ماعدا منطقة واحدة، إن وجدت نضع علامة XX في المنطقة الغير مظللة ونختبر صلاحية المخطط مرة أخرى. لو كانت الحجة صالحة تحدد إن كانت XX تمثل كائن له وجود في الواقع، إن صح هذا الشرط، إذن الحجة صالحة طبقا للرؤية الارسطوطالية! .. وإن لم تمثل العلامة XX كائن في الوجود إذن الحجة غير صالحة تحت الرؤية الارسطوطالية وارتكبت المغالطة الوجودية (أرجع لحلقة القضايا الحملية) . لو لاحظت أننا بحثنا عن دائرة في المخطط مظللة بالكامل ماعدا منطقة واحدة فقط .. ماذا لو لم توجد تلك الدائرة؟ .. إذن الحجة تصبح خاطئة. … أنا مدرك أن الكلام أصبح مربك بعض الشيء .. لكن أفضل طريقة لفهم المنطق هو التمرين العملي كالرياضيات. دعنا نبدأ بمثال، تأمل الحجة التالية .. “لا يوجد جندي صاعقة هو مهندس، كل جنود الصاعقة شجعان، إذن بعض الشجعان ليسوا مهندسين!” … أولا دعنا نستبدل الفئات برموز كي يصبح اختبار الحجة أسهل على مخططات فيين .. نستبدل “ص” بفئة “المهندسين”، و “س” بفئة “الشجعان”، و”ط” بفئة “جنود الصاعقة” .. فتصبح “لا يوجد ط هو ص، كل ط هو س، إذن بعض س ليس ص” .. هذا القياس على هيئة EAO-3 .. نبدأ بتمثيل الحجة .. نمثل أولا المقدمة الكلية .. كليهما مقدمتان كليتين، نبدأ بأيهما أذن .. نظلل منطقة التقاطع بين ط و ص، ثم نظلل المنطقة في ط الخارجة علي س (أنظر الشكل المرافق) … طبقا للنتيجة “بعض س ليس ص” اى ان لابد من وجود علامة X في دائرة س في الجزء الخارج عن ص .. لكن بكل وضوح المخطط لا يحتوي على علامة X في س خارج ص، إذن الحجة غير صالحة من وجهة النظر البولية. الان ننتقل لتقييم الحجة من وجهة النظر الارسطوطالية، نبحث عن دائرة مظللة بالكامل ماعدا منطقة واحدة داخلها، بالفعل دائرة ط مظللة بالكامل ماعدا جزء واحد، إذن نضع علامة XX في المنطقة الغير مظللة في دائرة ط (أنظر الشكل المرافق) .. المخطط الآن يشير إلى ان القياس صالح بشروط، الخطوة الاخيرة اذن هي اختبار شرط الصلاحية، وهو أن كانت علامة XX تمثل كائن له وجود فعلا في الواقع، بما أن علامة XX تقع في دائرة ط، وط تمثل فئة “جنود الصاعقة” إذن العلامة تمثل أحد جنود الصاعقة، اى ان العلامة تمثل كائن له وجود في الواقع، إذا تحقق الشرط ويصبح القياس صالح من وجهة النظر الارسطوطالية! .. في الواقع الدائرة “ط” في هذا المثال تمثل الحد الحرج، الذي ذكرناه منذ قليل في تحديد صلاحية القياس من وجهة النظر الارسطوطالية! .. هذا الحد الذي إن وجد شئ واحد على الاقل يمثله في الواقع يكفي لضمان صلاحية الحجة. مثال آخر حجة قياس على هيئة AAI-1 “كل الزواحف حيوانات مخفية، كل الديناصورات الحية الان تعد من الزواحف، إذن، بعض الديناصورات الحية الان حيوانات مخفية” … سنعبر بالرمز “ط” عن فئة “الزواحف” والرمز “ص” عن فئة “الحيوانات المخفية” والرمز “س” عن فئة “الديناصورات الحية الان” .. فتصبح الحجة “كل ط هو ص، كل س هو ط، إذن بعض س هو ص” .. نقوم بتمثيل الحجة طبقا للرؤية البولية على مخطط فيين، فتصبح الدائرة ط والدائرة ص مظللتين بالكامل ماعدا منطقتين متقاطعتين مع الدائرة س (أنظر الشكل المرافق) .. لكن بما ان لايوجد علامة x في المخطط بالمرة إذن الحجة غير صالحة لأن النتيجة تقر بأن “بعض س هو ص” .. ننتقل لتقييم الحجة من وجهة النظر الارسطوطالية، نبحث عن دائرة مظللة بالكامل في المخطط ماعدا جزء واحد منها. نجد الدائرة س هي الدائرة الوحيدة المظللة بالكامل ماعدا جزء واحد نضع علامة XX في الجزء الغير مظلل ( انظر الشكل المرافق) .. المخطط الآن يشير إلى ان القياس صالح بشرط، إذن نختبر شرط المضمون الوجودي، إن كانت العلامة تمثل كانت في الواقع أم لا، بما ان العلامة تقع في دائرة س .. إذن هي تعبر عن فئة الديناصورات الحية الان. إذن العلامة تمثل كائن ليس له وجود في الواقع، وبالتالي الشرط لم يتحقق والحجة غير صالحة تحت الرؤية الارسطوطالية.
مغالطات القياس الحملي Categorical Syllogism Fallacies
كما أشرنا سابقا أرسطو لم يجمع قواعد صلاحية القياس ويحددها بشكل واضح لكنة عبر عنها بعدة صور في أماكن متفرقة من أعماله وعبر العصور علماء المنطق من بعدة حاولوا حصر وتحديد تلك القواعد بوضوح، واصبحت القواعد مؤشر صلاحية القياس، أو أن تم كسرها اصبحت مؤشر حدوث مغالطة رسمية Formal Fallacy ويصبح القياس غير صالح.
القاعدة الأولى: الحد الاوسط لابد وان يتم توزيعه على الأقل مرة واحدة. تأمل المثال التالي “كل التونة من الاسماك، كل السالمون من الاسماك، إذن كل السالمون من التونة” .. هذة الحجة أرتكبت مغالطة رسمية وهي مغالطة الوسط الغير موزع Undistributed middle في الصورة القياسية للقياس الحملي، الحد الاوسط “الأسماك” في المثال السابق لم يتم توزيعة … لو فاكر من حلقة القضايا الحملية الفئات التي يتم توزيعها تختلف حسب نوع القضية. القضايا الكلية الموجبة A يتم فيها توزيع الموضوع، القضايا الكلية السالبة E يتم فيها توزيع فئة الموضوع والمحمول، والقضايا الجزئية الموجبة I لا يتم توزيع فيها اى من الفئات، والقضايا الجزئية السالبة O يتم توزيع فئة المحمول فيها. لو لاحظت في المثال السابق المقدمات من نوع القضايا الكلية الموجبة، والأسماك فيها هي فئة المحمول، وليست فئة الموضوع، اذن ارتكبت الحجة مغالطة الوسط الغير موزع، وتصبح الحجة غير صلاحة بالتبعية. لو كانت المقدمة الكبرى في الحجة كتب “كل الأسماك من التونة” بدلا من “كل التونة من الأسماك” في تلك الحالة الحد الاوسط “الاسماك” تم توزيعة وبالتالي تصبح الحجة صالحة، لكن الحجة مازلت غير صحيحة Unsound لأن المقدمة التي غيرناها لم تعد تعبر عن حقيقة لان الاسماك ليست كلها تونة. سر قاعدة الوسط الموزع هو ان الحد الاوسط يقدم الارضية المشتركة ما بين الموضوع والمحمول في نتيجة الحجة، باستغراق المحمول في الحد الاوسط، إذن عندما يرتبط الحد الاوسط بالكل أو الجزء في فئة الموضوع، بالتبعية لابد وأن تصبح فئة المحمول مرتبطة بالموضوع.
مغالطة الحد الأكبر المحظور، والحد الأصغر المحظور Illicit major; illicit minor مرتبطة بقاعدة القياس الثانية أن وزع حد في النتيجة، إذن لابد وأن يوزع في المقدمة. تأمل المثال التالي “كل الاحصنة حيوانات، بعض الكلاب ليست أحصنة، إذن بعض الكلاب ليست حيوانات” .. او هذا المثال “كل النمور ثدييات، كل الثديات حيوانات، إذن كل الحيوانات نمور” .. في المثال الأول الحد الأكبر “الحيوانات” موزع في النتيجة، لأن النتيجة قضية حملية جزئية سالبة إذن يتم توزيع فئة المحمول فيها، لكن هذا الحد لم يتم توزيعه في المقدمة الكبرى. إذن الحجة غير صالحة وارتكبت مغالطة الحد الأكبر المحظور Illicit major. وفي المثال الثاني، الحد الأصغر “الحيوانات” موزع أيضا في النتيجة لكنة غير موزع في المقدمة الصغرى وبالتالي تصبح الحجة غير صالحة وارتكبت مغالطة الحد الأصغر المحظور Illicit major. لو لاحظت عند تطبيق تلك القاعدة بدأت أولا باختبار النتيجة، ان لم توجد اى فئات في النتيجة تم توزيعها يصبح من غير الممكن مخالفة القاعدة ولا يمكن ارتكاب المغالطة، لكن لو وجدت فئة موزعة في النتيجة يمكن اختبار باقي القاعدة في المقدمات.
مغالطة المقدمات الحصرية Exclusive premises .. عند كسر قاعدة القياس “من غير المسموح وجود مقدمتين سالبتين” ترتكب الحجة مغالطة المقدمات الحصرية .. تأمل هذا المثال “لا توجد أسماك ثديات، بعض الكلاب ليست أسماك، إذن، بعض الكلاب ليست ثديات” … قد تتعجب من تلك الحجة، لان المقدمات فعلا صحيحة، لكن النتيجة غير صحيحة! .. الإشكالية في تلك الحجة نابعة من كسر قاعدة القياس واحتوائها على مقدمتين سالبتين. لو كانت فئة المحمول والفئة الوسطي منفصلتين كليا أو جزئيا، وفئة الموضوع والفئة الوسطي منفصلتين كليا أو جزئيا. لايمكن القول بان هناك علاقة بين الموضوع والمحمول، هاتين الفئتين الان أما منفصلتين تماما أو متوحدتين تماما سواء كليا او جزئيا، يمكنك التحقق بنفسك من تلك النتيجة برسم مخطط فيين. القاعدة ببساطة هو أن ليس هناك رابط أو صلة بين الموضوع والمحمول في النتيجة بسبب المقدمات السالبة، وبالتالي لا محل للقياس. مثلا “لا يوجد أمريكي مصري، لا يوجد أسباني مصري” .. في كلتا المقدمتين سلبنا عن الموضوع حد وسط مشترك وهو جنسية المصري، وبالتالي لا توجد صلة إطلاقا بين هذه الحدود الثلاثة، فلن يكون هناك قياس على المقدمات. وفي الواقع بعد المنطقيين في القرن التاسع عشر حاولوا الجدال ان هناك استثنائات لتلك القاعدة، مثلا عالم المنطق الإنجليزي جون كينز John Neville Keynes في كتابه المنطق الرسمي Formal Logic قدم عدة أمثلة فيها مقدمتين سالبتين لكن مازال القياس صالح، لكن هذا المبحث خارج عن مناقشتنا الحالية ويمكن للمهتمين والدارسين قراءة جدلية كينز للتعرف على حجته.
مغالطة نتيجة إيجابية من مقدمة سلبية affirmative conclusion from a negative premise ، ومغالطة نتيجة سلبية من مقدمة إيجابية negative conclusion from affirmative premises تنتج في القياس عند كسر قاعدة “المقدمة السلبية تنتج نتيجة سلبية، والنتيجة السلبية تطلب مقدمة سلبية” .. تأمل هذه الأمثلة .. “كل الحمام طيور، بعض الذئاب ليست حمام، إذن بعض الذئاب طيور” … أو “كل المصريين عرب، كل العرب بشر، إذن بعض البشر ليسوا مصريين” .. من الممكن أن تري تلك الحجج خاطئة لأن المقدمات صحيحة لكن النتيجة خاطئة. الأولى نتيجتها إيجابية لكنها قائمة على مقدمة سلبية، والثانية نتيجتها سلبية قائمة على مقدمة ايجابية. لو كانت النتيجة تأكيد إيجابي، إذن فئة الموضوع محتواة سواء كليا أو جزئيا في فئة المحمول، والطريقة الوحيدة التى من الممكن ان نصل بها لتلك النتيجة، فقط ان كانت فئة الموضوع محتواة كليا او جزئيا في فئة الوسط، وفئة الوسط محتواه كليا في فئة المحمول. بصورة أخرى من الممكن أن نصل لتلك النتيجة فقط لو كانت المقدمتان ايجابيتين. وبالتالي لا يمكن الحصول على نتيجة إيجابية من مقدمات سلبية. والعكس صحيح. النتيجة السلبية تقر بان فئة الموضوع منفصلة سواء كليا او جزئيا حسب نوع القضية عن فئة المحمول، لكن لو كانت المقدمتان ايجابيتان، إذن سيقود الى احتواء ضروري لفئة الموضوع في المحمول وليس النفي. إذن لا يمكن اشتقاق نتيجة سلبية من مقدمات إيجابية.
المغالطة الوجودية Existential fallacy .. تحدث بكسر قاعدة القياس “لو كانت المقدمتين من القضايا الكلية لا يمكن أن تكون النتيجة جزئية” .. تأمل هذا المثال “كل الثديات حيوانات، كل الاسود ثدييات، إذن بعض الأسود حيوانات” .. الحجة غير صالحة لأن النتيجة جزئية والمقدمات كلية. في تلك الحالة يقال انها ارتكبت المغالطة الوجودية من وجهة النظر البولية. لان النتيجة تقر ان الاسود لها وجود، لكن المقدمات لا تقدم اى اقرار بهذا، لو فاكر من حلقة القضايا الحملية، وجهة النظر البولية لا تعترف بأن المقدمات الكلية ذات مضمون وجودي existential import. هذا المغالطة تقع فقط عند تقييم القياس من وجهة النظر البولية، لكن عند تقيم الحجة من وجهة النظر الارسطوطالية تصبح الحجة صالحة بشرط أن الحد الحرج critical term يعبر عن وجود كائن واحد على الاقل في الواقع .. في المثال السابق، الحد الحرج “الأسود” له وجود في الواقع والحجة لم تكسر اى قواعد اخرى، وبالتالي يصبح القياس صالح من وجهة النظر الارسطوطالية .. لكن في المثال السابق لو استبدلنا الاسود مثلا بفئة كائن العنقاء الخرافي، تصبح الحجة غير صالحة من وجهة النظر الارسطوطالية، لأن الحد الحرج “العنقاء” ليس لة وجود في الواقع.
لو لاحظت مجموعة القواعد التى قدمتها من الممكن تصنيفها في ثلاث فئات، 1. قواعد تمس تركيب القياس، 2. قواعد تمس الاستغراق، 3. قواعد خاصة بالكيف .. واختلف المنطقيين حول عدد تلك القواعد، وضرورية بعضها، بل وذهب البعض لأن بعضها ليس أصلا قاعدة بذاتها. أرسطو قدم خمس قواعد فقط التي ذكرتها لك ، والمنطاقة المسلمين من بعده لم يتوسعوا كثيرا فتلك القواعد. وبعض المناطقة الغربيين من بعد سالفيهم المسلمين حاولوا رد تلك القواعد إلى قاعدتين فقط .. في حين ذهب البعض إلى التوسع في تلك القواعد حتى سبع قواعد. على أى حال سنترك هذا الخلاف للباحثين والمتخصصين ونكتفي بالاشارة اليه.
القياس في الحياة اليومية Syllogism In Daily Life
في الحديث اليومي للبشر يستخدم القياس الحملي بشكل دائم، لكنه عادة ما يكون على صورة ليست قياسية، وبالتالي يصعب التعرف عليه أو تطبيق قواعد القياس لتحديد صلاحيته، وإلى هذا السبب يرجع عدم قدرة الكثير من البشر تقييم الحجج والأطروحات اليومية بشكل عقلاني ومنطقي. لكن الكلام اليومي الدارج للبشر من الممكن باستخدام بعض القواعد والأدوات ان يتم ترجمته إلى الصورة القياسية .. ومع قليل من التمرين كما في المسائل والعمليات الحسابية تصبح العملية طبيعة ثانية بديهية. تأمل هذا المثال “عندما يأجل الناس الزواج حتى الثلاثينيات، يقل معدل الطلاق. اليوم، البشر يأجلون زواجهم حتى الثلاثينيات. وبالتالي معدلات الطلاق في أنخفاض اليوم” … لو لاحظت ان الظروف الزمنية في الفقرة السابقة مثل “عندما” و “اليوم” .. تدفعنا للاعتقاد أن “الوقت” يجب أن يستخدم كالعامل المشترك بين القضايا .. سنعيد صياغة الجملة إذن كالاتي “كل الاوقات التى يضع فيها الناس الزواج حتى يصبحوا في الثلاثينيات، ينخفض معدل الطلاق، كل الاوقات الحالية أوقات يأجل فيها الناس زواجهم حتى الثلاثينيات، إذن كل الاوقات الحالية هي أوقات ينخفض فيها معدل الطلاق” .. هذة صورة قياسية لحجة قياس حملي. لاحظ اني قمت بتغيير بعض الكلمات وترتيبها في الحجة دون التأثير على المعنى العام للحجة و نتيجتها المنطقية .. هذه العملية بالتحديد للوصول إلى العدد القياسي من الفئات داخل القياس وهو ثلاثة فئات. في الصورة القياسية السابقة هناك ثلاثة فئات .. فئة الوسط ط ترمز إلى “الأوقات التي يؤجل فيها الناس الزواج حتى الثلاثينيات” .. وفئة المحمول ص ترمز إلى “الأوقات التي ينخفض فيها معدل الطلاق”، وفئة الموضوع س ترمز إلى “الأوقات الحالية” .. إذن تصبح الصورة الرمزية للحجة كالاتي “كل ط هو ص، كل س هو ط، إذن كل س هو ص” .. هذه حجة قياس صالحة بكل تأكيد! … مثال آخر، “لابد وان مرسيديس شركة صناعية لأنها تعين مهندسي انتاج، واي شركة تعين مهندسي أنتاج هي شركة مصنعة” .. في هذا المثال “الشركات” تطرح نفسها كمعامل ربط في تلك الحالة .. يمكن صياغة الجملة السابقة كالآتي ” كل الشركات المماثلة لمرسيدس مصنعة، لان كل الشركات المماثلة لمرسيدس هي شركات تعيين مهندسي الانتاج، وكل الشركات التي تعين مهندسي الإنتاج هي شركات مصنعة” .. الجملة الأولى في المثال بعد تعديله هي النتيجة. والان اصبحت في صورة قياس قياسية على هيئة AAA-1. أرجو أن يكون من الواضح لك الآن أن الكثير من اللغة اليومية المستخدمة في التعامل من الممكن ان يتم تحويلها الى حجج على صورة قياس حملي ومن ثم تطبيق قواعد منطق القياس عليها.
القياس الخطابي Enthymemes
القياس الخطابي المنطقي هو أحد الصور الخطابية التى وضعها أرسطو في الأرجونان، أرسطو قدم صورتين من القياس الخطابي لكن هناك أربع صور معروفة الآن من القياس الخطابي، أرسطو أشار إلى القياس الخطابي بأنه “جسم الإثبات” ، “أقوى البراهين البلاغية … نوع من القياس المنطقي” (في عملة الخالد البلاغة). واعتبره أحد نوعين من الإثبات ، والصور الاخرى منة أعتبرها مشتقة من أحد النوعين. بتبسيط غير مخل القياس الخطابي هو صورة لحجة قياس حملية لكنها تفتقد لأحد المقدمتين أو إلى النتيجة. النوع الأول من القياس الخطابي هو حجة قياس تفتقد احد المقدمتين، تأمل المثال التالي “سقراط فاني لأنه بشر” .. في الحقيقة الصورة القياسية الكاملة لهذا القياس لابد وان تكون كالاتي “كل البشر فانية، سقراط إنسان، إذن سقراط فان” .. لو لاحظت في تلك القياس الخطابي المقدمة الكبرى “كل البشر فانية” مفقودة أو غير موجودة في الحجة. الخطاب القياسي يحدث بشكل دائم في الحديث اليومي بين الناس لأسباب عديدة، أهمها الاختصار وتجنب الاطالة والملل. والمجادل يعتمد على فطنة وعقل المستمع كي يستنتج المقدمة الناقصة، الأمر الذي قد يكون ايضا مثير للمستمع ويجعلة منتبة. لكن نوايا المجادل ليست دائما طيبة، أحيانا قد يريد المجادل ان يمرر حجة غير صالحة أو خاطئة في حديثة، ويعتمد على المستمع الغير منتبة ويحذف أحد المقدمات الأمر الذى يجعل من الصعب على البعض ربط أجزاء الحجة والوصول إلى حقيقة النتيجة المُدعاة. لكن في الحقيقة العديد من حجج القياس الخطابي من السهل تحويلها الى الصورة القياسية للقياس، أولا لابد وأن نحدد اى اجزاء الحجة مفقود، المقدمة أم النتيحة. وبعد هذا يصبح من السهل تقديم القضية المفقودة الى الحجة كي تصبح علي الصورة القياسية. بعد ذلك يمكن اختبار صلاحية الحجة باستخدام معامل الضرب والاشكال القياسية او مخططات فيين. تأمل هذا المثال “يكمل كوكب الزهرة مداره في وقت أقل من الأرض ، لأن الزهرة أقرب إلى الشمس.” .. المقدمة المفقودة “أي كوكب أقرب إلى الشمس يكمل مداره في وقت أقل من الأرض” .. إذن يمكن ترجمة الحجة على الصورة القياسية كالاتي “جميع الكواكب الأقرب إلى الشمس هي كواكب تكمل مسارها في وقت أقل من الأرض. جميع الكواكب المماثلة لكوكب الزهرة هي كواكب أقرب إلى الشمس. إذن، جميع الكواكب المماثلة لكوكب الزهرة هي كواكب تكمل مدارها في وقت أقل من الأرض.” .. بأختبار هذه الحجة ستجد انها حجة صالحة وصحيحة. أحد الطرق البديهية للتعرف على القضية المفقودة في القياس الخطابي هي البحث عن المؤشرات داخل الحجة، لو كانت الحجة تحتوي على مؤشر النتيجة إذن لابد من وجود النتيجة في الحجة وبالتالي احدى المقدمتين هي المفقودة. لو أحتوت الحجة على أحد مؤشرات المقدمة، لابد وأن يتبعه مقدمة، لكنه غير كافي لمعرفة ان كانت المقدمة او النتيجة هي المفقودة لأن الحجة لابد وان تحتوي على مقدمتين. لكن الحالة الأصعب عندما لا تحتوي الحجة على اى مؤشرات بالمرة، في تلك الحالة المقدمة او النتيجة قد تكون مفقودة. تأمل هذا المثال “الحمير كانت وسيلة نقل أساسية للفقراء لعقود، لابد من الاحتفاء بها” .. في تلك الحجة النتيجة هي الجملة الأخيرة، والمقدمة المفقودة هي “أي مركبة خدمت كوسيلة نقل أساسية للفقراء لعقود هي وسيلة لابد الاحتفاء بها” .. إذن من الممكن أن نعيد صياغة الحجة على الصورة القياسية كالاتي .. “جميع المركبات التي كانت بمثابة وسيلة نقل أساسية للفقراء لعقود من الزمن هي مركبات تستحق الاحتفال. جميع المركبات المماثلة للحمير هي مركبات كانت بمثابة وسيلة نقل أساسية للفقراء لعقود. لذلك ، فإن جميع المركبات المماثلة للحمير هي مركبات تستحق الاحتفال.” .. هذا القياس صالح ومن السهل الجدال على صحته. مثال آخر .. “أعرف العديد من الأطباء الذين يدخنون. في خطوة نحوصحتي ، لن أكون مريضهم بعد الآن. لقد خطر لي أنه إذا كانوا لا يهتمون كثيرًا بصحتهم ، فكيف يمكنهم أن يهتموا بصحتي” … في هذه الحجة ، يرسم المؤلف ثلاث روابط: العلاقة بين تدخين الأطباء واهتمام الأطباء بصحتهم ، وبين اهتمام الأطباء بصحتهم واهتمام الأطباء بصحة صاحب الحجة، وبين اهتمام الأطباء بصحة صاحب الحجة. والأطباء الذين سيكون المجادل مريضهم. لهذا نحتاج إلى حجتين للتعبير عن تلك الجملة. القياس الأول “جميع الأطباء الذين يدخنون هم أطباء لا يهتمون بصحتهم. جميع الأطباء الذين لا يهتمون بصحتهم هم أطباء لا يهتمون بصحتي. لذلك ، كل الأطباء الذين يدخنون هم أطباء لا يهتمون بصحتي.” … والقياس الثاني يبدأ بمقدمة كبري حيث إنتهت نتيجة الحجة الاولى … “جميع الأطباء الذين يدخنون هم أطباء لا يهتمون بصحتي. جميع الأطباء الذين لا يهتمون بصحتي هم أطباء لن يقبلوني كمريض. لذلك ، فإن جميع الأطباء الذين يدخنون هم أطباء لن يقبلوني كمريض.”
متسلسلات القياس Sorites
متسلسلة القياس كما يشير الاسم هي سلسلة من حجج القياس الحملية بدون نتيجة وسطية، الاسم مشتق من المصطلح اليوناني Soros بمعنى الكوم. في بعض الكتب قد يشار اليها بالقياس المتعدد Polysyllogism أو القياس متعدد الأغراض multi-premise syllogism. بصورة بسيطة، هي مجرد سلسلة لاى عدد من القضايا الحملية تشكل معا تتابع من حجج القياس، نتيجة الحجة الأولى مع المقدمة التابعة تشكل مقدمتي الحجة الثانية وهكذا. تأمل هذا المثال “كل النمور قطط. كل القطط من الثدييات. لا توجد أسماك من الثدييات. لذلك، لا توجد أسماك نمور” .. المقدمتين الأولى والثانية، يشكلا حجة قياس صالحة، نتيجتها أن “كل النمور من الثدييات” .. لكن هذه النتيجة لا تظهر في متسلسلة القياس السابقة، لأنه بوضعها مع المقدمة الثالثة “لا توجد أسماك من الثدييات” يشكلا مقدمتي الحجة الثانية، التي نتيجتها “لا توجد أسماك نمور” وتظهر في أخر المتسلسلة. هذه الحجة صالحة. والمتسلسلة هكذا تكونت من من حجتي قياس صالحتين وبالتالي المتسلسلة ككل صالحة. قاعدة تقييم صلاحية متسلسلة القياس بسيطة جدا، السلسلة قوية بقدر قوة أضعف حلقاتها. إي إن كانت هناك اى حجة غير صالحة في المتسلسلة، المتسلسلة كلها غير صالحة. الصورة القياسية لمتسلسلات القياس Standard-Form Sorites هي الصورة التي بها كل حجة مكونة للمتسلسلة على صورتها القياسية، اى لابد ان يظهر بها كل حد او فئة مرتين، المحمول في قضية النتيجة يظهر في المقدمة الأولي، و كل مقدمة بعد ذلك بها حد او فئة مشتركة مع المقدمة التالية. المتسلسلة السابقة علي الصورة القياسية، لان كل حجة بداخلها على صورتها القياسية. لكن ماذا لو لم تكن المتسلسلة على الصورة القياسية؟ كيف نتأكد من صلاحيتها؟ … هناك طريقتين، الاولي تتكون من ثلاثة خطوات (1) نضع المتسلسلة على الصورة القياسية (2) تظهر النتائج الوسيطة لك حجة مكونة للمتسلسلة (3) نختبر كل حجة مكونة في المتسلسلة علي حدا، لو كانت كل الحجج صالحة تصبح المتسلسلة صالحة. تأمل هذا المثال .. “لايوجد ب هو ج، بعض ك هو أ، كل أ هو ب، كل د هو ج، إذن بعض ك ليس د” .. هذه المتسلسلة بكل تأكيد ليست على الصورة القياسية. كي نصعها على الصورة القياسية لابد من ترتيب المقدمات أولا. كي نفعل هذا نبدأ بالبحث عن المقدمة التي تحتوي على فئة المحمول في النتيجة، ونضعها المقدمة الأولى، وبعد هذا نبحث عن المقدمة التي تحتوي على الفئة الاخرى في المقدمة الأولى وتصبح تلك هى المقدمة الثانية، وهكذا حتى نرتب كل المقدمات. فئة المحمول في نتيجة المتسلسلة السابقة هي “د” ..إذن القضية “كل د هو ج” تصبح المقدمة الاولى، والقضية “لايوجد ب هو ج” هي القضية التى تحتوي على الفئة الأخرى في المقدمة الأولى، إذن تصبح هي المقدمة الثانية، وهكذا … المتسلسلة بعد إعادة ترتيبها تصبح “كل د هو ج. لا يوجد ب هو ج. كل أ هو ب. بعض ك هو أ. إذن، بعض ك ليس د” … الخطوة الثانية هو أن نستنتج النتائج الوسيطة بين الحجج ونظهرها. مخططات فيين مفيدة جدا في هذه الخطوة لأن من الممكن استخدامها لاستنتاج النتيجة الخفية وايضا التحقق من صلاحية الحجة… مثلا المقدمة الأولي والثانية “كل د هو ج. لا يوجد ب هو ج” من الممكن تمثيلهم على مخطط فيين فيظهرها أن النتيجة “لا يوجد ب هو د” (انظر الشكل المرافق) … وبوضع تلك النتيجة مع المقدمة الثالثة “كل أ هو ب”، نستدل من المخطط على النتيجة الثانية الخفية “لا يوجد أ هو د” (أنظر الشكل المرافق) … وبوضع تلك النتيجة الخفية مع المقدمة الرابعة “بعض ك هو أ” .. نستدل على النتيجة النهائية “بعض ك ليس د” (أنظر الشكل المرافق) … إذن هناك نتيجتين خفيتين استدلينا عليهم من رسم المقدمات تدريجيا على مخطط فيين. وكل واحدة من تلك النتائج الخفية بوضعها كمقدمة مع المقدمة التالية في الحجة نستدل على النتيجة التالية، وهكذا حتى وصلنا الى نتيجة المتسلسلة النهائية. هناك طريقة ثانية أبسط وأسرع لاختبار صلاحية متسلسلات القياس من هذه الطريقة لأنها لا تتطلب استنتاج النتائج الوسيطة واظهارها. الطريقة تتكون من خمس قواعد متشابه مع قواعد القياس: (1) كل حد أو فئة وسط لابد وان يتم توزيعها على الأقل مرة واحدة (2) إن تم توزيع الفئة في النتيجة إذن لابد أن يتم توزيعها في المقدمة (3) غير مسموح بمقدمتين سالبتين (4) المقدمة السالبة لابد أن يتبعها نتيجة سالبة، والنتيجة السالبة لابد لها من مقدمة سالبة. (5) لو كانت كل المقدمات كلية، لايمكن ان تكون النتيجة جزئية. وبشكل عام من الافضل ان نضع المتسلسلة في صورتها القياسية قبل تطبيق القواعد الخمس عليها. على أى حال سأترك لك مهمة تطبيق القواعد الخمس على المتسلسلة السابقة لأختبار صلاحيتها بنفسك. الرياضي و كاتب الأطفال الانجليزي الشهير لويس كارول Lewis Carroll صاحب قصة الأطفال الشهيرة “مغامرات أليس في بلاد العجائب Alice’s Adventures in Wonderland ” أستخدم متسلسلات القياس بكثرة في كتابه المهم “المنطق الرمزي Symbolic Logic” الذي نشره سنة 1896 .. احد الامثلة في كتابه “لا يوجد شخص ذو خبرة غير كفء. جنكينز دائما متعثر. لا يوجد شخص كفء يتعثر دائمًا. جنكينز عديم الخبرة.” .. من الممكن وضع مثال كارول في صورته القياسية كالاتي “جميع الأشخاص ذوي الخبرة هم أشخاص أكفاء.لا يوجد أشخاص أكفاء يرتكبون أخطاء. جنكينز دائما يرتكب الأخطاء. جينكينز ليس شخصًا ذى خبرة.”
القياس واحد من أقدم منظومات المنطق الكلاسيكي أو الصوري. يرجع إلى مؤسس منظومة المنطق الكلاسيكي أرسطو Aristotle تقريبا في المائة الثالثة قبل الميلاد. أرسطو أجمل تعريف القياس المنطقي كالاتي “قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر” .. فعند قولنا “العالم متغير، وكل متغير حادث” قد ركبنا قضيتين إذا ثبتت صلاحيتهما لزم عن ذلك قضية أخرى وهي “العالم حادث” .. شراح المنطق، دراسية، ومطورية عبر الزمان والحضارات المختلفة تناولوا نظرية القياس بالدراسة والتحليل، وبخاصة أحد اهم صور القياس، وهو القياس الحملي وقاموا بتفصيل قواعده، أشكاله، وأدواتة. في العصور الحديثة اتخذ المنطق صورة جديدة رياضية كما سنرى في الحلقات المستقبلية، وتوقف المنطقيين علي دراسة المنطق الصوري القديم أو الكلاسيكي، واعتنوا أكثر بتطوير المنطق الرياضي، لكن المنطق الكلاسيكي بدروبه مادة خصبة للدراسة الأكاديمية، وشاهد على عبقرية صنع العقل الإنساني. المنطق الصوري يركز بالأساس على شكل، صورة، وتركيب الحجة، ومن هنا اكتسب الاسم المنطق الصوري، على العكس من الاستقرائي الذي أختص بمادة الفكر وموضوعة، ولذا عرف بالمنطق المادي. القياس كأحد صور المنطق الصوري عملية عقلية خالصة، ينعكس فيها العقل علي قواعد القياس المنطقي ويطبقها على الحجج في محاولة للبحث عن حقيقة الشكل أو الصورة المطروحة. على العكس من الاستقراء عملية عقلية غير خالصة، يتجه فيها العقل إلي البحث عن موضوعية الأشياء، من خلال الاستدلال بالواقع، الملاحظة، وضع الفرضيات، وإجراء التجارب. روح القياس هي البدء من الجوهر للاستدلال على الجزئيات العرضية، أما الاستقراء على العكس يبدأ من الجزئيات العرضية والتفاصيل الفرعية ليستدل على الجوهر. القياس هو الصورة المثلى للأستدلالات الغير المباشرة عند أرسطو، وهي غير مباشرة لأن الوصول إلي النتيجة فيها من حكم بين أيدينا وليس على اعتبار حقيقة هذا الحكم ذاته كما في صور الاستدلال المباشر التى تعرضنا لها في حلقة القضايا الحملية، لكن من خلال توسط حد ثالث، من خلاله نربط أجزاء القياس، و نحكم به على أجزائه وعلاقتها. في الواقع أرسطو اعتبر القياس أهم أداة للبحث العلمي في العصر القديم، وفي واقع الامر أدبيات المنطق الكلاسيكي عادة ما تشير إلى أن أرسطو وضع القياس استجابة لمطالب علمية بحتة! وبالرغم من أن أشكال القياس قد استخدمت بكثرة في الجدال والخطابة في العصور القديمة، لكن أرسطو كان أول من وضع القواعد العامة للقياس. على أى حال القياس الحملي لة قواعد خمس لأختبار الصحة. ودأب علماء المنطق على وضع قوالب محددة لكل الاحتمالات التصنيفية الممكنة لأشكال القياس بناء على متغيرين معامل الضرب القياسي ومعامل الشكل القياس، هناك 64 صورة محتملة لمعامل الضرب القياسي، وهناك 4 أربع احتمالات ممكنة لمعامل الشكل. وبالتالي أصبح هناك 256 شكل، قالب أو صورة ممكنة من حجج القياس الحملي. وكتب المنطق الكلاسيكي أفردت مئات بل آلاف الصفحات لعرض وشرح تلك القوالب والصور الممكنة للقياس الحملي. وعبر التاريخ دارت سجالات وصراعات مختلفة حول تلك القوالب والاشكال المختلفة للقياس، وستجد بنظرة عابرة على أى كتاب يبحث تاريخ المنطق الكلاسيكي الآراء المختلفة حول أشكال القياس من ابن سينا للسهروردي، من توما الأكويني إلى سبينوزا. في تلك الحلقة قدمت لك بعض تلك قوالب وأشكال حجج القياس الحملي، وطرق تقييم صلاحيتها، لكني لم أحصها بالكامل لأنها مهمة شاقة قد تفرد لها عشرات الصفحات لن يتسع الوقت هنا لها، لكنها متاحة للدارسين والمهتمين في العديد من الكتب والمراجع القديمة والحديثة، إن كنت من المهتمين أو الدارسين لموضوع القياس بشكل عام والقياس الحملي بشكل خاص أرشح لك باللغة العربية كتاب “المنطق الصوري منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة” المنشور سنة 2000 لأستاذ الفلسفة الإسلامية الدكتور على سامى النشار. الذي يعد أحد المراجع الحديثة لموضوع المنطق الكلاسيكي بشكل عام والقياس بشكل خاص، وضع بلغة مناسبة للقارئ حديث العهد بدراسة المنطق.
الحوار الخيالي الذي بدأنا به، كان مثال تخيلي مقتبس من كتاب مقدمة مختصرة للمنطق للفيلسوف الأمريكي المعاصر باتريك هارلي، هذا الحوار ملئ بأمثلة من حجج القياس الحملي، لكنها وضعت في صور قياس خطابي للاختصار وانسيابية الحوار هذه هي الصورة التى عادة ما ستقابل بها صور القياس الحملي في الحوارات اليومية، الأمر الذى يترك على عاتق المتلقي مسؤولية وضع تلك الحجج في صورتها القياسية، اختبار صلاحيتها، ومن ثم تحديد إن كان المتحدث يقدم كلام منطقي أم لا. في بعض الأحيان قد يكون القياس المطروح بسيط، المخ البشري في تلك الحالة قادر على القيام بالعمليات المنطقية اللازمة للتحقق من القياس دون دراية أو تدخل من المتلقي، لكن في الحالات المعقدة من حجج القياس، يصبح من الصعب التحقق من صلاحية تلك الحجج دون أتباع القواعد والأدوات اللازمة للتحقق من صلاحية القياس. مثلا في الحوار التخيلي الزوجة جادلت “لقد أظهرت الدراسات الحديثة أن الأزواج الذين ليس لديهم أطفال يتمتعون بمستويات أعلى من الرفاهية العاطفية عن الأزواج الذين لديهم أطفال. وبالتالي ، فإن الأزواج الذين ليس لديهم أطفال هم أكثر سعادة من الأزواج الذين لديهم أطفال ” .. هذا القياس لم يوضع على الصورة القياسية، قد نضعة على صورته القياسية كالاتي “جميع الأزواج الذين ليس لديهم أطفال هم أزواج يتمتعون بمستويات أعلى من الرفاهية العاطفية. جميع الأزواج الذين لديهم مستويات أعلى من الرفاهية العاطفية هم أزواج أكثر سعادة. لذلك ، جميع الأزواج الذين ليس لديهم أطفال هم أزواج أكثر سعادة.”. أعد قراءة الحوار مرة أخرى وحاول إعادة صياغة حجج القياس به على صورتها القياسية.
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP62/EP62_2021_03_05.mp3
ودلوقتي .. تأمل صور القياس وقواعده … هل قواعد القياس هي القواعد العقلية المشروعة للوصول إلى الحقيقة؟ … أم أنها قاصرة فقط على المبحث النظري بعيدا عن الاستدلال بالواقع؟ .. هل مبحث الحقيقة عملية عقلية خالصة كما في المنطق الصوري؟ … أم أنه عملية مادية بحتة؟ .. هل البحث عن الحقيقة يبدأ عند الجوهر أم التفاصيل؟ … فكر تاني
في الحلقة الجاية .. سننتقل الى صورة أكثر حداثة من المنطق، بنيت عليها ثورة المعلومات والحوسبة الحديثة! … عن ترميز المنطق … دوال الحقيقة … المعاملات المنطقية .. جداول الحقيقة … ومنطق القضايا. هنتفلسف المرة الجاية!
من دلوقتي للحلقة الجاية .. عيش الحياة بفلسفة!
الحلقة بدون خلفية موسيقية
زود معلوماتك:
القياس Syllogism
http://bit.ly/30AGS0E
القياس الحملي Categorical Syllogism
https://bit.ly/2OpXA0y
المنطق الأرسطي Aristotelian Logic
https://stanford.io/2QR6TVa
أرسطو Aristotle
https://bit.ly/38fhgdv
الاورغانون Organon
https://bit.ly/2RRVoi1
مخططات فيين Venn diagrams
https://bit.ly/3bnskGN
جورج بولي George Boole
https://bit.ly/3gOvWms
المضمون الوجودي Existential Import
https://bit.ly/3jGWAP
المغالطة الوجودية Existential Fallacy
https://bit.ly/2ERWdmM
القياس الخطابي Enthymemes
http://bit.ly/376acyd
متسلسلات القياس Sorites
https://bit.ly/30qqPTv
لويس كارول Lewis Carroll
https://bit.ly/3kQ3Afj
المنطق الصوري منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة
https://bit.ly/3rq8TEH
د. علي سامي النشار
https://bit.ly/3c1bWMQ
John Neville Keynes
https://bit.ly/3qopO9g
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Magical Fantasy Music – Wood Elf Tribe
https://bit.ly/3sUUC2V
myuu – Fernweh
https://bit.ly/2Gu03D
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
myuu – Look Out
http://bit.ly/2RPxxQ5
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Bittersweet
http://bit.ly/36EM1GL
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
المنطق الأرسطي Aristotelian Logic
قوام المنطق هو الحجج، وقوام الحجة هو القضايا. في الحلقات السابقة ناقشنا بقدر من التفصيل أساليب اللغة المستخدمة عند صياغة القضايا، لكن اللغة أحد أدوات صناعة الحجة، الاداة الاخرى هي التركيب أو العلاقات بين قضايا الحجة. الحجج الاستنتاجية deductive arguments هي الجدليات التي ندعي أن قضايا المقدمة بها تبرهن بما لا يدع مجال للشك على النتيجة. اى ان البرهان مطلق حول حقيقة نتيجة الحجة. إن صح ادعاء المقدمة اى ان كانت قضايا المقدمة حقيقية، إذن لابد من حقيقة النتيجة، وفي تلك الحالة يطلق على الحجة الاستنتاجية صالحة Valid. الحجة الاستنتاجية قد تكون في حالة واحدة ممكنة فقط من حالتين إما صالحة أو غير صالحة. وبالتالي الحجة الاستنتاجية الصالحة لابد أن تبرهن مقدماتها على نتيجتها (أرجع لحلقة أسس علم المنطق). الاستنتاج Deduction يسعى لتفسير العلاقات بين المقدمات والنتيجة في الحجج الاستنتاجية. من خلال وضع طرق وآليات لتقييم صلاحية الحجة. الفلاسفة وعلماء المنطق وضعوا نظريتين أساسيتين للاستنتاج داخل علم المنطق. الأولى هي منظومة المنطق الكلاسيكي classical logic او يطلق عليها البعض المنطق الأرسطي Aristotelian logic نسبة لمؤسس المنظومة الفيلسوف الإغريقي أرسطو. والثانية هي منظومة المنطق الحديث modern logic أو المنطق الرمزي symbolic logic التى تطورت خلال القرن التاسع عشر والعشرين. في الحقيقة أرسطو Aristotle كان أحد القمم العقلية الشاهقة في العالم القديم، بعد دراسته في أكاديمية أفلاطون، أصبح معلم للأسكندر الأكبر، وبعدها قام بتأسيس مدرسته الخاصة الليسيوم Lyceum التي من خلالها شارك أرسطو تقريبا في كافة المجالات العقلية والبحثية المعروفة وقتها، وساهم تقريبا في كافة مناحي المعرفة البشرية. ومساهمته الكبرى حول العقلانية البشرية وجدت بعد موته وعرفت الارغانون Organon أى الالة، آلة المعرفة الانسانية. لكن مصطلح المنطق Logic لم يجد طريقة الى اللغات البشرية حتى القرن الثاني قبل الميلاد، لكن معناه والقضية التى ناقشها عرفت قبل اسمة بقرون عديدة على يد أرسطو في الارغونان. والمنطق الأرسطي كان ومازال القاعدة المتينة لعملية التفكير والتحليل العقلاني منذ الالاف السنين. خلال تلك السنين تم إعادة صياغة الكثير من مبادئه وتعريف العديد من قواعد، وتحسين وتطوير أدواته، لكن بقت هذه المنظومة الكلاسيكية للعقلانية قوة هائلة ناعمة لمن أمتلكها. الأورغانون شمل ست كتب رئيسية
(1) كتاب المقولات The Categories وهو الكتاب الذي عالج فيه أرسطو التصورات الأساسية
(2) كتاب التأويل On Interpretation وأهتم فيه أرسطو بتحليل القضايا والاحكام
(3) كتاب التحليلات الأولى The First Analytics وهو الموضع الأول في الأورغانون الذى عرض فيه أرسطو نظرية القياس
(4) كتاب التحليلات الثانية The Second Analytics المكون من جزئين وعالج فيها أرسطو بقدر كبير من التفصيل نظرية البرهان
(5) كتاب الجدل أو الطوبيقا Topics المتكون من ثمان أجزاء رئيسية لخص فيها أرسطو كل ما يتعلق بالجدل، البرهان الاحتمالي أو نظرية الاحتمال.
(6) وأخيرا كتاب دحض المغالطات أو السفسطيات On sophistical refutations وعالج فيه بتفصيل كبيرة تصنيفه للمغالطات المنطقية وطرق دحضها والذى تعرضنا له بقدر من التفصيل في الحلقتين السابقتين.
وفي الواقع أرسطو في تصنيفية للعلوم وضع المنطق خارج هذا التصنيف الامر الذى كان ومازال موضع حيرة وبحث الدارسين، قد يكون هذا لان أرسطو أراد تمييز المنطق عن بقية العلوم من حيث اتصالها المباشر بالواقع في حين أن المنطق يتمثل في تحقيق غاية منهجية كلية لا تتصل بشكل مباشر بالواقع الخارجي كما هو الحال في غاية العلوم الطبيعية. وقد يكون لان قضايا العلم عند أرسطو كما كانت ومازالت عند العلماء غير قابلة للبرهان القطعي دائما، في حين ان المنطق ليس كذلك. أيا كان السبب وراء عدم تصنيف أرسطو للمنطق داخل تصنيفية للعلوم الطبيعية ( الأمر المتخصص والخارج عن إطار بحثنا الحالي)، أرسطو فطن لان المنطق ضروري لكل العلوم الطبيعية، أو هو نسق القواعد التى من خلالها يمكن الاستنباط، وبالتالي تمكن العلم كآلة أستنباطنية في الواقع الخارجي. وبالتالي المنطق عند أرسطو ليس علما كسائر العلوم، وإنما هو علم كل العلوم وبالتالي لا يمكن تصنيفه أو إدراجه داخل تصنيف العلوم، لأنها قائمة عليه وضعية محدودة بالزمان والمكان، أما المنطق كلي غير محدود لا بالزمان أو المكان.
محاور
المنطق الأرسطي، الفئات و القضايا الحملية، أنواع القضايا الحملية، مخططات فيين، تشريح القضايا الحملية، مربع ارسطو، صور أخرى للاستدلال المباشر، الاستدلال بنقض المحمول (التغيير)، الاستدلال بالتعارض، المضمون الوجودي، مربع التقابل الحديث، المغالطة الوجودية، جوهر منطق أرسطو
الفئات و القضايا الحملية Classes and Categorical Propositions
المنطق الكلاسيكي يتعامل في الأساس مع الحجج حول فئات من الأشياء وعلاقتها ببعضها البعض. الفئة Class هي مجموعة من الكائنات او الاشياء التى تشترك في خواص معينة (أرجع لحلقة المعنى والمنطق). اى كائن يمتلك كفاءة منطقية عقلية يستطيع أن يصنف العلاقات بين الفئات بديهيا في ثلاثة صور (1) كل أعضاء فئة ما جزء من فئة أخرى. مثلا كل الرجال بشر، اى ان كل اعضاء فئة الرجال بالكامل جزء من فئة أخرى وهى البشر (2) بعض، لكن ليس كل، أعضاء فئة معينة قد تكون جزء من فئة أخرى. مثلا كل المهندسين من الرجال. أى أن بعض أعضاء فئة المهندسين قد يكونوا جزء من فئة اخرى وهي الرجال، لأن هناك مهندسين من النساء مثلا. (3) فئتين لا توجد بينهما أى أعضاء مشتركة على الاطلاق. مثلا فئة كل النساء تستبعد exclude فئة الرجال. اى ان لا يمكن أن يوجد عضو من فئة النساء ينتمي أيضا لفئة الرجال…. العقل المنطقي قادر على تطبيق تلك العلاقات على اى مجموعة من الفئات او التصنيفات. في الحجج الاستنتاجية نقدم قضايا حول العلاقات بين فئة وأخرى. علماء المنطق يطلقوا على هذا النوع من القضايا، القضايا الحملية categorical propositions و البعض يطلق عليها المطلقة لان برهان حقيقتها مطلق لا مجال للشك فيه، و البعض الاخر يطلق عليها التصنيفية لأن الحقيقة فيها قائمة على العلاقات بين التصنيفات او الفئات، وأخيرا بعض المناطقة يطلقوا عليها القضية ذات صور الموضوع-المحمول Subject-Predict Proposition كما سنرى بعد قليل. لكن جرت العادة في الكتابات العربية على الاشارة لهذا النوع بالقضايا الحملية نسبة إلى معامل الحمل. في علم المنطق الكلاسيكي او الأرسطي القضايا الحملية احد العناصر الاساسية لبناء الحجج الاستنتاجية. تأمل هذة الحجة (1) لايوجد شخص من أصل عربي بوذي (2) كل المصريين من أصل عربي (3) إذن لا يوجد مصريين بوذيين. هذه الحجة تحتوى على ثلاث قضايا حملية. من الممكن ان نشكك أو ننفي حقيقة ايا منهم، لكن العلاقات بين الفئات كما تم التعبير عنها في تلك القضايا تؤدى الى حجة صالحة Valid اى ان صحت حقيقة المقدمات لابد من حقيقة النتيحة بما لا يدع مجال للشك. كل قضية من قضايا الحجة منفردة هي قضية حملية. اى ان كل قضية اما تأكد، او تنفي علاقة ما بين فئة س وفئة أخرى ص سواء بشكل كلي او جزئي. في هذا المثال العلاقات كانت بين فئات العرب، البوذين، والمصرين. وبالتالي كي نستطيع الوصول إلى منظومة للمنطق الاستنتاجي، لابد من تحديد أنواع القضايا الحملية أو التصنيفية.
أنواع القضايا الحملية The Four Kinds of Categorical Propositions
هناك أربع أنواع صور نموذجية من القضايا الحملية standard-form categorical propositions ..
النوع الأول: القضايا الكلية الموجبة (التأكيدية العامة) Universal affirmative propositions وفيها نؤكد حقيقة أن كل أعضاء فئة أو تصنيف ما محتواه أو جزء من فئة او تصنيف آخر .. مثلا “كل السياسيين كاذبين” .. “كل رجال الدين فضلاء” .. “كل رجال الدين فضلاء” .. الخ .. اى ان مثلا كل عضو في فئة او تصنيف السياسين هو أيضا عضو في فئة أو تصنيف الكاذبين. اى ان كل سياسي كاذب .. وبالتالي الايجاب او التأكيد في تلك القضية شامل لكل أعضاء الفئة أى تأكيد كلي عام .. من الممكن صياغة هذا النوع رمزيا كالاتي “كل س هو ص”. حيث س، ص يمثلا اصطلاحي الموضوع Subject والمحمول أو الإسناد Predict .. التأكيد المطروح في هذا النوع يصنع علاقة تضمين او شمول inclusion ما بين فئتين ويقال ان هذة العلاقة كاملة، عامة، أو كلية .. اى ان كل ما في س متضمن في ص .. علماء المنطق يطلقون على هذا النوع من القضايا قضايا A ونرمز لها بقضايا ك-م . القضايا الحملية عادة ما يتم تمثيلها من خلال المخططات كي يسهل دراستها وفهمها، أهم تلك الصور هى استخدام دوائر متقاطعة لتمثيل الفئات وعلاقتها ببعضها البعض، يطلق عليها مخططات فيين Venn diagrams نسبة إلى مخترعها عالم الرياضيات والمنطقي الإنجليزي جون فين John Venn . هذة المخططات تساعد جدا في فهم القضايا الحملية والتحقق من صلاحيتها، وهي شائعة جدا في الرياضيات وعلوم الحوسبة. على اى حال سنرسم دائرتين متقاطعتين، الأولى هي دائرة الموضوع Subject ونرمز لها ب س .. والدائرة الاخرى هي دائرة المحمول أو الإسناد Predict ونرمز لها بـ ص .. في مخطط A ك-م او القضايا الكلية الموجبة نريد إثبات أن كل س هو ص .. وبالتالي تظهر الجزء من دائرة س الخارج على دائرة ص مخطط او مظلل، اى ان لاتوجد به أى عناصر، اى ان لا توجد أي عناصر في الدائرة س ليست جزء من ص (أنظر الشكل المرافق).
النوع الثاني: القضايا الكلية السالبة (النفي العام) Universal negative propositions وفيها ينفي حقيقة أن كل أعضاء فئة ما محتواة في فئة أخرى .. مثلا “لا يوجد سياسي كاذب” .. “لا يوجد رجل دين فاضل” .. “لا يوجد طبيب رحيم” … الخ .. ادعاء ان لايوجد رجل دين فاضل، يصنع علاقة نفي بين فئة رجال الدين وفئة الفضلاء. هذه العلاقة علاقة نفي، وهي ايضا علاقة كاملة، عامة، وكلية .. اى تنطبق على كل أعضاء فئة رجال الدين .. اى ان اعضاء فئة الموضوع س من يستبعدوا بالكامل من فئة المحمول أو الاسناد ص.. من الممكن التعبير عن هذا النوع رمزيا كالاتي “لايوجد س ص” حيث س و ص هما اصطلاحي الموضوع والإسناد. هذة القضية تنفي تماما علاقة التضمين او الانتماء ما بين اصطلاحين. اى لايوجد اى عضو في س ينتمي لـ ص. علماء المنطق يرمز لهذا النوع بقضايا E ونرمز لها ب ك-س .. مخطط فين لقضايا E يمثل الاستبعاد المتبادل mutual exclusion بين فئتين كالاتي برسم دائرتين س و ص متقاطعتين والجزء المتقاطع بينهم مخطط او مظلل، ليعبر عن أنه لا يوجد اى عناصر مشتركة بين الفئتين (أنظر الشكل المرافق).
النوع الثالث: القضايا الجزئية الموجبة (التأكيد الجزئي) Particular affirmative propositions فيها نؤكد حقيقة ان بعض اعضاء فئة ما محتواة في فئة أخرى .. مثلا “بعض السياسيين كاذبين” .. “بعض رجال الدين فاضلين” .. “بعض الأطباء رحماء” .. الخ … اى ان في ادعاء بعض الأطباء رحماء ، نؤكد أن هناك بعض الأطباء رحماء والبعض الآخر غير رحيم. هذا التأكيد شبية بقضايا الكلية الموجبة لكنة غير مطلق أو غير عام، او غير كلي. أى لا ينطبق على كل أعضاء الفئة. فقط على جزء محدد منها. من الممكن قراءة هذه الجملة على ان فئتي الاطباء والفضلاء لديهم بعض الاعضاء المشتركين. لكن “بعض” مصطلح غير محدد او معين. هل نعني به “واحد”، “اثنين”، “ثلاثه”، أو أكثر .. ماهو عدد “البعض”؟ .. علماء المنطق بعدوا عن الالتباس والغموض اللغوى وحددوا البعض على انه “على الاقل عنصر واحد” … من الممكن صياغة قضايا التأكيد المحددة رمزيا كالاتي “بعض س هو ص” .. الذي يعني ان على الاقل هناك عضو واحد في فئة الموضوع س ينتمي أيضا إلى فئة الاسناد ص. وبالتالي هذا النوع يؤكد العلاقة الضمنية بين فئتين لكن فقط جزئيا. أى أن هناك أعضاء محددة مشتركة بين الفئتين، علماء المنطق يرمزوا لهذا النوع بقضايا I أو ج-م. ويمثل بمخطط فين بدائرتين س و ص متقاطعين وعلامة او نقطة واحدة في الجزء المتقاطع لتعبر عن تأكيد أن هناك على الأقل عنصر واحد مشترك بين الفئتين (أنظر الشكل المرافق).
النوع الرابع: القضايا الجزئية السالبة (النفي الجزئي) Particular negative propositions وفيها نؤكد حقيقة أن بعض أعضاء فئة ما ليسوا جزء من فئة أخرى … مثلا “بعض السياسيين ليسوا كاذبين” … “بعض رجال الدين ليسوا فاضلين” .. “بعض الأطباء ليسوا رحماء” .. الخ .. كما في النوع الثالث، هذا النوع لايدعي حقيقة حول كل أعضاء الفئة لكن بعضها، أو بالاصح ينفي حقيقة ما عن بعض أعضاء الفئة بشكل جزئي، ولهذا يطلق على هذا النوع محدد لكن بدلا من التأكيد ينفي! .. من الممكن التعبير عن هذا النوع رمزيا كالاتي “بعض س ليس ص”. وبنفس الصورة التى عبرنا بها عن مصطلح “بعض” يعنى “على الاقل عضو واحد” في فئة الموضوع س يستبعد من فئة الاسناد ص. هذا الاستبعاد جزئي وليس كلي. علماء المنطق يرمزوا لهذا النوع بقضايا O أو ج-س … ومن الممكن التعبير عنها بمخطط فين به دائرتين متقاطعتين س و ص و علامة أو نقطة داخل الجزء في س الغير متقاطع مع ص، للإشارة لحقيقة أن هناك على الأقل عنصر واحد في س لايقع داخل ص (أنظر الشكل المرافق).
هذه الصور الأربعة من قضايا التصنيفات A, E, I, O هي وحدات البناء الأساسية للحجج الاستنتاجية. وأعتقد أن الكثير من المستمعين قد يشعر ان هذه التصنيفات الأربعة بسيطة جدا ومباشرة، وده صحيح، لكن اكتشاف هذه الانواع الاربعة وتحديدها بشكل منهجي من آلاف السنين كان خطوة أساسية هامة في عملية تطور علم المنطق بشكل منهجي. وكانت أحد مساهمات أرسطو الباقية حتى اللحظة في المعرفة الانسانية. لكن هذة البساطة الظاهرة قد تكون خادعة. فوق تلك المنظومة البسيطة من الفئات وتصنيف العلاقات بين الفئات بنى علماء المنطق عبر العصور أنظمة غاية في التعقيد لصياغة وتحليل الحجج الاستنتاجية، كما سنرى بعد قليل، الأمر الذي جعل المنظومة أحد أهم إنجازات العقل البشري إطلاقا.
مخططات فيين Venn Diagrams
عالم المنطق، الفيلسوف و الرياضي الإنجليزي جورج بولي George Boole عُرف بعملة الاهم وهو تطوير منظومة جبر بول Boolean algebra التي ابتكرها وقدّمها في كتابِه الأوّل تحليل الرياضيات المنطقيّة (The Mathematical Analysis of Logic) عام 1847، وشرحها أكثر ووضع أُسسها في كتابِه استقراء قوانين التفكير (An Investigation of the Laws of Thought) عام . 1854. الجبر البوليني أحد أهم فروع الجبر من حيثُ أهميته في عالم الحوسبة ومنظومة المعلومات الحديثة، لكنة أيضا أحد أهم طرق الوصول للحقيقة حيث يعمل من خلال مُتغيّرين اثنين هما الصح أو الخطأ ويُرمز لهما بالعددين 1 و 0 بعكس الجبر الإبتدائي الذي قد يكون المُتغيّر فيه أي عددٍ كان. الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي Charles Sanders Peirce كان مفتون بفكرة بولي ومنظومته الجبرية، ورأي أن من الممكن استخدامها في تطبيقات في الدوائر الكهربائية، وبالفعل بعد خمسين سنة المهندس والرياضي الأمريكي Claude Shannon وضع النظرية محل التطبيق وصمم منظومة بولينية من الممكن استخدامها في مفاتيح توجيهه التليفونات. هذا الابتكار أدى لاحقًا إلى تطوير أجهزة الكمبيوتر الرقمية الإلكترونية كما نعرفها الآن. قصة بولي وأفكاره الثورية في العلاقة بين الرياضيات والمنطق مثيرة للغاية وسنعود لتفاصيلها مرة أخرى في سلسلة فلسفة الرياضيات Philosophy of Mathematics. على أى حال، من وجهة نظر بولي الاربع انواع من القضايا الحملية يمكن قرائتها كالآتي
(1) “كل س هو ص” تساوي لايوجد اي عنصر في س خارج ص
(2) “لا يوجد س هو ص” تساوي لا يوجد عنصر من س داخل ص
(3) “بعض س هو ص” تساوي على الأقل يوجد عنصر واحد من س داخل ص
(4) “بعض س ليس ص” تساوي على الأقل يوجد عنصر واحد من س لا ينتمي لص.
بدمج هذا التفسير مع منظومة مخطوطات فين التى طورها عالم المنطق الانجليزي جون فين John Venn في القرن التاسع عشر، والتي أصبحت معروفة بمخططات فيين Venn diagrams. في منظومة المخطوطات كل فئة يتم تمثيلها بدائرة، إذن القضايا التصنيفية في مخطوطات فين يتم تمثيلها بدائرتين لان دائما هناك فئتين، والعلاقة بين هذين الدائرتين تمثل نوع القضية التصنيفية محل التمثيل. كل دائرة يتم وضع رمز داخلها لاسم الفئة التى تشير إليها. تأمل مثلا “فئة س تمثل كل المصريين” وفئة ص “تمثل كل العمال” .. لو رسمنا مخطط فين فيه دائرة س تتقاطع مع دائرة ص في منقطة نرمز لها ب X .. وكل شئ خارج الدائرتين نرمز له ب O (انظر الشكل المرافق) .. في تلك الحالة الدائرة س ما عدا المنطقة x تمثل كل المصريين باستثناء العمال .. والدائرة ص ما عدا المنطقة x تمثل كل العمال باستثناء العمال المصريين. وتقاطع الدائرة س وص اى المنطقة X تمثل كل العمال المصريين، واخيرا المنطقة المحيطة بالدائرتين O أى شئ يقع في تلك المنطقة لا ينتمي لفئة العمال ولا لفئة المصريين. هذه المنظومة البسيطة من مخططات فين من الممكن تطويرها قليلا كي تستخدم بكفاءة في تمثيل منطق القضايا الحملية. بإضافة رمزين آخرين .. بوضع علامة X داخل منطقة ما هذا يمثل دائما فكرة الوجود، اى أن يوجد على الأقل عنصر واحد في تلك المنطقة، هذا الرمز إذن يستخدم لتمثيل القضايا الحملية الجزئية I and O وعند تظليل منطقة يشير هذا دائما الى الفراغ اى ان لايوجد اى عناصر في تلك المنطقة، وبالتالي يساعد هذا في تمثيل القضايا الحملية الكلية A and E.
تشريح القضايا الحملية Dissecting Categorical Propositions
القضايا الحملية في أيا من صورها الاربعة النموذجية لها مكونات أربعة أساسية
(1) الموضوع وهو ما نحكم عليه بالايجاب أو السلب في القضية Subject.
(2) المحمول أو الإسناد وهو ما نحكم به إيجابا أو سلبا على الموضوع Predicate
(3 ) المعامل Quantifier إن كان الحكم كلي عام على كل أعضاء الفئة او جزئي محدد على بعض أعضاء فئة الموضوع يتم تحديدة من خلال المعامل
(4) وأخيرا الرابط Copula هو المعامل اللغوي المستخدم لربط الحمل والاسناد بالموضوع.
مثلا في القضية التصنيفية الشهيرة “كل إنسان فان” .. “كل” هي المعامل وفي هذه الحالة المعامل يشير الى قضية كلية عامة ، أما الموضوع هو “إنسان” ، والمحمول أو المسند هو “فان”، وأخيرا الرابط غائب في تلك الجملة لأنه غير مطلوب لغويا. علماء المنطق اعتادوا على تقسيم القضايا الحملية إلى قسمين، الأول تقسيم من حيث الكيف Quality والثاني تقسيم من حيث الكم Quantity. كل صورة من القضايا الحملية في قالبها القياسي أما تؤكد او تنفي علاقة فئوية ما. لو أكد الادعاء علاقة تضمينية ما بين فئتين سواء بصورة كلية أو جزئية في تلك الحالة يقال أن الخاصية الكيفية للقضية Quality هي التأكيد أو الإيجاب affirmative. إذن القضايا من نوع A ك-م “كل س هو ص” والقضايا من نوع I ج-م ” بعض س هو ص” الخاصية الكيفية لكليهما هي التأكيد أو الإيجاب. أو ان نفي الادعاء علاقة تضمينية ما بين فئتين سواء بصورة كلية أو جزئية في تلك الحالة يقال أن الخاصية الكيفية للقضية هي النفي أو السلب negative ، إذن القضايا من نوع E ك-س “لا يوجد اى س هو ص” و القضايا من نوع O ج-س “بعض س ليس ص” الخاصية الكيفية لكليهما هي النفي أو السلب. كل قضية حملية كما هو بديهي بالنسبة لك تمتلك خاصية كيفية واحدة إما إيجاب أو سلب. وبنفس الصورة كل قضية حملية في صورتها القياسية لها خاصية كمية Quantity واحدة فقط، إن كانت القضية تشير الى كافة عناصر فئة الموضوع في تلك الحالة يقال أن الخاصية الكمية للقضية عامة أو كلية universal ، وبالتالي القضايا التصنيفية من نوع A ك-م “كل س هو ص” والقضايا من نوع E ك-س “لايوجد س هو ص” يمتلك خاصية كمية عامة. لكن لو كانت القضايا تشير الى بعض عناصر فئة الموضوع، في تلك الحالة الخاصية الكمية للقضية تكون جزئية particular . وبالتالي القضايا من نوع I ج-م “بعض س هو ص” والقضايا من نوع O ج-س “بعض س ليس ص” يمتلكا خاصية كمية جزئية. الخاصية الكمية في الشكل القياسي للقضايا الحملية يمكن التعرف عليه بسهولة من خلال الكلمات المفتاحية “كل”، “ليس”، تشير للقضايا العامة .. و”بعض” تشير الى القضايا المحددة. إذن كل قضية حملية لها خاصية كيفية واحدة إما إيجاب أو سلب وخاصية كمية واحدة إما كلية أو جزئية ، وبالتالي الانواع الاربعة التى وضعها أرسطو في تصنيفه للقضايا الحملية. بين فئة الموضوع وفئة الإسناد أو المحمول في كل قضية حملية في شكلها القياسي يوجد رابط لغوي مثلا كل س هو ص في تلك الحالة الرابط “هو” .. يطلق على هذا المعامل “الرابط copula” .. معامل الربط قد يظهر في صور وأشكال عديدة حسب سياق الجملة .. مثلا “بعض الملوك كانوا سفاحين” .. “كانوا” في تلك الحالة هو معامل الربط. هناك خاصية هامة جدا في القضايا الحملية وهي خاصية التوزيع distribution. القضية توزع فئة ما إذا اشارات الى كافة عناصر تلك الفئة. علي سبيل المثال “كل السياسين بشر” معامل الكمية “كل” في تلك الحالة يشير الى كل عناصر فئة الموضوع “السياسيين” لكنه لا يشير الى عناصر فئة البشر. اى ان القضية تؤكد أن كل السياسيين من البشر لكن لا تقر اى شئ حول الاتجاه المعاكس للقضية وهو أن كل عناصر فئة البشر من السياسيين. اى ان القضية وزعت فئة السياسيين على فئة البشر وليس العكس. في قضايا الكلية الموجية A ك-م، فئة الموضوع يتم توزيعها لكن فئة الإسناد أو المحمول لايتم توزيعها. في قضايا الكلية السلبية E ك-س مثلا “لا يوجد كاتب جاهل” فئة الموضوع “الكتاب” تم توزيعها لأن فئة الكتاب بالكامل تم استبعادها من فئة الجهل. لكن ايضا فئة الجهلاء تم استبعاد كافة عناصرها بالكامل من فئة الكتاب، اى ان لايوجد جاهل أيضا كاتب والعكس بالعكس، إذن على النقيض من قضايا الكلية الموجبة، قضايا الكلية السالبة توزع كلا من فئة الموضوع والمحمول في كلا الاتجاهين. في قضايا الجزئية الموجبة I ج-م .. مثلا “بعض الجنود خونة” التأكيد لم يتم صنعة حول كل الجنود، وايضا لم تصنع أي تأكيد حول كل الخونة. اى ان القضية لا تدعي شئ حول كل جندى أو حول كل خائن. اى ان ايا من الفئتين لم يتم تأكيدهم أو استبعادهم بشكل عام او كلي من الاخرى. وبالتالي يقال ان في القضايا الجزئية الموجية كلا من فئة الموضوع وفئة المحمول غير قابلة للتوزيع undistributed. واخيرا قضايا الجزئية السالبة O ج-س مثلا “بعض الكلاب ليست أليفة” .. القضية لا تدعي شئ حول كل الكلاب، فقط الى بعض الكلاب، أو بعض عناصر الفئة، اى تدعي أن هذا الجزء المحدد من فئة الكلاب يستبعد من فئة كل الكائنات الاليفة، لكن القضية تدعي أن كافة عناصر فئة المحمول تُستبعد بالكامل من الجزء المحدد من فئة الموضوع، اى ان لا توجد كائنات أليفة في هذا الجزء من فئة الكلاب. وبالتالي قضايا الجزئية السلبية فيها فئة الموضوع غير قابلة للتوزيع لكن فئة المحمول موزعة. إذن كلا من قضايا الإيجاب والسلب العام توزع فئة الموضع، لكن قضايا الايجاب و السلب الجزئي لاتوزع فئة الموضوع، اى بصورة أخرى معامل الكمي quantity في القضية يحدد إن كانت فئة الموضوع سيتم توزيعها أم لا. و بنفس الصورة قضايا الكلية الموجبة و الجزئية لا توزع فئة المحمول، في حين أن كلا من قضايا السلب الكلي و الجزئي توزع فئة المحمول. إذن معامل الكيف quality يحدد إن كانت فئة المحمول قابلة للتوزيع ام لا. بتبسيط غير مخل، قضايا الكلية الموجبة A ك-م توزع فقط فئة المحمول. ـ قضايا الكلية السالبة E ك-س توزع كلا من فئة الموضوع والمحمول، وقضايا الجزئية الموجبة I ج-م لاتوزع أيا من الفئتين، وأخيرا قضايا الجزئية السالبة O ج-س توزع فقط فئة المحمول (أنظر الشكل المرافق)، فهم هذه الخواص وتأثيرها علي صور القضايا الحملية القياسية سيصبح جوهرى عند تقييم وتحليل حجج القياس المنطقي syllogisms .
مربع ارسطو The Traditional Square of Opposition
الاستدلال هو الموضوع الرئيسي في الدراسات المنطقية، في المنطق الكلاسيكي الذي بدأ على أيد أرسطو ولذا يطلق عليه المنطق الأرسطي، أهتم فيه أرسطو بصورتين أساسيتين الاستدلال المباشر و الاستدلال الغير مباشر، القضايا الحملية في صورتها النموذجية، رأينا ان هناك شقين او فئتين للقضية، فئة الموضوع وفئة المحمول، الفئتين قد يختلفا من قضية لأخرى في الكيف أو الكم، او كليهما. مثلا هناك قضايا كلية موجبة وأخرى كلية سلبية، وهناك قضايا جزئية موجبة وأخرى جزئية سلبية. الاصطلاح التقني الذي يطلق على هذا الاختلاف بين القضايا يطلق عليه التقابل opposition. عملية التشريح التى قمنا بها منذ قليل لمكونات ومعاملات القضايا التصنيفية ستصبح هامة جدا الان عند محاول فهم صور هذا التقابل بين القضايا وتحويل عملية البحث عن الحقيقة الى معادلة رياضية يقينية. في عملية الاستدلال المباشر نبحث عن كيفية استنتاج صدق او كذب قضية من خلال معرفتنا بحقيقة قضية أخرى متفقة أو مختلفة معها كماٌ، كيفاُ، أو كليهما. هذة العلاقة بين القضيتين يتم صياغتها وفق مجموعة من القوانين. هناك عدة صور من التقابل في القضايا الحملية ترتبط بشكل وثيق مع حقيقة القضية محل الدراسة.
النوع الأول: التقابل بالتضاد Contraries
قضيتين يقال إنهما متضادتين إن كان من غير الممكن أن تكون كلاهما صحيحة، أي أن حقيقة إحداهما تستبع خطأ الأخرى .. مثلا “فريق الأهلي سيكسب المباراة القادمة مع الزمالك” قضية في حالة تضاد مع “فريق الزمالك سيكسب المباراة القادمة مع الأهلي”. طبعا ان كانت القضيتين يشيرا الى نفس المباراة. إن كانت إحداهما صحيحة لابد وأن تكون الثانية خاطئة. لكن هاتين القضيتين لا يوجد بينهم تناقض contradiction ، لان المباراة قد تنتهي بالتعادل وفي تلك الحالة كلا القضيتين يصبحا خاطئتين. في التضاد Contrary كلا القضيتين لا يمكن أن يكونا صحيحين لكن على العكس من التناقض contradiction، القضيتين قد يكونا خاطئين. في قواعد التحليل المنطقي الأرسطي او الكلاسيكي، عادة ما تم النظر الى القضايا العامة على أنها في حالة تضاد، الكلية الموجبة A ك-م و الكلية السلبية E ك-س المشتركين في فئة الموضوع وفئة المحمول لهما نفس معامل الكم الكلي لكن يختلفا في معامل الكيف(إحداهما إيجاب والأخرى سلب) مثلا “كل المغنين عاطفين” و “لا يوجد مغني عاطفي” لا يمكن أن يكونا صحيحتين في نفس الوقت، لكن كليهما من الممكن أن يكونا خاطئتين وفي تلك الحالة يعتبرا متضادتين. لكن هذا التحليل الأرسطي تشوبه بعض الإشكاليات سنناقشها بعد قليل. احد الاشكاليات التي يواجهها هذا التحليل، عندما تكون حقيقية إحدى القضيتين حقيقة ضرورية، او حقيقة منطقية أو رياضية. مثلا “كل المربعات مستطيلات” و “لا توجد مربعات دوائر” … في تلك الحالة ادعاء أن قضية الكلية الموجبة A ك-م وقضية الكلية السلبية E ك-س متضادتين لا يمكن أن يكونا صحيحتين. لأن حقيقة ضرورية لا يوجد اي احتمال ان تكون خاطئة، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك اى قضية مضادة لها، لو الفكرة غريبة عليك فكر في “المربعات ليست دوائر” جملة حقيقتها ضرورية لا يمكن أن تكون خاطئة، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك أى قضية أخرى مضادة لها، القضايا التى حقيقتها أو خطئها ليس ضروريا يطلق عليها المشروطات Contingent ولهذا في التحليل الأرسطي يتم اعتبار ان القضايا المتضادة قضايا مشروطة اى ان حقيقتها ليست ضرورية.
النوع الثاني: التقابل بالتناقض Contradictories
قضيتين يعدا متقابلتين بالتناقض إن كانت إحداهما تنفي الاخرى، اى ان كان من المستحيل أن يكون كلاهما صحيحتان أو خاطئتين في نفس الوقت. قضيتين حول نفس فئة الموضوع والمحمول ولكن يختلفا في كلا من الكيف والكم هو صورة من التقابل بالتناقض. أى أن القضايا الكلية الموجبة A ك-م مثلا “كل القضاة درسوا القانون” .. و القضايا الجزئية السلبية O ج-س “بعض القضاة لم يدرسوا القانون” .. يعدا قضيتين متقابلتين بالتناقض! .. اى ان لا يمكن أن يكونا صحيحتين في نفس الوقت. هذا لان هناك اختلاف في معامل الكيف بينهما (أحدهما ايجاب والاخرى سلب) ، وهناك ايضا اختلاف في معامل الكم (أحدهما كلية عامة، والاخرى جزئية محددة) . إذن لابد أن إحداهما صحيحة والأخرى خاطئة. وبنفس الصورة قضايا الكلية الموجبة E ك-س وقضايا الجزئية الموجبة I ج-م يعد تقابل بالتناقض”لايوجد س هو ص” في مقابل “بعض س هو ص”.
النوع الثالث: التقابل بالدخول تحت التضاد Subcontraries
قضيتين يقال انهما في حالة تقابل بالدخول تحت التضاد لو كان من غير الممكن أن يكونا خاطئتين لكن من الجائز أن يكونا صحيحتين في نفس الوقت. في التحليل الأرسطي الكلاسيكي القضايا الجزئية الموجبة والسالبة في حالة تقابل بالدخول تحت التضاد، لهما نفس الموضوع والمحمول، ونفس الكمية لكن يختلفا في معامل الكم أحدهما موجب يأكد والآخر سالب ينفي. مثلا قضية جزئي موجب I ج-م “بعض الماس من الأحجار الكريمة” .. و قضية جزئية سالبة O ج-س”بعض الماس ليس من الأحجار الكريمة” .. كلا الجملتين من الممكن أن يكونا صحيحين لكن من غير الممكن أن يكون كليهما خاطئتين، ولهذا يطلق عليهم تقابل بالدخول تحت التضاد. لكن بنفس الصورة في حالة التقابل بالتناقض، هناك بعض الصعوبات المنطقية التي تظهر في هذا التحليل، لو كانت القضايا من نوع I أو O خاطئة بالضرورة مثلا “بعض المربعات دوائر” أو “بعض المربعات ليست مستطيلات” .. لا يمكن أن يكون هناك تقابل بالدخول تحت التضاد مع تلك القضايا، لأن قضيتين في حالة تقابل بالدخول تحت التضاد من الممكن أن يكونا صحيحين، لكن لو كلا القضيتين خاطئتين بالضرورة إذن من المستحيل أن يكون كلاهما صحيحتان في نفس الوقت! .. إذن بنفس الصورة السابقة، التقابل بالدخول تحت التضاد من الممكن أن يحدث فقط طبقا للتحليل الأرسطي الكلاسيكي بين القضايا المشروطة وليست الضرورية.
النوع الرابع: التقابل بالتداخل subalternation
عندما يكون هناك قضيتين حول نفس فئة الموضوع وفئة المحمول، يتفقا في معامل الكيف (اى كلاهما موجب او سالب) .. لكن يختلفا في الكمية (احداهما كلية والاخرى جزئية) .. في تلك الحالة يطلق عليهم القضايا المتداخلة corresponding propositions هذا ايضا يصنف كنوع من التقابل opposition بالرغم من أنه لا يوجد تعارض بالمعنى الحرفي لكنه تصنيفي في تلك الحالة. لهذا قضايا الكلية الموجبة A ك-م “كل الحشرات تطير” تقابلها بالتداخل قضية جزئية موجبة l ج-م “بعض الحشرات تطير” .. وبنفس الصورة قضايا الكلية السالبة E ك-س ” لا يوجد حيتان من الأسماك” .. تقابلها بالتداخل جملة جزئية سالبة O ج-س “بعض الحيتان ليست من الاسماك” .. هذا التقابل بالتداخل بين القضايا الكلية، ومقابلتها من القضايا الجزئية يعرف التقابل بالتداخل subalternation في هذا النوع من التقابل، القضية الكلية يطلق عليها البدل superaltern والقضية المحددة أو الجزئية يطلق عليها تابع البدل subaltern … حقيقة البدل تدل على حقيقة تابع البدل، مثلا من قضية كلية موجبة “كل الطيور لديها ريش” .. بدل يدل على حقيقة تابع البدل القضية الجزئية الموجبة “بعض الطيور لديها ريش” .. و قضية كلية موجبة “لا توجد حيتان من الأسماك” .. بدل يدل على حقيقة تابع البدل قضية جزئية سالبة “بعض الحيتان ليست من الاسماك” … لكن العكس غير صحيح، أي أن حقيقة تابع البدل اى القضايا الجزئية لا تدل على حقيقة البدل نفسة اى القضايا الكلية، مثلا “بعض الحيوانات كلاب” لا يتبع منها ان “كل الحيوانات كلاب” .. و في حالة النفي “بعض الحيوانات ليست كلاب” لا تدل على حقيقة “لا يوجد حيوانات كلاب”!
إذن هناك أربع طرق مختلفة من الممكن أن يحدث بيها التقابل بين القضايا الحملية التناقض contradictories، التضاد contraries ، الدخول تحت التضاد subcontraries ، والتداخل subalternation. علماء المنطلق وضعوا هذه العلاقات في مخطط يطلقوا عليه مربع التقابل The Square of Opposition وعرف تاريخيا بمربع أرسطو (أنظر الشكل المرافق) .. العلاقات بين القضايا في هذا المخطط لمئات السنين أعتقد أنها كافية لتشكيل الاساس المنطقي للتأكد من صلاحية الحجج المنطقية. لأن هناك استدلالات فورية من الممكن ان نصل اليها بمجرد تطبيق قواعد مربع التقابل. مثلا في حالة قضية كلية موجبة A ك-م من الممكن أن نستدل بشكل مباشر أن قضية جزئية سالبة O ج-س لابد وأن تكون خاطئة، و القضية الجزئية الموجبة ج-م لابد وان تكون صحيحة، وهكذا. أي أن بداية بحقيقة او خطأ أي من القضايا الحملية في صورتها القياسية حقيقة او خطأ بعض او كل الصور الأخرى من الممكن أن يستدل عليه بشكل مباشر أو شكل غير مباشر .. مثلا قضية كلية موجبة A ك-م حقيقية: تدل على ان القضية الكلية السالبة E ك-س المقابلة لابد وان تكون خاطئة، و قضية جزئية موجبة I ج-م صحيحة، لابد وان تدل على خطأ القضية الجزئية السالبة المقابلة O ج-س. (أنظر الجدول المرافق).
صور أخرى للاستدلال المباشر Further Immediate Inferences
التقابل ليس الصور الوحيدة التى يمكن من خلالها الاستدلال على حقيقة القضايا الحملية بشكل مباشر من قضية أخرى، لكن هناك خواص أخرى تقع تحت نظرية الاستدلال المباشر. تأمل القضية التالية “لا توجد كلاب قطط” .. القضية ببساطة تدعي ان لا يوجد اى تقاطع بين فئة الكلاب و فئة القطط. اى ان فئة الكلاب منفصلة ومستقلة تماما عن فئة القطط. الآن تأمل هذه القضية “لا توجد قطط كلاب” .. هذه القضية تصنع نفس الادعاء. وبالتالي الجملتين لهم نفس المعنى ونفس قيمة الحقيقة. الآن تأمل هذه الجملة “بعض الكلاب ليست مهجنة” هذه الجملة تدعي أن هناك على الأقل كلب واحد يقع خارج فئة الكلاب المهجنة اى انه أصيل المنشأ. و جملة “بعض الكلاب أصيلة المنشأ” تدعي نفس الحقيقة لكن بصورة اخرى. إذن نفس الفكرة، قضيتين لهم نفس المعنى وقيمة الحقيقة. هناك عمليات استدلالية من الممكن أن نجريها على القضايا قد تقود او لا تقود الى قضية اخرى لها نفس المعنى وقيمة الحقيقة.
العكس المستوى Conversion
هو أبسط تلك العمليات وهو عملية نقوم فيها بعكس فئة الموضوع مع فئة المحمول. مثلا “لا يوجد رجال ملائكة” نحولها الي “لا يوجد ملائكة رجال” .. هذه القضايا من الممكن أن يستدل على صلاحيتها من بعضها البعض. مثلا في جملة “لا توجد كلاب من البرمائيات” لو طبقنا عليها عملية العكس المستوى تصبح “لا توجد برمائيات من الكلاب” .. الجملة الناتجة يطلق عليها عكس converse القضية الأولى. عند تطبيق العكس المستوي على الصور الأربعة النموذجية للقضايا الحملية نحصل على الآتي
(1) كل س هو ص .. عكسها .. كل ص هو س
(2) لاتوجد س هي ص .. عكسها .. لا توجد ص هي س
(3) بعض س هو ص .. عكسها .. بعض ص هو س
(4) بعض س ليس ص .. عكسها .. بعض ص ليس س (أنظر الشكل المرافق).
لو تأملت الشكل المرافق لمخطط فين في حالة الكلية السالبة E ك-س ستلاحظ أن المخطط متطابق في حالة العكس المستوى مع الأصل منطقة التقاطع مظللة بين الدائرتين. أي أن الجملة وعكسها متطابقتين منطقيا logically equivalent اى ان لهم نفس المعنى ونفس قيمة الحقيقة. وبنفس الصورة ستجد مخطط فين في قضايا الجزئية الموجبة I ج-م متطابقة، علامة X في منطقة التقاطع بين الدائرتين، اى ان الجملتين متطابقتين منطقيا من حيث المعنى وقيمة الحقيقة. إذن تطبيق عملية العكس المستوي على قضية كلية سالبة E ك-س أو جزئية موجبة I ج-م دائما ما سينتج جملة لها نفس قيمة الحقيقة أو مكافأة منطقيا. لكن على النقيض، مخطط فين لقضايا الكلية الموجبة A ك-م واضح جدا انه غير متطابق مع مخطط القضية الناتجة من العكس المستوى وكذلك مخطط فين لقضايا الجزئية السالبة O ج-س غير متطابق مع مخطط القضية الناتجة عن العكس المستوي. اى ان قضية الكلية الموجبة وعكسها غير مرتبطتين منطقيا بقيمة الحقيقة، وكذلك قضايا الجزئية السالبة وعكسها. بصورة أبسط عكس قضايا A أو O سينتج قضايا جديدة تماما قيمة حقيقتها غير محددة من خلال علاقتها بالقضايا الاساسية التى تم العكس منها. هذة القضايا الناتجة عن التحويل لها قيمة حقيقة طبعا! لكن المنطق وحده غير كافي للتعرف على تلك القيمة. هذه الفكرة هامة جدا، ان كانت قضايا الكلية السالبة E ك-س وقضايا الجزئية الموجبة I ج-م عكسها ينتج قضايا حقيقتها مؤكدة منطقيا ضروريا، إذن من الممكن بناء استدلالات مباشرة على تلك القضايا .. مثلا “لا يوجد س هو ص. اذن، لا يوجد ص هو س” .. أو “بعض س هو ص. إذن، بعض ص هو س” .. وبما أن النتيجة لهذة الاستدلالات حقيقية ضروريا، اى ان قيمة حقيقتها مطابقة للمقدمة، إذن لو كانت المقدمات صحيحة لابد وان تكون النتائج صحيحة. لكن على الجانب الآخر، هذا النوع من الاستدلال خاطئ في حالة قضايا الكلية الموجبة A ك-م وقضايا الجزئية السالبة O ج-س .. مثلا “كل س هو ص. إذن، كل ص هو س” .. أو “بعض س ليس ص. إذن، بعض ص ليس س” .. هذه الاستدلالات يقال انها ارتكبت مغالطة العكس الغير مشروع llicit conversion لأن قيمة الحقيقة للنتيجة ليست ضرورية منطقيا وبالتالي لا يمكن الاستدلال عليها بشكل مباشر. علي سبيل المثال “كل القطط من الحيوانات .. إذن، كل الحيوانات من القطط” .. او “بعض الحيوانات ليست كلاب .. إذن، بعض الكلاب ليست حيوانات!”
الاستدلال بنقض المحمول (التغيير) Obversion
قبل ما أطرح عليك النوع الثاني من عمليات الاستدلال المباشر هناك فكرة منطقية رياضية مهمة جدا حول الفئات تعرف بالفئة المكملة complementary class . الفئة كما رأينا هي مجموعة من العناصر أو الأشياء التي تشترك في مجموعة من الخواص المشتركة المحددة (ارجع لحلقة المعني و المنطق) .. هذة الخواص المشتركة يطلق عليها السمات المميزة للفئة class-defining characteristic .. مثلا فئة البشر هي مجموعة كل العناصر التي تشترك في سمات مميزة للبشر. كل فئة لها فئة أخرى مكملة تعرف بالفئة المكملة complementary وهي مجموعة كل العناصر او الاشياء التى لا تنتمي للفئة الاصلية. اى ان الفئة المكملة لفئة البشر هي مجموعة العناصر التي ليست من البشر. السمات المميزة للفئة المكملة هي نفي الصفات المكملة للفئة الأصلية، اى ان الفئة المكملة للبشر هي العناصر التي تشترك في نفي الصفات البشرية .. الحيوانات، السيارات، الجبال، الفواكه، الخ. لكن ليست فئة الاطباء، لان الاطباء بشر .. في المنطق عادة ما يضاف معامل نفي أمام رمز الفئة للإشارة لانها فئة مكملة .. مثلا الفئة س .. مكملها هو ليس-س أو غير-س. العلاقة بين الفئة والفئة المكملة من الممكن تمثيلها بمخططات فين في صورة دائرة للفئة، وكل شئ خارج الدائرة هو مكمل الفئة (انظر الشكل المرافق) هذه المقدمة مهمة لفهم النوع الثاني من عمليات الاستدلال المباشر وهو نقض المحمول أو التغيير Obversion وهو نوع من الاستدلال المباشر من السهل فهمة بمجرد فهم فكرة المكملات، عملية التغيير أكثر تعقيدا من عملية العكس المستوي. وتتم في خطوتين (1) نقوم بتغيير معامل الكيف Quality لفئة الموضوع دون تغيير معامل الكم Quantity مثلا “لا يوجد س هو ص (تصبح) كل س هو ص” أو “بعض س هو ص (تصبح) بعض س ليس ص” .. (2) نستبدل فئة الإسناد بالفئة المكملة لها. على سبيل المثال “كل الاحصنة من الحيوانات” .. بتطبيق عملية التغيير على القضية السابقة تنتج القضية “لا توجد أحصنة من غير-الحيوانات” أي لا توجد أحصنة ليست من فئة الحيوانات. أو “بعض الأشجار من الصنوبر” .. التغيير يصبح “بعض الأشجار ليست من غير-الصنوبر” .. القضية الناتجة تكافئ القضية الأصل ولكنها أصبحت في صورة نفي مزدوج صورتة “لا … غير … ” والقاعدة المنطقية الرياضية البسيطة هي نفي النفي إثبات، أى ان العملية الاستدلالية المنطقية قادتنا مرة أخرى الى قضيتنا الاصلية. صور القضايا الحملية الاربعة تتغير كالآتي
(1) قضية كلية موجبة ك-م كل س هو ص .. تتغير الى قضية كلية سالبة ك-س، لا يوجد س هو غير-ص .. مثلا “كل المواطنين من الناخبين” .. تتغير إلى .. “لا يوجد مواطنين من غير-الناخبين” هاتين القضيتين متكافئتين منطقيا و يمكن اشتقاقهم من بعضهم البعض .. الخطوات بسيطة، غيرنا معامل الكيف من إيجاب لسلب .. واستبدلنا فئة الإسناد “الناخبين” بالفئة المكملة وهي “غير-الناخبين”.
(2) قضية كلية سالبة ك-س “لا يوجد س هو ص” .. تتغير إلى كلية موجبة ك-م .. “كل س هو غير ص” .. مثلا “لا يوجد أطفال متزوجين” .. تتغير إلى .. “كل الأطفال غير-متزوجين”
(3) قضية جزئية موجبة ج-م “بعض س هو ص” .. تتغير إلى جزئية سالبة ج-س .. “بعض س هو ليس غير ص” .. مثلا “بعض المعادن من ناقلات الحرارة” .. تتغير إلى .. “بعض المعادن ليست من غير-ناقلات الحرارة”
(4) قضية جزئية سالبة ج-س “بعض س هو ليس ص” .. تتغير إلى جزئية موجبة ج-م .. “بعض س هو غير-ص” .. مثلا “بعض الدول ليست محاربة” .. تتغير إلى .. “بعض الدول هي من غير غير-المحاربين”.
لو تأملت الشكل المرافق لمخططات فين ستجد ان كل زوج من القضايا وتغيرها المخطط متطابق تماما، اى ان كل القضايا الاربعة متطابقة منطقيا مع القضايا الناتجة عن تطبيق عملية التغيير عليها. أى أن لها نفس المعنى ونفس قيمة الحقيقة. لو قمت بتغيير قضية كلية موجبة A ك-م وكانت لها قيمة حقيقة صواب، إذن الجملة الناتجة ايضا لابد وان تكون لها نفس قيمة الحقيقة أي أنها صواب. وهكذا. وأكيد ستكون قادر على تصور عملية تغيير المُتغير، اى ان لو هناك قضية هي تغيير قضية أصلية، وقمت بتطبيق التغيير مرة أخرى عليها، القضية الناتجة ستصبح الجملة الاصلية مرة أخرى .. او “نفي النفي إثبات” .. مثلا أنقلاب جملة “كل الاحصنة من الحيوانات” .. هو “لا توجد أحصنة من غير-الحيوانات” .. لو حاولت تطبيق التغيير مرة أخرى على الجملة الناتجة .. اولا سنغير معامل الكيف لفئة الموضوع اذن “لا” تستبدل ب “كل” .. و سنغيير فئة الإسناد بمكلمتها، في تلك الحالة مكمل فئة “غير-الحيوانات” هي “الحيوانات” .. إذن ستحصل على “كل الاحصنة من الحيوانات” .. اى انك ستحصل على الجملة الأصلية مرة أخرى!
الاستدلال بالتعارض Contraposition
الصورة الاخرى من عمليات الاستدلال المباشر هي التعارض ، وتتم على خطوتين (1) استبدال فئة الموضوع بفئة المحمول (2) تغيير فئة الموضوع بالفئة المكملة وفئة المحمول بالفئة المكملة لها. مثلا “كل الحمام من الطيور” لو طبقنا عليها عملية التعارض نحصل على “كل غير-الطيور من غير-الحمام” .. الجملة الناتجة يطلق عليها الجملة المعارضة contrapositive. التعارض Contraposition يمكن الوصول إليه من خلال نوعي الاستدلال السابقين العكس المستوي conversion و التغيير obversion. مثلا قضية كلية موجبة A ك-م تعارضها سيكون أيضا قضية كلية موجبة A ك-م، وقضية كلية سالبة O ك-س تعارضها سيكون أيضا قضية كلية سالبة O ك-س وهكذا. مثلا “كل المواطنين ناخبين” .. تعارضها هو “كل غير-الناخبين هم غير-مواطنين” .. هذين القضيتين متكافئتين منطقيا. التعارضات صالحة وسليمة منطقيا ويمكن الاستدلال عليها من القضايا الاصلية. لو بدأنا ب “كل س هو ص” .. نعكسها الى “لا يوجد س هو ليس ص” … و تغيرها إلى “لا يوجد ليس ص هو س” الذى من الممكن ان نغيرها الي ” كل ما هو ليس ص ليس س” .. أى أن تعارض اى قضية تأكيد عام هو تغيير انعكاس تغيير القضية الأصلية obverse of the converse of the obverse .. عارف ان عمليات الاستدلال اصبحت معقدة، ودى الفكرة التى حاولت الاشارة لها في بداية الحلقة، من المنظومة البسيطة للقضايا الحملية التي بدأنا بها، صنعنا منظومة كاملة لتحليل القضايا وحقيقة جملها، والاستدلال من قضية الى أخرى باستخدام قواعد منطقية صارمة مثل المعادلات الرياضية، وهذه هي قوة منظومة المنطق الأرسطي التي جعلته لبنة أساسية في علم المنطق للآلاف السنين. على اى حال ان كنت باحث أو دارس لعلم المنطق من المهم ان تكون على دراية بتلك القوانين وقواعد الاستدلال في المنطق الكلاسيكي، لكن بالنسبة للهواة من الكافي ان تدرك ان هناك صور منطقية رياضية للاستدلال على القضايا الحملية بناء على قضايا حملية أخرى، تشكل منظومة قواعد المنطق الكلاسيكي الأرسطي. إذن التعارض أحد صور الاستدلال الصحيح لقضايا الكلية الموجبة ك-م، وهي أيضا صورة صحيحة من الاستدلال المباشر لو طبقناها على قضايا الجزئية السالبة O ج-س . بالرغم من أن القضية الناتجة سيكون تركيبها اللغوى غريب إلا أنها صحيحة منطقيا. مثلا “بعض الطلبة ليسوا مثاليين” .. قضية التعارض المكافئة هي “بعض الغير-مثاليين ليسوا من غير-الطلبة” .. القضية المكافئة للقضية الأولى. لكن التعارض استدلال غير صحيح في حالة الجزئية الموجبة I ج-م .. مثلا “بعض المواطنين هم من غير-السياسيين” .. لو حاولنا الاستدلال على التعارض ستكون الصورة “بعض السياسيين ليسوا من غير-المواطنين” .. ونفس الاستدلال لا يمكن تطبيقة على قضايا الكلية السالبة E ك-س. إذن الصور الاربعة التى يمكن أن يكون عليها الاستدلال بالتعارض Contraposition ..
(1) قضايا الكلية الموجبة A ك-م “كل س هو ص” .. تعارضها ..”كل غير-ص هو غير-س” ..
(2) قضايا الكلية السالبة E ك-س ” لا يوجد س هو ص” الاستدلال بالتعارض غير صحيح
(3) قضايا الجزئية الموجبة I ج-م “بعض س هو ص” .. الاستدلال بالتعارض غير صحيح
(4) وأخيرا قضايا الجزئية السالبة ج-س”بعض س ليس ص” .. الاستدلال بالتعارض هو “بعض غير-ص هو غير-س”. (أنظر الشكل المرافق).
لو تأملت مخططات فين الناتجة ستجد أن قضايا الكلية الموجبة A ك-م متطابقة مع تعارضها ، وقضايا الجزئية السالبة O ج-س أيضا متطابقة مع تعارضها. إذن تعارض الكلية الموجبة والجزئية السالبة لهم نفس قيم الحقيقة اى لهم نفس المعنى، اى متطابقين منطقيا! .. على العكس من قضايا الكلية السالبة E ك-س .. والجزئية الموجبة I ج-م، مخططات فين لقضايا التعارض الناتجة لهم غير مشابهة للمخطط الأصلي، اذن قيمة الحقيقة لتعارض تلك القضايا غير محددة منطقيا، اى لا يمكن الاستدلال على قيمة حقيقية الجملة المتعارضة بمعرفة قيمة الحقيقة للجملة الاصلية. تأمل المثال التالي “(1) لا توجد كلاب هي قطط” (2) اذن، لا توجد غير-قطط هي غير-كلاب” .. المقدمة حقيقة حيث لا توجد كلاب في نفس الوقت قطط. النتيجة لا يمكن التأكد من صحتها منطقيا بمعرفة حقيقة المقدمة لأن المقدمة قضية كلية سالبة E ك-س والنتيجة هي تعارض تلك الجملة التى لا يمكن الاستدلال علي حقيقتها بمعرفة حقيقة المقدمة .. وبالتالي لابد وان نحلل قضية النتيجة بشكل مستقل .. كائن غير-قطة قد يكون الحمار مثلا و كائن غير-كلب قد يكون الحمار أيضا .. إذن لو استبدلنا الفئتين بالحمار .. تصبح جملة النتيجة لا يوجد حمار هو حمار” .. الجملة الغير صحيحة بالقطع “لا يوجد س هو س” .. جملة تخل بأحد قوانين المنطق الثلاثة .. اذن تصبح الحجة ككل غير صالحة.
عادة عند محاولة الاجابة على اسئلة حول العلاقات بين القضايا نلجأ الى الاستدلالات المباشرة التي يمكن أن نطبقها على تلك القضايا كي نحصل على صورة صحيحة أخرى لها تساعدنا على الوصول الى الاجابة. مثلا تأمل تلك القضية “كل الجراحين أطباء” هذة القضية حقيقية. كيف من الممكن أن تساعدنا هذه القضية في التأكد من حقيقة قضية أخرى مثلا “لايوجد غير-جراحين ليسوا غير-أطباء” … بالرغم من غرابة الجملة لغويا إلا أنها قضية من الممكن أن تطرح منطقيا .. الصيغة اللغوية الاسهل لها قد تكون “لايوجد من هم ليسوا جراحين ليسوا من غير الاطباء” … من الممكن ان نستخدم صور الاستدلال المباشر السابقة للتأكد من حقيقة تلك القضية. أولا من الممكن ان نصل الى القضية المعارضة المقابلة “كل غير-الأطباء هم غير-جراحي” .. ثانيا باستخدام التغيير من الممكن أن نشتق “بعض الغير-جراحين هم غير-أطباء” .. لكن هذة القضية مناقضة للقضية محل السؤال وهي “لا يوجد غير-جراحين ليسوا غير-أطباء” .. وبالتالي تصبح الجملة غير صحيحة لأننا اشتقنا قضية صحيحة من القضية الاصلية الصحيحة مناقضة للقضية محل السؤال، إذن تصبح القضية محل السؤال غير صحيحة.
المضمون الوجودي Existential Import
الهدف الأساسي من رحلة بحثنا في القضايا الحملية هو الوصول إلى الدور الذي تلعبة الفرضيات داخل الحجج. قضايا الكلية الموجبة A ك-م وفرضيات الكلية السالبة E ك-س من الممكن تفسيرها بطريقتين مختلفتين. وطبقا لأحد هذين التفسيرين الحجة صالحة وسليمة Valid لكن طبقا للتفسير الآخر الحجة قد تكون خاطئة. لذلك قبل تقييم الحجج لابد وأن نناقش التفسيرين الممكنين للفرضيات الحملية الكلية universal propositions. في بحثنا سنركز على مفهوم المضمون الوجودي existential import. تأمل المثالين الآتيين “كل أفلام أحمد زكي ناجحة” .. “جميع التنانين كائنات مجنحة تبخ النيران” .. في اي محادثة عادية بين فردين حول الفرضية الأولى، يمكن أن نستنتج أن الممثل أحمد زكي له أفلام. أي أن الجملة لها مضمون وجودي، اى انها تدل أو تفترض ضمنيا وجود شئ ما أو كائنات ما. لكن على الجانب الآخر، الفرضية الثانية قد تكون صحيحة أي أن كل التنانين مجنحة وتبخ النيران، حسب تعريف كائن التنين الأسطوري. لكنه في نهاية الأمر كائن أسطوري، اى ان ليس له وجود في الواقع. وبالتالي يظهر تساؤل مهم، هل يجب تفسير الفرضيات الحملية الكلية على انها تضع فرضيات حول كائنات لها وجود فعلا في الواقع؟ أم أن نطاق تفسيرها يجب أن يمتد لأوسع من هذا أي أن لا يجب أن يكون لها مدلول بالضرورة في عالم الواقع؟ .. في الواقع للتعامل مع هذا التساؤل المنطقيين اتخذوا اتجاهين مختلفين. الأب الروحي للمنطق الكلاسيكي أرسطو Aristotle أعتقد وادعي ان الفرضيات الكلية حول الكائنات والأشياء لابد وان يكون لها مضمون وجودي .. اى انها لابد وان تدل على أشياء أو كائنات لها وجود فعلا في الواقع. مثلا “كل أشجار الصنوبر من القيقب” .. هذة الفرضية تضمن وجود كائن أشجار الصنوبر، لكن “جميع الأشباح كائنات خفية” لا تضمن وجود الاشباح. لان في أفضل صور معرفتنا الموضوعية عن العالم والواقع لا توجد كائنات يطلق عليها الاشباح، على الاقل لا يمكن إثبات هذا من خلال أدلة موضوعية. الرؤية الثانية طورها عالم المنطق الإنجليزي جورج بولي George Boole في القرن التاسع عشر وأكملها من بعده عالم المنطق والرياضيات الإنجليزي جون فين John Venn ومضمونها ببساطة كما توقعت، هو أن لا توجد فرضيات كلية ذات مضمون وجودي. هذه الجمل، الادعاءات، أو الفرضيات لا تدل او تدعي اى شئ عن وجود الاشياء أو الكائنات التي تتحدث عنها. مثلا “كل شاحنات النقل من السيارات” .. لا تدل على وجود شاحنات نقل .. أو “كل المذئوبين وحش دموية” .. أيضا لا تدل على وجود كائنات مذئوبة. إذن من الممكن أن نلخص الرؤية الارسطوطالية في أنها رؤية مفتوحة على الوجود، عندما تتحدث الفرضيات عن أشياء تلك الفرضيات تحمل مضمون وجودي لهذه الأشياء في حالة وجود تلك الأشياء فعلا في الواقع. أي أن الوجود يعد شئ يستدل عليه من خلال الفرضية. على الجانب الآخر الرؤية البولينية Boolean رؤية مغلقة للوجود. اي انها لا تستنتج أو تدل فعلا على وجود الأشياء من الفرضيات الكلية حتى و ان كان هناك وجود فعلا لتلك الأشياء. على النقيض عندما لا توجد الأشياء او الكائنات فعلا في الواقع، لا الرؤية الارسطوطالية ولا الرؤية البولينية تعترف بوجود الكائنات في الواقع، وإلا تصبح الفرضيات غير منطقية، وفي تلك الحالة الرؤية الارسطوطالية تندمج أو تتفق مع الرؤية البولينية!.. الرؤية الارسطوطالية تختلف مع الرؤية البولينية فقط في الفرضيات الكلية الموجبة والسالبة، لكنها تتفق مع الرؤية البولينية في الفرضيات الجزئية الموجبة والسالبة I, O .. كليهما يؤكد أن الفرضيات تقدم دليل او تأكيد على وجود ما. مثلا “بعض القطط من الحيوانات” تؤكد على وجود على الأقل قطة واحدة من الحيوانات، وهذا التفسير مقبول تحت كلا من الرؤية الارسطوطالية والبولينية. وايضا في مثال “بعض الأسماك ليست من الثدييات” .. تؤكد على أن هناك على الأقل سمكة واحدة موجودة ليست من الثدييات. اى ان تحت كلا من التفسير الارسطوطالي والبوليني كلمة “بعض” تتضمن مفهوم وجودي! .. هذا الفرق يؤدى الى فهم الحقيقة المثبتة من خلال الفرضية بصورة مختلفه. اى انك لو اعتنقت الرؤية الارسطوطالية لتفسير الفرضيات التصنيفية العامة، لابد وأن تقبل حقيقة تلك الجمل بمضمونها الوجودي كجزء من دليل الحجة. على العكس لو اعتنقت الرؤية البولينية ستقبل حقيقة الفرضية وتتجاهل المضمون الوجودي لها، اى أنك غير ملزم بالاعتقاد في وجود كائن التنين في الواقع بالرغم من قبول فرضية أن كل التنانين كائنات مجنحة! … ولأن الرؤية البولينية مغلقة تجاه الواقع فهي أبسط من الارسطوطالية التى تفترض تبعات وجودية للكائنات المدعاة في الفرضيات!
مربع التقابل الحديث Modern Square of Opposition
العلاقة بين أزواج القضايا المتقابلة بشكل تبادلي التى ناقشناها منذ قليل، ومثلناها في المخطط المهم جدا في المنطق الكلاسيكي المعروف بمربع التقابل الحديث modern square of opposition (أنظر الشكل المرافق) .. هذا المخطط قائم على الصورة الكلاسيكية منة المعروفة بمربع أرسطو، لكنه يعتنق المنطق البوليني وتفسيره للقضايا الحملية من حيث المفهوم الوجودي. أهمية هذا المخطط انه يساعدنا على الاستدلال على حقيقة قضية حملية من خلال قضية أخرى. لو القضيتين بينهما علاقة تناقض contradictory relation كما في حالة قضايا الكلية الموجبة ك-م A وقضايا الجزئية السالبة ج-س O أو في حالة قضايا الكلية السالبة ك-س E وقضايا الجزئية الموجبة ج-م I. إذن لو هناك قضية كلية عامة صحيحة لابد وأن قضية الجزئية السالبة المقابلة لها لابد وأن تكون خاطئة! وبنفس الصورة قضية كلية سالبة صحيحة لابد وأن قضية الجزئية الموجبة المقابلة لها تكون خاطئة. لكننا لانستطيع ان نستدل على حقيقة قضية الكلية السالبة المقابلة لقضية الكلية الموجبة مثلا لان قيمة الحقيقة غير محددة منطقيا من خلال العلاقات بين تلك القضايا في مربع التقابل logically undetermined truth value اى ببساطة هذين القضيتين غير متقابلتين. إذن لا يمكن الاستدلال على حقيقة واحدة منهم بمعرفة حقيقة الاخرى. ونفس الفكرة يمكن تطبيقها على العلاقة بين قضايا الكلية السالبة ك-س E وقضايا الجزئية السالبة ج-س O، وهكذا انظر مخطط مربع التقابل للتعرف على باقي العلاقات الغير محددة منطقيا. والآن سأطرح عليك فكرة غالبا ستكون واحدة من أغرب الأفكار التى سمعتها من قبل، تخيل أن أمامنا أربع قضايا حملية حول كائن ليس له وجود في الواقع مثلا كائن الحصان المجنح. في حالة قضية كلية موجبة A ك-م تحاول إثبات أن كل الاحصنة المجنحة تنتمي لفئة أسناد اخرى، ستكون قضية صحيحة لان لا يوجد اى احصنة مجنحة في الواقع وبالتالي فعلا كل الاحصنة المجنحة (التي هي صفر في تلك الحالة) تنتمي لفئة الاسناد! … الأمر الصحيح لأن صفر ينتمي لكل الفئات. ونفس الفكرة تنطبق على قضية الكلية السالبة ك-س E أيضا ستكون صحيحة لان لا يوجد اى احصنة مجنحة وبالتالي من الصحيح الادعاء ان لايوجد اى احصنة مجنحة جزء من فئة الاسناد. هذة القضايا يطلق عليها في المنطق الكلاسيكي “صحيحة بشكل خاطئ vacuously true ” .. نعم صحيحة بشكل خاطئ .. مصطلح غريب لو بتسمعة للمرة الأولى، هذا لأن قيمة الحقيقة للقضايا نتجت فقط بسبب أن فئة الموضوع (الاحصنة المجنحة) ليس لها وجود اى انها فئة فارغة لا يوجد بها عناصر. ده بالاضافة لان قيمة الحقيقة لتلك القضايا لا تتعارض مع العلاقات الغير محددة منطقية في مربع التقابل بين القضية A و E .. ليس بسبب العلاقة بينهم لكن ببساطة لأن فئة الموضوع فارغة. وبنفس الفكرة، خطأ حقيقة القضايا الجزئية في حالة الإيجاب I والسلب O يقال انها خاطئة بشكل باطل vacuously false. إذن أهمية مخطط مربع التقابل أنه يقدم نتائج ضرورية منطقيا، اى ان لايوجد مفر من صحتها. وبالتالي من الممكن أن نستخدمها للتأكد من صلاحية الحجج. نبدأ بافتراض أن مقدمة الحجة حقيقية، ونضع قيمة حقيقة المقدمة داخل مخطط التعارض باستخدام المخطط نستدل على قيمة الحقيقة لباقي الفرضيات المقابلة، ومن خلال تلك الحقائق نستنتج قيمة الحقيقة لنتيجة الحجة لو ظهر أن نتيجة الحجة حقيقية إذن الحجة صالحة وسليمة. مثلا “بعض الجواسيس غير محترفين في القتل .. لذا من الخطأ أن كل الجواسيس محترفين في القتل” .. حجة من هذا النوع يطلق عليها حجة استدلال مباشر immediate inferences لان بها مقدمة واحدة فقط، بدلا من الانتقال من مقدمة أولى الى مقدمة وسيطة ثم الى النتيجة، نستدل مباشرة على حقيقة النتيجة من المقدمة. كي نختبر صلاحية تلك الحجة، سنبدأ بافتراض أن المقدمة حقيقية، المقدمة هي قضية جزئية سالبة ج-س O ، ثم نضع قيمة الحقيقة لها في مربع التقابل ، ومنه نستدل على قيمة الحقيقة للقضية التصنيفية المقابلة في تلك الحالة هي قضية الكلية الموجبة ك-م A، المقابلة لها من خلال علاقة التناقض، قضية الكلية الموجبة لابد وأن تكون خاطئة في حالة صحة الجزئية السالبة. نتيجة الحجة تقر بأن من الخطأ أن كل الجواسيس محترفين في القتل، اى أنها تقر بأن التأكيد الكلي خاطئ. إذن النتيجة صحيحة، وبالتالي الحجة صالحة Valid. الحجج الصالحة من وجهة النظر البولينية يقال إنها غير مشروطة الصلاحية unconditionally valid لأنها صالحة سواء كانت المصطلحات المستخدمة فيها تشير الى كائنات لها وجود في الواقع أم لا. مثال آخر … ” من الخطأ أن كل الحيوانات كلاب، اذن، لايوجد حيوانات من الكلاب” … سنبدأ بـ افتراض ان المقدمة حقيقية، بما ان المقدمة تدعي ان قضية كلية موجبة ك-م A خاطئة لأنها تقر بأن من الخطأ ان كل الحيوانات كلاب، سنضع في مربع التقابل خطأ في مكان قضية ك-م A .. ثم نحاول الاستدلال على قيمة قضية الكلية السالبة ك-س E، لانها هي القضية التصنيفية في النتيجة “لا يوجد حيوانات من الكلاب” .. لكن لو تأملت المخطط لا توجد علاقة تربط الكلية الموجبة، و الكلية السالبة، إذن قيمة الحقيقة للكلية السلبية ك-س E غير محددة. إذن قيمة الحقيقة لنتيجة الحجة غير محددة وبالتالي تصبح الحجة غير صالحة Invalid. مثال آخر “كل التليفونات الذكية أجهزة لاسلكية .. لذا، بعض التليفونات الذكية، أجهزة لاسلكية” … من الممكن أن تستدل على صلاحية تلك الحجة باستخدام مخططات فين، المقدمة ستكون على صورة دائرتين متقاطعتين فيها المنطقة اليسرى من دائرة التليفونات الذكية مخططة اى انها فارغة، اى لايوجد اى اى تليفونات ذكية ليست لاسلكية، ومخطط النتيجة، سيكون على صورة دائرتين متقاطعتين، والمنطقة اليمنى من دائرة التليفونات الذكية (منطقة التقاطع) بها علامة X .. أى أن هناك على الأقل عنصر واحد في تلك المنطقة، أي أن بعض التليفونات الذكية لاسلكية (أنظر الشكل المرافق) ، هذين المخططين على النقيض من بعضهما البعض، اى لايمكن أن يكونا صحيحين في نفس الوقت، إذن الاستدلال من المقدمة على النتيجة غير صحيح، أى أن الحجة غير صالحة، ويمكنك أيضا التأكد من صحة هذه النتيجة باستخدام مخطط ساحة التعارض. الحجج من هذا النوع يقال انها ارتكبت المغالطة الوجودية existential fallacy.
المغالطة الوجودية Existential Fallacy
المغالطة الوجودية تحدث عندما تكون الحجة خاطئة لان المقدمة تفتقد للمضمون الوجودي existential import الحجج من هذا النوع عادة ما تكون مقدمتها قضايا كلية ونتائجها قضايا جزئية، المغالطة تحدث لاننا نحاول ان نستدل على نتيجة ذات مضمون وجودي أي لها تبعات وجودية فيما يوجد في الواقع من مقدمة تفتقد لهذا المضمون. في الحقيقة التعرف على المغالطات الوجودية سهل جدا لو أستخدمت مخططات فين، لو ظهر في المخطط جزء من الدائرة مظلل في المقدمة لكن الجزء المعاكس لة من نفس الدائرة بة علامة X في مخطط النتيجة، إذن الحجة ارتكبت المغالطة الوجودية، هذة مثلا بعض الصور التى من الممكن أن تحدث بها المغالطة “كل س هو ص .. إذن، بعض س هو ص” ، “من الخطأ أن بعض س هو ص .. إذن من الخطأ ان لا يوجد س هو ص” … “لايوجد س هو ص .. إذن، من الخطأ أن كل س هو ص” .. “من الخطأ أن بعض س هو ص … إذن، بعض س هو ص” ..الخ. لو لاحظت في كل تلك الامثلة، الحجة تنتقل من قضية كلية لا تحتوى على مضمون وجودي اى لاتثبت اى شئ عن حقيقة وجود الكائنات في الواقع (طبقا للتفسير البوليني) إلى قضية جزئية في النتيجة لها مضمون وجودي (اى تثبت وجود الكائن في الواقع طبقا للتفسير البوليني) .. لكن من المهم أن تلاحظ ان ليست كل حجة تحتوى على قضية كلية وقضية جزئية ترتكب المغالطة الوجودية .. مثلا “كل س هو ص .. إذن بعض س ليس ص” .. هذة الحجة غير صالحة لأن النتيجة تناقض المقدمة، لكنها لم ترتكب المغالطة الوجودية، اذن كي نعرف إن كانت الحجة ارتكبت المغالطة لابد من التأكد أن سبب عدم صلاحية الحجة نشأ عن فقدان المضمون الوجودي في المقدمة والاستدلال عليه في النتيجة، الأمر الذي يمكن التعرف عليه بسهولة من خلال مخططات فين.
جوهر منطق أرسطو Aristotle Logic Foundation
جوهر المنطق الكلاسيكي أو منطق أرسطو هو أنواع القضايا الأربعة التى بنى عليها أرسطو منظومته المنطقية، القضايا الكلية الموجبة ك-م A، القضايا الكلية السالبة ك-س E، القضايا الجزئية الموجبة ج-م I، القضايا الجزئية السالبة ج-س O. هذة القضايا الاربعة هى التى بنى عليها كل القواعد المنطقية التى تعرضنا لها منذ قليل. لو لاحظت في تلك القضايا معامل الكيف والكم دائما نفس النوع لفئة الموضوع. لكن الجمل والقضايا قد تحتوى على مزيج من المعاملات المختلفة لكن أرسطو تجنبها عند بنائه منظومته المنطقية عند قصد. مثلا جملة على صيغة “كل النقاد أثنوا على بعض أفلام أحمد زكى” أو جملة “بعض النقاد أثنوا على كل أفلام أحمد زكي” .. جمل امتزج فيها صورتي معامل الكم، الكلي والجزئي. وهناك صور أكثر تعقيدا خصوصا ان أمتزج فيها صورتي معامل الكيف أيضا الإيجاب والسلب. تأمل هذه القضايا “لم يستمتع كل النقاد بكل أفلام أحمد زكي” .. أو “بعض النقاد لم يستمتعوا بكل أفلام أحمد زكي” .. أو “بعض النقاد لم يستمتعوا ببعض أفلام أحمد زكي” .. واخيرا “كل النقاد لم يستمتعوا بكل أفلام أحمد زكي” .. بتوزيع معامل الكم والكيف على فئة الموضوع وفئة المحمول نحصل على صور جديدة من القضايا الحملية، بعضها أكثر تعقيدا من الاخر، وبعضها يأكد نفس الفكرة لكن بصورة مختلفة. سنة 1846 الفيلسوف والمنطقي الاسكتلندي وليام هاميلتون من ادنبره Sir William Hamilton of Edinburgh في مقال بعنوان “تحليل جديد للشكل المنطقي New Analytic of Logical Form” طرح ثمان صور للقضايا الحملية. هذه الصور كالآتي
(1) كل س هو كل ص
(2) كل س هو بعض ص
(3) بعض س هو كل ص
(4) بعض س هو بعض ص
(5) أي س هو ليس اي من ص
(6)أي س ليس بعض ص
(7) بعض س ليس أي من ص
(8) بعض س هو ليس أيا من ص.
بالرغم ان للوهلة الأولى هذة المنظومة تبدو أكثر اكتمالا من منظومة أرسطو لأنها تغطي عدد اكبر من القضايا الحملية وتستخدم توزيعات أكثر لكلا من معامل الكم والكيف. الا ان هناك العديد من المشاكل المتعلقة بمنظومة هاميلتون المنطقية. وهذة الورقة البحثية قادت إلى الخلاف الشهير بينه وبين الرياضي الإنجليزي أغسطس دي مورجان Augustus De Morgan . أحد نقاط هذا الخلاف كان حول تعريف هاميلتون لمصطلح “بعض”. الذي رأى ان بعض تعني فقط بعض وليس واحد علي الاقل كما أعتقد أرسطو. لكن هل “بعض” يعني “بعض على الاكثر” أم “بعض على الاقل”، أم “البعض وليس البقية”؟ … دي مورجان أصر على ان تعريف هاميلتون ل “بعض” ملتبس وغامض. وجادل في كتابه “عن القياس On the Syllogism” كالاتي “هنا بعض .. كمية غامضة تمامًا في اتجاه واحد: إنها ليست لا شيء ؛ و لا واحد على الأقل ؛ أو أكثر ؛ أو الكل. بعض ، في الاستخدام اليومي ، غالبًا ما تعني كلا من ليس لا شيء وأيضا ليس كل شيء ؛ لكن في المنطق، تعني فقط ليس لا شيء؟” .. الفيلسوف والمنطقي الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس Charles Sanders Peirce أتفق مع دي مورجان وجادل في أن “بعض” يجب أن تعني “أكثر من لاشئ”. وفي الحقيقة محاولة هاميلتون لتطوير المنطق الارسطي لم يحالفها الحظ، وفشلت تماما. تفاصيل منظومة هاميلتون المنطقية والخلاف الذي دار حولها تبقي قصة قاصرة على المتخصصين والباحثين لكن أهميتها تكمن في سر قوة منظومة منطق أرسطو الكلاسيكية، وهو البساطة، التى مكنتها تقريبا ان تبقى دون أى تعديلات جوهرية لأكثر من الفين عام. فقط باستخدام أربع أنواع من القضايا أرسطو بنى منظومة كاملة للحجج المنطقية من الممكن أن نعتمد عليها كي نصل الى حقيقة الحجة. والتي أصبحت تعرف فيما بعد بمنطق القياس syllogisms الذي دائما ما يقود الى نتيجة سليمة لكن ايضا يستخدم لكشف الحجج الغير صالحة.
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP61/EP61_2020_08_28.mp3
ودلوقتي .. تأمل الصور الاربعة لقضايا المنطق الكلاسيكي .. ما هو يا ترى سر قوة وبقاء المنظومة لآلاف السنين؟ … هل هي البساطة ؟ .. أم الاتساق؟ … وإن كانت الحجة سليمة هل يعني هذا أن لها مضمون وجودي؟ .. وإن لم يكن للحجج مضمون وجودي، ما هي طبيعة الحقيقة الناتجة عن الحجة؟ … فكر تاني
في الحلقة الجاية .. سنعود في الزمن لأكثر من ألفين عام، كي نكمل رحلة بحثنا في أعماق المنطق الكلاسيكي .. عن أشكال القياس القياسية … طبيعة الحجج القياسية … قواعد القياس … والاستدلال التراكمي .. هنتفلسف المرة الجاية.
من دلوقتي للحلقة الجاية .. عيش الحياة بفلسفة!
الحلقة بدون خلفية موسيقية
زود معلوماتك:
القضايا الحملية Categorical Propositions
https://bit.ly/2ELO7fL
المنطق الأرسطي Aristotelian Logic
https://stanford.io/2QR6TVa
أرسطو Aristotle
https://bit.ly/38fhgdv
الاورغانون Organon
https://bit.ly/2RRVoi1
مخططات فيين Venn diagrams
https://bit.ly/3bnskGN
جورج بولي George Boole
https://bit.ly/3gOvWms
مربع ارسطو The Traditional Square of Opposition
https://stanford.io/3lF93p4
العكس المستوى Conversion
https://bit.ly/3lLFd2f
الاستدلال بنقض المحمول (التغيير) Obversion
https://bit.ly/3jFdvCv
الاستدلال بالتعارض Contraposition
https://bit.ly/3jFdwX
المضمون الوجودي Existential Import
https://bit.ly/3jGWAP
المغالطة الوجودية Existential Fallacy
https://bit.ly/2ERWdmM
وليام هاميلتون من ادنبره Sir William Hamilton of Edinburgh
https://bit.ly/2YZBEM
أغسطس دي مورجان Augustus De Morgan
https://bit.ly/352i31x
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
myuu – Fernweh
https://bit.ly/2Gu03D
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
myuu – Look Out
http://bit.ly/2RPxxQ5
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Bittersweet
http://bit.ly/36EM1GL
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
تخيل أنك المحقق صادق، كبير المحققين في قضية قتل وقعت الأسبوع الماضي، تم العثور على جثة خيرية مقتولة في شارع جاني، والشاهدة آمال في مكان قريب من الحادث، اعترفت انها رأت محمود يطلق النار على خيرية. مساعديك في القضية المحققين عادل و أمينة .. تبدأ التحقيقات في غرفة التحقيقات ضيقة واضائتها خافتة . صادق – “أهلا عادل، و أمينة. شكرا لحضوركم اليوم، اتمنى ان تحرز بعض التقدم في تلك القضية بربط خيوط القضية معا.” عادل – “عزيزي صادق الكل يعلم ان القاتل هو محمود، لماذا لا نقبض علية في الحال ونبدأ في استجوابه للحصول على الاعتراف” .. صادق – “تمهل يا عادل، لدي معلومات من الممكن أن تغير رأيك. المجنى عليها خيرية كانت تعمل مع مافيا المخدرات” … عاجلته أمينة “كلام غير معقول، لقد تم القبض على خيرية من عدة سنوات بسبب تلك العلاقات المدعاة عن علاقتها بمافيا المخدرات ولن يستطع احد اثبات اى شئ” … نهض صادق وهو يشعل لفافة تبغ وتأملهم ثم قال “بغض النظر عن ما حدث منذ سنوات، نحن الان نعرف ان خيرية كانت احد اهم اعضاء تشكيل المخدرات العصابي” … رد عادل “هذا مستحيل، لقد حققت مع الطبيب الشرعي الذى قام بتحليل جثتها، واخبرني انها كانت على وشك الافلاس، ولم تملك حتى ايجار سكنها” .. صادق “على اى حال لقد أثبتنا أن خيرية، كانت تبيع المخدرات للشاهدة آمال وقوع الجريمة” .. عادل – “في الغالب القاتل محمود كان يريد قتل آمينة، صادق ارجوك دعنا نقبض عليه في الحل ونضع آمال تحت الحراسة” .. ضحكت أمينة “تفتكر المافيا ستتركنا نكشف الحقيقة ونغلق القضية بتلك السهولة؟! في الغالب أعينهم في كل مكان و ينتظروننا في منازلنا الآن” .. صادق – “أعتقد أننا نقترب من المتهم، لكن ليس بعد، وصل الى علمي ايضا ان محمود وآمال كانوا على علاقة وانفصلا من اسبوع فقط” .. عادل “اه، اراهنك ان محمود قتل خيرية كي يحمي آمال” .. أمينة – “عادل، لو لم يكن والد آمال معرفة قديمة لك لكانت وجهة نظرك اختلفت الآن، خصوصا ان علمت ان محمود كان مسافر الى دبي في تلك الليلة” … عادل – ” أمينة، لا تصدقي كل ما يقولة محمود. لاتجعلي طيبتك مشاعرك الرقيقة كامرأة تقف حائل أمام رؤيتك للحقيقة” .. انفعلت أمينة “ماذا تقصد؟ أنا لا أقبل هذة الاهانة . اسحبها من فضلك” .. تدخل صادق سريعا ” توقفا! من فضلكم راجعا ملفات القضية ودعنا نجتمع غدا للمناقشة مرة أخرى”. في صباح اليوم التالي صادق “آمال اقسمت في التحقيقات أنها رأت محمود يطلق النار على خيرية. لكن كما علمنا بالأمس آمال كانت تشترى المخدرات من خيرية في نفس وقت وقوع الجريمة وان امال كانت على علاقة بمحمود، هذين السببين كافيين للشك في شهادتها” .. عادل – ” لكننا وضعناها على اختبار كشف الكذب، وظهر صدقها” .. أمينة – “هذا الاختبار خاطئ بكل تأكيد. دى مدمنة ونحن نعلم أن كل المدمنين كاذبين” ..قاطعها صادق – “اسمعوني. هل تعتقدا أن آمال هي التي قتلت خيرية؟” .. عادل بسرعة ” مستحيل، آمال ليست شخص عنيف” .. آمينة “نعم ياصادق، انا متأكدة ان آمال هى القاتلة، لو فكرت قليلا امامنا متهمين محمود وآمال، محمود كان في دبي، إذن لابد انها آمال” .. صادق ” لكن ماذا عن السيد حلمي والد أمينة. من الجائز أيضا أن يكون القاتل” .. عادل – “لماذا تتهم السيد حلمي الآن، تعلم انه صديق قديم” .. صادق – “أمس حدث أمر غريب، توقف السيد حلمي بقسم الشرطة وطلب رؤيتي لأمر غير مهم في مكتبي، وبعد رحيلة، أصاب جهاز الكمبيوتر في مكتبي عطب، وهذا أمر لم يحدث من قبل”! .. عادل -“صادق باتهامك لحلمي تقول انه غبي، لا يمكن لأي مجرم حويط أن يرتكب جريمة كتلك وهو يعلم أن صديقة يعمل محقق في نفس المنطقة” .. أمينة – “طبعا، دى أفضل طريقة لارتكاب الجريمة، تظهرة انه برئ وليس لديه ما يخفيه”! .. صادق – “دعونا ننهي تلك الجلسة، ونلتقي غدا بعد استجواب السيد حلمي” .. في اليوم التالي، صادق – ” هل علمت بالأحداث المؤسفة، في طريقي أمس لاستجواب السيد حلمي وجدته مقتولا في شقتة، يبدو وانه انتحر” .. عادل – ” المسكين حلمي، لابد وأن الأمر كان مدبرا” .. صادق – ” كانت هناك ورقة بجوار جثته، كتب عليها قواعد المافيا” .. عادل -“لم يكن انتحارا إذن، المافيا قتلته” .. أمينة – “ليس ضروريا، من الممكن أن نفسر الورقة على أن حلمي قتل نفسه وكتب تلك الملحوظة كي يفسر قتله كان عضوا في المافيا وقتل نفس لتجنب القبض علية”. . عادل – ” أمينة هذا أمر غير معقول، حلمي عاش ومات فقيرا، كيف يمكن أن يكون عضوا في مافيا المخدرات” .. صادق – ” توقفا، لقد قبضنا على آمال تهرب من موقع الجريمة، واعترفت أنها قتلت كل من خيرية وابوها. قتلت خيرية من أجل المخدرات، وقتلت ابوها كي تمنعة من أن يسلمها للشرطة. واعترفت ان السنوات التى قضتها مع محمود جعلتها مجرمة” .. عادل -“إذن، كنت على حق منذ البداية عندما قلت ان محمود هو الجاني، هو الذي صنع منها مجرمة وحرضها على قتلهم” .. قهقهت أمينة – “ّذن أنا أيضا كنت على صواب”. نهض صادق وهو يقول ” أشكركم، لقد عثرنا على القتلة، محمود وآمال وسيتم تقديمهم للمحاكمة” .. غادروا الغرفة وعلى وجههم علامة رضا بعد النجاح في حل لغز جريمة أخرى.
محاور
مغالطات الافتراض، مغالطة تجاهل المؤهلات، مغالطة المصادرة على المطلوب، السؤال المركب، المأزق المفتعل، الأدلة المكبوتة، مغالطات الغموض، الإشتراك اللفظي، التشابه ، النبر، مغالطة التكوين، مغالطة التقسيم، أصطياد المغالطات
مغالطات الافتراض Fallacies of Presumption
بعض الاخطاء في عملية التفكير اليومية راجعة الى افتراضات غير مبررة في الطريقة أو الصيغة التي وضعت بها الحجة. هذه الافتراضات قد تكون عن قصد أو نتيجة سهو. في كلا الحالتين النتيجة هى ان هناك اعتقاد بحقيقة ما غير مثبتة او مدعومة، عند وجود تلك الافتراضات داخل الحجة تتحول الحجة إلى مغالطة افتراض. هذة الفئة من المغالطات المنطقية لا تحدث كما في مغالطات الارتباط والحث الضعيف بسبب عدم وجود اتصال او ضعف الارتباط بين المقدمات و نتيجة الحجة، أو لان المقدمات لا تقدم دعم كافي للنتيجة. لكن تقع لأن مقدمات الحجة تفترض النتيجة مسبقا قبل ان تأكدها. فئة مغالطات الافتراض تحتوى على مغالطة المصادرة على المطلوب begging the question فيها تفترض المقدمات أنها تدعم النتيجة في حين أن في الحقيقة لا المقدمات لاتقدم هذا الدعم، مغالطة السؤال المركب complex question تفترض أن سؤال مركب ومعقد من السهل الإجابة عليه بنعم أو لا او اجابة بسيطة بشكل عام في حين ان الاجابة اكثر تعقيدا في الواقع، مغالطة المأزق المفتعل False dilemma تصيغ الجدلية على صورة إما س أو ص وتقديمها على انها كل الحلول المتاحة، في حين ان في الواقع قائمة الحلول ليست ثنائية، ومغالطة قمع الادلة Suppression of evidence تفترض انه لاتوجد اى ادلة مهمة تم اهمالها من قبل المقدمات في حين أن في الحقيقة المقدمات تغافلت عن بعض الحقائق المهمة.
مغالطة تجاهل المؤهلات Ignoring qualifications; secundum quid
أحد أكثر صور مغالطات الافتراض شيوعا هى مغالطات تجاهل المؤهلات. في الحديث اليومي للبشر عادات ما تدوال عبارات صيغت حول عموم الأشياء، وقد يستند الناس عن إصدار أحكامهم الاخلاقية، السياسية، والاجتماعية بناء على تلك الافكار العامة. لكن المغالطة تقع أن انتقلت تلك الأفكار العامة بدون وجهة حق الى المحددات او المخصصات. أى أن التعميم لا ينطبق دائما على التعيين. لأسباب وجيهة تتعلق بالظروف الخاصة لتلك الحالة .. هذه الفكرة عادة ما يطلق عليها العرضية accidental .. حين نطبق أفكار و قواعد عامة على حالات فردية بدون مشروعية أي أن الحالة الفردية لا تنطبق عليها التعميمات في تلك الحالة نحن نرتكب مغالطة العرض المباشر Fallacy of Accident هذة الصورة من المغالطات في عمومها يطلق عليها تجاهل المؤهلات او المحددات التى تكون مشروعية الانتقال من صورة الى اخرى. اى ان الفكرة التى انتقلنا بها من العام الى المعين لم تكن مشروعة سواء عن قصد او عمد وفي تلك الحالة قمنا بتجاهل المؤهلات. على سبيل المثال “هناك قانون يضع حد أقصى لسرعة السيارات، سيارات الشرطة هي سيارات، اذن لا يسمح لسيارات الشرطة بتجاوز حدود السرعة” .. بكل تأكيد التعميم المطروح هنا لا يمكن نقلة الى حالة سيارات الشرطة او المطافي والاسعاف، لان في كل حالة من تلك الحالات هناك ظروف خاصة تبطل هذا التعميم، وبالتالي الخاصية تبطل في حالة التعيين. مثال آخر “الديموقراطية تمنح الجميع حق الانتخاب، إذن يجب السماح للأطفال،المجرمين، وأصحاب الأمراض العقلية بالانتخاب”. أو “الكذب كبرى الجرائم الاخلاقية، لاتكذب. إذن لو اضطررت لأعطاء عن معلومات سرية عن دولتك لا تكذب” .. في كل تلك الامثلة، من الممكن رؤية المغالطة بوضوح لان التعميم في كل حالة لا ينطبق على التعيين لانها حالات عرضية خاصة لها ظروفها وملابساتها. على الجانب الآخر تجاهل المؤهلات حين نقوم بتعميم أفكار من المعينات الى العوام ايضا احد صور مغالطات تجاهل المؤهلات وعادة ماتعرف بمغالطة التعميم الغير مسؤول Hasty Generalization (ارجع لحلقة المغالطات المنطقية 1) .. وفي بعض الاحيان قد يشير اليها البعض بمغالطة العرض المعكوس Fallacy of converse accident الذي يبدو واضحا من الاسم لأنها عكس صورة مغالطة العرضية. لكن الفكرة واحدة المجادل انتقل بصورة غير مشروعة من فكرة طبقت على نطاق إلى نطاق آخر. مثلا تأمل هذا التعميم الغير مسؤول “يتم السماح لمرضى القلب بتناول مخدر المورفين، إذن ينبغي السماح لكل البشر بتناول المورفين” … بكل تأكيد هذا التعميم غير مشروع لان المجادل تجاهل المؤهلات التي سمحت بتطبيق الخاصية في حالة التعيين “مرضى القلب” وافترض خاطئا ان التطبيق كافي لخلق مشروعية للتعميم على كل الحالات. الأمر الغير مبرر واحد صور مغالطة تجاهل المؤهلات.
مغالطة المصادرة على المطلوب Begging the Question (Petitio Principii)
المغالطة عادة ما يساء فهمها على نطاق واسع نتيجة اسمها المصادرة على المطلوب، المغالطة تفترض حقيقة النتيجة التى تحاول إثباتها قبل أن تقوم بإثباتها. المطلوب او السؤال في أسم المغالطة هو القضية محل الجدال او الاثبات اى نتيجة الحجة أو الجدلية. المصادرة على تلك النتيجة أو المطلوب هو افتراض انها حقيقية وليست محل شك او نزاع قبل ان تطرح الحجة! .. أسم الحجة اللاتيني يعني “طلب المصدر” .. في العادة هناك عدة طرق من الممكن أن ترتكب من خلالها المغالطة. (الأولى) وهى الطريقة الأكثر شهرة تحدث عندما يخلق المجادل وهم بأن المقدمات الغير كافية توفر دعم كافي لإثبات النتيجة من خلال استبعاد فرضية رئيسية مهتزة خاطئة وصنع وهم بان لايوجد اى شئ اخر مطلوب لدعم النتيجة. تأمل الامثلة التالية .. “القتل جريمة وخطأ أخلاقي، وبالتالي يتبع من هذا، أن الإجهاض خطأ أخلاقيا” .. أو ” من الواضح أن المرضى المصابين بأمراض عضال لديهم الحق في إنهاء حياتهم بمساعدة الطبيب، في نهاية الامر، كثير من هؤلاء البشر غير قادرين على الانتحار بأنفسهم” … او “نحن نعلم أن البشر يقصدون أكل الكثير من الفاكهة لأن الذراع البشرية مناسبة لقطف ثمار الفاكهة من على الاشجار”. في المثال الأول كيف نعلم ان الاجهاض احد صور القتل؟ .. الحجة تصادر على المطلوب وهو اثبات ان الاجهاض صورة من القتل بافتراض أنه كذلك مسبقا. في المثال الثاني هل تركيب ووظيفة ذراع الإنسان تخبرنا ماذا يجب أن نأكل؟ .. وأخيرا في المثال الثالث، ليس من الكافي ان اصحاب المرض العضال غير قادرين على إنهاء حياتهم لتبرير حقهم في مساعدة الأطباء على ذلك. في تلك الامثلة الاسئلة المطروحة تشير الا ان هناك شئ ما ترك أو استبعد من الحجة الاصلية، مثلا في المثال الأول، هناك مقدمة مفقودة وهي “الإجهاض هو أحد صور القتل” .. في المثال الثاني المقدمة المفقودة هي “تركيب ووظيفة ذراع الإنسان ترشدنا كيف يجب ان يأكل الانسان” .. وهكذا! .. تلك المقدمات جوهرية لإثبات صلاحية وصحة الحجج المطروحة. لو المُجادل غير قادر على إثبات حقيقة تلك الفرضيات، تصبح الحجج السابقة خاوية، لا تثبت حقيقة اى شئ. وفي الغالب عادة ما يكون هذا هو السبب وراء استبعاد تلك المقدمات في مغالطة المصادرة على المطلوب. المُجادل غير قادر على إثبات حقيقة تلك الأطروحات ويحاول استخدام عبارات وجمل خطابية مثل “بالطبع”، “بوضوح”، “ولهذا” ، “في نهاية الامر” .. الخ على أمل أن يخلق وهم ان المقدمات المطروحة ستوفر الدعم الكافي للنتيجة لكنها في الواقع لا تقوم بذلك. هذا النوع من الجدال او المنطق عادة ما يظهر في كثير من الحجج الدينية حول إثبات وجود الله، الروح، الخلود ، الخ. تأمل مثلا هذا المثال “أنظر حولك، الكون تظهر فية درجة مذهلة من النظام والدقة، بكل تأكيد هذا الكون من صنع اله مصمم عاقل وذكي!” .. هذه الصيغة من الجدال شائعة جدا عند الجدال حول إثبات وجود الله وداخل داعمى أطروحة التصميم الذكي Intelligent Design لكنها في الواقع ترتكب مغالطة المصادرة على المطلوب، لان “كيف نعلم أن مظاهر النظام والدقة في الكون من الممكن ان تأتى فقط من خلال مصمم عاقل ذكي؟!” .. ادعاء انها اتت من خالق مصمم عاقل وذكي قد يكون صحيح، لكن أثبات حقيقة هذا الادعاء يقع على عاتق طارح الحجة، بدون أدلة داعمة أو أسباب مقنعة للاعتقاد في حقيقة هذه الأطروحة، تصبح الحجة خاوية لا تثبت اى شئ. (الصورة الثانية) من مغالطة المصادرة على المطلوب قد تحدث عندما يتم إعادة صياغة فرضية خاطئة بطريقة مختلفة كنتيجة محتملة، في تلك المغالطة، المقدمات تدعم النتيجة، والنتيجة تؤكد المقدمة .. مثلا ” عقوبة الإعدام مبررة في حالة جرائم القتل، لأنه من الملائم والشرعي ان يقتل شخص ما لارتكابه مثل هذه الأفعال اللاإنسانية البغيضة” .. أو مثلا “كل من يبشر بالثورات ينادي الفوضي لسبب بسيط هو أنه إن لم يرد الفرد الفوضى لا يمكن أن يعظ بالثورة” .. في المثال الأول القول بأن الإعدام مبرر هو نفس الشيء كقول ان قتل القاتل ملائم وشرعي. اى ان المقدمة والنتيجة تقر بنفس الشئ ، لكن بتكرار نفس الاطروحة بلغة مختلفة قليلا المجادل يحاول أن يوهمنا أن هناك دلاليان مستقلان لدعم نتيجتة. لكن في الحقيقة لا يوجد سوى طرح واحد وباقي الحجة تستخدم أدوات لغوية للتلاعب بالمتلقي. الحجة صادرت على المطلوب لأن ” كيف نعرف ان كانت عقوبة الإعدام فعلا شرعية وملائمة؟ ما هو الدليل الداعم لتلك الأطروحة؟” .. وبنفس الصورة في المثال الثاني، المغالطة صادرت على المطلوب لأن “كيف نعلم ان المطالبين بالثورة يريدون الفوضى؟ ماهو الدليل الداعم لتلك الاطروحة؟”. (الصورة الثالثة) التى قد تقع بها المغالطة، عندما تنطوى على تفكير دائري في سلسلة من الاستدلالات تبدأ بفرضية قد تكون خاطئة.وبالتالي صحة المقدمات لا يمكن البرهنة عليها دون صحة النتيجة، وصحة النتيجة لا يمكن البرهنة عليها دون صحة المقدمة وهكذا في دائرة المغلقة.. من الممكن وضع صورة الاستدلال الدائري reasoning in a circle كالاتي (1) س حقيقة لان ص حقيقة (2) ص حقيقة لان س حقيقة. إذن المصادرة على المطلوب هنا تعتمد على تلك الدائرة المغلقة بين المقدمات والنتيجة، وبالتالي يدور البرهان في دائرة تعتمد فيها كل قضية على الاخرى دون نهاية. وقد تطول تلك الدائرة المغلقة ويصعب تتبعها نتيجة لاستخدام المُجادل أدوات لغوية وخطابية معقدة. الاستدلال الدئرى يقع في نفس مغالطة المصادرة على المطلوب، لأنه لا يقدم دليل مستقل عن النتيحة كي يدعم حقيقتها .. أو يفشل في ربط ما هو غير معروف أو مبرهن بما هو معروف ومستدل عليها. مثلا “الروح جوهر بسيط لأنها خالدة، لا تتجزأ ولا تتحلل ولا تفسد. والروح لا بُد َلها من أن تكون خالدة؛ لأنها جوهر بسيط” .. أو “نحن نعرف طبيعة الله وصفاته من الإنجيل.ونحن نعرف أن ثقتنا في الإنجيل مطلقة؛ لأنه مُوحى به من الله” (الحجة السابقة من الممكن لتوضيح المغالطة فقط من الممكن أن يستبدل فيها الإنجيل باالتوراة، القرآن أو أي نص ديني مقدس آخر عند طائفته). أرسطو Aristotle تناول المصادرة على المطلوب في عملة الخالد عن المنطق الاورغانون Organon أو المنطق الأرسطي .. العمل المكون من ستة كتب فصل فيه أرسطو وسيلته للوصول إلى الحقيقة، أو كما أراد بعنوانة آلة العلم. في الكتاب الثالث التحليلات الأولى الأنالوطيقا Prior Analytics جادل أرسطو أنه اذا حاول المرء إثبات ما هو غير واضح بذاته عن طريق اقتراضه والتسليم به بداية، فإنه بذلك يصادر على المطلوب أو يسلم بالمسألة المطروحة محل الاثبات. اى يفترض ما ينبغي علية إثباته. هذا التوصيف الأرسطي يعد معرفي Epistemological. اى ان في البرهان الاولية المعرفية للمقدمات سابقة على النتيجة. لكن في الكتاب الرابع المواضع الجدلية أو الطوبيقا Topics تناول أرسطو المصادرة على المطلوب عندما ترد في في النزاع الجدلي بين طرفين او خصمين، مثلا عندما يطلب الفرد س من خصة ص أن يسلم بالفرضية ف كمقدمة عليه قبولها. وفي الحقيقة أرسطو حدد السياق كعامل أساسي لتحديد إن كانت المصادرة على المطلوب مغالطة داخل النص. هل السياق هو سياق جدل قائم بين فردين لكلا منهم معتقداته الخاصة، أم أن السياق معرفي. إذن عند التعامل مع المصادرة على المطلوب لابد من التمييز بين السياق المعرفي أو السياق الابستيمي، أو السيمانطيقا Semantics أو سياق دلالة الألفاظ ومعانيها، اى السياق الذي تتضح في علاقة الكلمات والألفاظ المستخدمة بدلالتها في الواقع، والسياق التداولي الجدلي او البراجماطيقا pragmatics او العلاقة بين الرموز اللغوية ومستخدميها من البشر، أي الطرق التي يستخدم بها البشر اللغة والتى تتجاوز نطاق المعاني الدلالية للكلمات المستخدمة. عارف ان الفكرة اصبحت معقدة بعض الشئ .. بتبسيط غير مخل، التفرقة الأساسية بين الدلالة والتداول يتوقف عليها إن كانت الحجج الدائرية مغالطة بالضرورة أم لا، وهذه التفرقة تعتمد على سياق الحوار المطروحة بداخلة الحجة، والالتزامات الاعتقادية للمتحاورين. المصادرة على المطلوب تعد مغالطة إذا فشلت في تحقيق وظيفة اساسية من وظائف الحجة وهي الوظيفة البرهانية، أى إذا لم تغير شيئا في درجة ثقة المتلقي في النتيجة محل الإثبات، اى ان كانت درجة اعتقاده في النتيجة واحدة قبل وبعد والحجة. اى ان كانت الحجة تكرر النتيجة في المقدمات وتقدم هذه النتيجة إلى متلقي لا يعتقد أصلا في تلك النتيجة ولايلتزم بها، فإنها عندئذ لاتؤدي وظيفتها البرهانية وتحت هذا السياق تعد مغالطة، أما إن قدمت النتجة كجزء من المقدمات الى متلقي يعتقد في النتيجة مسبقا ويلتزم بها، في هذا السياق التداولي لاتعد مغالطة! .. السبب اني بحاول توضيح تلك الفكرة، انها شائعة كثيرا الجدال حول المعتقدات الدينية. مثلا د. عادل مصطفي في كتابة المغالطات المنطقية قصول في المنطق غير الصوري طرح هذا الصورة التخيلية عن حوار دار بين فرد مؤمن وآخر غير مؤمن
“(المؤمن) – سيظل القرآن الكريم إلى يوم القيامة محفوظا من كل التصحيف والتحريف.
(الغير مؤمن) – ما الدليل على ذلك؟
(المؤمن) الدليل أن الله يقول في القرآن .. إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.”
.. هذة الجدلية تحتوى على مغالطة المصادرة على المطلوب لأن المتلقي ليس لديه إلتزام عقائدي بالقرآن، وبالتالي الدليل المطروح لا يضمن لديه أن يبقى القرآن محفوظا بما فيه .. ووقعت المغالطة من خلال الاستدلال الدائري في تلك الحالة! .. لكن لو استخدمت تلك الحجة بنفس الصورة في سياق تداولي آخر بين داعية مؤمن ومتلقي أيضا مؤمن ولديه التزام اعتقادي بالقرآن مثلا في خطبة صلاة الجمعة. في تلك الحالة قامت الحجة بوظيفتها البرهانية، وتكون حجة صائبة ولاتشوبها مغالطة المصادرة على المطلوب! .. وبالتالي يقع على عاتق المجادل أن يدرك هوية المتلقي والتزاماته الاعتقادية المبدئية وأن يتجنب تأييد المذهب من داخله (اى يصادر على المطلوب). هذة صورة لحجة قامت بالمصادرة على المطلوب في حالة و كانت صحيحة في حالة أخرى، حسب السياق التداولي الذى طرحت فيه، وبالتالي تصبح المصادرة على المطلوب هي مغالطة تداولية بالأساس، وفي كتابة المهم نسق المنطق a system of logic الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل John Stuart Mill ذهب لان جميع صور الاستدلال الاستنباطي ترتكب مغالطة المصادرة على المطلوب! .. لأن القياس syllogism يتضمن مصادرة على المطلوب، لأن المقدمة الكبرى فيه تفترض صحة النتيجة .. مثلا ” (1) كل إنسان فان (2) أفلاطون إنسان (3) إذن أفلاطون، فان” .. المقدمة الكبرى او الاولي “كل إنسان فان” تفترض النتيجة مسبقا بمعنى اننا لايمكن ان نصدق صحتها ان لم نكن مصدقين ان أفلاطون فإن لان هناك الان انسان واحد غير فان! .. على أى حال سنعود في الحلقات المستقبلية لمناقشة منطق القياس بالتفصيل.
السؤال المركب (المشحون) Complex Question (Plurium Interrogationum)
تقع تلك المغالطة عندما يطرح المجادل سؤالين او أكثر في صورة سؤال واحد وإجابة واحدة تعطي للإجابة على كليهما. التكنيك الذى يعتمد علية المجادل هو دس فروض مسبقة غير مبررة في التزامات الخصم الاعتقادية. كل سؤال مركب يفترض وجود شرط ما، وعندما يقوم المتلقي بالإجابة على السؤال المركب، تنجح الحجة في تقرير هذا الشرط المفترض. اى ان السؤال المركب يحتوى على فخ خفي، تجبر المتلقي على الاعتراف بشيء ما. مثلا تخيل هذه الامثلة “هل توقفت عن الغش في الامتحانات؟” .. “أين أخفيت السجائر التي كنت تدخنها؟ ” … تخيل ان اجابتك على السؤال الاول كانت نعم” .. وعلى السؤال الثاني “تحت الفراش” .. في تلك الحالة تظهر الحجج التالية “سئلت إن كنت توقفت عن الغش في الامتحانات. فأجبت بنعم، إذن يتبع هذا أنك كنت تغش في الامتحانات في الماضي” .. “سئلت أين أخفيت السجائر التي كنت تدخنها، واجبت تحت الفراش، اذن يتبع هذا انك في الواقع تدخن السجائر” .. دلوقتي تخيل انك اجبت على السؤال الاول ب “لا” والثاني “لم أخفي شئ” .. ستظهر تلك الحجتين في هذه الحالة … “سئلت إن كنت توقفت عن الغش في الامتحانات. فأجبت بلا، إذن يتبع هذا أنك ستستمر في الغش في الامتحانات” .. “سئلت أين أخفيت السجائر التي كنت تدخنها، واجبت لم أخفي شئ، اذن يتبع هذا انك دخنتها بالكامل” .. اى ان من الواضح أن كلا من هذين المثالين في الواقع هناك سؤالين. “هل غشيت في الامتحانات فى الماضى؟ إن كانت إجابتك بنعم، هل توقفت عن الغش الان؟” .. “هل كنت تدخن السجائر؟ .. لو كانت اجابتك بنعم، اين أخفيتها؟” .. إن لم يدرك المتلقي الفخ في هذا السؤال المركب، وجاوب ببراءة، قدم على نفسه اعتراف ووقع في فخ الاعتراف بشيء لم يقدم عليه دليل بالمرة. التعامل الذكي في تلك الحالة مع هذا النوع من المغالطات هو تحليل السؤال المركب الى الاسئلة المكون منها والاجابة عنها بشكل مستقل. المحققين ورجال الشرطة يستخدمون هذه المغالطة المنطقية كفخ للإيقاع المتهم بالاعتراف بفعلته. مثلا “أين أخفيت جسم الجريمة؟” .. “ما الذي دفعك لتزوير تلك الوثيقة؟” .. في تلك الحالة يفرق المنطقيين بين هذة النوعية من الأسئلة ويطلقوا عليها الأسئلة الإستدراجية leading question .. الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون سيريل في كتابه البديع “الوعي واللغة Consciousness and Language” اللى نشرة سنة 2002 ذهب الى أنه يجب تحليل السؤال الفلسفي المطروح تحليلا دقيقا قبل محاولة الاجابة علية، أو عرض وجهات النظر الفلسفية التى قد تتناولها، لابد من فحص السؤال وتحليل عناصرها، وتحديد الافتراضات بداخلة. لا تُسلم بالاسئلة، حلل السؤال قبل ان تجيب عليه.
المأزق المفتعل False Dichotomy
عندما تقدم الحجة مفاضلة أما او أو a disjunctive (“either . . . or . . .”) بين قضيتين ضمن مقدمتها لا يعد الخيارات الوحيدة المطروحة في تلك الحالة، في تلك الحالة المجادل أزال خيار اخر غير مرغوب فيه إما عن عمد أو دون قصد، تاركا المتلقي امام اختيار أحد الحلين المطروحين فقط. في تلك الحالة الحجة صحيحة، لكن بما أن المقدمات غير تفاضلية بشكل حصرى تصبح الحجة غير سليمة uscound. هذه الجدلية عادة ما تظهر بوضوح في أسلوب حديث الشباب، المتحمسين، والمبالغين في رؤية الواقع. مثلا تصور هذا الجدلية من ابن لأبيه “إما أن تعطنى النقود لأشتري كرة القدم واتدرب لأكون لاعب كرة مشهور في يوم من الايام، او اكون بائس وفاشل لبقية حياتي. انا اعلم انك لا تريدني ان اكون فاشل وبائس، إذن لابد وان تعطيني النقود لأشتري كرة القدم” … بكل تأكيد المفاضلة بين شراء كرة القدم والفشل والبئس الى الابد ليست حصرية، اى ان هناك احتمالات وخيارات أخرى. مثلا خيار آخر قد يكون التدريب في المدرسة أو النادى. أو احتمال آخر قد يكون ان يمارس الفرد هواية أخرى كالغناء مثلا ويصبح ناجح فيها، الخ. الطبيعة المُغالطة للمأزق المفتعل تكمن في خلق وهم ان الخيارين المطروحين في المقدمة هما الاختيارين الوحيدين ولابد من اختيار أحدهما. ومن هنا المغالطة تجعل ان بعض المقدمات تبدو صحيحة او على الاقل محتملة بشكل خاطئ. لكن المغالطة لا تقع إن كان أحد الخيارات المطروحة صحيح بشكل قاطع أى بما لايدع مجال للشك، مثلا
“(1) القاهرة تقع إما في قارة أفريقيا أو قارة أسيا
(2) القاهرة لا تقع في قارة آسيا
(3) إذن، القاهرة تقع في قارة أفريقيا”
هذه الحجة صحيحة، وسليمة لأن أحد مقدمتها صحيحة بما لايدع مجال للشك.
الأدلة المكبوتة Suppressed Evidence
الحجج الاستدلالية مقنعة طالما كان تركيبها المنطقي سليم ومقدمتها حقيقة وصحيحة. لكن المقدمات حقيقة فقط ان كانت تقدم دليل على حقيقتها ولا تتجنب اى ادلة اخرى مهمة قد تشير الى حقيقة أخرى. لو تجنبت الحجة الاستدلالية دليل ينطبق عليه هذا المعنى في تلك الحالة يقال أن الحجة ارتكبت مغالطة الأدلة المكبوتة، اى أخفت دليل مهم يشير إلى حقيقة مخالفة للأدلة. تأمل المثال التالي “أسماك القرش قاتلة، من فصيلة الأسماك المفترسة، لديها القدرة على أفتراس كائنات بحرية أخرى في لحظات مثل كلب البحر، وبالتالي تشكل خطرا كبيرا على البشر، ولابد من التخلص منها” . المجادل في تلك الحجة تجنب حقيقة مهمة جدا وهي أن معدل حالات مهاجمة أسماك القرش سنويا للبشر قليل جدا، مثلا 16 حالة سنويا في الولايات المتحدة مقارنة مثلا ب 30- 50 حالة سنويا تهاجم فيها الكلاب البشر. ومعدل حالة وفاة واحدة كل سنتين قد ينتج عن أسماك القرش، وبالتالي خطورة التعرض لهجوم من أسماك القرش قليلة جدا لا تقدم استدلال كافي في تلك الحجة على النتيجة وهى أنها تشكل خطورة كبيرة على البشر وبالتالي لابد التخلص منها. هذا المغالطة تصنف كأحد صور مغالطات الافتراض، لانها تعمل على المتلقي فقط من خلال خلق أفترض وهو أن المقدمات صحيحة وكاملة. أحد أكثر الصور شيوعا من مغالطة الأدلة المكبوتة عادة ما يحدث في الاعلانات والدعاية، تقريبا كل إعلان يتجنب ذكر الآثار والخواص السلبية للمنتج المعلن عنه. وكنتيجة المتلقي للدعاية يبنى نتيجة خاطئة لاعتقادة ان المادة الإعلانية قدمت لة الحقيقة كاملة. مثلا بعض الاعلانات قد تدعي أن الطعام لا يمكن طهية بدون السمن البلدي. لكن هذا الإعلان تجنب ذكر مخاطر السمن البلدي مثل زيادة معدلات الكولسترول في الدم، وانسداد شرايين التجاية، وغيرها من الأمراض الخطيرة، التى حتى وان كان الطعام فعلا أفضل عند طهية بالسمن البلدي لا يكفي هذا لتبرير المخاطر التى قد تنتج عنه، وبالتأكيد ليس من العقلاني أخفاء تلك المعلومات عند محاولة إقناع المشاهد بشراء المنتج. أحد الصور الشائعة أيضا للمغالطة عادة ما يظهر في الحملات الانتخابية، وتنافس مرشحين. أحد الطرق التى قد يستخدمها مرشح هو مهاجمة المرشح الآخر من خلال ذكر مساوئه والأفعال التي قام بها التى قد تكون سببت مشاكل في الماضي لكنه يتجنب ذكر سياساته وقراراته الجيدة ويبنى على هذا نتيجة أنه هو المرشح الذى يجب ان يختاره الناخبون. مثلا “السادة والسيدات الافاضل. السيد س دعم سياسات أدت الى فشل المنظومة الصحية، والتأمينات، و توصياتة بشأن الميزانية زادت من العجز في ميزان المدفوعات، ناهيكم عن سياساته الخارجية التي زعزعت الاستقرار في المنطقة. لذا اعطوني أصواتكم، مرشحكم الأفضل لهذا المنصب” .. ما قد يكون قد غفل عن ذكره المتحدث مثلا هو النجاحات المتكررة للسيد س. او انه هو نفس أقل كفائة من السيد س للمنصب، وان توصياته وقراراته بخصوص نفس القضايا قد تكون اسوأ. لان عند ذكر هذه الحقائق في تلك الحالة يصبح السيد س هو الاختيار الامثل للمنصب، وبالتالي قام المتحدث بارتكاب مغالطة الادلة المكبوتة كي يقود المتلقي الى النتيجة التى يسعى اليها. صورة أخرى لمغالطة الادلة المكبوتة، هو تجاهل احداث مهمة تجعل نتيجة الحجة الاستدلالية غير معقولة. مثلا في أحد المناظرات في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة بين المرشح الرئاسي ميت رومني والرئيس الأمريكي وقتها باراك أوباما، ميت رومني جادل ” الجيش الامريكي لدية عدد أقل من البوارج، وبنادق M1 ومدافع هاوتزر مما أمتلك سنة 1940، وبالتالي فإن القوة القتالية للجيش الامريكي أقل فعالية اليوم مما كانت عليه عام 1940″ .. الحجة تجاهلت حقيقة ان البوارج، بنادق M1 ومدافع هاوتزر أصبحت تكنولوجيا قتالية عفا عليها الزمن وتم استبدالها بسفن أحدث وأكثر كفاءة، ومدافع أكثر قدرة، وبالتالي النتيجة غير حقيقية. أحد الصور الأخرى التى قد يتم فيها كتم الادلة، هو اقتطاع النصوص من سياقها لإخفاء بعض الحقائق عن المتلقي وبالتالي الترويج لحقيقة استدلالة من المقدمات الناقصة. على اى حال مغالطة الأدلة المكبوتة تشبة كثيرا مغالطة المصادرة على المطلوب لأن المجادل يترك مقدمة أساسية من الحجة. الفارق ان مغالطة الادلة المكبوتة تترك فرضية تقود الى نتيجة مخالفة لنتيجة الحجة، في حين أن مغالطة المصادرة على المطلوب تترك فرضية مطلوبة لدعم النتيجة المثبتة في الحجة. لكن لأن المغالطتان تتر كان أحد المقدمات من الحجة في بعض الأحيان قد يصعب التفريق بينهما دون التدقيق.
مغالطات الغموض Fallacies of Ambiguity
معاني الكلمات والجمل قد تتغير وتتلون داخل الجدليات سواء بدون قصد أو عن عمد. مصطلح ما قد يظهر بصورة ما في مقدمات الحجة لكنه يستخدم بصورة مختلفة أو ليعنى شئ آخر في نتيجة الحجة وفي تلك الحالة الاستنباط أو الاستنتاج في الحجة يكون خاطئ لان المقدمات قصدت شئ مختلف عن النتيجة. هذه الفئة من المغالطات تعرف بمغالطات الغموض Fallacies of Ambiguity أو قد يطلق عليها البعض السفسطيات sophisms الاستخدام المتعمد لهذا النوع من المغالطات عادة يكون من السهل التعرف عليه، لكن عندما تحدث تلك المغالطات بدون قصد يصبح من الصعب التعرف عليها، سواء نتيجة أخطاء لغوية، تركيبية، قواعدية، أو منطقية، نستعرض عدة صور من مغالطات الغموض.
الإشتراك اللفظي Equivocation
تحدث مغالطة الإشتراك اللفظي عندما تكون نتيجة الحجة تعتمد على حقيقة أن كلمة أو عبارة ما استخدمت بصورتين مختلفتين داخل الحجة سواء بشكل ظاهر او ضمني. هذا الأمر راجع لان كثير من الألفاظ اللغوية مشتركة equivocal أى أن لها أكثر من معنى واحد، وبعضها له نطاق واسع من المعاني. حجة الإسلام أبو حامد الغزالي أشار في الجزء الأول من كتابة المستصفَى إلى الألفاظ المشتركة كالاتي “وأما الألفاظ المشتركة فهي الأسامي التي تنطبق على مسميات مختلفة لا تشترك في الحد والحقيقة البتة: كاسم العين للعضو الباصر، وللميزان، وللموضع الذي يتفجر منه الماء — وهو العين الفوارة — وللذهب، وللشمس،ِ وكاسم المشتري لقابل عقد البيع، وللكوكب المعروف” .. اشتراك الألفاظ في دلالتها يعود بدرجة كبيرة الى التطور التاريخي للغة والاتفاق الاجتماعي على ربط اللفظ بدلالة معينة يدل عليها. هذا الارتباط في كثير في الأحيان يكون اعتباطيا قائم على شيوع الاستخدام بصورة معينة Convention. هذة الدلالات التى قد تؤدى الى الالتباس يتم التغلب عليها عادة من خلال السياق الذى تطرح فيه وبالتالي يساعد في توضيح الدلالة المقصودة من اللفظ المشترك. فالكثير من الألفاظ والكلمات مطاطية متعددة الاستخدامات وتتلون حسب استخدامتها فقد تتسع او تضيق دلالتها حسب الظروف والحاجات. لكن في بعض الأحيان قد لا يساعدنا السياق عن التعرف على الدلالة التى يشير اليها اللفظ المشترك، وفي تلك الحالة ينشأ الالتباس، حين يعجز كلا من السياق والتعريف عن حصر نطاق المعاني الخاصة باللفظ في دلالة واحدة. وحين يقوم المجادل بقصد او عمد باستخدام لفظ مشترك في سياق حجة ينتج عنة التباس في المعاني و الدلالات اللفظية للكلمة تصبح الحجة مغالطة أشتراك fallacy of equivocation مثلا (1) السلطة التشريعية يمكن ان تلغي أي قانون (2) قانون الجاذبية هو قانون (3) لذلك ، يمكن للسلطة التشريعية إلغاء قانون الجاذبية.” لفظة قانون في هذا المثال استخدمت بشكل ملتبس لتدل على معنيين مختلفين. في المقدمة الأولى المقصود كان القانون الوضعي الذي يحق للسلطة التشريعية الغاءه أما في المقدمة الثانية المقصود كان القانون الطبيعي. مثال آخر “الفأر حيوان، لذا الفأر الكبير هو حيوان كبير” .. هنا استخدام كلمة كبير تم بشكل ملتبس، لانها تشير إلى دلالتين مختلفتين حسب السياق، نفس الفكرة قد تنطبق على كلمات أخرى قد تستخدم بشكل نسبي حسب السياق مثل “صغير”، “جيد”، “سيئ”، “خفيف”، “ثقيل”، “سهل”، “صعب”، الخ. عادة ما تستخدم مغالطة الألفاظ المشتركة في الخطب السياسية، حيث يستخدم السياسيين عبارات وكلمات مثل “الأمن القومي”، “الاستقرار”، “الفرص المتكافئة”، “العدالة الاجتماعية”، وغيرها بطريقة في بداية خطابهم قد تختلف كثيرا عن استخدامها في نهاية الخطاب، لاقناع المستمعين بحجتهم بشكل مغلوط.
التشابه (أشتراك التركيب) Amphiboly
عادة ما تحدث مغالطة التشابه عندما يسئ المجادل فهم جملة مُشتبهة، أو غامضة ويبنى على فهمه الخاطئ نتيجة الحجة. الجملة المشتبهة عادة ما يؤكدها فرد آخر غير المجادل، والاشتباهة عادة ما ينتج عن خطأ في استخدام قواعد اللغة، النطق، التشكيل، التنقيط، والرموز الخ. أي أن الجملة حمالة أوجه، بسبب تلك الأخطاء قد تفهم الجملة بصورتين مختلفتين تماما. والمجادل عادة ما يتنبى التفسير الخاطئ عن قصد أو عمد ويبنى نتيجته بناء على هذا التفسير. في الواقع منذ بداية التاريخ الانساني والمنجمين، العارفين، الكهنة كانوا أبرع من استخدم مغالطة الاشتباه، ووضعوا تنبؤاته في صيغ ملتبسة ومتشابهة، يمكن تفسيره على عدة أوجه، بيحث تحقق لهم التملص من أى حقيقة يمكن أن تكذب تنبؤهم. الخدعة في تصنع نبؤة غير قابلة للتكذيب من الأساس هو أن تجعلها قابلة للتفسير لكل ملاحظة ممكنة، للدرجة يمكن تفسيرها عند أو وقع الحدث او امتناعه. اى مهما آلت اليه الامور سيمكن تأويل النبؤة بصورة أو أخرى. المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت روي أن الملك كرويسوس ملك ليديا أخذ مشورة كاهنة الوحي في دلفي قبل الخروج للمعركة ضد سيرس ملك فارس. الكاهنة تنبأت بالآتي “إذا ذهب كروسوس ليحارب سيرس فسوف يُدمر مملكة عظيمة” .. كما تصورت، فرح كروسوس بالبنبؤة وفسرها على أنه سيدمر مملكة فارس، لكنه هزم على يد ملك الفرس، وكتب له البقاء كي يعود إلى دلفي ويقابل الكاهنة مرة أخرى، التى ردت أن النبوءة كانت صادقة، فقد دمر مملكتة هو بالذهاب إلى الحرب. بكل تأكيد من الواضح لك الخدعة التى لعبتها الكاهنة، الالتباس نتج في الجملة عن عدم تحديد اى مملكة ستدمر، وبالتالي تصبح الجملة دائما صحيحة في حالة الحرب بين مملكتين، لان احدهما على الاقل ستدمر، ولو كان كروسوس فطن لتلك المغالطة لطلب تحديد من الكاهنة اي مملكة ستهزم! .. نفس الصورة من التنبؤ مازلت شائعة حتى اللحظة في العصر الحديث ومازلنا نشاهد قارئ النجوم، التاروت، العرافين، وغيرهم يلعبون نفس الخدعة ويقدموا تنبؤات من الصعب حمالة أوجه مشتبه يمكن تفسيرها في كل الحالات. أكثر تلك التنبؤات شيوعا عادة ما يكون في نهاية العام ومع بداية عام جديد، بطرح عدة تنبؤات تحمل معاني ملتبسة ان العام الجديد سيكون ملئ بالخير لكنة ايضا عام سئ. وحين يقع احدى الامرين يسرع المتنبئ بالاشارة الى ان نبوية صحت لان احدى اوجة الالتباس تحقق. لكن المغالطة ليست قاصرة فقط على العرافين. تأمل مثلا الجملة التالية “أحمد أخبر محمد، انة أخطأ. وبالتالي يجب معاقبة محمد” .. في الحقيقة هذه الجملة متشابه لان الضمير انه غير محدد، اى لانعرف على وجه التحديد عائد على من. هل أحمد اخطأ أم محمد؟ .. لكن في الحقيقة مغالطة التشابه قد تكون شديد الخطورة أن حدثت في حالتين، العقود القانونية والوصية. كاتبي تلك الوثائق عادة ما يعبروا عن نواياهم بصيغة قد تكون ملتبسة وغير واضحة بدون قصد، الأمر الذى يؤدى تفسيرها بعدة صور. تأمل هذة الوصية مثلا “السيدة آمال، أوصت بترك عقدها الذهبي و قطتها لهدى، وندى” وبالتالي نستنتج أن هدى ستحصل على العقد الذهبي، وندى على القطة، لانها احدى صور تفسير الوصية، قد تجادل ندى ان المقصود هو أن تتقاسم هى واختها ملكية كلا من العقد والقطة، لكن في الحقيقة هذه إحدى الصور التى يمكن تفسير بها تلك الوصية الملتبسة لكنها ليست الصورة الوحيدة. السيدة آمال كان من الممكن أن تحل تلك الإشكالية بإضافة يتشاركا بالتساوى الملكية، أو تقسيم الملكية. لك أن تتصور بالطبع شكل الخلافات التى ستنتج عند تنفيذ تلك الوصية سواء بالاقتسام أو التشارك. مثال آخر قد يكون في صيغة عقد، تأمل المثال التالي “السيد محمود كتب العقد التالي .. مقابل إنهاء بناء الدور الأول من المنزل، يدفع للمقاول مبلغ 1000 جنيه ومكافأة 100 جنيه ان انهى العمل في نهاية الشهر” .. لكن المقاول لم ينهي العمل في نهاية الشهر، وبالتالي السيد محمود لن يدفع له ال 1000 جنية او المكافأة. أرجو أن الالتباس يكون واضح لك، في تلك الحالة، هل المكافأة فقط مشروطة بإنهاء العمل في وقته ام الأجر والمكافأة؟ .. مغالطة المتشابهة تختلف عن مغالطة التركيب اللفظي بصورتين. الأولى أن التركيب اللفظي عادة ما ينتج عن التباس في معنى كلمة او جملة محددة، لكن التشابه عادة ما ينتج نتيجة التباس في التركيب اللغوي أو القواعد المستخدمة في بناء الجملة. الصورة الاخرى في الاختلاف هي أن التشابه عادة ما يحدث نتيجة خطأ يقوم به المجادل عند تفسير جملة ما يطرحها فرد ما. لكن في حالة التركيب اللفظي المغالطة تحدث نتيجة صياغة المجادل نفسه. لكن في بعض الأحيان قد تطرح جمل تشترك في كلا من مغالطة الاشتباه والتركيب اللفظي، الأمر الذي يجعل من الصعب تحديد أيا المغالطين تنطبق على الجملة، لكن التحليل اللغوي الدقيق عادة ما يساعد في إظهار الالتباس.
النبر Accent
الغموض قد ينتج في بعض الأحيان عن استخدام اللفظ بمعاني متعددة داخل الحجة الواحدة. لكن التغير عادة ما ينتج عن التأكيد أو النبرة المستخدمة لإظهار كلمة او جملة محددة داخل الجدلية. عندما تعتمد مقدمات الحجة على تأكيد ما داخلها، لكن النتيجة يستدل عليها بتأكيد نفس الكلمة بصورة مختلفة في تلك الحالة مغالطة النبر أرتكبت. الفكرة قد تبدو بسيطة لكنها شديدة الخطورة وفي كثير من الأحيان تجعل التعرف على المغالطة أمر عسير. هناك عدة صور من النبر. الصورة الأولى النبر أو التأكيد على الأحرف أرسطو كان أول من رصد هذا النوع من المغالطات في عمله الخالد “دحض السفسطيات On sophistical refutations ” وعدها أرسطو ضمن مغالطات الغموض في اللغة، وجادل أنها تحدث عندما نعجز عن نعنى ذات الشئ باستخدام ذات الأسماء أو التعبيرات. اللغة اليونانية القديمة ككثير من اللغات وقتها لم تكن تحتوى على علامات نبر تبين كيف يجب أن تنطق الكلمات، ولكن متحدثي اللغة تعاملوا مع اللغة المكتوبة بناء على معرفة قبلية باللغة، كما كان الحال مثلا في اللغة العربية القديمة قبل الإعجام، التنقيط، والتشكيل. وبالتالي نطقت الكلمات بصورة ما لكنها كُتبت بصورة أخرى، الأمر الذى فتح باب الالتباس في اللغة. مثلا في القرآن سورة الرعد الآية 43 “وَمَن عِندهُ عِلمُ الكِتَاب” وقد تقرأ أيضا “وَمِن عنِدهُ عِلمُ الكِتَاب” .. المعنى شديد الاختلاف بمجرد تغيير التأكيد او النبر في كلمتين في النص. الصورة الثانية: النبر على الكملة داخل العبارة هذه هي الصورة الأكثر شيوعا من النبر ويتم فيها التركيز على كلمة ما في الحجة تغير نتيجة الاستنتاج تماما. مثلا “ينبغي أن نكون (أمناء) مع أصدقائنا” .. في مقابل “ينبغي أن نكون أمناء مع (أصدقائنا)” .. في الحالة الأولى النبر على أمناء يعني أننا ينبغي أن نكون أمناء بصورة عامة، أما في الحالة الثانية الأمر يبدو اختياريا أي أننا ملزمين بالأمانة مع الاصدقاء فقط. الصورة الثالثة – الاجتزاء وهي الاقتباسات المنتزعة من السياق، و التأكيد على عبارة أو فقرة كانت مجرد جزء من سياق أعم سواء بذكر هذا السياق ام إخفائه. علماء المنطق يعدوا هذا النوع من المغالطات احد صور النبر لانه تأكيد مضلل لكن البعض الاخر يعدة كصورة من المغالطات مستقلة لأنه مرتبط بالسياق أكثر منه بالنبر، أيا كان التصنيف هنا، الفكرة هو اجتزاء جملة من سياقها واستخدامها بشكل غامض للمساعدة في إثبات حجة ما. مثلا صحافة الحزب الجمهوري الأمريكي في حملة الانتخابات الرئاسية عام 1996 اقتطعت جملة من نص مرشح الحزب الديمقراطي المنافس آل جور قال فيها “ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين وسرطان الرئة” .. لكن في الحقيقة آل جور في السياق الكامل للحوار قال “بعض العلماء العاملين لدى شركات الدخان سيدعون بصفاقة أن ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين وسرطان الرئة … ” غير أن الادلة الراجحة والمقبولة لدى الاغلبية الساحقة من العلماء تقول أن التدخين يسبب سرطان الرئة! .. باقتطاع الجزء الذى قال فية آل جور علماء شركات الدخان سيدعون بصفاقة .. يبدو وكأنة هو الذى يدعي ان ليس هناك علاقة بين سرطان الرئة والتدخين، الأمر الغير حقيقي بالمرة، على النقيض، آل جور كان من المهاجمين لشركات الدخان وعلاقتها بازدياد سرطان الرئة.
مغالطة التكوين Composition
مغالطة التكوين تحدث عندما تعتمد نتيجة الحجة على تحول خاطئ لأحد خصائص وسمات أجزاء الشئ لتعميمها على الكل. اى بصورة اخرى عندما يحاول المجادل اثبات بما أن أحد أجزاء الشئ لها خاصية معينة، يتبع هذا أن الشيء ككل له نفس الخاصية أيضا، وفي تلك الحالة هذه الخاصية لا يمكن تعميمها من الجزء إلى الكل. تأمل الامثلة التالية “كل اللاعبين فريق كرة القدم الوطنى ممتازين، وبالتالي الفريق ككل ممتاز” .. “كل ذرة في هذا القلم لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وبالتالي القلم كلة غير مرئ” .. “الصوديوم والكلورين المركبات الذرية للملح، مواد كيميائية سامة، وبالتالي الملح مادة سامة” . في كل تلك الحجج المجادل يحاول نقل خاصية تنطبق على الجزء إلى الكل. خاصية الامتياز، المجهرية، السامة، الخ .. لكن في كل حالة من تلك الحالات هذا الانتقال من خاصية الجزء الى الكل انتقال خاطئ وبالتالي تصبح الحجة مغالطة. لكن طبعا ليس كل انتقال من الجزء الى الكل دائما خاطئ. تأمل الجمل التالية .. “كل ذرة في القلم لها كتلة وبالتالي القلم كله له كتلة” .. “كل سلك في هذا السياج لونة ابيضة، وبالتالي السياج ككل لونة ابيض” … في كلا الحالتين، كتلة الذرات خاصية تنتقل من الجزء الى الكل، وكذلك اللون في حالة السياج خاصية تنتقل من الجزء الى الكل. بكل تأكيد حقيقة أن الذرات لها كتلة امر يعمم على الاشياء. ونفس الأمر ينطبق على خاصية اللون، وبالتالي ، فإن قبول هذه الحجج يُنسب ، على الأقل جزئيًا ، إلى النقل المشروع لسمة من الجزء إلى الكل. اكتشاف المغالطة يعتمد على فهمها، والتدقيق في الجملة، لاكتشاف أن المجادل يحاول الانتقال بخاصية من الجزء الى الكل، لكن بالاضافة لهذا هناك معرفة عامة بطبيعة الخواص التى يريد المجال نقلها لابد وان تتوفر لدينا كي نستطيع ان نحدد ان كان هذا الانتقال مشروع اما لا. أيضا لابد من تجنب خلط المغالطة مع مغالطة التعميم الغير مسؤول hasty generalization هذا الخلط يحدث فقط في حالة ان الكل فئة معينة. مثلا فئة سكان مدينة القاهرة، والأجزاء أعضاء في تلك الفئة، في تلك الحالة مغالطة التكوين تنتج من أن الجزء عضو في الفئة. لكن التعميم الغير مسؤول على الجانب الآخر، يحدث نتيجة الانتقال من المحدد الى العام، لأن من السهل ان نخطئ في فهم أن الجملة عن فئة معينة ان كانت جملة تعميم ام جملة خاصية تكوين. يمكن تجنب مثل هذا الخطأ إذا كان المرء حريصًا على مراعاة التمييز بين هذين النوعين من العبارات. تأمل الجملتين “البراغيث صغيرة” .. “البراغيث كثيرة” .. الجملة الأولى هى صورة عامة، خاصية صغر الحجم، نتيجة للتنبؤ التوزيعي distributive predication اى ان تم توزيع الخاصية من أفراد الجماعة إلى الكل، لأن كل برغوث صغير الحجم فئة البراغيث ككل صغيرة الحجم. على الجانب الاخر، الجملة الثانية هى جملة حول الفئة ككل، أى جملة فئوية. خاصية كثرة العدد نتيجة للتنبؤ الجماعي collective predication، اى ان الخاصية لا تنطبق على كل عضو او برغوث في الجماعة، لكن لفئة البراغيث ككل. معنى الجملة ليس ان كل برغوث كثير العدد، لكن فئة البراغيث ككل كثيرة العدد. عارف ان الكلام قد يكون اصبح غامض بعض الشئ، سأطرح عليك طريقة عملية للتفريق بين مغالطة التكوين ومغالطة التعميم الغير مسؤول. ابدأ بتحليل نتيجة الحجة، لو كان النتيجة جملة عامة أو جملة تكوين، اى انها خاصية تم التنبؤ بها بناء على مجموع وجود نفس الخاصية عند كل أفراد الجماعة، إن لم تصح النتيجة في هذه الحالة تصبح مغالطة تعميم غير مسؤول. أما لو كانت جملة النتيجة جملة فئوية، اى أن الجملة تم التنبؤ بها على الفئة ككل ولا تنطبق على أفراد الفئة او الجماعة، إن لم تصح في تلك الحالة تصبح مغالطة تكوين. مثلا “تستهلك السيارة وقودًا أقل مما تستهلكه سيارة إطفاء الحريق. لذلك ، تستهلك السيارات في دولة مصر وقودًا أقل من سيارات الإطفاء” .. للوهلة الأولى قد يبدو أن تلك الحجة تنتقل من المحدد الى العام، وبالتالي ارتكبت مغالطة تعميم غير مسؤول، لكن في الحقيقة لو دققت النظر واتبعت الطريقة التي وصفتها لك، ستجد ان نتيجة الحجة تقر أن فئة السيارات ككل تستهلك وقود أقل من فئة كل سيارات الإطفاء بناء على أن انتقال خاصية من الجزء الى الكل (وهي ان السيارة العادية تستهلك وقود أقل من سيارة الاطفاء) لكن في الواقع هذا الانتقال خاطئ لأن هناك عدد أكبر في فئة السيارات العادية من عدد السيارات في فئة الإطفاء، وبالتالي بما ان النتيجة قامت بناء على تنبؤ جماعي، ارتكبت الحجة مغالطة التكوين.
مغالطة التقسيم Division
مغالطة التقسيم الصور المغايرة من مغالطة التكوين، التكوين يحدث عندما ينقل المجادل بصورة غير شرعية خاصية من الجزء الى الكل، اما مغالطة التقسيم تحدث عندما ينقل المجادل أيضا بصورة غير شرعية خاصية من الكل أو الفئة الى الجزء او الاعضاء. مثلا “السيارة تم صناعتها في مصر، وبالتالي كل أجزائها محلية الصنع في مصر” .. “جامعة القاهرة عمرها أكثر من 100 عام، د. أحمد يعمل في جامعة القاهرة، بالتالي عمرة أكثر من 100 عام” .. الملح غير سام، وبالتالي عناصرة الكيميائية الصوديوم والكلورين مواد غير سامة” .. الخواص التى حاولت الانتقال بها من الكل الى الجزء في تلك الامثلة، خواص ليس من المشروع الانتقال بها من الكل الى الجزء. خاصية السمية مثلا لا تنتقل من الكل الى الجزء او العكس، او مكان الصنع، او العمر، الخ. لكن بنفس الصورة في حالة مغالطة التكوين هذا الانتقال قد يكون مشروع في بعض الحالات. مثلا .. “القلم له كتلة، وبالتالي الذرات المكونة للقلم لها كتلة” … “حديقة البرتقال لونها برتقالي، اذن البرتقال لونة برتقالي” .. في تلك الامثلة كما هو واضح خاصية الكتلة او اللون خواص مشروع الانتقال بها من الكل الى الجزء. وكما ان التعميم الغير مسؤول من الممكن أن يختلط بمغالطة التكوين، مغالطة المصادفة accident قد تختلط مع مغالطة التقسيم. بنفس الصورة هذا الاختلاط يحدث فقط عندما يكون الكل فئة معينة، في تلك الحالة الانقسام ينتقل من فئة الى أعضاء تلك الفئة. لكن في حالة مغالطة الصدفة، تحدث عندما ننتقل من العام الى المحدد. وبالتالي لو جملة فئوية تم خلطها مع جملة عامة، التقسيم قد يتم خلطة بالصدفة. كي نتجنب هذا الخلط من الممكن اتباع عكس الطريقة التي اتبعناها لتفريق التعميم من التكوين. نبدأ بفحص مقدمات الحجة، لو احتوت المقدمات على جملة عامة أى أن الخاصية لا تنطبق على الجزء، في تلك الحالة المغالطة هي الصدفة، اما لو المقدمات احتوت على جملة فئوية في تلك الحالة المغالطة المرتكبة هي التقسيم. مثلا “المشغولات اليدوية اختفت تقريبا، الأطباق النحاسية من المشغولات اليدوية، إذن الأطباق النحاسية اختفت تقريبا” .. المقدمة الأولى ليست جملة عامة لكنها جملة فئوية. لأنها قائمة على خاصية في الكل تم التنبؤ بها بشكل جماعي اى قائم على وجودها في كل اعضاء جماعة المشغولات اليدوية، وبالتالي ان لم تكن نتيجتها صحيحة تصبح مغالطة تقسييم. مثال اخر “الأسرة المصرية المتوسطة لديها 2.5 طفل. عائلة محمود هي عائلة مصرية عادية. لذلك ، فإن عائلة محمود لديها 2.5 طفل.” .. مقدمة الحجة ليست جملة عامة لكنها جملة فئوية، بالرغم من أن ليست كل عائلة لديها 2.5 طفل .. لكنها قائمة على متوسط عدد الأطفال في الاسرة العادية، إذن الانتقال بخاصية من الكل الى الجزء حالة من مغالطة التقسيم إن لم تصح النتيجة.
اصطياد المغالطات Hunting Fallacies
خلال مناقشتنا معظم المغالطات الغير رسمية التى تعرضنا لها مباشرة ويسهل التعرف عليها بقليل من الممارسة والتمرين. لكن عندما تحدث المغالطات في الاستخدام اليومي والحوارات العادية بين الأفراد التي في كثير من الأحيان لا يكون القصد منها اثبات او نفي فكرة معينة لكن مجرد تبادل الاراء أو قتل الوقت يكون من العسير التعرف على المغالطات لأنها لا تكون في صورتها القياسية، او لان قد لاينطبق على الخطأ اى صورة من صور المغالطات القياسية، وفي بعض الأحيان ينطبق على المغالطة أكثر من صورة من المغالطات، وخيوط المنطق والترابط داخل الكلام قد تتشابك وتحتاج الى فكها اولا قبل تحليلها، بل واحيانا قد لا يكتمل قالب المغالطة، او حتى لا يكون هناك اتصال واضح بالمرة بين المقدمات والنتائج. الصور التى قد يغالط بها المجادل عديدة ومتنوعة وتحتاج لكثير من الممارسة العملية كي تستطيع اصطيادها في حديث الآخرين. في حديث عابر منذ عدة سنوات مع أحد جيراني في ولاية فيرجينيا الامريكية، طرح عدد من الحجج والاراء الشخصية حول موقفه من عمل المرأة، فكرة المساواة، ودخول المرأة في كافة مجالات الحياة الامريكية. للأسف لا أتذكر التفاصيل كاملة للحوار، لكن عند قراءتي لهذا الخطاب المنشور في أحد الصحف الأمريكية في باب آراء القراء، اعادتني الكلمات لهذا الحوار بسبب تشابه وجهة النظر وأسلوب الطرح. تأمل نص الخطاب “يا إلهي ، سئمت من “حقوق المرأة”! في كل يوم نطالع الأخبار ، نسمع عن شكل من أشكال التمييز ضد بعض النساء المساكين اللائي يرغبن في أن يصبحن شرطين أطفاء حريق – أو بعض “الملاحظات” التي توحي أو تشير إلى أن النساء أقل شأنا من الرجال. أنا ، على سبيل المثال ، لا أريد أن يتم إنقاذي من قبل “إطفائي حريق امرأة” ، خاصة إذا كنت رجلاً طوله 6 أقدام والمرأة طولها 5 أقدام. لماذا تجد النساء “دورهن” في الحياة مهينًا جدًا؟ ما هو الخطأ في كونك زوجة وأم ، والبقاء في المنزل بينما يخرج الذكر و “يبحث عن الطعام” ويعيده إلى عائلته؟ لا أعتقد أن المرأة أثبتت أنها مبدعة ، أو قادرة (في المتوسط) على القيادة العالمية ، أو لديها نفس القدرات الجسدية ، أو “الشجاعة” مثل الرجال. في المتوسط معظم السيدات الأمريكيات لم يخوضوا حربًا عالمية كبرى بعد، أسأل السيدات ، من منكم يريد ذلك؟ .. سواء كان الشخص أنثى ، أسود ، أبيض ، أو معاق – أيا كان – فإن القدرة هي ما يهم في التحليل النهائي. لا يمكن للمرأة أن تطالب “بالمساواة” – لا يمكن لأحد – ما لم يتم اكتساب تلك الحقوق طبقا للقدرات. عندما تقع المصائب ، تكون الفتاة في محنة ، فهي تتعرض لضغوط شديدة لحماية نفسها ، وعادة ما يجب إنقاذها من قبل رجل. حتى أتمكن من تحريك بيانو ، أو التغلب على سارق أو مغتصب محتمل ، أو خوض حرب ، أشعر بالرضا تمام كوني امرأة ، شكرًا لك _ توقيع باتريشا كيلي”
ماتستغربش، فعلا كاتبة الخطاب سيدة، وليست رجل. هذا الخطاب ملي بالمغالطات المنطقية، التى تجعل ممارسة اصطيادها عملية ممتعة، مثلا عندما قالت “النساء الفقيرات اللائي يرغبن في أن يصبحن شرطين أطفاء حريق” هي أحد صور الشخصنة المسيئة، ومساواة حقوق المرأة بشكل عام مع فكرة الحق في أن تكون شرطي اطفاء حريق هي صورة من مغالطة رجل القش. وفي الجملة التالية عليها افترضت الكاتبة أن مهنة شرطي اطفاء الحرائق لابد وأن تشمل تسلق المباني، وانقاذ الافراد، صورة اخرى من مغالطة رجل القش. لان بكل تأكيد هناك العديد من رجال الاطفاء لا يقومون بتلك الأعمال. وفي نفس الجملة هناك مصادرة على المطلوب، من الممكن تفسيرها كالاتي .. هل النساء التى يريدون ان يكونوا شرطي إطفاء حرائق يريدون إنقاذ الرجال الطوال؟! … وايضا المصادرة على المطلوب في افتراض أن مهمة جمع الطعام محصورة فقط على الرجال .. هل نحصر انفسنا في التركيب الاجتماعي القائم منذ الإنسان الاول؟ .. أو المصادرة على المطلوب في التساؤل ان كانت النساء لها نفس القدرة والشجاعة، والكفاءة كباقي الرجال. بفرض ان هذا الادعاء صحيح، هل تم اعطاء الفرصة للنساء لممارسة أدوار تطلب تلك المهارات ثم تم تقييمهم مقارنة بالرجال في نفس الدور؟ .. نفس الادعاء أيضا ينطبق علية تصنيف مغالطة الرنجة الحمراء ومغالطة الحيد عن المسألة. في الواقع معظم الأعمال لا تتطلب قدر كبير من تلك المهارات وكثير من الرجال ليس لدية هذة الدرجة العالية من المهارات ومازالوا يؤدون تلك الوظائف. في واقع الامر لن نجد صورة أبلغ من الوضع القائم في الكثير من دول العالم المتقدم والنامي منها، مجرد التأمل السريع لقادة ورؤساء تلك الدول لن تجدهم يمتلكوا تلك المهارات المُدعاة كي يقودوا الدول والأمم! .. وأخيرا، تختم الكاتبة كلامها بمغالطة رنجة حمراء من الدرجة الأولى، ما علاقة نقل البيانو والدفاع عن النفس بمطالبة النساء بالمساواة في العمل والأجر؟ .. مجرد تشتيت للمستمع! .. على أى حال لو حاولت أن أقدم لك نصيحة عند تحليل خطاب الآخرين بحثا عن المغالطات، لن اجد افضل من النصح باليقظة والانتباه لتفاصيل ما يقوله المجادل. ماهي النتائج في حديثة؟ .. كيف دعم تلك النتائج؟ .. خل الأسباب مرتبطة بالنتيجة؟ .. والاهم هل تدعمها فعلا؟! .. لو لم تنتبة وتركز على التفاصيل لن تستطيع الاجابة على ايا من تلك الأسئلة! وبالتالي إن احتوى الحديث على مغالطات ضاعت عليك فرصة اصطيادها، وإن كان الهدف من النقاش هو الوصول لنتيجة، قد تكن مضطر لقبول النتيجة لان ليس لديك أساس قوى لرفضها.
المغالطة هي خطأ في التفكير، يقوم المنطقيين برصدها بطرق رسمية وأخرى غير رسمية. وهناك أكثر من 200 مغالطة غير رسمية عدها علماء المنطق عبر العصور. الجدليات المعطوبة، او المغالطات الغير رسمية يجب أن تكون غير مقنعة، لكنها في الواقع ما تبدو جذابة ومقنعة للمتلقي بسبب عوامل نفسية، ثقافية، أو لغوية. المغالطات الرسمية عادة ما تقع بسبب خطأ في المحتوى، الصياغة، أو الهيكل المنطقي. على العكس من المغالطات الرسمية التى تقع فقط بسبب خطأ في الهيكل المنطقي. كما أشرنا في الحلقة السابقة، هناك خلاف كبير داخل رواقات علم المنطق حول التصنيف الأمثل للمغالطات، تسمية المغالطات، أهمية بعض المغالطات مقارنة بأخرى، ويختلف الباحثون حتى حول تعريف مصطلح المغالطة نفسه، ونظرية موحدة للتعرف على المغالطات، وما هي الشروط الكافية والضرورية في نظرية موحدة للمغالطات. مشاريع بحثية كبيرة قد تفرد لها حلقات كاملة من كلام فلسفة، ومادة خصبة للدارسين والمتخصصين للبحث والتناول. على اى حال أرسطو كان أول من قدم تقسيم للمغالطات بشكل موثق في عمله المهم “دحض السفسطيات On sophistical refutations ” الذي رصد فيه ثلاثة عشر نوع من المغالطات، وبدأ فرع جديد داخل علم المنطق، الذي نمى في العصور الوسطى وأصبح محل دراسة رسمية في الغرب بعد الخروج من عصور الظلام. وترجع أهمية تصنيف المغالطات وتسميتها الى الفكرة البديهية حول فعالية طرق الاتصال البشري،ـ ان اتفق البشر حول اسم صور او قالب متكرر من الاخطاء في المنطق تكون الطريقة فعالة جدا في النقاش واصطياد الأخطاء في المنطقية بهدف الوصول إلى الحقيقة، لكن ليست هذه هي الفكرة الوحيدة حول اعتناق تسمية وتصنيف للمغالطات، لكن ايضا جادل البعض ان دراسة تسمية وتصنيف المغالطات يساعد ايضا في تجنب الافراد في الوقع في فخ استخدام تلك المغالطات عند صياغة الحجج والجدليات. عالم اللغويات والنفس الكندي المعاصر ستيفن بينكر Steven Pinker طرح الفكرة ببلاغة في كتابة البديع “أشياء الفكر: اللغة كنافذة للطبيعة الانسان The Stuff of Thought: Language as a Window into Human Natur” الذى نشرة سنة 2005 و (انصحك بقراءته في أقرب فرصة) “إذا كانت اللغة توفر تسمية لمفهوم معقد ، فقد يسهل ذلك التفكير في المفهوم ، لأن العقل يمكنه التعامل معها كحزمة واحدة عند التعامل مع مجموعة من الأفكار ، بدلاً من الاضطرار إلى الاحتفاظ بكل من مكونات هذا المفهوم بشكل منفصل. يمكن أيضًا أن يمنح المفهوم تسمية إضافية في الذاكرة طويلة المدى ، مما يجعله قابلاً للقراءة بسهولة أكبر من المفاهيم غير الفعالة أو تلك التي تحتوي على أوصاف لفظية أكثر تقاطعًا.” .. على اى حال، التعرف على المغالطات المنطقية، تسميتها وتصنيفها هو احد اللبنات الاساسية لعملية التفكير النقدي Critical Thinking التى تمكن المرء من الاقتراب بأقصى درجة ممكنة من جوهر وحقيقة الواقع. والتفكير النقدي في أفضل صور المعرفة الانسانية الحالية ليست عملية جينية او بيولوجية، او على الاقل لا توجد لدينا معرفة مؤكدة بعد حول هذا الأمر، بل هو مهارة تكتسب بالممارسة والتطبيق المستمر. وفي غياب التفكير النقدي يصبح الفرد مجرد رقم يضاف الى الجموع، تتناقله موجات الأفكار، يستجيب لها بشكل أعمى دون تحليل أو تدقيق، بناء عقلية نقدية علمية عملية ليست بالسهلة، ولا يوجد لها كتالوج محدد يمكن اتباعه، لكنها عملية من المحاولات المتكررة من النجاح والفشل، في جوهرها الممارسة والتطبيق، البحث والتعلم الدائم، الانفصال عن الذات، والابتعاد عن التحيزات، الرغبات، والمعتقدات الشخصية عند تحليل الآراء، الشك الصحي، واعتناق أدوات مستقرة للبحث عن الحقيقة، نقد الافتراضات، تحليل الحجج والجدليات، ودائما وابدا تحصيل العلم، واكتساب المعرفة الصحيحة هي جوهر التفكير النقدي والعلمي السليم، أو كما أجمل المنطقي ، الرياضي ، والفيلسوف الانجليزي برتراند راسل Bertrand Russell في كتابه الرائع حول رحلة تحوله الفلسفية الذي نشره سنة 1959 بعنوان “تطوري الفلسفي My Philosophical Development” وقال “المنطق والرياضيات هما أبجدية كتاب الطبيعة، وليسا الكتاب نفسه! Logic and mathematics … are the alphabet of the book of nature not the book itself”
القصة التى بدأنا بها مقتبسة بتصرف من كتاب “التفكير النقدي Critical Thinking” لأستاذة الفلسفة الأمريكية المعاصرة شارون كاي Sharon Kaye .. من خلال القصة حاولت أقدم لك مادة خصبة لحوار دائر بين مجموعة من الأفراد تصلح لأصطياد المغالطات المنطقية، النقاش كان مليئ بالمغالطات الغير رسمية التى تعرضنا لها على مدار الحلقتين. على سبيل المثال، لما جادل عادل ان محمود هو القاتل والكل يعلم هذا، احد صور مغالطات التوسل بالكثرة، وعندما اصرت أمينة أن خيرية ليست عضو في مافيا المخدرات لأننا لم نثبت هذا في الماضي ، هي أحد صور مغالطة التوسل بالجهل. عادل طرح جدلية غريبة انه استجوب الطبيب الشرعي الذي اخبرة ان المجني عليها لم تكن تملك نقود حتى لدفع الإيجار، لماذا يجب الاعتداد بشهادة طبيب حول حالتها المادية، هذة احدى صورة مغالطة التوسل بالمرجعية الغير مؤهلة. السجال الذي دار بين عادل وأمينة حول صداقته القديمة بالسيد حلمي والد آمال، هو صورة من الرنجة الحمراء تشتيت عن جوهر الموضوع. ومهاجمة عادل لأمينة واتهامها بأنها ساذجة لأنها صدقت ادعاء محمود انه كان مسافر وقت وقوع الجريمة هو أحد صور الشخصنة المسيئة. حجة أمينة ان كل المدمنين كاذبين صورة للتعميم الغير مسؤول. ودفاع عادل عن آمال بأنها ليست المجرمة لانها شخص غير عنيف هو مصادرة على المطلوب وصورة من الجدال الدائري. وعندما جادلت أمينة أن القاتل اما محمود او آمال هو صورة قياسية على المأزق المفتعل أو مغالطة أما أو، لان قد يكون هناك متهمين أخرين محتملين. أما جدلية صادق ان حلمي مشتبة فيه لمجرد حدوث عطب في جهاز الكمبيوتر بعد زيارته له في المكتب، هو صورة من مغالطة السبب الخاطئ، التتابع في الأحداث غير كاف للاستدلال على ارتباطها. التفسير المختلف لكل من عادل وامينة لملاحظة المافيا هي أحدى صورة الاشتراك اللفظي.وأخيرا حجو عادل أن حلمي لم يكن غنيا والمافيا مؤسسة غنية، هو مغالطة تقسيم انتقال غير مشروع بخاصية من الكل إلى الأجزاء. أعد الاستماع للحوار مرة أخرى في ضوء رؤيتك للمغالطات المنطقية.
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP60/EP60_2020_06_28.mp3
ودلوقتي .. فكر في الحوارات اللي بتشترك فيها يوميا … هل تتسم عادة بالمنطق والعقلانية؟ .. ولا تنتشر فيها المغالطات المنطقية؟ … هل هناك قيمة لدراسة المغالطات المنطقية وتصنيفاتها؟ .. وهل الخلاف القائم بين المنطقيين حول تصنيفها مانع لاستخدامها؟ .. وهل التفكير النقدي هو فعلا طوق النجاة الوحيد للوصول للحقيقة؟ … فكر تاني
في الحلقة الجاية .. سنعود مرة أخرى للبحث في أسس وقواعد المنطق الرسمي ومدارسة .. عن القياس المنطقي .. منطق القضايا .. التحويل والانقلاب .. مخططات فن .. والصور القياسية .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتي للحلقة الجاية .. عيش الحياة بفلسفة
الحلقة بدون خلفية موسيقية
زود معلوماتك:
المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري
https://bit.ly/3bXcMsY
مغالطة fallacy
https://bit.ly/2zKJC1S
التفكير النقدي Critical Thinking
https://bit.ly/2R76fEc
Critical Thinking: A Beginner’s Guide
https://bit.ly/3g9JOHO
مغالطات الافتراض Fallacies of Presumption
https://bit.ly/3iiJgBC
تجاهل المؤهلات Ignoring qualifications
https://bit.ly/3eV6snq
مغالطة العرض المباشر Fallacy of Accident
https://bit.ly/3dS6v1M
المصادرة على المطلوب Begging the Question
https://bit.ly/2NMswEy
الاستدلال الدائري Circular reasoning
https://bit.ly/2NIjMzc
أرسطو Aristotle
https://bit.ly/38fhgdv
الاورغانون Organon
https://bit.ly/2RRVoi1
التحليلات الأولى الأنالوطيقا Prior Analytics
https://bit.ly/2YNIcOr
نسق المنطق a system of logic
https://bit.ly/3dQBJ9z
السؤال المركب Complex Question
https://bit.ly/2K313wH
الوعي واللغة Consciousness and Language
https://bit.ly/38dMq4W
المأزق المفتعل False Dichotomy
https://bit.ly/3eNVksp
الأدلة المكبوتة Suppressed Evidence
https://bit.ly/3dLOK43
مغالطات الغموض Fallacies of Ambiguity
https://bit.ly/2NFRQMC
الإشتراك اللفظي Equivocation
https://bit.ly/2VaVJOb
أبو حامد الغزالي
https://bit.ly/38h6umN
المستصفَى
https://bit.ly/2YL5zYS
التشابه Amphiboly
https://bit.ly/34zNDSi
النبر Accent
https://bit.ly/2Vaqh2D
دحض السفسطيات On sophistical refutations
https://bit.ly/3ePr9kn
مغالطة التكوين Composition
https://bit.ly/3aaRJBs
مغالطة التقسيم Division
https://bit.ly/2yhGr0O
ستيفن بينكر Steven Pinker
https://bit.ly/3dOGCzR
أشياء الفكر: اللغة كنافذة للطبيعة الانسان
https://bit.ly/3dQCRtP
برتراند راسل Bertrand Russell
https://bit.ly/2R4Xsm4
تطوري الفلسفي My Philosophical Development
https://bit.ly/38nt2lZ
Music Credit
Celtic Music – Child of the Highlands
Dark Piano – Liar
myuu – Look Out
myuu – Angst
myuu – Suspicious
myuu – Spook Box
myuu – Bittersweet
myuu – Carmen Habanera
Kevin MacLeod – Pooka
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
تنبية
تحتوي الحلقة على مقتطفات من خطابات بعض السياسيين والشخصيات العامة. الهدف منها توضيح المغالطات المنطقية بإلقاء الضوء على أمثلة من الحياة اليومية.
عندما يقوم البشر بعملية التفكير، من المفترض انهم يسعوا الى القيام بها بشكل صحيح. لكنهم لا ينجحوا في هذا دائما سواء عن قصد أو عمد. وبالتالي عبر العصور جهد علماء المنطق لوضع الطرق والآليات التى تجعل البشر يميلون الى التفكير الغير منطقي أحيانا. مثلا إن لم يقدم الفرد مقدمات تدعم نتيجة الحجة تعد هذة أحد صور التفكير الغير المنطقي. والتفكير والجدليات من هذا النوع يطلق عليها المنطق الخاطئ fallacious أو المغالط. إذاً بشكل عام ، فإن أي خطأ في المنطق هو مغالطة fallacy. وبالمثل ، يمكن أحيانًا وصف أي فكرة خاطئة أو معتقد خاطئ بأنها “مغالطة”. لكن علماء المنطق في الواقع يستخدموا هذا الاصطلاح بشكل أكثر تحديدا من مجرد الاشارة الى اي خطأ في التفكير. لكن فئات وأنواع معينة من الأخطاء في التفكير والجدال. هذة الاخطاء تظهر نمط pattern او صورة محددة من الممكن تحديدها و الاشارة اليها. أحد آباء المنطق الحديث الفيلسوف الالماني جوتلوب فريجة Gottlob Frege آشار الا ان احد مهام علماء المنطق هي تحديد الصعوبات التي تضعها اللغة في طريق المفكر. إذا كل مغالطة هى نوع من الجدال الخاطئ. والحجج التى تظهر هذا النوع الخاطئ من الجدال أو النمط المُغالط يقال انها ارتكبت مغالطة. وعادة ما يشار الى تلك الحجة التي تمثل أو ينطبق عليها نمط الجدال الخاطئ مغالطة fallacy. على سبيل المثال، لو قلنا ان الشيوعيين يعتنقون مبادئ اشتراكية، وانطلقنا من هذا إلى أن الرئيس المصرى الراحل جمال عبد الناصر أعتنق وطبق مبادئ اشتراكية في مصر بعد التحول من نظام الحكم الملكي إلى الحكم الجمهوري في دولة مصر (حقيقة لاشك فيها)، إذن عبد الناصر شيوعي. هذا يعد نوع من الجدال الخاطئ او المغالطة. من الجائز أن عبد الناصر يكون فعلا كان شيوعي، لكن هذة الحقيقة لا تُتبع من أطروحة أنه اعتنق مبادئ اشتراكية (الأمر اللى حدث بالفعل). هذه المنطق الخاطئ، مغالطة. ونمطه هو لو كل (س) هو (ص). لايُتبع من هذا ان لابد ان ص يكون س. مثلا لو كل الكلاب من الثدييات، لا يتبع هذا أن كل الثدييات كلاب، بنفس الصورة كل الشيوعيين الاشتراكيين، لكن لايتبع هذا بالضرورة ان كل اشتراكي شيوعي! .. هذا النمط في التفكير خاطئ. ولان هذا النمط او الصورة من التفكير الخاطئ تظهر في العديد من الجدليات، الكاتبات، والمناقشات، تم تحديدها ووضع أسم لها وأصبحت تعرف بمغالطة تأكيد النتيجة the fallacy of affirming the consequent وبالتالي الحجة السابقة بخصوص جمال عبد الناصر ترتكب مغالطة تأكيد النتيجة. في هذا المثال، الخطأ في الجدلية يطلق عليه مغالطة رسمية formal fallacy. وهو نمط من الأخطاء يظهر في الجدليات الاستنتاجية deductive arguments على صورة محددة. لكن ليس هذا هو النوع الوحيد من المغالطات. معظم المغالطات في الواقع غير رسمية informal. وهى أنماط من الأخطاء التى يقوم بها الناس في استخداماتهم اليومية للغة. المغالطات الغير رسمية تظهر نتيجة الارتباك والتخبط في استخدام محتوى اللغة.وبما أن تنويعات وصور المحتوى اللغوى كثيرة ومتعددة، بالتالي يصبح من الصبح التعرف المغالطات الغير رسمية وتحديدها اكثر من المغالطات الرسمية. أي أن اللغة هي التي تخدعنا في تلك الحالة وتضفي صورة ممكنة من الاستدلال في الانتقال من مقدمات ما الى نتيجة معينة، لكنها صورة خادعة. أو منزلق فكري لغوي. هذه المنزلقات من الممكن تجنبها لو استطعنا فهم الأنماط او الصور التى تكون عليها. وبالتالي سنركز في مناقشتنا على محاولة حصر وتحديد لتلك الأنماط اللغوية في المغالطات الغير رسمية. لكن لابد وان نكون حذرين جدا في مسعانا هذا، لان اللغة غير دقيقة ومُلتبسة كما رأينا سابقا (إرجع لحلقة المعنى والمنطق)، بداية من عدم صنع المغالطات أنفسنا عند الجدال ضد الجدليات الخاطئة، وأن لا نتهم الجدليات بأنها مغالطات غير رسمية دون تدقيق في المصطلحات والتركيبات اللغوية المستخدمة. اى ان عند سعينا لتحديد الأنماط الأخطاء في اللغة المنطوقة والمكتوبة، يجب فهم نوع اللغة المستخدمة. ويجب أن تكون معاييرنا المنطقية عالية ومنضبطة، ولكن يجب أيضا أن يكون تطبيقنا لتلك المعايير على الحجج في الحياة العادية عادل ومتفهم للمنظومة الفكرية الشاملة لطارح الحجة.
المغالطات المنطقية الغير رسمية Informal fallacies كثيرة ومتعددة الصور، وبالتالي مهمة استيعابها شاقة بدون تقسيمها وجمعها تحت مجموعة من الفئات تميز خواصها وتوضح الفروق بينها. تقسيم المغالطات الغير رسمية أمر مُختلف علية داخل رواقات علم المنطق بين المنطقيين. وهناك أحزاب وفرق متعددة تبنيت تصنيفات متباينة لصور المغالطات المتعددة. حتى قوائم تلك المغالطات تباينت بشكل واسع بين المنطقيين. كل مجموعة وضعت مجموعات من قوائم المغالطات المختلفة ، وأعطت تلك القوائم أسماء محددة وكذلك المغالطات بها. اى تصنيف محكوم علية من البداية ان يكون ذاتي و كيفي من البداية. وبالتالي هذا الخلاف خارج دائرة دراستنا ومتروك بدرجة كبيرة الباحثين المتعمقين في المجال. والهدف من مناقشتنا سيركز بالدرجة الأولى على حصر أكبر عدد من المغالطات المنطقية الغير رسمية وتبني أحد التصنيفات لتوضيح سماتها والفروق ما بينها. لكنى اردت لفت انتباهك ان لو قرأت أو درست المغالطات الغير رسمية بصورة مختلفة أو تصنيفات اخرى، هذة احد الاثار الجانبية للخلاف التصنيفي الدائر داخل علم المنطق. لكن الأفكار مازالت متشابهة لدرجة كبيرة. على أى حال التصنيف الذي سنتبناه كالآتي:
(الفئة الأولى) مغالطات الارتباط Fallacies of relevance وهى الفئة الأكثر شيوعا من المغالطات. في هذا النوع من المغالطات ببساطة مقدمات الحجة ليست على صلة أو ارتباط بالنتيجة، لكنها عادة ما تصاغ بصورة خادعة تضفي عليها صفة الارتباط ما بين المقدمات والنتيجة.
(الفئة الثانية) مغالطات الحث الضعيف Fallacies of Weak induction وهى أيضا فئة شائعة من المغالطات الغير رسمية، والاشكالية المنطقية في هذه الصور من الجدال هو أن بالرغم من ارتباط المقدمات بالنتيجة إلا أن هذا الارتباط المنطقي ضعيف وغير فعال في دعم النتيجة ..
(الفئة الثالثة) مغالطات الافتراض Fallacies of presumption في هذة الفئة من المغالطات مساحة الافتراضات واسعة جدا في المقدمات وغير مؤكدة. وبالتالي النتيجة المُستدل عليها تعتمد بشكل خاطئ على افتراضات غير مضمونة.
(الفئة الرابعة) مغالطات غموض اللغة Fallacies of ambiguity الاشكالية الجوهرية في مغالطات الغموض تظهر نتيجة الاستخدام المركب للكلمات والعبارات. كلمة ما قد تستخدم بصورة ما في جزء من الحجة لتعنى شيء ما مختلف عن استخدام نفس الكلمة في جزء آخر من الحجة وبالتالي يحدث نوع من الغموض و الالتباس في الحجة.
محاور
مغالطات الارتباط، التوسل بالاكثرية، التوسل بالقوة، التوسل بالشفقة، الشخصنة، مغالطة رجل القش، مغالطة تجاهل المطلوب، الرنجة الحمراء، مغالطات الحث الضعيف، التوسل بالمرجعية الغير مؤهلة، التوسل بالجهل، التعميم الطائش، مغالطة السبب الخاطئ، المنحدر الزلق، التفكير التشبيهي
مغالطات الارتباط Fallacies of Relevance
هي الفئة الاكثر شيوعا من المغالطات الغير رسمية و أكثرها فداحة، والبعض يطلق عليها مغالطات عدم الصلة irrelevance لأنها تنشأ في الجدليات التي لايوجد فيها اتصال ما بين المقدمات والنتيجة. ولانه لايوجد اتصال ما بين المقدمات والنتيجة لايمكن الاعتماد على المقدمات كقاعدة للاستدلال على حقيقة النتيجة. لكن بكل تأكيد من الجائز أن المقدمات تقدم صورة من الارتباط النفسي والسيكولوجي يأسس تصرفات تؤدي لقبول الحجة عند البعض. بصور ابسط الاشكالية تظهر عندما تستخدم الجوانب العاطفية للغة لدعم حقيقة إدعاء ما دون أعطاء أسباب موضوعية حقيقة. سنتعرض لعدة صور من مغالطات الارتباط. من المهم الإشارة انى سأشير لكلا من أسم صورة الحجة المتعارف عليه بكلا من اللغة الانجليزية واللاتينية لان بعض المصادر الكلاسيكية قد تستخدم المصطلحات اللاتينية.
التوسل بالاكثرية The Appeal to the Populace (Argumentum ad Populum)
تقريبا كلنا نسعي لحب، دعم، وتقدير الآخرين. التوسل للجموع نمط من المغالطات المنطقية يتغذى على تلك المشاعر، الرغبة في قبول المتلقي لنتيجة الحجة. عادة يوجد طريقتين أساسيتين للتوسل بالاكثرية، طريقة مباشرة وأخرى غير مباشرة. في الطريقة المباشرة، المُجادل خاطبا في جموع كبيرة من البشر عادة ما يحاول إثارة مشاعر الحماس لقبول نتيجة حجته. الهدف عادة هو إثارة نوع من العواطف معروفة في أدبيات علم النفس بعقلية الغوغاء mob mentality. هذه الاستراتيجية تقريبا الطريقة الرئيسية التي يعتمد عليها الدوغمائية، الإعلاميون، القادة، المديرين، السياسيين. أدولف هتلر كان خبير في هذة الاستراتيجية، وخطاباته في الشعب الألماني أمثلة كلاسيكية على مغالطة التوسل بالاكثرية خلال فترة الحقبة النازية. لكن الطريقة شائع ورائحة وتطورت بشكل كبير بين السياسيين والقادة بمختلف توجهاتهم السياسية وخلفياتهم التنفيذية سواء كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية. وأصبحت حتى طريقة شائعة في خطاب الأحزاب السياسية للجماهير، استخدام الأدوات المساعدة كالموسيقى، الاغاني، الحشود، العروض العسكرية، وغيرها يساعد أكثر في إثارة الحماس، وعادة ما يكون تأثيرة شديد الإيجابية لان الافراد تريد الانضمام للكل، تشارك في نشوة الفرح والسعادة المشتركة مع الاخريين التى قد لا تربطهم بهم اي علاقة. هي نفس الارضية العاطفية التى قامت عليها تجمعات حلقات الرقص والغناء المشترك في القبائل الانسانية البدائية، في ولاية كاليفورنيا الامريكية حيث أعيش، هناك صور عديدة من حلقات الرقص العشوائية على شواطئ المحيط الأطلنطي، يتجمع فيها أفراد من كافة فرق وصور الحياة بداية من المتشردين، وانتهاءا بطبقات مشهورة وغنية من المواطنين، حلقات الرقص عشوائية تماما بمعنى الكلمة عادة ما تبدأ بمجموعة من الافراد يقرعون الطبول بصورة صاخبة، ويرقصون بشكل غير نظامي بالمرة، في كثير من الأحيان تنتشر صور من العقاقير المخدرة بين المشاركين مثل الماريجوانا، لتحسين المزاج، وتقليل سيطرة المخ على الإدراك، اى زيادة جرعة النشوة بشكل عام، تدريجيا تجذب الأصوات العالية رواد الشاطئ وبعض المارة،المتضامنين مع هذا الأسلوب بشكل عام ولا يعترضوا على تدوال المخدرات، وتبدأ رقعة الحلقة في الاتساع وتزداد عشوائيتها، وجرعة نشوتها.
بعض المنضمين في البداية قد يكونوا رافضين لفكرة تداول المخدرات داخل الحلقة، لكن تدريجيا يقبولها حتى ولو بشكل سلبي في مقابل أن يحصلوا على جزء من نشوة الانتماء المؤقت لجماعة من الغرباء. على اى حال هذا المثال وغيره يوضح بعض العوامل السيكولوجية التى قد تقود الافراد لقبول مغالطات التوسل بالكثرة. أحد الأمثلة الأخرى التي عاصرتها بشكل شخصي هو أحداث 30 يونيو 2013 في مصر، حيث جرت عدة مظاهرات في عدد من محافظات الدولة نظمتها أحزاب وحركات معارضة للرئيس المصرى المنتخب وقتها محمد مرسي طالبوا فيها برحيلة بعد عام واحد من توليه السلطة، وأعقبها انقلاب المؤسسة العسكرية بقيادة وزير الدفاع وقتها الفريق أول عبد الفتاح السيسي على السلطة التنفيذية المنتخبة وإنهاء حكم الرئيس مرسي. ايا كان موقفك من شرعية الاحداث. الصورة التى اود الاشارة اليها هنا هو شيوع مغالطة التوسل بالاكثرية بين مؤيدي الطرفين وقتها خصوصا المعارضين. واتذكر وقتها شيوع مظاهر مشابهة لحلقات الرقص العشوائية على شواطئ كاليفورنيا، يتجمع فيها جموع من الغرباء من الصعب أن تستنتج نوع الارتباط الاجتماعي او الثقافي بينهم يرقصون في عشوائية على أغاني وموسيقى كُتبت خصيصا لدعم موقفهم بتوحد الشعب والجيش (لاحظ اللجوء للمشاعر الايجابية هنا).
حالة النشوة النفسية في رأيي جزء أساسي من التأثير على الموقف الفكري وقبول البعض لنتيجة الجدلية المطروحة. التسول بالمشاعر السلبية أيضا أحد الصور الرئيسية لخلق عقلية الغوغاء وعادة ما تعرف بمغالطة الترويج للخوف fear-mongering او التوسل بالخوف The appeal to fear وهي ايضا احد الطرق المباشرة من مغالطة التوسل بالاكثرية، حيث يُستخدم الخوف كأساس لنتيجة الحجة، طبعا الخوف في كثير من الأحيان قد يكون مُبرر طالما كان قائم على أدلة وأسباب منطقية، مثلا الخوف من التعرض للسرقة عند قيادتك سيارة على طريق خال في الصحراء معدلات السرقة فية مرتفعة، هو خوف مبرر. لكن في مغالطات الترويج للخوف لا يُدعم الخوف بأي دليل قوي ، وعادة لا يرتكز إلا على الشك غير المنطقي الناتج عن تكرار رسالة أو إشاعة مرارًا وتكرارًا.التكرار التدريجي للرسالة يجعل الجمهور يشعر بعدم الارتياح ، وقد يكون هذا وحده كافيًا للحصول على عدد كبير لقبول استنتاج المجادل. هذة الصورة من المغالطات شديدة الشيوع في حملات الرئاسة الانتخابية، وعادة ما يستخدمها المرشحين للتلاعب بعواطف ومشاعر المنتخبين لتأمين احتياجات أساسية، يكرروا للمتلقي أنها في خطر وبالتالي لابد من دعم نتيجة حجتهم (في العادة انتخابهم) لتأمين هذه الحاجة!
.. على سبيل المثال الرئيس المصرى الراحل محمد مرسي لجأ لاستخدام تلك المغالطة لكسب دعم الشعب المصري في مواجهة لبعض المشاكل الاقتصادية وقت فترة حكمة الغير مكتملة، حيث لجأ لتكرار رسالة غير مؤكدة او مدعومة بادلة موضوعية عن تدخل قوى الشر و المتآمرين، والعملاء، والخونة، للعبث في استقرار منظومة الدولة. نفس الصور ايضا مع تعديل طفيف في الصياغة استخدمها الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي وأجهزته الإعلامية لتكرار رسالة خوف غير مبررة او مؤكدة وأدلة موضوعية عن قوى الشر، وجماعة الإخوان المسلمين التى تحاول العبث باستقرار منظومة حكمة،
الإطار العام عادة في تلك الخطابات التأكيد على تكرارية رسالة بث الخوف والذعر من فئة أو جماعة ما دون تقديم أدلة موضوعية واضحة ومحددة تربط أفعال معينة بأحداث معينة. والهدف بالطبع دعم نتائج المُجادل أيا كانت. على سبيل المثال الخوف المبرر من القيادة على طريق سريع عرفت عنة السرقة تتوفر فيه الأدلة الموضوعية لنتيجة الحجة.
(1) الطريق السريع س . حدثت به ص من حوادث السرقة في الفترة الزمنية ن. بمعدل م1 حادثة في الشهر.
(2) هذا المعدل من الحوادث مرتفع مقارنة بمعدل الأمان القياسي لباقي الطرق م2 حادثة في الشهر
(3) إذن، هذا الطريق غير آمن، ويجب تجنب القيادة علية. في تلك الجدلية بكل تأكيد المُجادل لجأ للخوف كي يدعم نتيجة حُجتة لكنة خوف مُبرر بأدلة موضوعية إذن تصبح الحجة سليمة.
في الطريقة الغير مباشرة من التوسل بالكثرة، المُجادل يلجأ لتوجيه الالتماس الى فرد و مجموعة من الأفراد داخل الجماعة بدلا من الجماعة في مجملها، محاولا التركيز على عنصر ما في تلك المجموعة وعلاقته بالجماعة ككل. هذا الأسلوب به درجة كبيرة من التشابه مع نوع أخر من المغالطات يطلق عليه حجة العربة الموسيقية bandwagon argument أو الصور العديدة المشابهة لها كمناشدة التقاليد appeal to tradition أو مناشدة الغرور appeal to snobbery. المرشحون قديما كانوا يستقلون في حملاتهم الانتخابية، عربية كبيرة تتسع لفرقة موسيقية، ويجوبون المدينة، وكان الناس يُعبرون عن تأييدهم للمرشح باعتلاء العربة ومنها نشأ اسم الحجة. اى أقفز إلى العربة، شارك الحشد وانضم الى الجماعة. الهيكل العام لحجة العربه عادة ما يكون على صورة كل الناس بتصدق كذا وكذا، إذن لابد وان تصدق كذا وكذا أيضا. مثلا
“(1) كل الناس تعتقد في وجود حياة بعد الموت،
(2) إذن لابد وأن تعتقد في وجود حياة بعد الموت”
.. الفكرة ان لو كنت تحاول الاندماج مع الجماعة وأن لا تكون شاذ في أفكارك ومختلف، من الأفضل أن تعتقد فيما يعتقد فيه الآخرين. لكن لو فاكر من حلقة أسس علم المنطق، هناك أطروحة ما غائبة في تلك الحجة عن قصد او غير قصد يجعلها تفتقد الارتباط المنطقي بين المقدمة 1 والنتيجة 2. وهي أطروحة لماذا يجب أن يعتقد الفرد فيما تعتقد فيه الجماعة. في الغالب اى طرح هنا سيكون من الصعب تقديم دعم لصحة هذا الطرح. لان ليس من الواضح منطقيا لماذا يجب أن يصح معتقد جماعة من الناس لمجرد أن هناك جماعة من البشر تعتقد فيه. علماء النفس عادة ما يصفون تلك الظاهرة الاجتماعية بظاهرة عربة الفرقة bandwagon effect، عندما يشعر الفرد بالضغط الانصياع لموقف أو رأي معين لمجرد انه رأى الأغلبية في الجماعة.
الصورة الاخرى الغير مباشرة في التوسل للجماعة، هى مناشدة التفاخر appeal to vanity عادة ما يلجأ المُجادل لإيجاد علاقة في حجته بين عواطف الحب، الاعجاب، و التصديق من الجمهور على شخصية ما وما يُحبة أو يفعله هذا الشخص او الفرد. هذا النوع من الجدال عادة ما يستخدم من قبل الآباء والدعاية بشكل عام. فكر مثلا في تلك الجملة التى من الممكن ان تقولها ام لابنها “محمد صلاح لاعب الكرة المصرى المشهور كان يشرب اللبن وهو صغير، لو أردت أن تكون لاعب كرة مشهور لابد وأن تشرب اللبن أيضا” .. العاطفة اللى تناشدها الحجة في المستمع هي الفخر والحب والقبول من الجماهير، وتداعب تلك المشاعر بإثارة تخيل الفرد لشخصية عامة أخرى معروف عنها الحصول على مشاعر الحب والتصديق من الجمهور، وبالتالي يصبح الفرد أكثر قبولا لنتيجة الحجة. النتيجة نفسها قد تكون حقيقية مثلا في الحجة السابقة من المفيد صحيا لمعظم صغار السن من الجنس البشرى (الا لو كان لديهم طفرات جينية معينة) شرب اللبن في مراحل نضجهم الأولى، لكن هذة الحقيقة غير مدعومة منطقيا بأن محمد صلاح كان بيشرب اللبن وهو طفل أو أنه لاعب مشهور، على الاقل الحجة لاتقدم هذا الدعم المنطقي.
صورة أخرى من الطريقة الغير مباشرة هي التوسل بالخيلاء appeal to snobbery فيها المُجادل يحاول اللجوء الى صنع علاقة خادعة بين نتيجة حجته ومجموعة صغيرة من الجماهير من المفترض انها متفوقة بصورة ما او أخرى أكثر ثراء، قوة، سلطة، علما، الخ. الحجة عادة ما تكون على صورة لو كان المستمع يريد ان يكون جزء من تلك الجماعة، إذن لابد وأن يقوم بالفعل الاتي، او يفكر تلك الطريقة، أو يشتري هذا المنتج، الخ. مثلا “المطعم كذا فقط للصفوة والمشاهير، كي تكون جزء من الصفوة لابد وأن تأكل في هذا المكان” .. أو “المشاهير يحملون فقط التليفون من ماركة س، لهذا لابد وأن تشترى التليفون س” .. فعلا مجموعة من الجماهير المميزة بصورة او أخرى من الممكن يفضلون تصرف، او منتج ما، ولكن هذا ليس سبب منطقي كافي كي تمتثل لهذا الفعل.
الصورة الغير مباشرة الاخيرة التي سنقدمها لك هي التوسل بالعادات والتقاليد appeal to tradition المجادل عادة ما يلجأ ان شئ ما أصبح من العادات والتقاليد في مجتمع ما كي يثبت صحة نتيجة الحجة. في الواقع ادعاء أن شئ ما هو من تقاليد المجتمع مجرد مترادفة الادعاء أن هناك الكثير من الناس تعتقد في هذا الادعاء لمدة طويلة من الزمن. في الواقع هذة الصورة من الجدال شائعة جدا بين البشر بشكل عام لكن خصوصا في المجتمعات الشرقية، واعتقد انك قادر على التفكير لحظيا في العديد من الامثلة. مثلا من العادات والتقاليد الشائعة في المجتمع المصرى “الدخول بالساق اليمنى لمكان جديد. يباركه ويحقق الخير والسعادة” أو “رؤية غراب أسود على سطح المنزل،ـ فأل شؤم، وينذر بموت أحد أهل الدار” .. “تعديل النعال المقلوبة لأنها تجلب الشيطان داخل المنزل” .. “عندما يتحدث شخص ما عن الأشياء العظيمة التي يمتلكها، أو الخير الذي حدث له، يقوم المستمعون بمسك الخشب منعا للحسد” .. والقائمة طويلة! .. ليس من الواضح في الهيكل المنطقي للحجج السابقة لماذا يجب أن نستمر في فعل تلك الأشياء او الاعتقاد فيها لمجرد ان افراد المجتمع قاموا بفعلها لفترة زمنية طويلة! .. إذن الصورة العامة لمغالطات التوسل بالكثرة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة لها نفس الهيكل او التركيب وهو “إن كنت تريد ان تكون جزء من جماعة او تحصل على الحب، التقدير، الشهرة، الخ .. إذن لابد وأن تقبل س كحقيقة”. في الطريقة المباشرة اللجوء لاثارة عقلية الغوغاء ينتج مشاعر انتماء للجماعة بشكل سريع، حتى وان تم هذا من خلال اثارة الخوف. الأفراد تشعر وقتها بالتوحد مع الجماعة الأمر الذى يولد مشاعر بالقوة، والأمان. عندما تصبح الجماهير وتهتف بصحة نتائج أو قرارات ما، اى فرد لا يتفق مع تلك الرؤية قطع نفسة من الاتصال مع الجماعة ووضع نفسه في خطر فقدان الأمان، القوة، والقبول المكتسب من الانتماء للكل. وبالتالي الميل النفسي لقبول النتائج التى تقبلها الجماعة تصبح عملية غير واعية داخل العقل البشري كصمام حماية لتحقيق الأمان من خلال الانتماء.
التوسل بالقوة (Argumentum ad Baculum ( Appeal to Force
الفكر الحقيقي لا يكون إلا حرا، الحرية في جوهر الفكر وكينونته.والقوة لا تصنع الحق. مغالطة التوسل بالقوة تحدث عندما يقدم المُجادل حجة للمتلقي ويخبره بشكل مباشر أو غير مباشر أن ضرر ما قد يقع علية بشكل جسدي، نفسي، أو عاطفي إن لم يقبل نتيجة الحجة. المغالطة دائما ما تحتوي على صورة من التهديد الجسدي او النفسي للمتلقي او في بعض الأحيان لجماعة من الناس. وبالطبع هذا التهديد غير مرتبط منطقيا بنتيجة الحجة، وبالتالي تصبح الحجة مغالطة عدم ارتباط لان لا يوجد ما يربط التهديد بنتيجة الحجة منطقيا. لن أجد مثال أكثر بلاغة من المشهد الكوميدي في الفيلم المصري الكلاسيكي طاقية الإخفاء بين الراحلين توفيق الدقن و عبد المنعم إبراهيم، عندما هدده الاول بتصديق ان العلبة فيها فيل.
هذه الصورة من المغالطات المنطقية عادة ما يسهل التعرف عليها، وتبدو بدائية وغريزية جدا بين البشر. لا أستطيع أن أحصي لك عدد المرات التى شهدت فيها في طفولتى الاصدقاء يتعرضون للتهديد لقبول أطروحة طفل آخر! .. لكن المثال بالقطع يمتد على البالغين أيضا، واعتقد انك ستكون قادر على عد الكثير من الأمثلة في الحياة اليومية داخل مجتمعاتنا الشرقية. مثلا في احدث الخامس والعشرين من يناير عام 2011 في مصر خرج الرئيس المصرى الراحل محمد حسني مبارك بعد أربعة أيام من التظاهرات بخطابه الاول يطرح حجة نتيجتها ان الاستقرار وحفظ النظام الراهن مع بعض التعديلات هو الحل للأزمة الحالية، لكن الخطاب او الحجة احتوت على عبارات تهديد عديدة تشير الى انتشار الفوضى وفقدان الأمن، والاستقرار، والانزلاق الى المجهول على غرار “إن خيطا رفيعا يفصل بين الحرية والفوضى، وإنني إذ أنحاز كل الانحياز لحرية المواطنين في إبداء آرائهم، أتمسك بذات القدر بالحفاظ على أمن مصر واستقرارها وعدم الانجراف بها وبشعبها لمنزلقات خطيرة تهدد النظام العام والسلام الاجتماعي، ولا يعلم أحد مداها وتداعياتها على حاضر الوطن ومستقبله.“
لكن ليس من الواضح منطقيا في سياق الحجة لماذا يرتبط هذا التهديد بنتيجة الحجة وهو أن أفضل الطرق لحل الأزمة الراهنة هو تجنب تغيير المنظومة الحالية وطرح بعض التعديلات فقط على طريقة عملها. علي سبيل المثال لماذا لن تسبب إقالة الحكومة (الأمر الذى اعلنة مبارك كأحد القرارات وقتها في خطابة) الفوضى المُدعاة لكن إقالة مبارك رأس النظام وقتها ستسبب الفوضى؟ .. اى ان الطرح التهديدي في الحجة لا يقدم دعم منطقي مباشر أو غير مباشر لنتيجة الحجة وبالتالي تنتقل الحجة إلى تصنيف مغالطات عدم الارتباط والتوسل بالقوة. الاستراتيجية العامة التي تلجأ إليها المغالطة عادة هي إعاقة عملية التفكير والتحليل المنطقي للحجة عند المتلقي من خلال التأثير النفسي علية بالتهديد، وبالتالي يضطر لقبول الهيكل الناقص للحجة، التي تفتقد لأطروحة ربط ما بين المقدمات والنتيجة، لان ان وضعت الاطروحة بشكل صريح وواضح امام المتلقي غالبا ما يرفض صحتها. لذا في خطاب مبارك كان من المهم تقديم مقدمة تربط الفوضى، وتداعياتها بإقالته من منصبه، ويترك عملية تقييم حقيقة تلك الأطروحة للمتلقي بدلا من ان يشير الى العواقب الغير مرغوب فيها.
التوسل بالشفقة Appeal to Pity (Argumentum ad Misericordiam)
على النقيض من التوسل بالقوة، مغالطة التوسل بالشفقة أو استدرار العطف تحدث عندما يقوم المُجادل بمحاولة دعم نتيجة حجتة من خلال اثارة عطف وشفقة المستمع، هذه الشفقة قد تكون موجه نحو المُجادل نفسه أو جهة او حزب آخر. مرة اخرى هذة الصورة من مغالطات عدم الارتباط شائعة جدا وغريزية عند البشر. وتستطيع رصدها في أكثر الصور بساطة من الجماعات البشرية، مثل الاطفال. أتذكر مثلا أني محاولة صديق طفولة إقناعي بمساعدة على الغش في أحد الامتحانات لانه مريض بمرض مزمن. العلاقة ليست واضحة لماذا الغش مقبول في تلك الحالة لأن الطفل لديه مرض مزمن. لكن الاستراتيجية عادة ما تكون فعالة لأنها تشل عملية التفكير المنطقي عند المتلقي وتؤثر على الجانب النفسي لديه! .. هذة الصورة من المغالطات شائعة جدا في المحاكم ايضا، احد الطرق الاساسية التى يستخدمها المحامين للدفاع عن موكليهم أمام القضاة! .. من المهم الاشارة ان بعض الحجج التى تثير التعاطف ومشاعر المتلقي ليست بالضرورة مغالطة، وقد نطلق عليها في تلك الحالة حجج الرحمة arguments from compassion لان هذة الصور من الحجج عادة ما توضح الانتقال من عاطفة التعاطف للسبب المنطقي الذي يدعو لقبول ان اطروحة الشفقة تدعم النتيجة وان لابد وان نقبل عدم مسؤولية الفرد عن تلك النتيجة. مثلا في بعض الأحيان قد تستخدم الظروف الاجتماعية لفرد ما لتبرير نتيجة بعض أفعالهم الغير قانونية تحت وطأة الحاجة للنجاة او الحياة. اللص الذى يسرق الخبز كي يسد رمقة مثلا، او الاب الذى يتهرب من دفع الضرائب ليوفر احتياجات أسرته الأساسية. الخ. لكن على النقيض مغالطات التوسل بالشفقة تتجاهل هذا الارتباط المنطقي بين الشفقة المطروحة وعلاقتها بنتيجة الحجة، وتسعى فقط لإثارة العاطفة لدى المستمع لشل عملية التحليل المنطقي للحجة. المثال الأخير الذي ساطرحه لتوضيح مغالطة التوسل بالشفقة هو أيضا من حوليات احداث 25 يناير عام 2011 في دولة مصر، الخطاب الثاني الذي وجهه الرئيس المصري الراحل حسني مبارك وقتها. نتيجته كانت مقتضاها عدم ترشحه لفترة رئاسية جديدة، وتعديلة لبعض المواد الدستورية لكن عدم رحيلة عن السلطة مباشرة كما طالبت العديد من القوى الثائرة وقتها. في نص خطابه الثاني استخدم مبارك لغة عاطفية، واستراتيجية لدر الشفقة والتعاطف تعد أحد النماذج القياسية على مغالطة التوسل بالشفقة، لأنه ليس من الواضح ماهي العلاقة المنطقية بين تلك الأطروحات العاطفية في نص الخطاب وبين نتيجة الحجة وهي عدم تنازله عن السلطة .. على سبيل المثال ورد في خطابة “إن حسني مبارك الذي يتحدث إليكم اليوم يعتز بما قضاه من سنين طويلة في خدمة مصر وشعبها.. إن هذا الوطن العزيز هو وطني مثلما هو وطن كل مصري ومصرية.. فيه عشت وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه.. وعلى أرضه أموت.. وسيحكم التاريخ علي وعلى غيري بما لنا أو علينا.. لن أغادر.. ولدت هنا في مصر، وسأموت فيها“.
نص الخطاب متاح على العديد من المنصات الالكترونية انصحك بقراءة مرة اخرى ومحاولة ايجاد الارتباط المنطقي بين أطروحات الشفقة في الخطاب ونتيجة الخطاب، سواء اتفقت أو اختلفت مع مبارك أو نتيجة الاحداث. الاستراتيجية كانت فعالة جدا، ولو كنت متابع أو جزء من الأحداث وقتها، ستذكر أن جمل الشفقة في الخطاب كان لها تأثير على قطاع كبير من جموع المتلقين في الشعب المصري، وأثرت على قدرة تحليلهم المنطقية لنتيجة الخطاب، وفي كثير من الأحيان ساعدت في تحول البعض لقبول عدم تنازل مبارك عن السلطة فقط تحت مبرر الشفقة والتعاطف. الأمر الذي في رأيي يعد أحد أنجح تطبيقات المغالطة على نطاق شعبي واسع في العصر الحديث!
الشخصنة Argument Against the Person (Argumentum ad Hominem)
مغالطة الشخصنة عادة ما تكون شائعة في الحوارات الساخنة بين فردين، أحدهم يحاول طرح حجة ما سواء بشكل مباشر أو غير مباشر والآخر يعترض يرد على الحجة بالتركيز على طارح الحجة بدلا من الحجة نفسها. في تلك الحال الفرد الثاني يوجهه هجوم شخصي على طارح الحجة، أو كما يقال بالعامية المصرية الدارجة “يشخصن الموضوع”. المغالطة من الممكن أن تحدث في 3 صور (1) شخصنة مسيئة (السب) ad hominem abusive اللى واضح من اسمها أن المشخصن يوجهه هجوم مسئ لشخص طارح الحجة. في الحقيقة هذة الصورة من المغالطات المنطقية شائعة جدا في وسائل الإعلام الغير مهني، الموجود بكثرة في معظم دول العالم لكنه ينتشر بصورة أكبر في الدول الى أنظمة الحكم فيها شمولية ديكتاتورية. أدوات الإعلام عادة ما تشن هجوم مباشر على طارح الحجة وتجرح في شخصه دون اى علاقة بالحجة أو الطرح الذي يقدمه المجادل. أعتقد مش محتاج اطرح عليك أمثلة في تلك الحالة (لو تأملت للحظات ستجد عشرات بل مئات الامثلة) تقريبا بشكل يومي في مختلف وسائل الإعلام العربية. المشخصن عادة ما يتجاهل مادة الحجة المطروحة وبدلا من هذا يهاجم طارح الحجة. مثلا فكر في الجملة دى “هذا الشخص يشكك في وطنية الجيش، ومشروعية تدخل الجيش في الحياة الميدانية، لكن هذا الكلام لا يصدر إلا عن شخص خائن وعميل” .. ارجو ان الفكرة تكون واضحة. بتبسيط غير مخل، اعتقد من الملائم أن نقول عند الاستماع إلى او قراءة نقد حجة ما يحتوي على سمات أو خواص لطارح الحجة سواء كانت سلبية او ايجابية من الصحي أن نشك في معقولية الحجة و نفحصها عن قرب للتأكد أنها ليست محاولة للشخصنة. أحد الصور الشائعة للشخصنة المسيئة تحدث أيضا عندما تحتوى المغالطة على دعوى المُجادل لتحويل اتجاه، مكانة، دينية، حزبه الخ. أو جمل من الجدال على صورة “هذا هو المتاح” .. أو بالمصري “لو مش عاجبك اشرب من البحر” .. مثلا كان من الشائع جدا في بعض وسائل الاعلام المصرى بعد انتزاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي الرئيس الحالي لدولة مصر السلطة من الرئيس المنتخب محمد مرسي (بناء على دعوات من بعض فصائل الشعب)، أن تسمع جمل للرد على المعترضين على بعض الأوضاع بشكل عام او خاص على شاكلة “لو مش عاجبك امشى، قاعد في البلد ليه؟”. الصورة الثانية (2) الشخصنة الظرفية Ad hominem circumstantial عادة ماتكون على نفس صورة الشخصنة المسيئة لكن بدل من الهجوم على صاحب الحجة عادة ما يحاول المُهاجم تشويه حجة الخصم من خلال الإشارة إلى ظروف معينة تؤثر على الخصم. الاستراتيجية هنا محاولة الاشارة الى ان حجة الفرد معيبة نظرا لظروف معينة تعرض لها الفرد وبالتالي لا يجب أن تأخذ حُجتة بمحمل الجد. مثلا قبل أحداث الـ 25 من يناير سنة 2011 في مصر، الدبلوماسي والسياسي المصري د. محمد البرادعي، الحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 2005 أثناء عمله في كمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. بدأ بطرح عدة دعوات من خارج مصر لتحريك الماء السياسي والاجتماعي الراكد في مصر، وجادل ان الاوضاع السياسية والاجتماعية في مصر وقتها تقود المجتمع الى نهاية محتومة وهي الانفجار. وقتها كانت أحد صور الشخصنة الرائجة على تلك الحجة وعموم أطروحات البرادعي هي الاشارة الى خلفيته، مثلا ان يعيش خارج مصر، غير مدرك لطبيعة حياة المصريين والاقتصاد المصري، أو من السهل أطلاق مثل تلك الدعاوى إن كان النظام غير قادر على الوصول اليك، وغيرها..
كل هذه الدعوات هو نوع من مغالطة الشخصنة لانها تشير الى ظروف معينة ارتبطت بشخصية صاحب الحجة وتجاهلت جوهر الحجة نفسه، حقيقة أن البرادعي يعيش خارج مصر لا تقدم أي جديد حول حقيقة نتيجة حُجتة، لو كانت الحجة خاطئة نثبت هذا من خلال طرق التحليل المنطقي السليمة دون الحاجة لشخصنة الحجة بالاشارة الى ظروف المُجادل بهدف أن لا يأخذ المتلقي الحجة بجدية كافية. على اى حال الشخصنة الظرفية من السهل التعرف عليها لأنها عادة ما تأخذ صورة “بالطبع السيد س يجادل بتلك الطريقة، أنظر للظروف التى دفعتة لذلك” . الصور الثالثة من الشخصنة (3) مذنب بالتبعية (أنت أيضاً) the tu quoque أو مغالطة وأنت كذلك! … هدف المهاجم في تلك الصورة من مغالطات الشخصنة عادة هو مهاجمة شخص المُجادل من خلال اثبات انه يجادل من منطلق النفاق او الجدال بسوء النية. ويتحقق ذلك عن طريق الإشارة الى تصرفات او أفعال يقوم بها المُجادل تتناقض مع نتيجة حجته. المغالطة عادة ما تكون على صورة “كيف تجرأ على اخبارى على التوقف عن فعل س! .. وأنت أيضا تقوم بفعل س” .. هذه المغالطة شائعة وغريزية جدا ومن الممكن رصدها في أبسط صور التفاعل البشرى بين الأطفال، وأحد أكثر اعتراضات الأبناء الرئيسية على نصائح الآباء. واحد صور الخلافات الشائعة بين الأزواج والزوجات. لأن المُهاجم عادة ما يشعر بأنة مبرر في طرح هذا النقد، الذى قد يكون فعلا حقيقيا. اى ان صاحب الحجة قد ينصح بالقيام بفعل ما هو نفسة لايقوم به او العكس. لكن هذه الحقيقة غير مرتبطة بصحة او حقيقة نتيجة حجته وبالتالي تصبح مغالطة عدم ارتباط. هل معنى هذا أن من غير الجائز ان نصيغ اى صورة من الحجج حول خصائص وسمات فرد ما … بالطبع لا .. ده أمر جائز ومشروع جدا طالما ان نتيجتة مرتبطة بسياق الموضوع أو الحجة المطروحة. علي سبيل المثال قد نجادل أن “الرئيس العراقي السابق صدام حسين، كان ديكتاتور، قاتل، قام بعمليات ابادة عرقية منظمة تجاة بعض جماعات الأقليات في العراق مثل الاكراد، وفرض قهر وتعذيب لسنوات طويلة على شعبة، واشعل حروب بشعة مع الدول والشعوب المجاورة، لذا هو إنسان حقير ومثير للاشمئزاز” .. في الحقيقة الحجة هنا ليست مغالطة، لان المقدمات متصلة بالنتيجة وبالتالي من الممكن تحليلها منطقيا لاثبات ان كانت المقدمات حقيقية وبالتبعية هل النتيجة حقيقية. لكن لو مثلا لو استخدمت نفس المقدمات السابقة للرد على حجة صدام حسين نفسه خلال محاكمته بأن الولايات المتحدة الامريكية هي المعتدية والتي هاجمت دولته وبالتالي ليست مبررة في ذلك الفعل. في تلك الحالة تصبح حجتنا مغالطة شخصنة لان بدل من ان تناقش جوهر حجة صدام حسين، هاجمنا شخصة وأفعاله، وبالتالي غير مرتبطة بنتيجة حجته، حتى وان كانت تلك السمات الشخصية والأفعال حقيقية! .. على أى حال عادة ما يوجد أرتباط وثيق خفي بين الحقيقة والمصداقية، وغالبا هذا مايجعل حجج الشخصنة غريزية لدى كثير من الناس. عند تقييم أي حجة هناك مسألتان يتم مراعاتها. جودة الهيكل المنطقي وانضباطه، وحقيقة المقدمات. وكلامها كما اشرنا سابقا مستقلتين عن شخصية طارح الحجة. لكن قبولنا لحقيقة المقدمات قد يعتمد على مصداقية طارح الحجة. مجرد معرفتنا ان المُجادل قد يكون متحيز او لدية دافع خفي يقدم لنا ارضية مشروعة للشك في أطروحاتة، لكن هذا الشك لايعني اننا مُبررين في نقد الحجة بناء على دوافع شخصية مازالت عملية التحليل المنطقي السليم وطرح حجج مضادة سليمة هو السبيل الوحيد لبيان خطأ حجة الشخص الآخر.
مغالطة رجل القش Straw Man
مغالطة رجل القش ترتكب عندما يقوم المُجادل بشغل الانتباه عن حجة خصمه عن طريق استبدالها بحجة أخرى مشوهة أسهل في النقد، ثم يهدم الحجة المشوهة ، ويستنتج أن حجة الخصم الحقيقية قد تم هدمها. ومن هنا أسم الحجة .. أي أن المُجادل صنع رجل قش وهاجمه فقط ليستنتج أن حجة الخصم فشلت وأنه دحضها. اى ان هدف المجادل نقل الهجوم الى حجة أخرى أكثر ضعفا بدلا من حجة الخصم الحقيقية. أو كما يقال صنع الدمية، حاربها، ثم هزمها. التسمية راجعة لممارسة شاعت في العصور الوسطى استخدمت فيها دمية على هيئة رجل محشوة بالقش، كي تمثل خصم نازلة المحاربين بالسيف. على سبيل المثال في أحد المناظرات الفكرية الاخيرة في الولايات المتحدة حول منع الصلاة في المدارس العامة. نقد المنافس حجة خصمة كالاتي “لقد جادل السيد س بمنع الصلاة في المدارس العامة. بكل تأكيد السيد س يدعو الى نشر الإلحاد. لكن الإلحاد هو عقيدة الاتحاد الروسي المنهار. الالحاد يقود الى قهر المؤمنين، قتل الالة وخلق دولة الة الحكومة. هل هذا ما نريد لبلادنا؟ حجة السيد س بكل تأكيد خاطئة ودرب من الكفر” .. مغالطات رجل القش والشخصنة عادة ما تصنف في بعض التصنيفات الأقل شهرة بتصنيفات الدحض refutational fallacies لان الهدف الاساسي منها عادة ما يكون دحض حجة خصم محددة. في المثال السابق مثلا من الواضح أن المجادل يحاول نقد حجة محددة طرحها خصمه السيد س حاول فيها الجدال ضد السماح بالصلاة في المساجد. لكن بدلا من مناقشة حجة الخصم قام بمعادلتها مع حجة الإلحاد، وبعد هذا انتقل للهجوم على حجة الإلحاد واعلان انتصاره عليها. لكن بما أن حجة السيد س لا تجادل حول الإلحاد اى لا تحاول إثبات صحة إن كان الإلحاد منهج صحيح ام لا، اذن منافسة ارتكب مغالطة رجل القش. من المثال السابق من الواضح أن استراتيجية التشتيت التي عادة ما يُلجأ لاستخدامها في تلك الحالة هى محاولة المبالغة في حجة الخصم وإظهارها بصورة أكثر تطرفا عن حقيقتها. لكن في الحقيقة هناك عدة استراتيجيات قد تستخدم في مغالطة رجل القش لتحريف موقف الخصم منها على سبيل المثال (1) التحريف بالتجزئة او الاقتطاع. اى تناول جزء صغير من موقف الخصم وتبالغ في حجمه وتعميمه كي يبدو وكانة الموقف الكلي. (2) التحريف بالتنميط او stereotyping وهو محاولة الخصم تعميم نمط معين من التفكير على حجة الخصم. كما حدث مثلا في المثال السابق، عندما لجأ المجادل لتعميم الحجة لنمط أعم من التفكير وهو الإلحاد. في رأيي أحد أشهر صور مغالطة رجل القش شيوعا في المجتمعات الشرقية الحديثة عادة ما تستخدم بكثرة في حالات نقد الآراء المتعلقة بالمؤسسة الدينية. في بعض الأحيان تلك الدعاوى تصنف تحت نقد الخطاب الديني، وتجديد الخطاب الديني، الخ. الاستراتيجية الشائعة عادة في التعامل مع تلك الدعوات، الأفكار والحجج هو مقاربتها وتنميطها كصورة من الهرطقة او الكفر، ونقل الهجوم على حجة الخصم الى الهجوم على رجل القش في تلك الحالة الكفر، والهرطقة، الذى يعد بكل تأكيد حجة أسهل للدحض على الأقل داخل المجتمعات الدينية! .. لكن في الحقيقة مغالطة رجل القش نوع خطر من النقد لأن إذا قام أحد الناقدين ، في الجدل ، بتصوير خصومه بطريقة تبدو أكثر تطرفًا وغير منطقية أكثر مما يمكن تبريره نظرًا لما كتبوه أو قالوه ، فمن المرجح أن يتعرف المتلقي على المبالغة ويشعر بعدم معقولية الصورة ويرى حجة الناقد غير عادلة وظالمة. بل والأسوأ أن يرى المتلقي المغالطة على انها نوع من التحريف، وعدم المصداقية في نقل حقيقة حجة الخصم.
مغالطة تجاهل المطلوب (الحيد عن المسألة) Missing the Point (Ignoratio Elenchi)
فئة تجاهل المطلوب من مغالطات الارتباط، في الواقع أصعب في تحديد سماتها بشكل دقيق، وهناك العديد من الأسماء والمصطلحات التي قد أطلقت على هذة الفئة مثلا الاستنتاجات عديمة الصلة irrelevant conclusion. الفكرة العامة هي أن المقدمات في الحجة عادة ما تدعم نتيجة أخرى مختلفة عن نتيجة الحجة. صورة المغالطة تعد حالة خاصة من مغالطات عدم الارتباط بشكل عام. عادة النتيجة المختلفة التى تدعمها مقدمات الحجة ترتبط من بعيد أو بشكل غامض بنتيجة الحجة نفسها. وبالتالي التعرف على المغالطة يبدأ بتحديد النتيجة التى تدعمها المقدمات فعلا وهل تتطابق ام تختلف عن النتيجة المطروحة داخل الحجة، وكيف ترتبط بنتيجة الحجة إن لم تكن هي نفس النتيجة. فكر في تلك الامثلة “معدلات جرائم السرقة ازدادت في الفترة لمستوى مُقلق، والحل واضح، لابد من اعادة عقوبة الاعدام مرة اخرى لتلك الجرائم” .. هناك على نتيجتين في تلك الحجة، لابد من زيادة الحرس والشرطة في الأحياء التى عرضة أكثر لخطر السرقة. و النتيجة الاخرى هو اعادة عقوبة الإعدام مرة أخرى كعقوبة للحد من أسباب تلك الجرائم. نتيحة إعادة عقوبة الاعدام تبدو غير منطقية على الإطلاق، بداية من ان جرائم السرقة لا تنطبق عليها عقوبة الإعدام. في حين أن النتيجة الأولى تبدو وثيقة الاتصال بالمقدمات. في الحقيقة المصطلح اليوناني Ignoratio elenchi يعنى تجاهل الدليل. في تلك الحالة المُجادل يتجاهل التبعيات المنطقية مقدماته، ويقدم نتيجة أخرى تماما بعيدة تماما عن المطلوب، اى تتجاهل المطلوب من الحجة. لو لاحظت المغالطة دى عادة ما تكون جذابة للمتلقي، لانها تقدم نتيجة قد يقبلها المتلقي، او تبدو منطقية، لكنها تصرف انتباه المتلقي عن الهدف او النتيجة الحقيقة للحجة. عادة ما تكون تلك المغالطة شائعة في المناقشات الاجتماعية، حيث يقترح برنامج معين لبلوغ غاية كبرى متفق عليها من جميع أطراف المجتمع، ثم يدعم البرنامج بأطروحات تدعم هذه الغاية الكبرى لكن في الواقع ليست لها علاقة بالبرنامج محل السؤال. وقبول الحجة عادى ما يُقبل بناء على قُبول الناس لهذه الغاية الكبرى. السياسيين بارعين في استخدام تلك المغالطة في محاولة تمرير برامجهم الاجتماعية تحت مسميات كبرى فضفاضة لا يختلف حولها الجماهير مثل الأمن القومي، الصحة، مكافحة الفقر، الجريمة، إلخ. من السهل على الجميع ان يتفق مع هذه الأهداف النبيلة، لكن من السؤال الحقيقي ماهي البرامج الفعالة والمجدية فعلا لتحقيق تلك الغايات والأهداف النبيلة؟ لكن استجداء تلك العبارات والجمل الفضفاضة يعتم على قدرة المتلقي لتفنيد الحجة المطروحة بشكل منطقي. على سبيل المثال لا الحصر لأن الأمثلة في تلك الحالة عديدة واكبر من حصرها في السنوات الأخيرة في مصر ..
في خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للجماهير سنة 2013 طلب من الجماهير النزول للشوارع في جموع كبيرة لإعطاء تفويض بمواجهة العنف المحتمل للقضاء على الإرهاب. بكل تأكيد لن يختلف أحد على ان مواجهة العنف والقضاء على الإرهاب اهداف نبيلة. ولن يختلف حولها أحد لكن هذا ليس كافي لتبرير النتيجة وهو التفويض من الشعب للجيش والشرطة باتخاذ اى اجراءات يروها مناسبة للتعامل مع العنف حتى وإن كانت خارج قواعد وسلطة القانون. قد يكون هذا أحد وسائل التعامل مع الأمر، لكن الحجة لاتقدم أي دعم لهذه النتيجة، على العكس ترتكب مغالطة تجاهل المطلوب بتشتيت المتلقي والحيد عن المسألة المطروحة وهي المبررات المنطقية لتفويض النظام بالتعامل مع أعمال العنف أو الشغب خارج سلطة القانون.
الرنجة الحمراء Red Herring
في عمليات تدريب كلاب الصيد قديما، كان يتم أستخدام الرنجة الحمراء المدخنة، عندما كان يتم تدريب الكلب على اتباع الرائحة الباهتة لحيوان ما .. ثعلب مثلا، كان المُدرب يسحب الرنجة الحمراء (التي تشوش رائحتها القوية على الحيوان) في طريق متعامد مع طريق الحيوان المُطارد لإرباك الكلب.في النهاية يتعلم الكلب اتباع الرائحة الأصلية للحيوان بدلاً من الرائحة القوية للرنجة! .. هذة إحدى القصص الشائعة عن مصدر تسمية مُغالطة الرنجة الحمراء، لكن هذة القصة التى كانت شائعة لفترة طويلة هناك الآن خلاف حول تسميتها. على اى حال، أيا كان مصدر التسمية. المغالطة تقترب كثيرا من مغالطة تجاهل المطلوب، عادة المُجادل يبتعد عن النقطة الرئيسية ويشتت الموضوع إلى أمور فرعية قد تكون مرتبطة بالقضية الاصلية لكن من بعيد، بالتحول الى التفاصيل الغير مُهمة، أو التحول الى موضوع لافت او مثير للعواطف والانفعالات ويتشابه سطحيا مع الموضوع الاصلى، اى الرنجة الحمراء التي تُشتت عن الطريق القويم للحقيقة وتستهلك طاقة الخصم في تُرهات خارجة عن النتيجة المطلوبة، او اثارة مشاعرة بجذبة خلف مسألة براقة بعيدة عن جوهر القضية. كي ينجح الفرد في مغالطة الرنجة الحمراء لابد وان يحول موضوع الحجة الأصلي دون ان يشعر المتلقي وإلا أبطل المغالطة. أحد الطرق الشائعة لتحويل موضوع الحجة هو اختيار موضوع آخر مرتبط بالموضوع الاصلي، فلا يشعر المتلقي بالانتقال .. تأمل المثال التالي “يدافع أنصار البيئة باستمرار عن مخاطر الطاقة النووية. لكن لسوء الحظ ، الكهرباء خطيرة بغض النظر عن مصدرها. في كل عام ، يتم صعق مئات الأشخاص عن طريق الصدفة. نظرًا لأن معظم هذه الحوادث ناتجة عن الإهمال ، فيمكن تجنبها إذا كان الناس أكثر حذرا” .. المثال السابق يرتكب مغالطة الرنجة الحمراء بشكل قياسي. القضية الاصلية هي ان كانت الطاقة النووية خطيرة أم لا. لكن المُجادل انتقل بالموضوع برشاقة الى قضية اخرى قريبة وهي مخاطر الكهرباء وحوادث الصواعق الكهربائية، وبنى نتيجته النهائية بناء على الخطورة الكامنة في استخدام الكهرباء بشكل عام! .. بكل تأكيد تلك النتيجة مختلفة تماما عن المخاطر الناتجة عن احتمالية انفجار المفاعلات النووية، لكن لمجرد أن الاثنين مرتبطين بفكرة توليد الكهرباء (الهدف الذى تستخدم منة أجله المفاعلات النووية في العادة) .. حاول المُجادل أن يخدع المستمع ويقوده خلف موضوع فرعي. الطريقة الثانية الشهيرة لأستخدام مغالطة الرنجة الحمراء بنجاح، هي تغيير الموضوع الى موضوع اخر براق وجذاب، وغالبا ما ينجح في تشتيت انتباة المستمع. المواضيع البراقة من هذا النوع عادة ما تكون الجنس، الجريمة، الفضائح، الرذيلة، الموت، الاحداث الكبري، الكوارث، او بشكل عام اى موضوع يصلح مادة خصبة للنميمة والاشاعات. في الحقيقة هذا النوع من مغالطة الرنجة الحمراء من السهل جدا التعرف عليه في الكثير من وسائل الإعلام العربية، عادة ما تبدأ تلك الحجج بكلمات وقعها شديد الأثر مثل فضيحة، كارثة، خيانة، عمالة، إلخ … تأمل المثال التالي “القيادي السياسي س في حزب ص المعارض يخبرنا ان الحل الامثل للتعامل مع الازمة الاقتصادية الحالية هو الحد من الإنفاق الحكومي على المشاريع العملاقة ونشر ميزانية الجيش للمراجعة العامة، و التركيز على بناء صناعة وطنية لتوفير الاحتياجات الاولية للمواطنين في المرحلة الحالية. لكن صفحة القيادي س ليست نظيفة كما يتصور البعض، ضبطت ابنتة منذ عدة أشهر في وضع مخل مع بعض الشبان في شقة مشبوهة، وهناك شائعات حول قبول ابنة مدير بنك (د) رشاوى وعمولات من عملاء البنك الكبار. كيف نقبل من شخص أسرته تعيش في الفساد والفضيحة نصائح حول كيف ندير اقتصاد بلادنا؟!” … أرجو أن يكون من الواضح لك لماذا نطلق على المثال السابق مغالطة الرنجة الحمراء. مجرد الاستماع له يجذب عقلك للتفكير في الفضائح المزعومة حول السيد (س) واسرتة، وبالفعل قد تكون نسيت الحجة الأصلية لة حول إصلاح الاقتصاد وان كانت فعلا فعالة ام لا. لقد جذبتك رائحة الرنجة المُدخنة! .. مغالطة الرنجة الحمراء عادة ما يتم الخلط بينها وبين مغالطة رجل القش لان كلاهما يشتت المتلقي عن النتيجة المطلوبة. من الممكن تجنب هذا الخلط بتذكر الاستراتيجيات التى يستخدمها كلا من المغالطات. في رجل القش المجادل يحاول تشتيت الانتباة بهزيمة رجل قش وهمي صنعة. أما في الرنجة الحمراء المُجادل يتجاهل حجة الخصم ويغير الموضوع بخلسة لموضوع آخر مرتبط من بعيد أو لموضوع براق جذاب. إذن في محاولة التفريق ابحث ان كان المُجادل هزم حجة مشوهة صنعاها أم أنه ببساطة غير الموضوع. وفي الواقع كلا من مغالطة رجل القش والرنجة الحمراء يتم الخلط بينهم ومبين مغالطة تجاهل المطلوب أو الحيد عن المسألة، لأن الثلاثة يحتوى على نفس الصورة من التشتيت. كلا من رجل القش والرنجة الحمراء تكون مجموعة جديدة من المقدمات، في حين أن تجاهل المطلوب لا تقدم مقدمات جديدة. رجل القش تبني نتيجة الحجة على مقدمات أخرى صنعتها بناء على تشوية حجة سابقة. في حين ان الرنجة الحمراء تضع مقدمات جديدة تغير الموضوع وتبنى عليها نتيجة ان انتجت اى شئ بالمرة لأنها عادة ما تكون مجرد تغيير للموضوع. أما تجاهل المطلوب تستنتج النتيجة دون تغيير المقدمات الاصلية. لكن النتيجة غير مرتبطة بالمقدمات، ام رجل القش والرنجة الحمراء النتيجة ان كان هناك نتيجة مرتبطة بالمقدمات، لكن المقدمات بعيدة عن الحجة المنافسة.
مغالطات الحث الضعيف Fallacies of Weak induction
مغالطات الحث الضعيف لا تحدث لان المقدمات ليست مرتبطة منطقيا بالنتيجة كما في مغالطات الارتباط. لكن لأن الارتباط بين المقدمات والنتيجة ليس قوي بما فية الكفاية لدعم حقيقة النتيجة. عادة المقدمات تقدم جزء من الادلة لدعم النتيجة، لكن الدليل المطروح ليس كافي بما فيه الكفاية كي يدفع الفرد للأعتقاد في صحة الدليل. لكن كمغالطات الارتباط مغالطات الحث الضعيف عادة ما تعتمد على أرضية عاطفية لدعم النتيجة كما سنرى.
التوسل بالمرجعية الغير مؤهلة Appeal to Unqualified Authority (Argumentum ad Verecundiam)
الحجة باللجوء للمرجعيةargument from authority هى صورة من الحجج الاستقرائية عادة ما يلجأ فيها المُجادل لمرجعية مستمدة من السلطة أو احيانا شهادة شهود عيان لدعم نتيجتة (أرجع لحلقة أُسس علم المنطق). مغالطة التوسل بالمرجعية الغير مؤهلة هي أحد صور حجة اللجوء للمرجعية، وتحدث عندما تكون السلطة او المرجعية المستخدمة تفتقد للمصداقية او المؤهلات اللازمة لدعم حقيقة النتيحة. مثلا تلك المرجعية قد تفتقر للكفائة التقنية أو الفنية اللازمة، أو قد تكون مرجعية منحازة غير محايدة، قد تكون مرجعية لها دوافع خفية، قد تكون مرجعية كاذبة عرف عنها نقل المعلومات الخاطئة، او قد تكون مرجعية غير مؤهلة من الناحية العقلية مثلا غير قادرة على التذكر، او قدرتها العقلانية محل تساؤل. تأمل المثال التالي “المحلل السياسي السيد ع يجادل أن السرطان من غير الممكن علاجه من خلال زرع الاعضاء لان الأورام تصيب الخلايا وليس الاعضاء وبالتالي لايمكن السماح بعمليات زراعة الأعضاء” .. في تلك الحالة مرجعية السيد ع غير كافية لدعم نتيجة الحجة لأنه غير متخصص في دراسة الأورام وبالتالي الحجة أرتكبت مغالطة المرجعية الغير مؤهلة. تأمل المثال التالي “السيد (ك) عضو السابق لمجلس إدارة شركة ن للادخنة شهد امام مجلس الشعب ان التبغ ليست مادة لاتسبب الإدمان، وبالتالي تدخين السجائر لا يسبب الإدمان،إذن يجب أن نصدقه ونستنتج أن التدخين في الحقيقة لا يسبب الإدمان” … من الواضح أن شهادة السيد (ن) ورائها دافع بحكم علاقته بشركات الأدخنة لأنه لو أقر ان التدخين يسبب الإدمان كانت الحكومة ستقوم بفرض قوانين تنظيمية على شركات الادخنة…. مثال أخر “السيد أ عمرة فوق السبعين سنة ويعاني من صعوبة في الرؤية خصوصا ليلا. شهد أنه رأى المتهم يتسلل إلى منزل القتيلة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وهذا دليل على ارتكاب المتهم للجريمة” .. شهادة السيد أ محل شك بسبب قدراته الفيزيائية. لاحظ أن قدرتك على تحديد أهلية المرجعية جوهر اكتشاف المغالطة، في بعض الأحيان قد يكون الفرد مرجعية في أكثر من مجال مثلا الكيميائي قد يكون مرجعية في علم الاحياء حسب سياق الموضوع طبعا، او الطبيب مرجعية في الكيمياء العضوية والادوية (ايضا حسب السياق). وهناك مواضيع لا يمكن قصرها على مرجعية محددة مثل السياسة، الأخلاق، والدين! .. مثلا لو جادل أحدهم ان عملية اجهاض الاجنة أمر غير أخلاقي لأن فيلسوف ما طرح هذا الرأي أو رمز ديني ما طرح هذا الرأي. الحجة مازالت ضعيفة لأن المرجعية هنا غير كافية. الكثير من الاسئلة في تلك المناطق شائكة، غير محسومة، وتحتمل العديد من الآراء، ولا توجد حكمة واحدة أو مرجعية واحدة يمكن الاعتماد عليها، ده بالاضافة لان هذة المجالات تفتقر لمنظومات بحثية صارمة ومنضبطة ومتفق عليها من الكل كما في حالة العلوم الانسانية. الدين على سبيل المثال، تطورت عبر التاريخ طرق، ادوات ومراجع لدراسته، لكنها ليست ذات مرجعية يتفق عليها الكل، وان كان يوجد حولها في بعض الأحيان نوع من الإجماع لكن مع ذلك تجد خلافات عديدة غير محسومة داخل عبائة الدين الواحد، وكثير من الافراد قد يقرر مخالفة ما يقوله من يدعون المرجعية داخل تلك الأديان بشكل مستقل. وبالتالي مغالطة المرجعية غير المؤهلة لا تنطبق في حالة الحجج حول الدين، السياسة، او الاخلاق. الكاتب والمفكر المصرى د. مصطفي محمود قامت عليه عاصفة من النقد سنة 2000 بسبب آرائه حول قضية الشفاعة في الإسلام، ورفضه للفكرة وبعض الأحاديث النبوية التى تناولتها والتي نشرها في كتابه “الشفاعة .. محاولة لفهم الخلاف بين المؤيدين والمعارضين” الذي نشره سنة 1999 .. الكتاب أثار موجة حادة من الاعتراضات والنقد والقذف والسب في بعض الأحيان، ونشرت العديد من الكتب للرد على طرحة، وفي حين ان كان هناك بعض محاولات الرد الجادة لتفنيد طرح د. مصطفى محمود، إلا أن النقد الشائع على ما أذكر في تلك الفترة بين عدد من الشيوخ وعلماء الدين الإسلامي هو أن حجة الدكتور مصطفي محمود غير صالحة لانه طبيب وليس عالم في الدين الإسلامي ولا يملك الأدوات اللازمة لقراءة الأحاديث النبوية، الخ .. اى انهم يدعون أنه غير مؤهل وحجته ارتكاب مغالطة المرجعية الغير مؤهلة، لكن في الحقيقة هذا الادعاء غير سليم لان كما اشرنا سابقا الدين احد المناطق التى لايجوز فيها المرجعية.
التوسل بالجهل Appeal to Ignorance (Argumentum ad Ignorantiam)
عندما تنص فرضية الحجة على أنه لم يتم إثبات أي شيء بطريقة أو بأخرى حول شيء ما، وبعد ذلك يقدم الاستنتاج تأكيدًا محددًا حول هذا الشيء، فإن الحجة ترتكب مغالطة التوسل بالجهل. عادة الشئ اما من غير الممكن إثباته أو شئ لم يتم إثباته بعد. مثلا “لعدة قرون حاول الناس ايجاد ادلة قاطعة على ادعائات علم التنجيم لكنهم فشلوا، وبالتالي لابد وان نستنتج ان التنجيم مجرد هراء!” .. وبنفس المنطق الحجة التالية ايضا ترتكب مغالطة التوسل بالجهل “لعدة قرون حاول الناس ايجاد ادلة قاطعة لنفي ادعائات علم التنجيم لكنهم فشلوا، وبالتالي لابد وان نستنتج أن التنجيم علم حقيقي!” .. من المفترض أن توفر الحجة دليلاً إيجابياً على الاستنتاج. ومع ذلك ، فإن هذه الحجج لا تخبرنا شيئًا عن علم التنجيم ؛ بدلاً من ذلك ، يخبروننا عما حاول بعض الأشخاص المجهولين وغير المجهولين القيام به دون جدوى. قد يقدم هذا الدليل بعض الأسباب الضعيفة لتصديق النتيجة ، ولكن بالتأكيد ليس سببًا كافيًا لحقيقة الاستنتاج. ومع ذلك ، تقودنا هذه الأمثلة إلى الاستثنائيين الأولين من مغالطة التوسل بالجهل. الأول نابع من حقيقة أنه إذا قام باحثون مؤهلون بالتحقيق في ظاهرة معينة ضمن نطاق خبرتهم وفشلوا في تقديم أي دليل على وجود هذه الظاهرة ، فإن هذا البحث غير المثمر يشكل بحد ذاته دليلاً إيجابيًا على السؤال. تأمل المثال التالي “حاول العديد من العلماء على مدى عدة عقود الكشف عن وجود مادة الأثير المضيء aether ، وفشلوا جميعًا في القيام بذلك. لذلك ، ليس هناك وجود لمادة الأثير المضيء.” . مقدمات تلك الحجة حقيقية، لو كان هناك للأثير هؤلاء العلماء المتخصصين كانوا غالبا سيكونوا قادرين على اكتشافة، ولكن بما انهم لم يكتشفوا وجوده اذن في الغالب ليس هناك وجود لمادة الأثير. وفي تلك الحالة نقول أن الحجة صحيحة وقوية استدلاليا Inductively strong لكنها ليست صحيحة استنتاجيا Deductive valid. طيب ماهو الاختلاف في تلك الحالة عن حالة التنجيم. في أمثلة التنجيم لو كان البحث لأثبات حقيقة او كذب ادعاءات التنجيم تم بطريقة منهجية من قبل خبراء متخصصين في الغالب الحجة في تلك الحالة ستكون صحيحة. السؤال البديهي في تلك الحالة ما هي مؤهلات المتخصصين لدراسة التنجيم؟ .. في الحقيقة الإجابة صعبة .. لكن الحجج لم تذكر اى شئ عن مؤهلات من بحثوا في ادعاءات التنجيم وهذا في حد ذاتة كافي لجعل الحجة مغالطة. الاستثناء الثاني لمغالطة التوسل بالجهل متعلقة بإجراءات قاعات المحاكم. يعتبر الشخص بريئا حتى تثبت إدانته. إذا فشل المدعي العام في محاكمة جنائية في إثبات التهمة بما لا يدع مجالا للشك ، فقد يجادل محامي الدفاع أن موكله غير مذنب. في المحاكم من الشائع جدا أن نسمع حجة من محامي الدفاع على صيغة “سيدى القاضي، بعد أن استمعنا لمرافعة المدعي العام، وان اتضح لنا أنه غير قادر في إثبات التهمة على موكلي بما لايدع مجالا للشك، اذن طبقا للقانون فإن موكلي غير مذنب وبريء من التهم المنسوبة إليه”. هذه الحجة لاترتكب مغالطة التوسل بالجهل، لأن غير مذنب في تلك الحالة اصطلاح قانوني، اى ان التهمة لم تثبت بما لايدع مجالا للشك . قد يكون المتهم قد ارتكب الجريمة فعلا لكن المدعي العام فشل في إثبات التهمة علية وبالتالي يصبح المتهم غير مذنب من وجهة نظر القانون!
التعميم الطائش Hasty Generalization (Converse Accident)
التعميم الطائش مغالطة ترتكب عادة في التعميمات الاستدلالية، كما رأينا سابقا في حلقة أسس علم المنطق، التعميم الاستدلالي هو حجة تثبت نتيجتها حول كل أعضاء جماعة ما بناء على أدلة حول جزء من اعضائها. المغالطة عادة ما تحدث عندما تكون العينة المستخدمة كدليل للتعميم هناك احتمالية انها عينة غير ممثلة للجماعة ككل. هذه الاحتمالية عادة ما تظهر عندما تكون العينة صغيرة او لم يتم اختيارها بعشوائية كافية وبالتالي تصبح غير معبرة عن كافة الطوائف داخل الجماعة. تأمل الامثلة التالية .. “رجال الأعمال هم مجموعة من اللصوص، انظر الى السيد س مدير شركة ص، والسيد ن صاحب مصانع ق .. سرقوا مليارات الدولارات من الدولة واموال الشعب وهربوا بها خارج البلاد” … “العمليات الارهابية التى تحدث في سيناء يقوم بها شباب صغير السن ينتمي الى جماعات اسلامية، إذن الدليل واضح جميع الشباب في الجماعات الاسلامية يمثل خطر على الأمن القومي” … في هذه الأمثلة، النتيحة عبارة عن تعميم عن الجماعة ككل بناء على ادلة حقيقية حول اقراد في تلك الجماعة، لكن لان العينة صغيرة، وغير قياسية اى لم يتم اختيارها بعشوائية كافية لدعم النتيجة تصبح الحجة مغالطة تعميم طائش. لكن صغير العينة ليس دائما مرتبط بان العينية غير قياسية أو شاذة .. مثلا “تم تغذية عشرة مليجرامات من المادة Z إلى أربعة فئران ، وفي غضون دقيقتين أصيب الأربعة بصدمة وماتوا. ربما تكون المادة Z ، بهذه الكمية ، قاتلة للفئران بشكل عام” في تلك الحالة الحجة لم ترتكب مغالطة التعميم الطائش لأن في تلك الحالة العينة غير شاذة لو قياسية، موت الفئران في دقيقتين فقط من تناول المادة، يشير الى احتمالية عالية لوجود علاقة سببية بين المادة وموت الفئران، ولا يوجد داعى لتجربتها على مجموعة أخرى من الفئران. في حالة العينات الكبيرة، لو كانت العينة مختارة بشكل غير عشوائي قد تكون غير شاذة .. مثلا “في استطلاع أخير للناخبين في محافظة المنوفية بجمهورية مصر العربية اجرى على 100 الف ناخب، أظهرت النتائج أن 70% سيصوتون لصالح مرشح الحزب الوطني في الانتخابات القادمة، إذن الغالبية في مصر سيصوت لمرشح الحزب الوطني” .. في تلك الحالة بالرغم من أن الحجة أشارت لعينة كبيرة من الناخبين، إلا أنها ارتكبت مغالطة التعميم الطائش، بفرض أن محافظة المنوفية ستصوت لصالح الحزب الوطنى حتى لو كانت العينة كبيرة إلا أنها لا تمثل كل محافظات الدولة. اى ان الاستفتاء لم يختار العينة بشكل عشوائي كافي لانها لاتمثل كيف سيصوت الناخبين في المحافظات الاخرى وافترضت أنهم سيصوتون مثل باقي الناخبين في محافظة المنوفية، اى أن العينة غير ممثلة منحازة وبالتالي لا يمكن اعتماد الحقيقة التي تطرحها.
مغالطة السبب الخاطئ False Cause
تكوين العقلية البشرية يسعى الى الانماط والمنهجية عند صنع نماذج للطبيعة والظواهر المُلاحظة. العلاقات السببية احد اهم ان لم تكن أهم نمط تفسيري يضفيه العقل الإنساني على الظواهر التى تربط حدوثها نوع من الترابط، التزامن، والتكرارية. مغالطة السبب الخاطئ تحدث عندما يتم تخيل علاقة سببية وهمية بين المقدمات والنتيجة. عندما يتم رصد مغالطة السبب الخاطئ عادة ما تطرح الحجة أطروحة على شاكلة س تسبب ص، لك في الواقع س من المحتمل أن تسبب ص. العملية العلمية في جوهرها قائمة على تقفي تلك العلاقات السببية في الطبيعة، لكن عندما يخلط العقل بين الارتباط والسببية ويجعل من مجرد الارتباط بين حدثين دليلا على السببية تقع المغالطة. السببية تستدعي أكثر من مجرد الارتباط، على سبيل المثال تكرارية الارتباط وتنوعه، وعدم وجود ما ينافيه احد اهم العوامل المهمة لتشكيل نمط سببي (أرجع لحلقة إشكالية السببية). .. هناك عدة صور من الممكن أن تقع على صورتها المغالطة (1) المصادفة Coincidence وهو الربط بين أحداث بعيدة تماما عن بعضها البعض مثلا .. “وجد ارتباط إحصائي وثيق بين معدل الوفيات في شمال أفريقيا في الشهور الماضية وازدياد معدلات المواليد في طائر البطريق في القطب الشمالي في نفس الفترة!” .. في تلك الحالة بالرغم من وجود نمط مرتبط بالمدة الزمنية بين الحدثين إلا أنهم بعيدين تمام البعد عن اى شئ من الممكن أن يربطهما الى الحد الذي يجعل من الصعب قبول تلك الحجة على انها تقدم علاقة سببية حقيقة، بل مجرد مصادفة. (2) المغالطة البعدية post hoc ergo propter hoc في هذه الفئة من المغالطات يفترض أن لمجرد ان حدث سبق حدث آخر زمنيا اذن الأول سبب الثاني. لكن في الواقع التتابع الزمني غير كافي لتبرير وصلة سببية بين الأحداث (أرجع لحلقة إشكالية السببية) .. وبالرغم من هذا، تلك الصورة من التفكير شائعة جدا وعادة ما تكون الارضية التى تؤسس عليها المعتقدات الخرافية .. “لقد سقط الكوب من يدي وأنكسر، قبلها كنت قد امسكت بذيل قطة. إذن لابد وأن الإمساك ذيل القطة سبب سقوط الكوب” .. أو “كلما سمعت صوت البوم بالليل، حدثت كارثة في اليوم التالي .. إذن اليوم يجلب الفأل السيئ!” .. التتابع الزمني شرط ضرورى لتكوين العلاقة العلية لكنه ليس شرط كافي، كيف يوصف حدث س انه سبب حدث آخر ص ليس كافيا أن يأتي س قبل ص، مثلا جميع أفرد الكائنات من فئة ص في عينات ممثلة للفئة تأتي دائما وأبدا بعد جميع أفراد فئة س وتغيب دائما عند غياب س، وغيرها من الطرق الاحصائية والعملية في إثبات السببية. تكوين العلاقات السببية للأسف مازال أحد نقاط ضعف كثير من العقول الإنسانية ومازلنا نسمع البعض يبرر حدوث الكوارث الطبيعية، الأمراض، والأمور العظام الخارجة على حدود التفسير العلمي في الوقت الحالي الى ذنوب البشر، غضب الله، المعاصى، الطمع والجشع الخ .. وكأننا نسعى الى سد فجواتنا المعرفية حتى وان كانت بمعرفة خاطئة. (3) ليس السبب الحقيقي non causa pro causa هذه الفئة من المغالطات السببية تحدث عندما يكون السبب لشئ ما ليس السبب بالمرة والخطأ ناشئ عن شئ غير غير ظاهرة التتابع الزمنى مثلا أحد أشهر الامثلة في تلك الحالة هو خلط السبب والنتيجة .. مثلا “إزداد معدل امتلاك الأسلحة في ليبيا في نفس الفترة التي انهار فيها النظام الحاكم. إذن امتلاك الأسلحة ادى الى انهيار النظام في ليبيا” .. في تلك الحالة تم خلط العلة بالمعلول. لان الارجح ان مع انهيار النظام الليبي واندلاع الصراعات الطائفية، أزداد شعور الناس بالخطر ولجأوا لشراء الاسلحة لحماية أنفسهم. (4) السبب المُبسط oversimplified cause أحد أشهر صور مغالطة السبب الخاطئ، عادة يكون هناك أكثر من سبب مسؤول عن النتيجة، لكن المجادل ينتقي أحد تلك الأسباب فقط وعرضه كالسبب الوحيد وراء النتيجة سواء بعلم او دون علم. مثلا “المستوى العلمي لخريجي الجامعات انخفض كثيرا في الآونة الاخيرة، بكل تأكيد الاساتذة والمدرسين لا يقومون بعملهم على كما ينبغي” .. انخفاض مستوى الخريجين بكل تأكيد سببة عدة عوامل قد يكون منها الانضباط في الحضور، جودة المادة التعليمية، انتشار المواد المخدرة بين الطلاب، قلة المعامل والمختبرات، ضعف أداء بعض المدرسين، الخ. أداء المدرسين أحد العوامل لكنه ليس العامل الوحيد. في العادة مغالطة السبب المُبسط بيكون وراءها دافع وغرض شخصي للمجادل، سواء لاكتساب مصلحة ما لنفسه أو توجيه دعم لجهة ما، أو قطع الدعم عن جهة ما وإلقاء اللوم عليها.
(5) مغالطة المقامر gambler’s fallacy أحد صور المغالطة التي تُبنى فيها نتيجة الحجة على افتراضات لأحداث مستقلة في لعبة حظ … مثلا “عند إلقاء عملة بشكل محايد خمس مرات متتابعة، في كل مرة حصلنا على الملك. إذن، غالبا الرمية القادمة ستكون الوجهة الاخر” .. في الواقع، احتمالية أن الرمية القادمة تكون الكتابة وليست الملك 50 في المائة، لان الاحداث مستقلة independent event وبالتالي الرميات السابقة للعملة لا تؤثر على الرميات التالية (إرجع لحلقة ثورة المعرفة البايزية). إذن كي ترتكب مغالطة المقامر، لابد للأحداث ان تكون مستقلة مثل رمي نردين، او اختيار عدد من أرقام اليانصيب. الاحداث لا تصبح مستقلة تماما عندما تؤثر مهارة المقامر على نتيجة اللعبة. وبالتالي العاب القمار مثلا البوكر، او الرهان على الخيل، إلخ لا تنطبق عليها المغالطة في تلك الحالة لأن النتيجة ولو جزئيا تعتمد على مهارة اللاعب. النقطة الأخيرة التي أود أن الفت انتباهك إليها، هي أن الارتباطات الإحصائية في حد ذاتها غير كافية لتكوين العلاقة السببية. على سبيل المثال ، إذا كان كل ما نعرفه عن التدخين وسرطان الرئة هو أن الاثنين يحدثان معًا بشكل متكرر ، فقد نخلص إلى عدد كبير من الاحتمالات. قد نستنتج أن لكل منهما سببًا مشتركًا ، مثل الاستعداد الوراثي ، أو قد نستنتج أن سرطان الرئة هو مرض يصاب به في مرحلة مبكرة من الحياة ولكنه يظهر في مرحلة سنية لاحقة مع بداية المريض في التدخين. لكن لحسن الحظ ، لدينا في هذه الحالة أدلة أكثر من مجرد ارتباط إحصائي. هذة الادلة الاضافية هي التي تدفعنا للاعتقاد بأن التدخين هو سبب السرطان.
المنحدر الزلق Slippery Slope
في الأثر قال البدوي لنفسه “إذا تركتُ الجمل يدس أنفه في خيمتي في هذه الليلة الباردة، فقد يدس رأسه كلة بعد ذلك، ثم رقبتة، وسرعان ما أجد الجمل برمته داخل الخيمة” .. هكذا بنى البدوي قصة خيالية انتهت فيها الاحداث أسوأ نهاية. مغالطة المنحدر الزلق تطرح صورة كارثية إن حدث ما ضئيل او تافهة سوف يجر وراءه سلسلة محتومة من العواقب تؤدي في النهاية إلى كارثة. مغالطة المنحدر الزلق هى صورة خاصة من مغالطة السبب الخاطئ. سلسلة العواقب عادة لا يوجد ورائها سبب كافي للاعتقاد فعلا بحدوثها. تأمل المثال التالي “لابد من اتخاذ خطوات عاجلة وحازمة لمنع المواد الاباحية على الانترنت، الاستمرار بالسماح بها يعرض ابنائنا ومجتمعاتنا للخطر، المواد الاباحية ستقود بكل تأكيد لزيادة معدلات جرائم الجنس، كالتحرش والاغتصاب، الامر الذى سيؤدى تآكل النسيج الاخلاقي للمجتمع و تفشي كافة صور الجريمة، وفي نهاية المطاف سيحدث تفكك كامل للقانون والنظام ، مما يؤدي في النهاية إلى الانهيار التام لحضارتنا العربية” .. نظرا لانة لايوجد سبب وجيهة للاعتقاد في أن مجرد الفشل في حظر المواد الاباحية سيسبب كل تلك الكوارث، تعد هذه الحجة مغالطة. والصورة المضادة لنفس الحجة قد تكون على الصورة التالية “محاولة حظر المواد الاباحية يهدد أبسط الحقوق المدنية للفرد في المجتمع، الخطوة الأولى هى حظر المواد الاباحية، و سيتبعها فرض الرقابة على الصحف والمجلات، ثم الكتب، ثم الأحزاب، وحق التجمع السياسي، إلى أن يتم تكميم الافواه والحجر على العقول بالكامل ونعيش في دولة الخوف” .. كلا الحجتين يحاول اقناع المتلقي ان أمن وأمان المجتمع وطريقة الحياة المعتادة في خطر في نهاية هذا المنحدر الزلق الذى بدأ بخطوة واحدة خاطئة أو عدم أخذها، ستقودنا في طريق زلق ينتهي بنا الى القاع. احد الصور الشائعة لمغالطة المنحدر الزلق هو سلسلة العواقب التي قد يفرضها الفرد في عقله مثلا “لقد طلب مني س ان اسلفة 10 جنيهات، لابد أن أرفض، لو أعطيته ال 10 جنيهات اليوم، غالبا ما سيعود في الغد ل 10 أخرى .. أو 100، وقد يستمر في طلب سلفات إلا أن يفلسنى تماما”. أشهر استخدامات مغالطة المنحدر الزلق عادة ما يكون في محاولة الدفاع عن الوضع القائم وتجنب صورة من التغيير. والاستراتيجية بسيطة هو تحريك مشاعر الخوف عند المتلقي تجاه هذا التغيير وبالتالي يرفضه. في مناظرة شهيرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية فترة الحرب الأهلية، التي قامت بسبب قرارات منع امتلاك العبيد. احد صور مغالطة المنحدر الزلق استخدمها احد القسيسين في ولاية سينسناتي .. المغالطة كانت كالاتي “بعدها سيسمح للعبيد بالتصويت في الانتخابات، ماذا بعد؟ .. سيترشحون في الانتخابات، وسيكسبون في الولايات التى أعدادهم في أكثر من البيض، يشكلون سلطتهم التشريعية ، ويجلسون على مقاعد القضاة. وبالتالي ، ستصبح ادارة الدولة بالكامل من العبيد والسود، الجهلة الغير متعلمين. تخيل حياتك في هذا المجتمع البائس!” … صورة قاتمة بكل تأكيد لا أعتقد ان الكثيرين قد يقبلوا إطلاق حرية العبيد وقتها أن انزلقوا في هذا المنحدر الفكري! .. في مغالطات المنحدر الزلق، سلسلة العقبات ليست مؤكدة ولا ضرورية حتى، وعادة عبر السلسلة ما تكون الوصلات السببية مفقودة، كما في الحجة السابقة مش من الواضح على اى اساس سببي لماذا يعتقد ان القس فان الحرية مثلا ستسبب السماح بالتصويت في الانتخابات، النص السابق لم يشر السبب وراء ذلك الاعتقاد. او مثلا الانتقال من القدرة على التصويت الى الترشح لمنصب الحاكم! .. لا توجد وصلة سببية واضحة في تلك الحجة لهذا الانتقال المنطقي الغير مبرر من خلال المقدمات. .. مثال آخر ” قد يبدو السماح للأطباء بمساعدة المرضى الغير مأمول في شفائهم في إنهاء حياتهم أمر إنساني غير مضر. لكن هذه الممارسة لو بدأنا، سيصبح الموت على يد الأطباء أمر شائع، وتدريجيا سيعطى الأطباء المرضى الحقنة المميتة دون رقابة كافية، وسيتم إنهاء حياة المرضى دون موافقتهم. لذا لابد أن يتم منع الأطباء إنهاء حياة المرضى حتى وإن أراد المريض هذا” .. انتقال عجيب من القتل الرحيم في حالة الأمراض العضال الى اطباء قتلة بلا شفقة أو رحمة! … ومن غير الواضح لماذا سيتم السماح للأطباء بالقيام بقتل المرضى دون رقابة؟ .. ولماذا لن يتصدى لهم المجتمع الطبي؟ .. أو الحكومة؟ .. ولهذا تحليل اطروحات مغالطة المنحدر الزلق مهم جدا ووضع كلا منها أمام التساؤل والتفنيد والبحث عن الوصلات السببية خلفها أمر ضرورى للتعرف على المغالطة!
التفكير التشبيهي Weak Analogy
المماثلة analogy تعبر عن تقارب جزئي بين ملامح شيئين او تصورين تسمح بإقامة مقارنة بينهما. مغالطة التفكير الشبهي أحيانا يطلق عليها المماثلة الزائفة False Analogy لانها تعقد مقارنة بين أمرين لا يوجد بينهم وجه للمقارنة، أو التشابه بينهم سطحي، ليس بالصورة التى تريد الحجة أن تُثبتة. الحجة بالمماثلة Argument from Analogy أحد صور الحجج الاستدلالية Inductive الشائعة، وفيها النتيجة تعتمد على وجود مقاربة او مماثلة بين شيئين أو موقفين. الهيكل العام للحجة بالمماثلة عادة ما يكون على صوةر
“(1) س له الخواص أ، ب،ت، ث
(2) ص له الخواص أ،ب،ت
(3) إذن، ص في الغالب بمتلك الخاصية ث ايضا.”
.. إذن الحجة قائمة على خطوتين أساسيتين، الأولى تحديد الخواص المشتركة أ، ب، ت بين الكائنين س و ص. والخطوة الثانية هي تحديد كيف ترتبط الخاصية ث بالخواص الثلاثة الأولى، مثلا هل هناك علاقة سببية أو نظامية تربط هذة الخواص كلها؟ .. في تلك الحالة تصبح الحجة قوية، إن لم تجد تلك الرابطة بين الخواص لايوجد ما يبرر التشابه أو التماثل في الخواص الثلاثة الأولى سينتقل للخاصية الإضافية، وفي تلك الحالة تصبح الحجة ضعيفة. مثلا “كلب أمين وقطة أمينة متشابهين جدا، كلا منهما يحب الاهتمام، التوسل من أجل الطعام، والنوم بجانب سيدهم. كلب أمين يحب الجرى على الشاطئ، إذن قطة أمينة لابد وانها ستحب الجرى على الشاطئ” … المقاربة هنا ضعيفة لان لاتوجد علاقات سببية او نظامية بين تلك الخواص وبالتالي، لايوجد مبرر ان القطة ستحب الجري على الشاطئ زى الكلب. لو مش واضحة بالنسبة لك فكرة الانتظامية بين الخواص تأمل المثالين التالين “يشبه تدفق الكهرباء عبر سلك تدفق المياه عبر أنبوب. من الواضح أن الأنبوب ذو القطر الكبير سيحمل تدفقًا أكبر من الأنبوب ذي القطر الصغير. لذلك ، يجب أن يحمل السلك ذو القطر الكبير تدفقًا أكبر للكهرباء من السلك ذي القطر الصغير.” … والآن تأمل هذا المثال “يشبه تدفق الكهرباء عبر سلك تدفق المياه عبر أنبوب. عندما يتدفق الماء إلى أسفل ، يكون الضغط في الجزء السفلي أكبر منه في العلوي. وبالتالي ، عندما تتدفق الكهرباء إلى أسفل عبر سلك ، يجب أن يكون الجهد أكبر في الجزء السفلي منه في العلوي.” .. المثال الاولي حجة بالمماثلة قوية أما الثانية مغالطة مماثلة ضعيفة. الحجتين يعتمد على إقامة تقارب بين جزيئات الماء أثناء مرورها في الأنبوب والإلكترونات أثناء مرورها في سلك. في الحالتين العلاقة الانتظامية بين قطر الأنبوب والسلك وحجم المادة التى يمكن ان تمر خلالة. في المثال الأول هذة العلاقة الانتظامية تقدم وصلة قوية بين المقدمات والنتيجة. وبالتالي تصبح الحجة قوية. أما في المثال الثاني، هناك وصلة سببية بين الاختلاف في الارتفاع وزيادة الضغط تنطلق في حالة الماء لكن لا تنطبق في حالة الكهربائية. تدفق جزيئات الماء في الأنبوب يتأثر جدا بالجاذبية، لكن نفس الخاصية لا تنطبق على تدفق الالكترونات في السلك. وبالتالي تقع المغالطة. … الحجة بالمماثلة من أصعب وأقعد صور الحجج المنطقية ومن السهل أن تقع في فخ المغالطة، سنعود لمناقشة الحجة من المماثلة بتفصيل أكبر في الحلقات المستقبلية.
المنطق الغير رسمي او الغير صورى Informal Logic تأسس كفرع بحثي مستقل في أواخر السبعينيات على يد كلا من المنطقي الكندي الامريكي المعاصر رالف جونسون Ralph Johnson و المنطقي الكندي جون أنتوني بلير J. Anthony Blair ونشرهم كتابهم الشهير الدفاع عن النفس المنطقي Logical Self-Defense سنة 1977. هذا المبحث ركز على مبادئ المنطق والفكر المنطقي خارج الإطار الرسمي، وفي الحقيقة بالرغم من أن الاسم يطلق المنطق الغير رسمي إلا أن هذه المسألة أصبحت محل خلاف. لكن بغض النظر عن الخلافات الاكاديمية، المنطق الغير رسمي هو أحد فروع المنطق مهمته تطوير معايير والإجراءات الغير رسمية لتحليل وتفسير، ونقد وبناء الحجج المنطقية. لكن المنطق الغير رسمي ارتبط بصورة وثيقة بالمغالطات المنطقية الغير رسمية، وعملية التفكير النقدي Critical Thinking بشكل عام منذ بداياته. نشأة المنطق الغير رسمي أرتبطت بالحركات الاجتماعية والسياسية في قارة أمريكا الشمالية في ستينيات القرن العشرين، ودعاوى تفعيل العلوم في الحياة واستخدام طرق التحليل المنطقي في الحياة اليومية، وتدريس المنطق بصورة حية جذابة قائمة على مفردات الحياة اليومية بعيدا عن الطرق الكلاسيكية التى دأب المنطقيون على استخدامها في تدريس المنطق. وأهتم المنطق الغير رسمي منذ بداياته بالمغالطات المنطقية غير أنه تجاوزها وتوسعت حلقة مباحثة وشملت تحدد معايير الحجج المنطقية، التمييز بين أصناف الحوار المختلفة،الخ. المغالطات أنماط من الحجج الباطلة شائعة بين البشر و تتخذ مظهر الحجج الصحيحة. دراسة المغالطات ليست بديلا عن دراسة مبادئ الاستدلال الصحيح، وبالرغم من اهمية دراستها كوسيلة للتعرف على اساليب وانماط الانحراف عن التفكير القويم، إلا أن الأصل هو فهم واجادة طرق التفكير الاستنتاجي والاستدلالي السليم قبل دراسة وفهم الانحرافات عليه. لكن هذا لا يقلل من أهمية دراسة المغالطات المنطقية، لانها تفشت بصورة وبائية في واقعنا اليومي، وأصبح من العسير التفريق بين الأصحاء أصحاب التفكير القويم والمرضى الذين انحرفوا عن طرق التفكير العقلانية بسبب تعرضهم اليومي لهذة الانماط المنحرفة من الجدل والتفكير. لكن من المهم الاشارة الا ان عند رصد المغالطات المنطقية في أفكار الآخرين من الحكمة أن يتم التعامل معها، وكشفها دون تعالي، تهكم، او سخرية، حتى لا تفشل مساعيك في الانحراف الفكري. أيضا لابد من الابتعاد عن الإكثار من استخدام المصطلحات اللاتينية الكلاسيكية كلما امكن لانها قد تبدو غريبة على أذن المستمع، وتذكر دائما ان الهدف هو الوصول للحق وليس التعالي على الاخرين او اظهارهم كمخطئين أو منحرفين عن طريق التفكير العقلاني القويم.
ودلوقتي .. تأمل للحظات الخطاب اليومي من الإعلاميين، والسياسين، والآخرين من حولك .. هل عادة ما تتسم أفكار وحجج الآخرين بالعقلانية و التفكير القويم؟ … وماهي صور وأنماط التفكير الغير عقلاني في حجج الآخرين؟ .. هل المغالطات المنطقية أصبحت وباء ينتشر بسرعة جنونية؟ … لدرجة أصبح معها من الصعب التعرف على الأفكار العقلانية القويمة؟ … فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP59/EP59_2020_04_28.mp3
في الحلقة الجاية .. سنكمل رحلة بحثنا في رصد أنماط المغالطات المنطقية الغير رسمية وطرق التعرف عليها … عن مغالطات الافتراض … مغالطات غموض اللغة .. مغالطة السؤال المركب … مغالطة المصادرة على المطلوب .. والالتباس اللفظى .. هتتفلسف المرة الجاية
من دلوقتي للحلقة الجاية … عيش الحياة بفلسفة.
زود معلوماتك:
المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري
https://bit.ly/3bXcMsY
Gottlob Frege
http://bit.ly/2uUmITh
مغالطة fallacy
https://bit.ly/2zKJC1S
التوسل بالاكثرية
https://bit.ly/3bb3d9b
مناشدة التفاخر
https://bit.ly/2Ylkyca
التوسل بالعادات
https://bit.ly/2SsWWP1
التوسل بالقوة
https://bit.ly/3ac7iss
التوسل بالشفقة
https://bit.ly/3f7AlkK
الشخصنة
https://bit.ly/3d9pN2Q
مغالطة رجل القش
https://bit.ly/2ycBFBU
مغالطة تجاهل المطلوب
https://bit.ly/3d5uafd
الرنجة الحمراء
https://bit.ly/2K3fkta
التوسل بالمرجعية الغير مؤهلة
https://bit.ly/3b8G0EU
التوسل بالجهل
https://bit.ly/3ac7msc
التعميم الطائش
https://bit.ly/3d8HYFU
مغالطة السبب الخاطئ
https://bit.ly/2Whl1cJ
المنحدر الزلق
https://bit.ly/3d5lLbC
التفكير التشبيهي
https://bit.ly/2Whlhsd
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Look Out
http://bit.ly/2RPxxQ5
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Bittersweet
http://bit.ly/36EM1GL
Only Piano – Loneliness
https://bit.ly/2KOj7uK
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
تخيل انك محقق بلجيكي مشهور معروف عنك قدراتك الغير عادية على تحليل الأحداث الغامضة والتوصل للحقيقة. بعد النجاح الباهر الذي حققته في قضية كبيرة في الشرق الأوسط، طلبت للتحقيق في قضية في مدينة لندن، بالرغم من عدم وجود مقصورات كافية على القطار الدولي، إلا أن الشرطة البريطانية تحجز لك مقصور في عربة الدرجة الأولى على القطار لكي تصل في اسرع وقت. على متن القطار تقابل أدوارد احد رجال الاعمال الامريكيين، صاخب، دائما ما تشم الكحول في ملابسة معه سكرتيرته الشخصية، ومترجمة هيكتور، بعد التعارف بعض ان يعلم انك محقق يعرض عليك مبلغ مالي كبير مقابلة حمايته حياته على القطار خلال الرحلة التي تستغرق 3 أيام لأنه تلقى عدة رسائل تهدده من شخص غير معلوم. بترفض بأدب. في الليلة الأولى على القطار تلاحظ بعض الأحداث الغريبة، تسمع بعض الأصوات قادمة من غرفة إدوارد وترى شخص يرتدى كيمونو أحمر يغادر غرفته مسرعا. تستيقظ في الصباح على صوت صرخة قادمة من حجرة إدوارد. بعد اقتحام الغرفة تجدوا إدوارد مقتول بطعنات عديدة غارق في دمائه. القطار يرتد بعنف ويتوقف، قبل أن يأتي قائد القطار ويخبركم أن هناك عاصفة ثلجية أوقفت القطار وانه سيظل عالقا الى ان يتم اصلاحة في خلال أيام. تخبر الركاب الاثني عشر على متن العربة التى تم فيها الجريمة، انك ستقوم بالتحقيق في القتل بما انك محقق، وأن الجميع محل الاشتباه، لأن القاتل مازال بينكم ولم يغادر العربة. تبدأ بفحص الجثة، تكتشف أن هناك 12 طعنة في أماكن متفرقة، النافذة تركت مفتوحة في الغرفة، لكن لا توجد آثار للدماء على الثلج بالخارج، يبدو أن القاتل يحاول خداع المحققين ايهامهم انه هرب من النافذة. تجد في الغرفة منديل مطرز على جانبة حرف ال H ، منظف غليون، ورقة بيضاء مكتوب عليها اسم ارمسترونج. تعثر في أوراق إدوارد على مذكراته تساعدك على فهم دافع القتل في الجريمة، بعد أن تربطها بجريمة اختطاف لطفلة اسمها ديزي ارمسترونج وقعت منذ ثلاث سنوات مقابل فدية وعلى الرغم من أن العائلة دفعت الفدية إلا أن المختطف قتل الطفلة في النهاية، نستنتج أن إدوارد غالبا كان الخاطف والقاتل للطفلة وبالتالي عائلة الطفلة ورائه تسعى للأنتقام. تبدأ في عملية استجواب ركاب العربة التى تمت بها الجريمة. بداية بالمحصل، ثم هيكتور مترجم الضحية، تبدأ في الشك بأحد الركاب بعد ان يذكر احداث قضية اختطاف الطفلة ارمسترونج، يبدو ان لديه دافع. تستجوب سيدتان على العربة يدعيان ان إدوارد زارهم في غرفتهما في نفس ليلة قتلة. جميع الركاب يعطون حجج مناسبة لأماكن تواجدهم وقت حدوث الجريمة، لكن هناك بعض النقاط التى اتفق عليها البعض، امرأة ترتدي كيمونو أحمر شوهدت خارجة من الغرفة ليلا، تبدأ في تفتيش امتعة الركاب بحثا عن خيط للأدلة، تجد الكيمونو الأحمر في حقائب أحد السيدات على القطار، لكنك أيضا تعثر على منديل ملطخ بدماء القتيل في حجرة سيدة أخرى على القطار. الأمر يزداد في التعقيد عندما تبدأ في كشف أن العديد من الركاب على علاقات مباشرة او غير مباشرة مع عائلة ارمسترونج! .. كونت نظرتين عن الجاني والجريمة. الأولى بسيطة لكنها لا تنطبق على كافة الحقائق المكتشفة، وهي ان قاتل مأجور من عائلة ارمسترونج ركب القطار في المحطة السابقة قتل إدوارد ثم هرب ليلة القتل بعد أن ضربت العاصفة الطريق. أما النظرية الأخرى الأكثر تعقيدا، هى ان كل ركاب العربة على صلة ما بعائلة ارمسترونج، ولديهم جميعا الدافع لقتل إدوارد، وعملوا معا على قتلة تلك الليلة .. اثنا عشر راكب، اثنا عشر طعنة. .. تواجهة الركاب بالنظرية، وتخبرهم ان العدالة مستحيلة في تلك الحالة، لأن القتيل جاني ويستحق الموت، لكن العدالة ينفذها القانون، الذى قد يكون قاصر أو غير قادر على تحقيق العدالة في بعض الأحيان. يظهر قائد القطار ليخبركم أن القطار تم إصلاحه وستتمكنوا من المغادرة الآن، والشرطة في انتظار القطار في المحطة القادمة للقبض على القاتل. بينظر الركاب الاثني عشر لبعضهم البعض ولك في ترقب وخوف .. تفتكر فعلا دم إدوارد تفرق بين الاثني عشر راكب لتحقيق عدالة غائبة عجزت الشرطة عن تحقيقها؟!
محاور
إثبات البطلان، طريقة العينة المضادة، إعادة الصياغة، مخططات الحُجج، الحُجج المعقدة، إشكاليات التفكير، التحليل التراجعي
الحجج هى اللبنة الأساسية لعملية التفكير المنطقي. الحجج لها صورتين استنتاجية deductive و استدلالية inductive . لكلا من الحجج الاستنتاجية والاستدلالية، عند تحليلها نحاول الاجابة على سؤالين رئيسين (1) هل كل مقدمات الحجة تدعم نتيجتها؟ (2) هل كل المقدمات حقيقية؟. عند الإجابة على السؤال الاول نبدأ بافتراض أن كل المقدمات حقيقية. وبعده بالنسبة للحجج الاستنتاجية نحاول أن نحدد في ضوء تلك الفرضية ان كانت النتيجة حقيقية بالضرورة. ان كانت النتيجة حقيقية إذن الحجة صحيحة Valid وإن لم تكن حقيقة تصبح الحجة غير صالحة أو باطلة invalid. أما بالنسبة للحجج الاستدلالية، نحاول أن نحدد في ضوء فرضية المقدمات حقيقية إن كانت حقيقة النتيجة تتبع احتماليا. لو كانت الاحتمالية قوية يطلق علي الحجة في تلك الحالة قوية Strong والعكس يطلق على الحجة ضعيفة Weak. وايضا في الحجج الاستدلالية نضع في الحسبان أن المقدمات تدعم النتيجة وايضا ان المقدمات لا تتجاهل أي ادلة اخرى مهمة مرتبطة بحقيقة النتيجة. وأخيرا، لو كانت الحجة اما صالحة Valid او قوية Strong ننتقل للسؤال الثاني وهو تحديد ان كانت المقدمات فعلا صحيحة؟! .. لو كانت كل المقدمات فعلا حقيقية في حالة الحجج الاستنتاجية تصبح الحُجة سليمة sound أو في حالة الحجج الاستدلالية تصبح الحجة مُقنعة cogent. كل الحجج الاستنتاجية الباطلة يطلق عليها غير سليمة unsound وكل الحجج الاستدلالية الضعيفة يطلق عليها غير مُقنعة uncogent. في المنطق لا نطلق على الحجج مفهوم الصواب والخطأ True & False. مفهوم الصواب والخطأ ينطبق على الاطروحات، أو القضايا Statements. القضية إما صواب أو خطأ . تجمع من القضايا أو الجمل أن كان لها هيكل أو تركيب معين يطلق عليها الحجة Argument وإن لم تتبع قواعد هذا التركيب لا تصبح حجة منطقية. الحجج أما أن تكون استنتاجية Deductive ان كانت حقيقة نتيجتها مطلقة تتبع بالضرورة من مقدماتها، واما ان تكون استدلالية Inductive ان كانت حقيقة نتيجتها احتمالية تتبع احتماليا من المقدمات. الحجج الاستنتاجية صالحة باطلة Invalid إن لم تتبع حقيقة نتيجتها بالضرورة بافتراض حقيقة مقدماتها. وتصبح الحجة صالحة Valid ان كانت حقيقة نتيجتها تتبع بالضرورة ان صحت المقدمات. والحجة الاستنتاجية الصالحة أما أن تكون سليمة Sound لو كانت فعلا مقدمتها حقيقية او غير سليمة unsound لو كانت مقدماتها غير حقيقية. أما الحجج الاستدلالية قد تكون ضعيفة Weak ان كانت احتمالية حقيقة النتيجة بناء على المقدمات ضعيفة. و قوية Strong إن كانت تلك الاحتمالية قوية. الحجج الاستدلالية القوية أما أن تكون مُقنعة Cogent لو كانت فعلا مقدمتها حقيقية او غير مُقنعة uncogent لو كانت مقدمتها غير حقيقة (إرجع لحلقة أسس علم المنطق). (صورة) .. من الممكن ان تنظر الى هذا التقسيم كأنة خريطة دلالية لتحليل الحجج المنطقية، أيا كانت صور العمليات المنطقية المستخدمة لتحليل الحجج او الانماط والأدوات المختلفة المستخدمة نتيجة تلك العمليات لابد وأن تقود لوضع الحجة تحت أحد تلك الصور السابقة، وبالتالي استيعاب هذا التقسيم هام جدا في عملية التحليل المنطقي.
إثبات البطلان Proving Invalidity
صلاحية الحجة تتحد بُناء على هيكلها. الحجج الصالحة لها هيكل او تركيب صالح Valid Form وكل الحجج الباطلة Invalid لها صورة او تركيب واحد. ومن هنا صورة الحجة Form تعكس تركيبها الداخلى و صورة معينة في التفكير. هذا النمط في التفكير ان كان جيد تصبح الحجة صالحة أو بالعكس تصبح الحجة باطلة. أحد صور الحجج الصالحة تكون على الصورة التالية
(1) كل ص هو س
(2) كل ع هو ص
(3) اذن، كل ع هو س.
(توقف للحظات وتأمل مواقع س، ص، وع في قضايا الحجة) .. لو س، ص، وع تشير الى كائنات، اشياء او احداث .. من السهل رؤية صالحية الحجة. في المقدمة الثانية لو كل “ع” ايا كانت كينونة أو طبيعة “ع” جزء ضمنى محتوى من كل “ص” أيا كانت طبيعة او كينونة ص. من المقدمة الأولى كل “ص” أيا كانت طبيعته جزء من “س” .. إذن بالضرورة والحتمية لابد وان يتبع ان كل “ع” لابد وان تكون جزء من أو محتواه بداخل “س” .. الفكرة التي تؤكدها نتيجة الحجة. من الممكن أن نستخدم هذا المثال لتعريف ما هو المقصود بصورة الحجة argument form .. صورة الحجة من الممكن تصورها على أنها ترتيب الحروف س، ص، ع (أو الكائنات داخل الحجة) والكلمات “كل” او “جزء من” بحيث ان عند استبدال الحروف س،ص،ع باى كائنات، اشياء، احداث، او مجموعات من الاشياء طالما حافظنا على نفس الترتيب والكلمات الاخرى المستخدمة تصبح الحجة صالحة لأنها تنطبق على هذة الصورة من الحجة . الفكرة دى يطلق عليها التمثيل substitution instance اللى من اسمها واضح الفكرة من ورائها، نحن نقوم بتمثيل صورة أو قالب الحجة الرمزية. كلمة قالب Template قد تكون معبرة هنا حسب خلفيتك .. تصور ان صور الحجه كالقوالب المحددة المعرفة مسبقا ونقوم بصب او طباعة الحجج بناء على القوالب المعرفة مسبقا. تأمل المثال التالي ..
(1) كل الأحداث الرياضية ممتعة
(2) ماتشات كرة القدم هي أحداث رياضية
(3) أذن، كل ماتشات كرة القدم ممتعة.
الحجة دى صبة على القالب السابق، او تمثيل لصورة الحجة المعرفة مسبقا .. كل اللى عملتة انى استبدلت “س” ب “ممتعة” .. و “ص” ب “الأحداث الرياضية”، و “ع” ب “ماتشات كرة القدم”. لكن في الحقيقة في بعض الأحيان تكون الحجة صالحة لكن الصورة او القالب الذى تنطبق عليه غير واضح او محدد. كيف من الممكن أن نتعامل مع تلك الحجج إن كنا ندعي أن كل الحجج الصالحة لها صورة او قالب محدد مسبقا؟! .. في الحقيقة هذا النوع من الحجج غير مكتمل او هناك بعض اجزاء الحجة ضمنى، لكن بمجرد وضع الحجة في صورة كاملة لايوجد فيها اي أطروحات ضمنية، تظهر صورة الحجة أو قالبها. (ارجع لحلقة أسس علم المنطق) .. مثلا تأمل الحجة التالية “الأوز طيور مائية مهاجرة ، لذلك تطير جنوبًا للبيات الشتوي.” .. هذه الحجة غير كاملة .. لانها تفتقد لأطروحة “الطيور المائية المهاجرة تطير تطير جنوبًا للبيات الشتوي.” .. وبالتالي من الممكن وضع الحجة بصورة مكتملة كالآتي
(1) كل الطيور المائية المهاجرة تطير تطير جنوبًا للبيات الشتوي
(2) كل الأوز طيور مائية مهاجرة
(3) إذن، كل الأوز طيور مائية مهاجرة ، تطير جنوبًا للبيات الشتوي.
هذة الحجة تنطبق على القالب او الصورة السابقة فقط استبدلنا س، ص، ع .. أو مثلناها بالكائنات والأحداث في الحجة. لكن ليست كل الحجج صالحة. الحجج الباطلة لها ايضا صور او قوالب محددة تمثل نمط في التفكير الغير منطقي محدد مسبقا. مثلا احد صور الحجج الباطلة تكون الآتي
(1) كل ص هو س
(2) كل ع هو س
(3) إذن، كل ص هو ع.
في هذه الصورة لو افترضنا ان كل الكائنات من نوع ص جزء من أو محتواة في كل الكائنات س. وكل الكائنات من نوع ع جزء من كل الكائنات س. لا يتبع بهذا اى ضرورة أن كل الكائنات من نوع ص جزء من كل الكائنات ع (صورة) . لو الفكرة مش واضحة تأمل هذا التمثيل للصورة او لقالب تلك الحجة الباطلة
(1) كل القطط حيوانات
(2) كل الكلاب حيوانات
(3) إذن، كل القطط كلاب!
.. المقدمة الاولى حقيقية، والمقدمة الثانية حقيقية، لكن النتيجة خاطئة لأنها لا تنبع من حقيقة 1 و 2 .. استبدال س،ص، ع بالحيوانات، القطط، والكلاب .. يوضح لماذا هذة الصورة من التفكير باطلة! .. الان بما اننا اثبتنا ان هذة الصورة او القالب من الحجة خاطئ، إذن هل من الممكن ان نقول ان اى تمثيل لتلك الصورة باطل؟ … ما تستعجلش .. للأسف لأ! .. الحجج الباطلة أكثر تعقيدا من الحجج الصالحة. كل تمثيل لصورة او قالب حجة صالحة دائما صالح. لكن العكس غير صحيح. اى ان ليس دائما صحيح ان كل تمثيل لصورة او قالب حجة باطلة باطل. وده لان التمثيلات لصور الحجج الباطلة في بعض الاحيان قد تمثل صور او قوالب لحجج صالحة، وبالتالي الأمر ليس مباشر في تقرير بطلانها. وفي تلك الحالة القاعدة تكون، اى تمثيل لصورة او قالب حجة باطلة يكون باطل فقط في حالة ان هذا التمثيل لا ينطبق علية صورة او قالب حجة صالحة. اى ان فكرة ان احتمالية ان تمثيلات الحجج الباطلة قد يكون أيضا تمثيل لصور حجج صالحة تفرض علينا توخى الحذر عند تحديد صورة أو قالب الحجة. تأمل هذا التمثيل لصورة حجة
(1) كل العذاب أشخاص
(2) كل الرجال الغير متزوجين أشخاص
(3) اذن، كل العذاب رجال غير متزوجة
… ياترى هل هذه الحجة صالحة أم باطلة؟ … الحجة تمثيل لصورة الحجة الباطلة التى طرحتها منذ قليل، لكن لا مصطلح “العذاب” متطابق مع “الرجال الغير متزوجة” .. تنطبق الحجة على الصورة او القالب الصالح للحجة. على اى حال، هذه الصورة من الحجج التي يمكن أن تمثل صور او قوالب لكلا من حجج صالحة وباطلة في نفس الوقت نادرة وقليلة، وسنتجتنبها في مناقشتنا المستقبلية لصور الحجج المنطقية.
طريقة العينة المضادة Counterexample Method
أحد أهم الطرق المستخدمة لإثبات ان صورة او قالب حجة إما باطل أو غير صالح معروف بطريقة العينة المضادة counterexample method طريقة بنقوم فيها باستخدام مثال تمثيلى لقالب او صورة الحجة مقدماتة حقيقة لكن نتيجته خاطئة مثلا المثال السابق اللى استخدمتة لتمثيل حجة باطلة. باظهار ان المقدمات حقيقية لكن النتيجة خاطئة احنا بنعزل حالة محددة من خلالها نثبت أن الصورة او القالب المستخدم للحجة باطل. طريقة العينة المضادة تستخدم لأثبات بطلان الحجج الباطلة لكنها لا يمكن أن تستخدم لإثبات أن قالب حجة ما صالح. وبالتالي قبل أن نطبق طريقة العينة المضادة لابد وان نكون على علم ان صورة الحجة باطلة لو على الاقل شاكين ان الحجة باطلة. تأمل المثال التالي .. “نظرًا لأن بعض الموظفين ليسوا متملقين ، جميع المديرين هم من الموظفين ، نستنتج أن بعض المديرين ليسوا متملقين” .. هذه الحجة باطلة لأن الموظفين الغير متملقين بعضهم قد لا يكون من المديرين. من خلال استخدام تمثيلي من الممكن أن نعزل بطلان صورة الحجة في حالة معينة لإثبات بطلانها. صورة الحجة كالاتي
(1) بعض ص ليسوا س
(2) كل ع هم ص
(3) إذن بعض ع ليسوا س.
بعد هذا نقوم باختيار ثلاث تمثيلات نستبدل بها الحروف س، ص، ع. بحيث ان هذة الاستبدلات او التمثيلات تجعل المقدمات صحيحة والنتيجة خاطئة. مثلا لو استبدلنا ص = الحيوانات، س = الثدييات، ع = الكلاب. نتيجة التمثيل في تلك الحالة تصبح
(1) بعض الحيوانات ليست من الثدييات
(2) كل الكلاب من الحيوانات
(3) إذن، بعض الكلاب ليست من الثدييات.
أرجو ان التمثيل يكون أوصل الفكرة، المقدمات حقيقية وسليمة لكن النتيجة بكل تأكيد خاطئة! .. إلا لو كنت على دراية بنوع من الكلاب بيبيض مثلا! … اذن طريقة الحجة المضادة هنا ساعدت في إظهار ان قالب الحجة باطل أو غير صالح. من المهم عند صياغة الحجة المضادة أن نبدأ بتمثيل النتيجة اولا، اختار مصطلحين يقودان الى نتيجة خاطئة، وبعد هذا اختار مصطلح ثالث يؤدي إلى أن تكون المقدمات حقيقية. في المثال السابق من المهم إدراك تأثير الكلمات المستخدمة في قالب الحجة مثلا “بعض” تعنى على الاقل ان هناك حالة واحدة تنطبق عليها الاطروحة او القضية. مثلا في جملة “بعض الكلاب حيوانات” تعنى “على الاقل هناك كلب واحد من الحيوانات” لابد وأنها جملة صحيحة. لاحظ ايضا ان نفس الجملة لا تعني بالضرورة أن بعض الكلاب ليست حيوانات. القالب السابق ده أحد اشهر صور او قوالب الحجج الاستنتاجية معروف بالقياس المنطقي categorical syllogisms لكن ليست كل الحجج الاستنتاجية قياس منطقي .. تأمل مثلا هذا المثال أحد صور القياس المنطقي الافتراضي hypothetical syllogism .. “إذا فرضت الحكومة رسوم استيراد ، فسوف يرتفع سعر السيارات. لذلك ، بما أن الحكومة لن تفرض رسوما على الاستيراد ، فإن ذلك يعني أن سعر السيارات لن يرتفع” .. هذه الحجة باطلة لأن سعر السيارات من الجائز أن يرتفع بالرغم من عدم فرض الحكومة رسوم استيراد .. صورة او قالب الحجة هو
(1) لو س إذن ص
(2) ليس س
(3) إذن، ليس ص.
لو طبقنا التمثيل بمثال آخر س = الرئيس المصرى السابق مبارك أغتيل و ص = الرئيس المصرى السابق مبارك ميت. تصبح العينة المضادة كالاتي
(1) لو أغتيل الرئيس المصرى السابق مبارك إذن الرئيس مبارك ميت
(2) الرئيس المصرى السابق مبارك لم يقتل
(3) إذن المصرى السابق مبارك ليس ميت.
بما ان المقدمات صحيحة لكن النتيجة بالقطع خاطئة اذن المثال بكل تأكيد باطل، اذن القالب او الصورة باطلة مما يثبت أن الحجة الأصلية باطلة غير صحيحة! .. عندما نقوم بتطبيق طريقة العينة المضادة على حجة تحتوى على جملة شرطية ضمن المقدمات، كما في المثال السابق، من المفضل اختيار جملة تمثيلية لتلك الجملة الشرطية تحتوى على علاقة ما ضرورية. مثلا في مثال الرئيس السابق، القضية الأولى الممثلة للجملة الشرطية تؤكد على العلاقة الضرورية ما بين القتل والموت، لا يوجد ادنى شك في حقيقة ان شخص ما قتل يصبح ميت! وبالتالي حقيقة الجملة راسخة. بنفس الصورة لو كانت جملة النتيجة في الحجة شرطية أحد الطرق التى من الممكن استخدامها لصياغة مثال خاطئ على صورتها هو دمج شرط صحيح مع نتيجة تابعة خاطئة مثلا الجملة الشرطية “لو مشمش قطة ، إذن مشمش كلب” بكل تأكيد خاطئة! .. قدرتك على تحديد صورة او قالب الحجة بسهولة تطلب اولا ان تكون على معرفة بصور او قوالب الحجج المنطقية الاستنتاجية. أولا يجب أن تحدد المقدمات والنتيجة في الحجة، ثانيا لابد وان تفرق بين كلمات القالب Form Words من كلمات المحتوى Content Words كى تستطيع ان تختزل الحجة الى صورتها القياسية أو قالبها. عند الاستبدال او التمثيل نترك كلمات القالب كما هى ونستبدل كلمات المحتوى بالرموز. مثلا قالب القياس المنطقي categorical syllogisms الكلمات “كل”، “ليس”، “بعض”، “هو”، “ولا” هى كلمات القالب لا تتغير أو تستبدل. أما في قالب القياس المنطقي الافتراضي hypothetical syllogisms كلمات “لو”، “اذن”، “ليس” هى كلمات القالب ايضا. هناك كلمات قالب اخرى مثل “أما” ، “كلا من”، “و” تستخدم في صور او قوالب اخرى من الحجج الاستنتاجية. لكن ليس دائما من السهل تحديد صورة او قالب الحجة وفي تلك الحالة احد الطرق السهلة هو استخدام البديهة في نقل المثال الى صورة او قالب حجة ثم محاولة إيجاد عينة مضادة لة .. مثلا “جميع نجوم السينما ممثلون مشهورون ، لأن جميع نجوم السينما المشهورين هم ممثلون” .. لو استبدلنا “نجوم السينما”، “ممثلون”، و “مشهورون” بالرموز س، ص، ع .. يصبح قالب الحجة كالآتي
(1) كل “س”، “ص” هو “ع”
(2) أذن، كل “س” هو “ع” هو “ص”.
… وده احد تمثيلات هذا القالب
(1) كل البشر التى هى آباء، رجال
(2) اذن، كل البشر الرجال، هم آباء.
.. من الواضح أن هذا التمثيل باطل، المقدمة صحيحة لان كل الاباء فعلا رجال لكن لايتبع هذا بالضرورة ان كل الرجال هم آباء! .. استخدام طريقة العينة المضادة ساعدنا في اظهار هذا بالرغم من أن المثال السابق لايتبع صورة او قالب معروف محدد من الحجج الاستنتاجية. استخدام طريقة العينة المضادة قد يتطلب قليلا من المرونة والإبداع لأن لا توجد قواعد محددة يجب اتباعها لتمثيل الصورة او القالب، لكن هناك ارشادات عامة كما أشرنا منذ قليل. الطريقة فعالة جدا في إظهار بطلان الحجة، لأن ترتيب حقيقة المقدمات وبطلان النتيجة نمط غير منطقي تقبلة كل العقول الانسانية السليمة.
إعادة الصياغة Paraphrasing Arguments
الحجج التى نتعرض لها بشكل يومي غير مباشرة، ولا يتم صياغتها عادة في شكل قياسي. قد يختلف ترتيب مقدماتها، او حتى في بعض الاحيان معاني مقدمتها قد يستخدم لغة غامضة أو مُلتبسة. هيكل الحُجج قائم بالدرجة الأولى على العلاقة بين ال مركباتها. وبالتالي القدرة على تقييم إن كانت الحجة صحيحة يعتمد على قدرتنا على فهم العلاقة بين مركبات الحُجة، وبالتالي علماء المنطق عملوا على وضع مجموعة من الآليات والطرق لتحليل تركيب الحجج وهيكلها. في الغالب أحد أهم تلك الطرق هو آلية إعادة الصياغة paraphrase . الآلية التى من خلالها نقوم نقوم بإعادة صياغة الحجة بلغة واضحة وترتيب وهيكل منطقي. في بعض الأحيان قد يتطلب هذا أعادة تشكيل للجمل. وبالتالي من المهم جدا الحرص عند القيام بإعادة الصياغة توخى الحذر من التأثير على الحجة الاصلية، وان الشكل الجديد يحافظ على الجدلية المطروحة. مثلا “تميل الدول المتنوعة عرقيا إلى اقرار مستويات دعم اجتماعية أقل من تلك المتجانسة. لا يشعر الناس بالارتباط مع بعضهم البعض عندما ينقسمون على أسس عرقية ويكونون أقل قابلية لبرامج الدعم المتبادل. إما أن يكون لديك تنوع عرقي أو دولة مزدهرة كبيرة. من الصعب الحصول على كليهما” .. من الممكن إعادة صياغة الجدلية في شكل قياسي كالاتي
(1) لو كانت الدولة متنوعة عرقيا، إذن لن يشعر الناس بالارتباط ببعضهم البعض.
(2) إن لم يشعر الناس بالارتباط ببعضهم البعض، يكونوا أقل قابلية لبرامج الدعم الاجتماعي الكبرى
(3) إذن، الدول المتنوعة عرقيا، أقل قابلية على أعتناق برامج دعم أجتماعي كبرى.
في بعض الأحيان، إعادة الصياغة تقوم بأكثر من مجرد إعادة ترتيب او تشكيل الحجة ـ، على سبيل المثال قد تظهر اعادة الصياغة الفرضيات الخفية داخل الحجة. مثلا .. عالم الرياضيات الإنجليزي جو فردى هاردي G. H. Hardy قدم الجدلية التالية في كتابة “دفاع رياضي A Mathematician’s Apology” اللى نشرة سنة 1940 .. الجدلية كالاتي ” سيتم ذكر أرشميدس Archimedes ونسيان اسخيلوس Aeschylus ، لان اللغة تموت لكن الافكار الرياضية لا تموت!” .. من الممكن إعادة صياغة تلك الجدلية كالاتي
(1) اللغة تموت
(2) اسخيلوس كتب مسرحياته باستخدام اللغة
(3) إذن أعمال اسخيلوس ستموت في النهاية
(4) الأفكار الرياضية لا تموت
(5) أعمال أرخميدس كانت أفكار رياضية
(6) إذن أعمال ارشميدس لن تموت
(7) إذن ارشميدس سيتم ذكره،، لكن اسخيلوس سينسى.
كما ترى عملية اعادة الصياغة في المثال السابق لم تقم فقط باعادة هيكل وترتيب قضايا الحجة، لكن ايضا قامت بإظهار القضايا والأطروحات الخفية في سياق جدلية هاردي. إذن آلية اعادة الصياغة تجعل الحجة سهل التعرف عليها في القطعة. وبالتالي، الحجة الصادرة عن عملية إعادة الصياغة من الضروري ان يتحقق فيها بعض او كل الشروط التالية
(1) الحجة تستخدم مؤشرات المقدمات والنتيجة اللغوية
(2) تستخدم أحد صور الحُجج المنطقية المتعارف عليها
(3) تُظهر الفرضيات الخفية القائمة على السياق أو المعرفة السابقة
(4) تتخلص من المصطلحات ذات المعاني الغامضة او المُلتبسة.
اعادة الصياغة تعتمد على عدة آليات ومهارات لغوية بسيطة منها على سبيل المثال
(1) ترتيب قضايا الطرح بشكل بديهي يسهل عملية الاستيعاب، اى تبسيط هيكل وتركيب الصياغة اللغوية
(2) تبسيط اللغة المستخدمة في النص الاصلى
(3) التخلص من القضايا والأطروحات الغير مرتبطة بنتيجة الحجة
(4) تحديد، وتوحيد المصطلحات المستخدمة
(5) تحديد النتائج الوسيطة وايها يعتمد بشكل مباشر على بعضها البعض.
مخططات الحُجج Arguments Diagrams
الآلية الثانية لتحليل الحُجج بهدف فهمها، هو رسم مُخطط الحجة أو الجدلية Diagramming Argument. من خلال المخطط من الممكن أن تمثل الهيكل والتركيب اللغوي للحجة في صورة بيانية. تدفق قضايا المقدمات والنتيجة يتم تمثيلها في مخطط ثنائي الأبعاد two-dimensional chart . المخطط بكل تأكيد غير مطلوب في حالة الحجج البسيطة، بالرغم من أنه قد يساعد في فهم الحجة،ـ لكن عندما تكون الحجة معقدة، لها مقدمات عديدة متشابكة بطرق عديدة، مخطط بياني قد يكون كبير الأثر في فهم الحجة. كي نقوم برسم مخطط بياني للحجة أولا نقوم بترقيم كل قضايا الحجة بنفس الترتيب الذي تظهر به داخل الحجة. نرسم دائرة حول كل رقم، و باستخدام الاسهم نقوم بإظهار العلاقات ما بين القضايا بالاشارة من رقم قضية الى القضية التالية. ترتيب الدوائر الممثلة لقضايا الحجة يتبع بعض القواعد التنظيمية
(1) نتيجة الحجة تظهر في نهاية المخطط مستقلة تابعة للقضية التى تدل عليها
(2) المقدمات التي تقود لنفس النتيجة ولا تعتمد على بعضها البعض يتم وضعها دوائرها على نفس المستوى. هناك عدة صورة من الأنماط أو الطرق المختلفة لتمثيل الحجة.
النمط العمودي أو الرأسي Vertical pattern من التخطيط فيه يتم رسم مخطط لحجة مقدمتها غير متوازية أو متناسقة في تأثيرها. أى أن المقدمات لا تقدم دعم او دليل مباشر لنتيجة الحجة لكن المقدمات تدعم مقدمات أخرى تدعم النتيجة النهائية. في تلك الحالة المخطط بسيط كل مقدمة لها دائرة على مستوى افقى مستقل، والسهم الخارج منها يشير للمقدمة التابعة لها في تسلسل مثل العقد الى النتيجة. على سبيل المثال “
(1) بيع الأعضاء البشرية، مثل القلب، الكلى، لابد أن يتم تجريمة
(2) السماح ببيع الأعضاء البشرية، سيقود بدون شك الى اعطاء الأغنياء ميزة تقريرة لأنهم سيكونون قادرين على شراء تلك الأعضاء
(3) طبقا لقانون العرض والطلب، عندما يتم شراء شيء نادر وبيعه كسلعة ، يرتفع السعر دائمًا.”
.. من الممكن رسم مخطط لتلك الحجة كالاتي مخطط رأسي يبدأ من القضية 4، دائرة 4 على مستوى مستقل وسهم يشير الى دائرة 3 أسفلها، وسهم يشير الى دائرة قضية 2 أسفلها، وسهم يشير الى دائرة قضية 1 (النتيجة) أسفلها في نهاية المخطط. .. المخطط يظهر لنا ان القضية رقم 1 هى نتيجة الحجة، مدعومة بالقضية 2 المدعومة ايضا بالقضية رقم 3، المدعومة ايضا بالقضية رقم 4. النمط الأفقي Horizontal pattern على سبيل المثال الحجة التالية “
(1) لا يوجد إجماع بين علماء الأحياء أن الخلية المخصبة حية مقارنة بـ البويضة غير المخصبة أو الحيوان المنوى لا يعدوا على قيد الحياة
(2) كما أنه لا يوجد إجماع حول ما إذا كانت مجموعة من الخلايا بدون نظام عصبي بدائي تعد إنسان على قيد الحياة
(3) وبالتالي لا توجد بيانات تجريبية مقنعة لتقرير قضية متى تبدأ الحياة “البشرية”
. من الممكن تمثيل تلك الحجة في صورة مخطط بياني كالاتي دائرتي 1 و 2 على نفس المستوى الأفقي وسهمين من 1،2 يشيرا إلى دائرة 3 اسفلهما. اى ان نتيجة الحجة ممثلة في القضية رقم 3 مدعومة بكلا من المقدمتين الممثلتين في الدائرتين 1،2. في النمطين السابقين كل مقدمة دعمت نتيجة الحجة بشكل مستقل، لكن في بعض الأحيان يتم الجمع بين النمطين السابقين حيث يشترك مقدمتين في دعم النتيجة في تلك الحالة يطلق على النمط المقدمات المشتركة Conjoint premises في تلك الحالة المقدمتين يعتمدا على بعضها البعض، حيث لو تم ازالة أحدهما يفشل الآخر في دعم النتيجة بشكل مستقل. مثلا “
(1) احمد لا يستطيع حضور الامتحان الاسبوع القادم
(2) حضور الامتحان يتطلب التسجيل في بداية الفصل الدراسي و نسبة حضور أعلى من 80%
(3) نسبة حضور أحمد اعلى من 80% لكنة غير مسجل”
.. في تلك الحالة النتيجة الممثلة في الدائرة 1 تطلب الدوائر 2،3 مجتمعين تحت قوس لدعم حقيقتها وهو عدم قدرة أحمد على حضور الامتحان، معرفة مثلا القضية المطروحة في 2 وهى شروط الحضور غير كافي لاستنتاج عدم قدرة أحمد على حضور الامتحان، ومعرفة القضية المطروحة في 3 وهى نسبة حضور احمد وعدم تسجيله في المادة غير كاف بمفردة لاستنتاج عدم قدرة أحمد على حضور الامتحان. اذن حقائق المقدمتين معا او المقدمات مشتركة تدعم حقيقة النتيجة. نمط آخر عندما تقدم الحجة عدة نتائج Multiple conclusion في تلك الحالة يتم تمثيل الحجة بالمقدمات تشير بسهم الى قوس يجمع تحته الدوائر الممثلة لكل نتائج الحجة مثلا .. “
(1) الزواج المبكر و عدم أكمال التعليم السببين الرئيسيين وراء ازدياد نسبة الفقر في المجتمع
(2) لكى نقضى على الفقر لابد ان نعطى الناس دافع كي يكملوا تعليمهم وايضا
(3) لابد من تشجيع الأسر على رفض الزواج المبكر”
في تلك الحالة الدائرة 1 المقدمة تشير الى قوس يجمع تحته كلا من النتيجتين 2،3 .. لو فاكر من حلقة أسس علم المنطق، الجدلية لا يمكن أن تحتوي على أكثر من نتيجة، لكن البشر في اللغة اليومية لا يتبعوا قواعد المنطق بصرامة ولهذا نقوم بجمع النتيجتين تحت قوس، اى ان هناك نتيجة واحدة للحجة. مثال آخر على نص تتعدد فيه نتائج الحجة ويصبح من الضرورى على المحلل أن يجمع نتائج الحجة تحت نتيجة واحدة. في نص مقتطع من خطاب من كارل ماركس لـ فريدريك إنجلز قال
“(1) تعجيل القيام بالثورة الاجتماعية في إنجلترا هو أهم عنصر من الممكن حدوثه في رابطة العمال الدولية
(2) الوسيلة الوحيدة لتعجيل الثورة هو استقلال أيرلندا
(3) بالتالي، تصبح مهمة دولية خلق صراع بين إنجلترا و أيرلندا
(4) وفي كل المحافل الدولية نقف صراحة في دعم أيرلندا”
… هناك جدليتين في تلك الحجة/ لكن النتيجتين مدعومين بنفس المقدمتين 1،2 في تلك الحالة من الممكن رسم مخطط الحجة كالاتي المقدمتين 1،2 مشتركتين بقوس (نمط مقدمات مشتركة) يشيرا الى كلا من 3،4 مجتمعتين بقوس كنتيجة واحدة . دى الصور الأربعة الاساسية لتمثيل العلاقات بين قضايا الحجة. هذة اللغة التصويرية الرمزية كافية الآن كي تستخدم لتحليل الحُجج الاكثر تعقيدا التي قد نتعرض لها في الكتابات والمناقشات اليومية. المثال التالي أكثر تعقيدا ..
“(1) قمم الجبال الصحراوية مواقع جيدة لعملية البحث الفكلي
(2) بسبب ارتفاعها، تكون فوق جزء من الغلاف الجوي، الأمر الذي يمكن الضوء الصادر عن النجوم من الوصول الى التليسكوب دون الحاجة الى سبر أعماق الغلاف الجوى
(3) وبسبب طبيعتها الجافة، الصحراء عادة ما تكون خالية من السحب
(4) السحب، والضباب يشكل حاجز في السماء أمام اى قياسات فلكية”
.. في تلك الحجة،القضية 1 هى نتيجة الحجة، والثلاث حجج الأخرى هى مقدمات تلك الحجة، لكن الطريقة التي يقدموا بها الدعم غير متكافئة. المقدمة 2 بمفردها تدعم النتيجة وهو ارتفاع قمة الجبل، لكن المقدمة 3 و 4 مشتركتين لابد وان يطرحا معا كي يدعما النتيجة وبالتالي المخطط يصبح كالآتي النتيجة 3 و4 يجمعهما قوي (نمط المقدمات المشتركة) وكلامها مع المقدمة 2 بشكل مستقل (النمط الأفقي) يدعمها النتيجة 1 . عندما يكون هناك اكثر من مقدمة في الحجة، في بعض الاحيان موقع المقدمات، والنتيجة في الحجة قد لايتبع التسلسل المنطقي، اى النتيجة في نهاية الحجة والمقدمات في بدايتها. وفي تلك الأحيان يكون من الضروري إعادة ترتيب قضايا الحجة حتى يكون من الممكن رسم مخطط لها. مثلا فكر في النص التالي “المصدر الحقيقي والاصلي للإلهام المفكرين المسلمين كان القرآن والأحاديث النبوية. من الواضح إذن أن الفلسفة الإسلامية لم تكن نسخة كربونية من الفكر اليوناني السالف عليها، لأنها اهتمت بشكل أساسي بالمشكلات التي نشأت في المجتمعات الإسلامية وذات صلة بالثقافة الإسلامية الدينية” .. تفتكر ما هي نتيجة تلك الحجة؟ .. واين موقعها في النص؟ .. بالضبط … النتيجة هى “الفلسفة الإسلامية لم تكن نسخة كربونية من الفكر اليوناني” … النتيجة في الحقيقة ظهرت ما بين مقدمتى الحجة “مصدر الفكر الإسلامي كان القرآن والأحاديث النبوية” و “اهتمام الفلسفة الاسلامية كان بمشاكل المجتمعات الإسلامية”. أيضا نتيجة حجة ما قد تصبح مقدمة لحجة أخرى في نفس النص .. مثلا في أحد كتابات توماس الاكويني جادل
“(1) القانون البشرى يصاغ كي يناسب جموع البشر
(2) الغالبية العظمى من البشر ليست مثالية في الفضيلة
(3) لذلك لا تمنع القوانين الإنسانية كل الرذائل”
.. نتيجة تلك الحجة استخدمها الاكويني مباشرة كمقدمة لحجة أخرى مختلفة .. نصها كالاتي
” (1) الأفعال الشريرة تتعارض مع أعمال الفضيلة
(2) لكن القانون الانساني لا يحظر كل الرذائل
(3) إذن، القانون الإنساني لا يصف كل أعمال الفضيلة”
.. هذه الصورة التتابعية من الحجج القائمة على بعضها البعض قد تصبح أكثر تعقيدا ولها عدد كبير من المستويات. على اى حال صورة اخرى من الحجج المتداخلة عندما يكون هناك عدد الحجج المتداخلة في تلك الحالة رسم مخطط لتلك الحجج يصبح آلية مهمة جدا لتحليل الحجج المتداخلة. مثلا في رسالة جون لوك John Locke الثانية للحكومة Second Treatise of Government قدم حجتين متداخلتين كالاتي
“(1) ليس من الضروري أن يكون فرع الحكومة التشريعي دائما موجود
(2) من الضرورى دائما وجود السلطة التنفيذية في الحكومة
(3) ليس هناك حاجة دائمة الى صياغة القوانين
(4) هناك حاجة دائمة الى تطبيق القوانين التى صُيغت مسبقا”
هناك حجتين متداخلتين في هذا المثال. مقدمة 3 ليس هناك ضرورة دائمة لصياغة القوانين وبالتالي نتيجة 1 ليس هناك ضرورة دائمة لوجود فرع تشريعي في الحكومة .. هذا المخطط من الممكن تمثيلة بدائرة 3 تشير الى 1. والحجة الاخرى المستقلة هي مقدمة 4 هناك حاجة دائمة لتطبيق القوانين وبالتالي نتيجة 2 من الضرورى دائما وجود سلطة تنفيذية. بنفس الصورة من الممكن رسم مخطط فيه مقدمة 4 تشير الى نتيجة 2 .. رسم مخططات للحجج واعادة الصياغة آليات قوية ومفيدة لتحليل الحُجج وفهم هيكلها والعلاقات بين أطروحتها خصوصا عندما تصبح الحجة معقدة، متعددة المستويات، أو غامضة كما سنرى بعد قليل.
الحُجج المعقدة Complex Argument Forms
بعض الحجج معقدة جدا في تركيبها، تحليل النصوص، أو المناقشات التي تحمل في طياتها عدة حُجج أو جدليات عملية صعبة وقد تصبح مستحيلة على البعض ان لم يستخدموا الأدوات السليمة في عملية تحليل النص. مثلا بعض النصوص المقدمات لحجة ما قد تكون نتيجة فرعية لمقدمات أخرى،ـ التى بدورها قد تكون نتيجة فرعية لمقدمات سابقة عليها، التركيبات المعقدة تشترك مع بعضها لتكوين صور أكثر تعقيدا من الجدال. مخططات الحجج بكل تأكيد تساعد على توضيح تلك العلاقات المتشابكة لكن لا توجد طريقة ميكانيكية من الممكن اتباعها للتأكد إن كان المخطط فعلا يمثل نص الحُجة. لأن هناك أكثر من قراءة ممكنة للحجة، وبالتالي هناك أكثر من مخطط تصويرى جائز للحجة لإظهار تركيبها اللغوي. النصيحة اللى من الممكن اقدمها لك عند تحليل الحجج هو المحاولة الصادقة لفهم عملية التفكير العقلانية التى قام بها صاحب الحجة، ومحاولة تحدد الدور الذي يلعبة كل عنصر من عناصر النص في دعم الحجة. في الامثلة التالية سأقوم بترقيم قضايا الحجة داخل النص لمساعدة في فهم تركيب الحجة وعلاقتها، لكن في الواقع النصوص لن تحتوى على تفصيل وترقيم لقضايا الحُجة، تحديد قضايا الحجة الخطوة الأهم في فهم وتحليل الحجة، يتبعها فهم وتحديد العلاقات بين تلك القضايا . بعد تحديد قضايا الحجة والعلاقات بينها يصبح من السهل الحكم على صحة الحجة إن كانت مقدمتها فعلا تؤدى لنتيجتها! .. فكر في نص الحجة التالية المقتبس من مقال بعنوان “كيف تطور مضاد حيوى جديد How to Develop New Antibiotics” لعالم الأورام الأمريكي المعاصر ايزكيل ايمانويل Ezekiel Emanuel … ” 1
البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية تكلف الاقتصاد 20 مليار دولار سنويا
(2) نحاول تطوير مضادات حيوية لمقاومة هذة البكتريا لكن
(3) تطوير مضادات حيوية جديدة عملية غير مربحة
(4) المضادات الحيوية عادة ما تعطى لمدة قصيرة من الوقت و
(5) الاطباء يصفون المضادات الحيوية بشكل محدود تحت ظروف صحية معينة
(6) إذن، كى نشجع تطوير مضادات حيوية جديدة، الحكومة لابد وان تضع جائزة مالية قدرها 2 مليار دولار لاى شركة تطور مضاد حيوي فعال”
.. نتيجة الحجة هى القضية رقم 6. المدعومة بشكل مستقل بالمقدمة رقم 1 وهو التكلفة الباهظة التي تفرضها البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية على الاقتصاد، لكن ايضا النتيجة مدعومة بشكل مستقل بكلا من المقدمتين 2، 3 وهو لابد من تطوير مضادات جديدة لكنها عملية مكلفة، وأخيرا المقدمة 3 مدعومة بشكل مستقل بكلا من المقدمة 1،2 وهو الأسباب المؤدية لارتفاع الكلفة المادية لتطوير المضادات الحيوية. لو حاولنا رسم مخطط لتلك الحجة سيكون على الصورة التالية المقدمة 4،5 تشيرا بشكل مستقل الى المقدمة 3 (نمط أفقي)، المقدمة 2 و3 مشتركتين بقوس تشيرا إلى النتيجة 6 (نمط المقدمات المشتركة)، والمقدمة 1 تشير الى النتيجة 6 (نمط أفقي). المثال التالي نتيجة الحجة أول جملة في المقدمة، أربع مقدمات تتبعها تدعمها بشكل مباشر، و مقدمتين اخرتين يدعموها بشكل غير مباشر عن طريق نتائج وسيطة.
“(1) من غير المرجح أن تكون الأبحاث التي تستخدم الحيوانات غير ضرورية أو سيئة.
(2) قبل إجراء تجربة باستخدام حيوان الفقاريات ، يجب مراجعة بروتوكول هذه التجربة من قبل لجنة مؤسسية تضم طبيبًا بيطريًا وعضوًا من الجمهور ،
(3) وخلال البحث يتم مراقبة صحة الحيوان ورعايته بانتظام.
(4) يحتاج الباحثون إلى حيوانات صحية للدراسة في العلوم والطب ،
(5) لأن الحيوانات غير الصحية يمكن أن تؤدي إلى نتائج خاطئة.
(6) هذا حافز قوي للعلماء للتأكد من أن أي حيوانات يستخدمونها هي صحية ومغذية بشكل جيد.
(7) علاوة على ذلك ، تعتبر الأبحاث المتعلقة بالحيوانات باهظة الثمن ،
(8) ولأن التمويل محدود في العلوم ،
(9) فإن البحوث عالية الجودة هي فقط القادرة على المنافسة بفعالية للحصول على الدعم”
النتيجة الفرعية 4 مدعومة بالمقدمة 5، الباحثون يحتاجون حيوانات صحية لأن الحيوانات الغير صحية تؤدى إلى نتائج خاطئة. النتيحة الفرعية 4 بدورها مقدمة للنتيجة الفرعية 6 وهو أن تجنب النتائج الخاطئة في البحث العلمي حافز قوى لاستخدام الحيوانات الصحية. والنتيجة الفرعية 6 بدورها مقدمة لنتيجة الاخيرة 1 وهو أن من غير المرجح أن الأبحاث العلمية تستخدم الحيوانات سيئة ومضرة. في نفس الوقت المقدمتين 7،8 مجتمعتين يدعما النتيجة الفرعية 9 .. الأبحاث المتعلقة بالحيوانات باهظة الثمن والتمويل محدود إذن الأبحاث عالية الجودة هي فقط القادرة على المنافسة بفعالية للحصول على الدعم. هذة النتيجة الفرعية بدورها مقدمة للنتيجة الحجة الاخيرة 1. المقدمتين 2،3 مستقلتين يدعما النتيجة الاخيرة 1، وهو ان التجارب تراجع من قبل لجنة متخصصة محايدة، ويتم مراقبة صحة الحيوان ورعايته خلال البحث. أكيد ملاحظ الحجة معقدة وترتيب المقدمات، النتائج الفرعية، والنتيجة الاخيرة لايتبع السياق الرسمي الذي يقترحه علماء المنطق. لكن التعقيد قد يظهر في صور اخرى داخل النصوص احيانا عن عمد او سهو، مثلا احد تلك الصور هو تكرار نفس الفكرة أو الحجة بعدة صورة مختلفة، او صياغات مختلفة، في تلك الحالة المخطط يساعد في إظهار تلك التكرارية، عند تحليل النص نستخدم نفس الرقم للإشارة للمقدمات المتكررة. تأمل النص التالي
“(1) نظرية الانفجار الأعظم Big Bang تنهار. . . .
(2) وفقًا للفكرة التقليدية ، بدأ الكون بالانفجار الكبير – انفجار هائل متماثل تمامًا قبل 20 مليار عام.
(3) المشكلة هي أن علماء الفلك أكدوا من خلال الملاحظة وجود تجمعات ضخمة من المجرات التي هي ببساطة أكبر من أن تتشكل خلال 20 مليار سنة فقط. . . . تُظهر الدراسات المستندة إلى بيانات جديدة تم جمعها بواسطة القمر الصناعي ، مدعومة باستطلاعات أرضية سابقة ،
(4) أن المجرات تتجمع في شرائط شاسعة تمتد مليارات السنين ،
(5) وتفصل بينها مئات الملايين من السنوات الضوئية.
(6) نظرًا لملاحظة أن المجرات تنتقل في جزء صغير فقط من سرعة الضوء ، تُظهر الرياضيات
(7) أن هذه المجموعات الكبيرة من المادة يجب أن تستغرق ما لا يقل عن مائة مليار عام لتتحد مع بعضها – خمسة أضعاف طول الوقت منذ الانفجار الأعظم المفترض. . . .
(3) لا يمكن إنشاء هياكل كبيرة مثل تلك الموجودة الآن في 20 مليار عام . . . .
(2) نظرية الانفجار الكبير أن المادة انتشرت بالتساوي في الكون. في هذة الصورة القياسية،
(3) لا توجد وسيلة لمثل هذه المجموعات الضخمة للتشكيل بسرعة.”
ارجو ان تكون لاحظت تكرارية القضايا 2 و 3 في الجدلية. المقدمات 4،5،6 او الادلة القائمة على الملاحظة تعطى أسباب لدعم النتيجة الفرعية 7 وهو أن التجمعات الكبيرة من المادة تحتاج ما لا يقل عن مليار علم لتتحد الأمر الذى يعد خمس اضعاف الوقت منذ الانفجار الأعظم. النتيجة الانتقالية 7 ضمنية تعمل كمقدمة للنتيجة الانتقالية 3 وتكرر نفس الفكرة هو ان لايمكن تكون تلك التجمعات الكبرى في المدة المفترضة منذ حدوث الانفجار الأعظم. وبدمج المقدمة 2، 3 المدة المفترضة والتماثل المفترض غير كافي لدعم النظرية وبالتالي النتيجة 1 وهو تداعي نظرية الانفجار الأعظم .. الجدلية اكتملت هنا، لكن في النص الكاتب كرر المقدمات 2، و3 عدة مرات دون داعي، جزء من مهمة التحليل المنطقي للنصوص هو تحديد تلك التكرارية والتخلص منها! .. تأمل النص التالي، نص أكثر تعقيدا
“(1) السيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية لا يمكن أن تكون أي شيء غير أجهزة تجريبية.
(2) الطاقة الشمسية ضعيفة جدًا لتشغيل سيارة صغيرة للاستخدام اليومي.
(3) تبلغ الطاقة الشمسية التي تدخل الغلاف الجوي حوالي 1 كيلو واط لكل ياردة مربعة.
(4) بسبب التشتت في الجو ،
(5) ولأن الشمس تشرق نصف يوم في المتوسط في أي مكان على الأرض ،
(6) فإن متوسط الطاقة الشمسية المستقبلة هو 1/6 كيلو واط أو 4 كيلو واط في اليوم. . . .
(7) تشير الاختبارات على السيارات ذات الحجم الكامل إلى أن هناك حاجة إلى 300000 واط ساعة في بطارية السيارة الكهربائية كى تؤدى مهام الفرد اليومية بشكل مرضى.
(8) لذلك ، ستكون هناك حاجة إلى 40 ياردة مربعة من الخلايا لشحن بطاريات السيارة ، أي بحجم سطح جرار.
(1) التكنولوجيات التى لم تطور بالقدر الكافي بعد ليست السبب في عدم قدرة السيارة لتوفير احتياجات الفرد العادى للأستخدام اليومي، السيارة تجريبية مصممة بشكل رائع. لكنها قيود علم الكونيات”
لو تأملت النص .. ستجد أن نتيجة الحجة المقدمة رقم 2 تم تكرارها بصيغة اخرى في نهاية النص (رقم 1) و المقدمات 3،4،5 مجتمعة كمية الطاقة الشمسية التي تدخل الغلاف الجوى، قليلة بسبب التشتت ، ولان الشمس تشرق نصف يوم فقط تدعم المقدمات 6، 7 وهو أن متوسط الطاقة الشمسية المستقبلة 4 ك واط في اليوم، والاختبارات تشير الى احتياج 300000 واط. المقدمتين يدعما المقدمة 8 وهو أننا نحتاج 40 ياردة مربعة مساحة سطح الجرار لشحن السيارة، التى تدعم النتيجة الفرعية 2 وهو ان السيارات الكهربائية فكرة غير عملية نفس الفكرة المكررة في النتيجة النهائية 1 لكن بصيغة اخرى. (لاحظ ان حقيقة أو خطأ الجدليات التي نستخدمها كأمثلة هنا ليست الامر محل التحليل، لكننا نحلل التركيب والهيكل العام للحجة كى نستطيع تقييم سلامتها، و منطقيتها) … المثال الأخير الذي سأطرحة عليك شديد التداخل والغموض لكنه صورة جيدة على كيف من الممكن أن تتشابك وتتداخل مقدمات واطروحات الحجة في النصوص البشرية الغير محكومة بقواعد المنطق .. تأمل النص الآتي
“مجلة نيو إنجلاند الطبية اتخذت موقفا
(1) بأنها لن تنشر تقارير لبحوث غير أخلاقية ، بغض النظر عن أهميتها العلمية . . . . هناك ثلاثة أسباب لهذا الموقف. أولاً ،
(2) إن سياسة نشر البحوث الأخلاقية فقط ، إذا طبقت بشكل عام ، سوف تردع العمل غير الأخلاقي.
(3) يعد النشر جزءًا مهمًا من نظام المكافأة والتقدير في مجال البحوث الطبية ،
(4) ولن يقوم الباحثون بإجراء دراسات غير أخلاقية إذا علموا أن النتائج لن تنشر.
(5) علاوة على ذلك ، هذه الدراسات أسهل في تنفيذها
(6) وبالتالي قد تمنح ممارسيها ميزة تنافسية. ثانياً ،
(7) إن رفض النشر حتى لو كانت الانتهاكات الأخلاقية بسيطة يحمي مبدأ أولوية موضوع البحث.
(8) إذا سمح لهفوات صغيرة بالتالي نؤيدها وندعمها ،
(9) وهذا سيؤدي إلى انتهاكات أكبر. وأخيراً ،
(10) فإن رفض نشر أعمال غير أخلاقية يخدم المجتمع بشكل عام في أنه يتخلص من العلماء الذين لا يعتبرون العلم المقياس الأساسي للحضارة.
(11) قد تكون المعرفة ، رغم أهميتها ، أقل أهمية للمجتمع المُتحظر من الطريقة التي يتم الحصول عليها”
مرة أخرى نتيجة الحجة تظهر في بداية النص رقم 1، ويدعمها المقدمات 2، 8، و 11 بشكل مستقل .. المقدمات نفسها، مدعومة من خلال شبكة من المقدمات الاخرى. سأترك لك مهمة تتبع المخطط وتطبيقة على النص كي ترى العلاقات بين الأطروحات كي تصل الى نتيجة النص النهائية، وهي ان المجلة لن تنشر الابحاث الغير أخلاقية بغض النظر عن أهميتها! … أرجو أن تلك الامثلة تكون اظهرت لك الاشكالية في النصوص الغير مضبوطة طبقا لقواعد المنطق. التى تمثل غالبية النصوص البشرية المنشورة، العلاقات بين الأطروحات متشابكة، معقدة، متكررة، وفي كثير من الأحيان غير واضحة. مسار الحجة يكون مختلط وغير واضح في عقل الكاتب نفسه في كثير من الأحيان. لهذا التحليل المنطقي، واعادة الصياغة والمخططات تظهر تلك الاشكاليات، من خلال اعادة بناء هيكل الحجة وتركيبها من خلال صورة تمثيلية تساعد في رؤية نقاط قوة وضعف الحجة. المنطق يهدف الى صناعة وتقييم الحجج، لكن عملية التقييم الناجحة للحجج تفترض أن تركيب الحجة محل السؤال تتبع قواعد صناعة الحجج طبقا لعلم المنطق، الامر اللى بكل تأكيد لا ينطبق على كثير من المحادثات والكتابات الانسانية.
إشكاليات التفكير Reasoning Problems
في عملية التفكير ننتقل من معطيات أو مقدمات معروفة ومؤكدة لنا الى نتائج مازالت في حيز الشك. الفرد العادى يقوم بصناعة الحجج يوميا، كيف يتصرف، كيف يحكم على تصرفات الآخرين، كيف يدافع عن أحكامه الأخلاقية، السياسية، الانسانية، الخ. القدرة على صناعة حجج سليمة أو الحكم على حجج الآخرين إن كانت سليمة أم لا مهارة لاتقدر بثمن. ولو لاحظت انى اطلقت عليها مهارة لأنها تكتسب وتتحسن مع الممارسة والوقت. والقدماء وضعوا العاب تعتمد في الأساس على العملية العقلية التى تنطلق من المقدمات الى النتائج مثل الشطرنج أو اللعبة الصينية القديمة GO. قواعد تلك الألعاب قائمة على اختبار وتقوية مهارات التفكير المنطقى! غالبا الاحاجي والاشكاليات المنطقية في تلك الألعاب ابسط وأكثر مباشرة من الإشكاليات المنطقية في الواقع. لكن تمرين العقل على التعامل مع تلك الإشكاليات، التعرف عليها، وحلها، داخل نطاق لعبة محدود عملية مهمة جدا، لأنها تساعد على بناء العضلات العقلية المنطقية (إن جاز التعبير)، و يصبح العقل قادر على مد رقعة أنماط التفكير المنطقي المكتسبة في الإطار المحدود الى الاشكاليات الواقعية. بصورة أبسط تصور ان الالعاب العقلية والاستراتيجية بمثابة تمرين للأستعداد على التعامل العقلي مع الواقع. مثلا القدرة على استنباط نتائج فرعية من مقدمات أولية واستخدامها كمقدمات لنتائج نهائية، جزء أساسي من أنماط التفكير داخل لعبة الشطرنج، المهارة التى ان مدها العقل الإنساني للأستخدام في الواقع تصبح أصيلة في عملية التفكير المنطقي. الأحاجي والإشكاليات المصممة داخل تلك الألعاب قد تكون صعبة ومحبطة للبعض أحيانا، لكنها كأي تطبيق لعملية التفكير المنطقي مشبعة جدا فى حالة نجاحها. أو زى ما جادل الفيلسوف المعاصر جون ديوي John Dewey “إن الاستمتاع بالمشكوك فيه هو علامة على العقل المتعلم”. لكن الاحاجي والالعاب العقلية ليست دائما في الالعاب الشهيرة مثل الشطرنج او جو، لكن احد صورها الشائعة هى الالغاز اللفظية. مثلا احد صور الاحاجي اللفظية الشائعة، هو الوصول لحقائق عن كائنات معينة مفترضة داخل الاحجية من خلال الاستنباط من أدلة داخل المقدمات … مثلا فكر في المثال الآتي “الطاقم الفني لاى طائرة يتكون من الطيار، مساعد الطيار، ومهندس الطائرة. أحمد، محمد، ومحمود طاقم الطائرة الفنى، مساعد الطيار أقل أفراد الطاقم دخلا، محمود متزوج أخت محمد، ودخلة أكثر من الطيار، مساعد الطيار هو الطفل الوحيد لأبويه، ماهو منصب كل منهم داخل طاقم الطائرة الفني؟” … علشان نقدر نحل الأحجية دى، الطريقة المنطقية هي أن نبدأ من نطاق المعلومات المعروفة لنا في الادلة المطروحة في مقدمات اللغز ونصل منها الى نتائج تتخطى حدود الحقائق المطروحة داخل مقدمات الاحجية. في تلك الحالة المعلومات الاكثر لدينا متوفرة حول شخصية محمود، نحن نعلم أنه ليس قائد الطائرة لان دخلة اعلى من قائد الطائرة، وبكل تأكيد هو ليس مساعد قائد الطائرة لان مساعد الطيار أقل أفراد الطاقم دخلا. باستخدام الإزالة elimination من الممكن ان نستنتج ان محمود لابد وانه مهندس الطائرة! … باستخدام النتائج الفرعية نقدر نحدد وظيفة محمد. بكل تأكيد هو ليس مساعد الطيار، لأن له أخت ومساعد الطيار هو الطفل الوحيد لأبويه، لكنة ايضا ليس مهندس الطائرة لاننا اثبتنا منذ قليل أن محمود هو مهندس الطائرة، إذن الوظيفة الوحيدة الباقية هى قائد الطائرة، اذن محمد هو قائد الطائرة. إذن الفرد الاخير احمد لابد وانه يتقلد الوظيفة الاخيرة الباقية وهي مساعد الطيار! …. الأحجية دى من الممكن أن تكون اعادت لك بعض ذكريات الطفولة، المسائل اللفظية أحد التمارين الاساسية التى يدرسها التلاميذ في مناهج الرياضيات في المراحل الابتدائية في مصر واعتقد في العديد من الدول العربية، و الاحاجي والالغاز اللفظية كانت ومازلت تملأ فضاء مجلات الشباب والمراهقين المصورة. لكن هذا النوع من الألغاز اللفظية حين يتعقد يصبح من الصعب التعامل معة بنفس الصورة السابقة، ويكون من المفيد استخدام احد الأدوات المنطقية للتعامل مع هذا النوع من المسائل، وهو مصفوفات المعلومات matrix. مصفوفة المعلومات تستخدم لتراكم المعلومات وتصوير علاقتها الغير مباشرة ببعضها البعض. المثال التالي سيساعد في ايضاح اهمية تلك الأداة.
“نور، عمر، علي وعائشة أربع شخصيات عامة ذات شأن كبير في المجتمع. أحدهم عالم، كاتب، فيلسوف، وفنان .. لكن ليس بالضرورة بنفس الترتيب. المعلومات التالية متوفرة لدينا
(1) نور وعمر كانوا ضمن الجمهور في محاضرة أخيرة للفيلسوف
(2) كلا من على والكاتب لديهم بورتريه رسمه الفنان لهم
(3) الكاتب،الذي نشر سيرة ذاتية لعائشة .. بيخطط انه ينشر سيرة ذاتية لنور (4) نور لم يلتقي علي من قبل”
.. ماهى وظيفة نور، عمر، وعلي؟!
تذكر المعلومات المطروحة داخل تلك المقدمات، والنتائج الفرعية المستنبطة منها قد تكون مهمة عويصة على كثير مننا، ولو حاولت تسطر بعض الملاحظات قد تساعد لكنها سريعا ما تصبح متشابكة وتشتت. (حاول تجرب بنفسك) .. طريقة أفضل هي ترتيب المعلومات وإظهارها بصورة منظمة تساعد في استنباط النتائج الفرعية او الوسيطة، واستخدامها مع المعلومات المطروحة في المقدمة تساعد في ربط متسلسلة من الادلة للوصول الى النتيجة النهائية. مصفوفة المعلومات هى الاداة التى قد تساعدنا في تحقيق تلك الأهداف، ورؤية كافة الاحتمالات الممكنة المتعلقة بالوصول الى النتيجة وتسجيل كافة الاستدلالات. في هذا المثال، المصفوفة تتكون من أربع صفوف كل صف سيمثل فرد من الافراد الاربعة في اللغز، واربعة اعمدة كل عمود يمثل احد الوظائف الأربعة التى من الممكن أن يعتنقها الفرد . عندنا نقرر ان فرد ما بناء على معلومة ما مطروحة في احد المقدمات او بناء على احد النتائج الفرعية المستنبطة لا يمكن ان يشغل وظيفة ما نضع علامة خطأ فى الخانة تقاطع صف الفرد مع عمود الوظيفة .. دعنا نبدأ بالمعطيات، بناء على المعطي 1 من غير الممكن ان يكون نور او عمر الفيلسوف، لانهم حضرو محاضرة أخيرة له، إذن نضع علامة خطأ لكل منهم في خانة الفيلسوف. ومن المعطي 2 نحن نعلم أن على ليس الكاتب ولا الفنان لان الفنان رسم له هو الكاتب بورتريه، إذن نضع علامة خطأ لعلى في خانة الكاتب والفنان. ومن المعطى 3 نعلم أن الكاتب لا يمكن ان يكون عائشة او نور، لانة نشر سيرة ذاتية لعائشة ويخطط لنشر سيرة ذاتية لنور، إذن نضع علامة خطأ لعائشة في خانة الكاتب، وعلامة خطأ لنور في خانة الكاتب. حتى الان المصفوفة تمثل فقط المعلومات التى نعرفها من خلال المقدمات. لكن من خلال المعلومات التى تعلمها من خلال عملية الإزالة، لابد وأن عمر هو الكاتب، انظر لعمود الكاتب في المصفوفة هناك خطأ أمام كل الافراد ماعدا عمر، اذن هو الوحيد الباقي .. إذن نضع علامة صح امام عمر! … وبالتالي عمر لا يمكن أن يكون اى وظيفة اخرى اذن نضع خطأ في جميع الخانات الاخرى في صفة. لو نظرنا لعمود الفنان، سنجد أن عمر وعلى امامهم خطأ اذن أما نور او عائشة لابد وان يكون الفنان. لكننا عارفين من المعطى 2 أن الفنان رسم علي، فلابد اذن ان الفنان التقى بعلي .. ومن المعطى 4 نعلم ان نور لم يلتقي علي من قبل. إذن بكل تأكيد ليس الفنان، نضع علامة خطأ في خانة الفنان امام نور، اذن تبقى عائشة ، بكل تأكيد هى الفنان. نضع صواب أمام الفنان في خانة عائشة وخطأ في باقي الخانات الاخرى. الان يصبح من الواضح ان خانة الفيلسوف المتبقية بدون علامة خطأ فقط أمام على .. اذن على هو الفيلسوف. نضع خطأ أمام باقي الوظائف في صف على، واخيرا يتبقى نور في وظيفة العالم.
المصفوفة امتلأت وبكل تأكيد أصبحت المعلومات المؤكدة بما لايدع مجال للشك أن نور هو العالم، عمر هو الكاتب، على هو الفيلسوف، وعائشة هي الفنانة. لو المثال ده كان مُتعب ذهنيا لكن ممتع، ده مجرد بداية لنمط في حل إشكاليات أكثر تعقيدا من هذا النوع مصفوفة المعلومات فيها قد يكون لها عشرات بل حتى مئات الابعاد، في تلك الحالة تصبح مُوَتِّر Tensor أحد وحدات البناء والتمثيل الرياضية التى تستخدم لتمثيل مصفوفات متعددة الأبعاد، وغالبا استنتج لوحدك ان التعامل مع مصفوفات لها مئات الابعاد تصبح عملية غير بشرية بالمرة وتنتقل لنطاق البرمجيات، في الواقع هذا النوع من الإشكاليات أحد مناطق البحث المستمر منذ ستينيات القرن السابق في مجال الذكاء الاصطناعي لكنها خارج نطاق بحثنا الحالي.
التحليل التراجعي Retrograde Analysis
في الواقع عادة ما نتعامل مع حالات نبحث فيها عن الأسباب التي قادت للوضع القائم، فكر مثلا في علماء الحفريات، الجيولوجيين، الفلكيين، الفيزيائيين عادة ما يتركز نطاق بحثهم في إشكاليات أصلها مجهول ومُشكل في الوصول الية. هذا النوع من التفكير الذى يسعى الى تفسير كيف نفسر كيف تطورت الاشياء من حالة سابقة مجهولة الى حالة حالية معلومة معروف بالتحليل التراجعي retrograde analysis في الواقع، تنشأ المشاكل المنطقية ضمن إطار نظري يتم توفيره من خلال المعرفة العلمية أو التاريخية ؛ ولكن في الأحاجي او المشكلات المدروسة أو المصممة ، يجب توفير الإطار من خلال قواعد الاحجية أو المشكلة نفسها. يجب تحديد بعض القواعد أو القوانين التي يمكن من خلالها متابعة التحليل المنطقي. رقعة الشطرنج على سبيل المثال هي الأكثر شهرة لشرح مشاكل التحليل التراجعي . قواعد لعبة الشطرنج توفر السياق النظري المطلوب للقيام بالتحليل التراجعي المطلوب. عارف ان الكلام مجرد نظرى وقد يصعب استيعابه. هحاول التوضيح من خلال استخدام الشطرنج كمثال. عادة التحليل التراجعي في العاب الشطرنج يكون على تلك الصورة، عدد من قطع الشطرنج في حالة معينة على رقعة اللعبة، اى تخيل اننا دخلنا على اتنين بيلعبوا شطرنج منذ نصف ساعة، بيتبعوا قواعد اللعبة حرفيا دون أى أخطاء، وهنأخذ رقعة الشطرنج على الحالة التي وصلنا عندها. السؤال يصبح ماهى مجموعة الحركات، التى قام بها اللاعبين حتى يصلا للوضع الحالى؟ … في الواقع بالرغم من بساطة السؤال الا انك لو على دراية بلعبة الشطرنج وقواعدها، أكيد هتكون عارف ان الاجابة على هذا السؤال صعبة جدا، خصوصا كل ما كان المطلوب هو التراجع لعدد أكبر من الخطوات او الحركات المحتملة في الماضى، ده لان المشكلة مرتبطة بعدد الاحتمالات الممكنة لكل حركة لكل قطعة موجودة على الرقعة وقت التحليل. و التعقيد والصعوبة تتضاعف لأن هناك لاعبين لابد من تحليل الاحتمالات الممكنة لكلا منهم. الصعوبة دى بالرغم من أن الشطرنج عالم مغلق Closed World او في عالم البرمجيات والذكاء الاصطناعي نطلق عليها Sandbox اى أنها عالم محدود مكون من عدد محدد من الكائنات المعروفة، القوانين المحددة للحركة، والأماكن المسموحة للحركة، وبالرغم من هذا النوع من التحليل معقد جدا، أحد الخوارزميات الشهيرة في عالم البرمجيات التى تتعامل مع إشكالية الاحتمالات الممكنة في منظومة مغلقة كالشطرنج لكن بدلا من صورة تراجعية بصورة تقدمية، اى تحليل احتمالات الحركات الممكنة أو الحالات الممكن الانتقال اليها من الحالة الحالية معروفة بخوارزمية بحث شجرة مونت كارلو Monte Carlo tree search واللى عادة ما يتم استخدامها في برمجة الألعاب، وفي الغالب لو لعبت شطرنج مع الكمبيوتر قبل كدة، أحد صور الخوارزمية مستخدم في تطوير تلك اللعبة. ولو كنت من الدارسين، العاملين او المهتمين بمجال الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، غالبا ما تكون قرأت عن خبر فوز برنامج ألفا جو AlphaGo اللى طورته شركة DeepMind البريطانية اللى استحوذت عليها لاحقا شركة جوجل الامريكية سنة 2015 على بطل العالم في لعبة جو Go.
الخبر ده كان عظيم الاهمية في عالم البرمجيات والذكاء الصناعي بل وفي تاريخ البشرية بشكل عام. رقعة الشطرنج 8*8 اى ثمان أعمدة في ثمان صفوف، رقعة لعبة جو 19 * 19 تخيل عدد الاحتمالات الممكنة وشجرة القرارات التى من المفروض أن يقوم جهاز الكمبيوتر ببنائها في الحقيقة لا يوجد كمبيوتر قادر على هذا فقط باستخدام خوارزمية البحث في شجرة مونت كارلو! .. لكن الباحثين في ديب ميند وضعوا أيديهم على فكرة مبتكرة دمجوا فيها خوارزمية البحث في شجرة مونت كارلو مع آليات التعلم المُعزز reinforcement learning انتهت بيهم إلى وضع برنامجهم على خارطة البحث في الذكاء الاصطناعي، فتح الباب أمام أسلوب جديد ومبتكر في تطوير آليات التعلم الالي، بثروة قدرت ب 500 مليون دولار اللى اشترت بية جوجل الشركة! .. (لكن دى قصة أخرى قد نعود لها مرة أخرى في المستقبل عند مناقشة موضوع فلسفة الذكاء الاصطناعي!) .. على أى حال، تخيل في الواقع، العالم قد يكون غير مغلق، أو قواعد اللعبة غير معلومة بالكامل، أو الاحتمالات الممكنة غير محددة أو معروفة بالنسبة لنا. لكن مازلنا نريد البحث في الحالات الاولية التى قادت إلى الحالة الراهنة! لك أن تتخيل درجة التعقيد والصعوبة في عملية التفكير المنطقي التى يجب أن يقوم بها الباحث في رحلة بحثة عن الحقيقة في الواقع!
القصة اللى بدأنا بيها .. مقتبسة عن قصة جريمة في قطار الشرق السريع Murder on the Orient Express من تأليف الكاتبة الانجليزية الشهيرة أجاثا كريستي Agatha Christie التي نشرت للمرة الأولى في المملكة المتحدة عام 1934 والتي تم تحويلها إلى عمل سينمائى أكثر من مرة. الحبكة الدرامية للرواية عالية جدا، وتخمينات المحقق إعجازية على غرار روايات شيرلوك هولمز ومثيلاتها من روايات التحقيق في الجرائم الغامضة. من خلال الرواية حاولت اضرب لك نموذج للأحاجي العقلية داخل نظام مغلق أو بيئة مغلقة، قطار به 13 راكب قتل واحد منهم ولم يغادر أحد القطار، بكل تأكيد القاتل على متن القطار. من خلال الاستجوابات، المحقق يضع مصفوفة من الاحتمالات تعمل كخريطة تحليل للغز والأحجية، تظهر من خلالها الأكاذيب والحقائق وتقود للقاتل.
ودلوقتى .. فكر في الحجج والجدليات التي تتعرض لها يوميا .. ايه هى يا ترى أفضل الطرق للتعرف على الحجج الباطلة؟ … هل البطلان المنطقي له صور وقوالب متعارف عليها؟ .. وماهى الطرق والادوات المنطقية لتحليل الحجج والجدليات المنطقية؟ .. وهل تلك الطرق فعلا صالحة لتقييم الحجج في الواقع؟ .. أم أنها مجرد أدوات نظرية لتقيم الحجج والاحاجي المنطقية داخل المنظومات المغلقة فقط؟ … فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP58/EP58_2020_03_25.mp3
في الحلقة الجاية … سنعبر الحدود الفاصلة بين المنطق، و اللاعقلانية. بحثا عن صور من الجدال الباطل متخفية في عباءة المنطق. عن الحجج الباطلة، مغالطات الارتباط … المغالطات الغير الرسمية .. المغالطات الاستقرائية .. المغالطات الكلامية .. وتصنيف المغالطات المنطقية .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك
طريقة العينة المضادة Counterexample Method
https://bit.ly/33T6Pdl
إعادة الصياغة Paraphrasing Arguments
https://bit.ly/2UnjIck
مخططات الحُجج Arguments Diagrams
https://bit.ly/33RLWPC
لعبة جو Go
https://bit.ly/39mqBij
التحليل التراجعي Retrograde Analysis
https://bit.ly/33Rvkr9
شجرة مونت كارلو Monte Carlo tree search
https://bit.ly/3al2CS5
ألفا جو AlphaGo
https://bit.ly/2JjKgVF
قطار الشرق السريع Murder on the Orient Express
https://bit.ly/39oWeYL
المنطق Logic
http://bit.ly/378g8qE
الحقيقة Truth
http://bit.ly/2ugr4ni
الحجج Argument
http://bit.ly/2G4S63M
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Secret Window Opening Credits
http://bit.ly/3ao1bTc
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
“تحذير .. القصة التالية تحتوي على أوصاف دموية”
تخيلي انك طالبة في الجامعة، تطوعتى للعمل في مركز تنظيم الأسرة في مدينتك. كنتى دائما من المدافعين عن المرأة، وحقها في تقرير مصيرها. قبل سنوات بعد عناء وصراع عدة سنوات في زواج لم ينجح، بعد انتهاء إجراءات الطلاق اكتشفتي انك حامل، لانك كنتى كرهتى اى شئ من الممكن ان يربطك مرة اخرى بزوجك السابق، قررتى انك تتخلصى من الحمل. في اليوم المحدد بتذهبى لعيادة تنظيم الاسرة بعد التشخيص، بتدفعي المبلغ المحدد ويعطوكي حبوب عقار ميفيبريستون Mifepristone .. دواء يعطى عن طريق الفم بغرض اجهاض في العشر اسابيع الاولى. الممرضة بتخبرك وهى بتعد النقود، بعد أخذ الدواء ستشعرى بتقلصات وهناك احتمال حدوث بعض النزف. في نفس الليلة بعد ان اخذتى الدواء بتدخلي في نوبة من الألم والتقلصات الحادة، نزيف مهبلي شديد، وتجلطات دموية، بتفقدى الوعي وسط بركة من الدماء وانتى بتبكي من الآلام. لما تتصلى بالممرضة بتخبرك انى دى كلها أعراض طبيعية ومتوقعة، بتستمر الأعراض لعدة أسابيع قبل أن تتوقف تماما وينتهى هذا الفصل القاسي من حياتك. التجربة القاسية دى في حياتك لم تمنعك من التطوع للعمل في نفس العيادة بعد عدة سنوات. الجملة اللى قالتها لك احد العاملين في العيادة وجعلتك تشعري بان رسالة مركز تنظيم الاسرة يجب ان تكون هدف حياتك هي “مش قادرة أصدق ان مازال هناك أفراد يريدون السيطرة على النساء واخبارهم ماذا يجيب ان يفعلوا” .. لما بتخبريها أن أسرتك مسيحية ضد الإجهاض، بتقول لك أن هدف المركز هو تقليل الاجهاض في المقام الاول من خلال إعطاء وسائل التحكم في الحمل، لكن لو حدث الحمل بالخطأ المركز متواجد لمساعدة النساء الراغبات في إجراء عملية إجهاض آمنة .. أول يوم لكي في مركز تنظيم الاسرة فخورة بمهمتك في مساعدة النساء في تقرير مصيرهم ومستقبلهم. عند وصولك لمكان المركز بتفاجئ بتجمعات من المتظاهرين الغاضبين أمام المبنى الرافضين للاجهاض، حاملين لافتات لصور من الاجنة، وبيهاجموا كل من يدخل او يخرج من المبنى، متطوعة اخرى في المركز بتشرح لك ان وظيفتك هتكون مقابلة النساء على مدخل المركز ومحاولة تهدئتهم و تشتيتهم عن المتظاهرين الغاضبين اللى بيكونوا موجودين هنا كل يوم! .. تصبحي ناجحة في عملك وترقى في المناصب الوظيفية في عيادة تنظيم الأسرة. في يوم بيدعوكي الطبيب للمساعدة في عملية إجهاض بيقوم بها، دى المرة الأولى اللى تدخلي غرفة العمليات مع الطبيب، بيطلب منك انك تساعدية بتسليط جهاز الموجات فوق الصوتية على رحم المرأة، بتظهر صورة الجنين على جهاز الموجات فوق الصوتية، الطبيب يحدد عمره 13 أسبوع، الممرضة الاخرى تثبت المريضة جيدا على الطاولة لانها في حالة فزع وهي تهدئها. الطبيب بيستخدم القسطرة الأنبوبية لسحب الجنين، بتفاجئ لما بتشوفي صورة الجنين على الجهاز بتتحرك بعيدا عن القسطرة! .. بتخبرى الطبيب ان الجنين تحرك، بيرد ان هذا يحدث دائما، لكن في الحقيقة الجهاز العصبي لم يتكون بعد فلا يمكن أن يشعر الجنين باى شئ، بيستمر الطبيب في العملية، ويبدأ بشفط الجنين بالقسطرة، تختفي صورتة من الجهاز امامك، وتمتلئ أنبوبة الجهاز بالدماء، تغرق عينيك الدموع، وتندفعي هاربة من الغرفة! .. التجربة وقعها كان شديد الاثر عليكي، وللمرة الأولى بتشوفي نفسك كقاتلة للأطفال وليست ملاك يساعد النساء في تقرير مصيرهم، تغادرى العيادة الى الابد وتنضمى للمتظاهرين الرافضين لعمليات الاجهاض امام مبنى تنظيم الأسرة.
محاور
بين التحليلي والاصطناعي، الغموض والالتباس، معضلة الكوم، الإبهام والنقصان، التعريفات، المفهوم والدلالة، آليات التعريف الدلالية، آليات التعريف المفهومية، التعريف بالأجناس والفروقات، قواعد وضع التعريف
اللغة متعددة الوظائف في الوجود الإنساني، البعض كالفيلسوف النمساوي لوفيتش فتجنشتين اعتقد ان وظائف اللغة غير محدودة. فكر في بعض وظائف اللغة … وسيلة طرح الأسئلة، القصص، طرح الفرضيات، الغناء، إعطاء الأوامر، التحية، الغزل، الصراع، وغيرها كثير. بالنسبة لبحثنا في المنطق من الممكن تعميم وظائف اللغة في طرحين اساسين
(1) إيصال المعلومات
(2) التعبير عن المشاعر.
التركيب اللغوي لجمل نقل المعلومات تعتمد على مصطلحات لغوية معرفية cognitive meaning في حين إن جمل التعبير عن المشاعر تعتمد على مصطلحات عاطفية emotive meaning . الجمل العاطفية عادة ما تحمل معانية عاطفية لكن ايضا معاني معرفية في نفس الوقت، المنطق وعلمائه منشغلين بالمعرفة البشرية واللغة المستخدمة لإيصال المعلومات، تأكيد ونفي الأطروحات المعرفية، تكوين وتقييم الحُجج، وبالتالي وظيفة نقل المعلومات اللغوية هي محل اهتمام المنطقيين. عند دراسة الجمل العاطفية لابد من التفريق بين المصطلحات المعرفية والمعرفية، لكن الجمل العاطفية أيضا تحمل في طياتها كثير من الأحيان ادعاء قيمة Value Claim أى ادعاء عن الخير، الشر، ما يجب فعله، وماذا لا يجب فعله (إرجع لحلقة القيمة الجوهرية) أى ادعاءات نسبية تعتمد على المنظومة الأخلاقية للمتلقي. ومهمتنا تصبح فصل تلك الادعاءات النسبية من الجمل العاطفية عند دراستها عقلانيا عن المعرفة المطروحة بها. مثلا لو قلت “أنا ضد الحرب كحل للنزاعات الدولية بُناء على معتقداتي الأخلاقية” .. الجملة صحيحة بالنسبة لطرحها، لكنها تطرح حكم أخلاقي للمتحدث عن أخلاقية الحرب كحل للنزاعات. البشر عادة في طرحها للادعاءات ما يميلون لاستخدام الجمل العاطفية اكثر لان المصطلحات المعرفية تحتاج لتركيب لغوى ادق قائم على الحُجج والأدلة، بالاضافة الى ان التعبير العاطفي عادة ما يساعد على الاتصال النفسي مع المتلقي ويدعم في نقل الفكرة بشكل أسرع. فكر مثلا في المرات التى اتفقت فيها مع طرح ما شكل الجمل اللغوية اللى استخدمتها في الغالب كانت هتكون على شاكلة “رائع”، “عظيم”، الخ .. أو في حالة الاختلاف “سئ”، “سخيف”، “غريب”، الخ .. كلها مصطلحات عاطفية تعبر عن حالتك النفسية تجاه الطرح لكنها لا تقدم معرفة. المصطلحات العاطفية تقدم لصاحب الحُجة وسيلة لصنع ادعاءات قيمة أو نسبية حول موضوع الحجة دون تقديم الدليل، الطرح العاطفي بيشل الحجة المنافسة تماما، لان يقطع الطريق أمام المتلقي لاستخدام الأدوات المنطقية لتحليل الحجة لانها تقدم طرح قيمة قد يتفقون او يختلفون معه.
استخدام اللغة لابد من تفريقه عن شكل اللغة المستخدمة، استخدامات اللغة مثلا كوسيلة لنقل المعلومات، أو التعبير عن المشاعر من الممكن وضعه في عدة صور لغوية. وحدة صناعة اللغة “الجمل Sentences” الوحدة اللغوية الأبسط للتعبير عن فكرة كاملة مستقلة. من الممكن أن تكون تعبيرية Declarative، تعجبية exclamatory، أمرية imperative، أو إستفاهمية interrogative. في طرح الحُجج عادة شكل الجمل يكون تعبيري، على العكس من التعبير عن المشاعر عادة ما تستخدم جمل تعجبية مثلا “هذا رائع” لكن هذا الارتباط غير ضرورى، من الممكن طرح حجج في صور لغوية اخرى غير التعبيرية. التفريقات التى قد تبدو بسيطة جدا لك حيوية وهامة جدا في الامور التى قد يتوقف عليها مصير انسان. مثلا العاملين في القانون درجة حساسيتهم للغة المستخدمة وصورها عالية جدا لان الجدليات القانونية سواء في اثبات او نفي التهم الموجهة لفرد ما قائمة على اللغة التي يتم صياغة القانون من خلالها.
بين التحليلي والاصطناعي Between Analytic and Synthetic
المعنى في اللغة غير قاصر فقط على التعبير عن المعلومات والعواطف. أحد أهم مبادئ فهم المعنى في فلسفة اللغة، هو التفريق بين الجمل التحليلية Analytic والجمل الاصطناعية Synthetic. الجملة التحليلية هو جملة صواب أو خطأ بناء على ما تحمله من معاني فقط. بتحديد معاني المصطلحات المستخدمة في جملة تحليلة ما، بمجرد وضع قيمة حقيقة لتلك الجملة اى اعلان كانت صواب أم خطأ تصبح هذه الجملة دائما صواب أو خطأ. اى تثبت قيمة حقيقتها دائما. الجملة التى دائما صواب يطلق عليها الطَّوطُولُوجيا tautology اى دائما تقيم بالصواب أي أن نتيجتها دائما صحيحة مهما كانت قيمة المتغيرات. والجملة التى دائما تقييم بالخطأ يطلق عليها التناقض contradiction وبالتالي الجمل التحليلة عادة ما يتم جمعها مع الطوطولوجيا والتناقض مثلا (1) كل العذاب غير متزوجين ( جملة طوطولوجية – اى دائما صواب) .. (2) المثلثات لها أربع أضلاع (تناقض – اى دائما خطأ). هذة الجمل تحليلية لاننا لانحتاج الى اى شئ خارج تلك الجمل لأثبات حقيقتها. اى أننا لا نحتاج للبحث عن كل العذاب في الطبيعة لإثبات أنهم غير متزوجين! استدعاء معنى العاذب بالضرورة يفرض فكرة رجل غير متزوج. الرجال الغير متزوجين بدون ادنى شك عذاب! إذن فهم معاني المصطلحات في الجملة التحليلية كافي لتقرير حقيقتها. بنفس الصورة في مثال التناقض، معرفة معنى كلمة مثلث كافى لتقرير تناقض الجمل أو خطأها. المثلث بالضرورة يعنى مضلع لة ثلاث أضلاع، لا توجد أي معرفة اخرى خارج معنى الكلمة في الكون قد تغير تلك الحقيقة. على العكس الجملة الاصطناعية synthetic statement هى اى جملة غير تحليلية، اى معاني كلماتها غير كافية لتقرير حقيقتها. مثلا
(1) الشمس تشرق من المشرق
(2) كل الأجسام ثقيلة.
صواب او خطأ تلك الجمل يعتمد على الواقع والحقائق الوجودية. لتقرير حقيقة تلك الجمل لابد لنا من البحث في الكون عن صحتها. أي أن الجمل الاصطناعية تتقرر حقيقتها من خلال البحث التجريبي empirical investigation في الكون. حقيقتها مشروطة قائمة على نظام الطبيعة التي نحن جزء منها وليست جمل صحيحة فقط بُناء على معانيها كما في الجمل التحليلية. ولهذا في أدبيات الفلسفة عادة ما يشار للجمل التحليلية بالبداهة a priori (لا تحتاج تبرير تجريبي)، ضرورية necessary (دائما صواب أو خطأ). على العكس من الجمل الاصطناعية يشار اليها بـ الاستدلالية a posteriori (تحتاج الى تبرير تجريبي) و مشروطة Contingent (صواب في بعض العوالم الممكنة وخطأ في بعض العوالم الممكنة الأخرى). في الحقيقة العقل الألماني الفذ إيمانويل كانط Immanuel Kant هو أول من وضع هذا التفريق بوضوح بين الجمل التحليلية والاصطناعية (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية) .. لكنة ايضا جادل ان هناك بعض الحقائق تقع بين التحليلي والاصطناعي مثلا كانط جادل في عملة الخالد نقد العقل الخالص critique of pure reason أن الحقائق الأخلاقية اصطناعية لكنها بديهية a priori (اى لايمكن الوصول الى حقيقتها بمجرد تحليل معاني الكلمات، ولكن ايضا لا تتطلب تبرير تجريبي!) .. (أرجع لحلقة أخلاق الواجب) .. لكن لاحقا فلاسفة أخرون من أمثال فيلارد فين كوين W. V. O. Quine جادل في ورقة بحثية نشرها سنة 1953 بعنوان “عقيدتي التجريبية Two Dogmas of Empiricism” ان كان هناك فعلا فرق حقيقي بين التحليلي والاصطناعي. ومن بعدة سول كريبكي Saul Kripke جادل أن في كتابة المهم “التسمية والضرورة Naming and Necessity” نشرها سنة 1980 أن هناك جمل استدلالية ضرورية necessary a posteriori مثلا ” الماء مكون من ذرتين هيدروجين وذرة اكسجين، جملة حقيقتها ضرورية دائما صحيحة لكن الوصل لتلك الحقيقة استدلالي من خلال البحث في الطبيعة. التفريق بين الجمل التحليلية والاصطناعية تعرضنا له بتفصيل كبير في حلقات سلسلة ماوراء الطبيعة، وسنعود مرة أخرى لمناقشة في حلقات سلسلة فلسفة اللغة.على اى حال المهم بالنسبة لعلم المنطق من هذا التفريق بين التحليلي والاصطناعي هو ان بعض الجمل او الأطروحات من المنطق التأكد من صوابها او خطئها فقط بالاعتماد على معاني مصطلحاتها الداخلية.
الغموض والالتباس Vagueness and Ambiguity
اللغة ذات الصبغة العاطفية قد تكون جائزة تحت سياق معين، الشعر او الادب مثلا، لكنها عادة غير مناسبة في السياقات الاخرى، خصوصا سياق طرح الحقائق والمعلومات. مثلا لو تقوم باستفتاء وبتسأل عينة من الناس أسئلة لها إجابات محددة لابد أن يختاروا من ضمنها، اللغة المستخدمة لصناعة تلك الاجوبة لابد وان تكون محددة، واضحة، وتتجنب الشكل العاطفي (ده طبعا لو كان هدفك هو الوصول لتقرير مُحايد موضوعى). مثلا سؤال مثل “هل تتفق مع ثورة 25 يناير؟” .. له تأثير مختلف عن سؤال “هل تتفق مع أعمال شغب والفوضى يوم 25 يناير؟” .. اللى بكل تأكيد له تأثير مختلف عن “هل تتفق مع تظاهرات 25 يناير؟”. في علم المنطق بما أننا نبحث عن الحقيقة، نحاول تجنب المعاني العاطفية الخفية داخل الجمل والأطروحات اللغوية. الاطروحات اللغوية العاطفية أو القائمة على المصطلحات العاطفية تعاني من مشكلتين أساسيتين. (1) التعبيرات الغامضة Vague Expressions أو التعبيرات التى يصعب فيها وضع حدود واضحة لما يمكن أن ينطبق عليه التعبير. وبالتالي تسمح لتفسيرات متعددة للادعاء. مثلا فكر في المصطلحات التالية “الحب”، “السعادة”، “السلام”، “الغني”، “الفقر”، “الطبيعي”، “التلوث” .. حاول تعرف حدود تلك المصطلحات والحالات التى ينطبق عليها كل مصطلح .. ستجد صعوبة في تحديد حدود تلك المصطلحات بدقة وبشكل قاطع. مثلا “الغنى غنى النفس” .. “ومن الحب ما قتل” .. “والسعادة ليست في جمع الأموال” .. من العسير جدا تحديد المقصود من تلك الاصطلاحات وصانع الجملة قد يستخدمها بشكل تعبيري مطاط يسمح بتفسيرها بأكثر من صورة. الضرر اللى بتقدمه المصطلحات اللغوية في الجمل يختلف من حيث درجة الغموض. مثلا لما بنقول “احمد طويل” هناك درجة من الغموض نتيجة لاستخدام مصطلح غامض ك “طويل” .. الجملة من الأفضل أن تصاغ مثلا على صورة “أحمد طولة 175 سنتم، 20% من الرجال طولهم يتعدى ال 170 سنتم” .. الإشكالية الثانية هى التعبيرات الملتبسة ambiguous وهي التعبيرات التي تحتمل أكثر من تفسير حسب سياق الجملة، مثلا كلمات “جنون” ، “غضب”، “جنس”، “مناسب” .. وغيرها من الممكن أن تستخدم بصور متعددة حسب سياق الجملة. مثلا لو وصفت فعل شخص ما بانة مناسب .. هل المقصود انه مناسب أخلاقيا، قانونيا، اجتماعيا، ووظيفيا .. الخ . الفرق بين التعبيرات الغامضة والتعبيرات المُلتبسة، هي أن التعبيرات الغامضة تسمح بتفسيرات متعددة بغض النظر عن السياق في حين أن التعبيرات المُلتبسة تسمح بتفسيرات مختلفة حسب السياق. الغموض يصنع معاني غير واضحة، الالتباس يخلط بين معاني واضحة. لكن بعض المصطلحات قد تكون غامضة في سياق ما لكنها مُلتبسة في سياق آخر. مثلا كلمة “بطئ” تحت سياق ما قد تشير الا فرد ذو إعاقة عقلية أو جسدية، لكن لو تحت سياق اخر لو اشارات الكلمة للبطئ الحركي تصبح غامضة لأنها غير دقيقة .. اى ماهى درجة البطئ المشار إليه؟. مفهوم الغموض vagueness والالتباس Ambiguity مهمين جدا في علم المنطق لان في كثير من الأحيان تقيم الحُجة يتوقف على المقصود من المُصطلحات المُستخدمة، لأنها لو كانت غامضة لابد من ايضاح المقصود بها اولا قبل الاستمرار في تقييم الحُجة. مثلا الرافضين للإجهاض Pro-life عادة ما يطرحوا حُجتهم ان الاجهاض شر لانه يسبب إنهاء الحياة. حُجة تبدو بسيطة وواضحة لكنها قائمة على تحديد معنى “الحياة” في المقام الأول.
معضلة الكوم The sorites paradox
أحد معضلات الفلسفة الشهيرة هو معضلة الكوم The Paradox of the Heap أو sorites paradox والذى يوضح إشكالية الغموض وصعوبة التعامل معها. ويعود تاريخ المعضلة المدون الى الفيلسوف اليوناني مُعاصر أرسطو وخصمه اللدود أبوليدس الملطي Eubulides of Miletus واللى آلية يعود طرح العديد من المُعضلات المنطقية، ومحاولة دحض أرسطو لهذه الحُجج لعب دور مهم في إنشاء علم المنطق. على اى حال المعضلة كالاتي حبة واحدة من الرمال ليست كوم من الرمال، لو أضفنا حبة أخرى أصبح معانا حبتين، حبة أخرى أصبح أمامنا 3 حبات، وهكذا حتى يصبح أمامنا كوم من الرمال، لكن بالبديهة لا توجد حبة واحدة مسؤولة عن تحويل مجموع حبات الرمل الى كوم رمال. لكن بتكرار اضافة حبة تلو الاخرى مع الوقت يتكون كوم من الرمال. المعضلة من الممكن صياغتها بصورة عكسية. المعضلة من الممكن وضعها في صورة جدلية كالاتي
(1) مليون ذرة من الرمال هي كوم من الرمل
(2) كوم من الرمل ناقص ذرة واحدة من الرمل مازال كوم
(3) لو مليون ذرة من الرمال كوم، إذن 999,999 ذرة مازالت كوم
(4) لو 999,999 ذرة كوم، إذن 999,998 ذرة مازالت كوم
(5) وهكذا في تسلسل تنازلي الى ذرة واحدة كوم من الرمال
(6) لكن ذرة واحدة ليست كوم من الرمال!
.. السؤال متى يأتي الكوم إلى الوجود؟ .. ماهو الحد الفاصل بين عدم وجود الكوم و تكون الكوم؟ … المعضلة من الممكن صياغتها بطرق عديدة، وفي الغالب قابلت أحد صورها في طفولتك، مثلا البحر مازال بحر او أخذنا منه قطرة مياة، لكن بعد إزالة حجم كافي من المياه لو تبقي لتر واحد ..هل مازال هذا بحر؟ .. الفكرة من الممكن تطبيقها على كثير من الاسنادات اللغوية “الطول”، “الغنى”، “العجز”،”الصلع” .. الخ … في الحقيقة الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل في مقال بعنوان الالتباس Vagueness نشره سنة 1923 جادل أن اللغات الطبيعية في مجملها حتى المنطقية منها مُلتبسة بل الاكثر من هذا القضايا المنطقية نفسها مُلتبسة… تأمل المعضلة قليلا، أهم العقول البشرية حارت أمام تلك الاشكالية…. البعض اعترض على فكرة أن بإزالة حبة واحدة من الرمال مازلنا أمام كوم، لكن عادة الحل ده غير مقبول. أحد الحلول الاولي ايضا هو اننا نحدد عدد محدد من حبات الرمال أكثر منها نطلق على المجموع كوم رمال. او وضع حد اقصى مثلا 10 آلاف حبة، أقل من هذا المجموع ليس كوم. لكن للأسف هذا الحل غير مريح او مقنع لغالب العقول الانسانية لان لايوجد فرق نوعي ما بين 9,999 ذرة و 10,000 حبة. الحد الأقصى الذي وضعناه يبدو اعتباطي arbitrary غير قائم على خاصية جوهرية او سمة حقيقة مميزة. على أى حال هناك حلول أكثر جدية وتعقيدا للتعامل مع الاشكالية في علم المنطق، منها مثلا استخدام منطق القيم المتعددة Many-valued logic الذى يعين أكثر من قيمة حقيقة واحدة للقضية، أو استخدام التقييم الفائق Supervaluationism لوضع قيمة حقيقة لجمل منطقية مركبة بغض النظر عن حقيقة القضايا المكونة للقضية المركبة. حلول أخرى طرحت باستخدام منطق الغموض Fuzzy logic، واخيرا احد الحلول المطروحة هو اللجوء الى الإجماع consensus اى ان تعريف اصطلاح الكوم لابد وان يتم تحديده بناء على استخدام الجماعة او البشر للمصطلح. على اى حال معضلة الكوم تتخطى نطاق مناقشتنا الحالة لكنها مهمة لإيضاح شيوع ظاهرة الالتباس في اللغة البشرية الطبيعية، واستخدام البشر لمصطلحات مُلتبسة في صياغة الجدليات المنطقية يشكل اعاقة كبيرة أمام تقييم الحجج المنطقية.
الإبهام والنقصان Obscurity and Incompleteness
التعبير المُبهم obscure هو التعبير الذى يفتقد الى معنى جوهري. في التعبيرات الغامضة Ambiguous التعبير قد يحتمل أكثر من معنى مثلا مصطلح “السعادة” يحتمل أكثر من معنى، اما التعبيرات المُلتبسة Vague لا تضع حدود واضحة للمصطلحات المستخدمة، مثلا متى يعد شخص ما عجوز؟ أو أصلع؟ .. كلها مُصطلحات غامضة، لأن الحد بين الصلع وعدم الصلع غير محدد. ومن هنا ظهرت معضلة الكوم المنطقية. نتيجة استخدام البشر لمصطلحات مُلتبسة، لكن مازال كثير من البشر لديهم قدرات غير عادية على تمييز الالتباس في اللغة والتعامل معة، مثلا اى طفل قادر على الإشارة على شخص فقد معظم شعرة ووضعة تحت تعريف الصلع، ولن يختلف معه الكثير. بالرغم من الالتباس لان المصطلحات مازال لها معنى جوهرى البشر قادرين على استخدامها في بعض المواقف وتكوين مصطلحات مُلتبسة بعض الشئ منها. لكن المصطلحات المُبهمة obscure تفتقد للمعنى الجوهرى فكر في تلك الجمل (1) كل شئ مهم (2) انت على صواب الى حد ما (3) هذه قصة مُثيرة للاهتمام. هذه التعبيرات يبدو أنها تطرح شئ ما، لكن غير واضح معناها الحرفي .. مثلا “كل شئ مهم” .. ماهو “كل شئ” .. “مهم” بالنسبة لماذا؟ .. أو مثلا البعض قد يقول .. أنت على صواب “الى حد ما” .. ماهو هذا “الحد” .. هل يعنى هذا أن الحق في جانبك؟ .. في الواقع هذا التعبير تحديدا عادة ما يستخدم من قبل البشر لرفض حُجة فرد آخر بصورة مهذبة! .. واخيرا مصطلح مثل “مثير للأهتمام” مُبهم قد يستخدم عندما شخص ما يجد ان شئ ما فعلا مثير أو في كثير من الأحيان يستخدم عندما يكون الفرد غير مُهتم بالحديث بالمرة، لكنها طريقة مُهذبة للأستماع او انهاء الحوار. التعبيرات الناقصة incomplete هى التعبيرات النطاق او المجال Domain غير محدد فيها. مثلا (1) دعنا نذهب الى المقهى لاحقا (2) الكل سعيد. برتراند راسل جادل أن الجمل التى تأخد شكل “الـ س” لابد من تحليلها على انها تشير الى شئ فريد محدد تشير إليه خواص س في مجال او نطاق ما، بالتحديد نطاق أو مجال كل الكائنات والأشياء في الكون كلة. مثلا .. لما بنقول “النظرية النسبية” نحن نشير بشكل محدد الى نظرية اينشتين او لما بنقول “الأهرامات” نشير الى أهرامات الجيزة. لكن في المثال السابق اى مقهى في الكون يشير إليه مصطلح “المقهى” ؟ .. هناك مئات اللاف من المقاهى في الكون وملايين عبر العصور، إلى ايهم تشير الجملة السابقة؟! .. يبدو أن مصطلح “المقهى” غير مكتمل .. تنقصة اضافة ما لتحديد الكائن في المجال المُتحدث عنه، سياق الكلام عادة ما يقدم اشارة ما لتحديد المجال الذى ينطبق داخلة المصطلح الناقص. مثلا المتحدث من في الغالب يشير الى المقهى الذى يذهب الية هو وصديقة غالب الوقت، او من الجائز المقهى الذى كانا يتحدثان عنه منذ قليل. إذن النقصان في الاصطلاح نابع من افتقاده لتحديد معنى ما دون المجال أو السياق. بنفس الصورة المثال في المثال الثاني “الكل” مصطلح ناقص يعتمد على سياق او مجال الكلام، الى من يشير الكل ؟ .. في الغالب ليس كل البشر في العالم، المتحدث يحدد مجموعة ما في سياق كلامه.
التعريفات Definitions
وظيفة المنطق الأساسية هي تقييم الحُجج. لكن كما رأينا تقييم الحجج قائم في كثير من الأحيان على تحديد المعاني اللغوية المطروحة في الجمل المستخدمة للتعبير عن قضايا الحُجة. بعض الكلمات المستخدمة في الحُجة قد تكون غامضة او مُلتبسة المعنى الامر اللى قد يؤدى لخلاف Dispute حول الحقيقة المطروحة. الحل في تلك الحالة عادة ما يكون وضع تعريف Definition محدد لتلك الكلمات. وبالتالي دراسة المعنى والتعريفات وثيق الصلة بعمل المنطق. وحدة بناء الجمل اللغوية هي الكلمات words. التعريفات تنطبق على الكلمات او وحدة الترميز اللغوى لوصف الاشياء وليس الشئ نفسه، لان الشئ ذاته لا يوجد تعريف لة، مثلا الكرسي نقدر نقعد علية، نحركة، نقف فوقة، الخ. لكن الكرسى لا يوجد له تعريف، اى انه ليس رمز لغوي من الممكن تعريفه. لكن كلمة “الكرسى” نفسها هى رمز لغوي من الممكن وضع تعريف محدد لما تشير إليه. في دراسة اللغة والمعنى اصطلاح المُعرف definiendum يشير الى الرمز اللغوى الذى يتم وضع تعريف لة. في مقابل التعريف definiens وهو الرمز او مجموعة الرموز المستخدمة لتفسير معنى المُعرف. هناك أربع صور من التعريفات. الأول التعريفات التعاقدية Stipulative Definitions وهى التعريفات الموضوعة لرمز معين يُطرح للمرة الاولي. لو قدمت رمز أو اصطلاح جديد انا حر في وضع او تعيين المعنى المناسب من وجهة نظرى لهذا الاصطلاح. وفي بعض الأحيان من الممكن ان استخدم مصطلح معين في سياق جديد واُعين معنى جديد له، في بعض الأحيان يتم الاشارة للتعريفات من هذا النوع بالتعريفات الاسمية أو الشكلية nominal. الهدف من هذة التعريفات عادة استبدال تكوينات لغوية معقدة بأخرى ابسط. مثلا مصطلح مثل “الميجابايت” مصطلح تعاقدى اتفق عليه علماء الكمبيوتر لتعريف وحدة قياس تخزين للبيانات. أو مصطلح “المليار” مصطلح تعاقدى رياضي يعبر عن وحدة الألف مليون. المصطلحات التعاقدية اساسية في العلم لأنها تنزع الصبغة العاطفية عن الكلمات وتكسبها صورة موضوعية. مثلا في علم النفس كلمة “الذكاء” عادة ما تستبدل بمصطلح تعاقدى آخر هو “معامل ج g factor” للتعبير عن نفس المعنى دون وضع صورة عاطفية معينة في ذهن الباحث. وفي كثير من الأحيان تظهر مصطلحات ذات صبغة عاطفية داخل المجتمعات العلمية لكنها سرعان ما تستبدل بمصطلحات تعاقدية اخرى غير عاطفية مثلا اصطلاح الثقوب السوداء تم استبداله بعالم الفيزياء جون ويلر Dr. John Archibald Wheeler بمصطلح “النجوم مُتداعية الجاذبية gravitationally completely collapsed star”. في بعض الأحيان المصطلحات التعاقدية قد تستخدم لوضع كلمات سرية! .. خلال الحرب العالمية الثانية “تورا، تورا، تورا” كان الرمز الكودى اللى استخدمة الجيش الياباني كي يرمز لبدء عملية بيرل هاربر. أو مشروع مانهاتن كان الاسم الكودي للمشروع الامريكي السري لصناعة القنبلة الذرية. وشركات التقنية العملاقة تستخدم مصطلحات تعاقدية للأشارة لمشاريع سرية مثلا “مشروع كايرو”، “مشروع سنو ليبورد”، “مشروع بيشب”، وغيرها. التعريفات التعاقدية ليست صواب او خطأ، ليست دقيقة او غير دقيقة، المصطلح لم يكن له هذه القوة التعريفية قبل أن يتم التعاقد على تحديد هذا المعنى لة. والتعاقد هنا قائم على قبول الأفراد لوضع هذا المعنى بالمصطلح. التعريف التعاقدي هو دعوة لاستخدام الرمز المُعرف للإشارة للمعنى المُعبر عنه. وبالتالي هذة التعريفات امرية اذن وليست اخبارية، من الممكن قبولها أو رفضها. النوع الثاني من التعريفات التعريفات المعجمية Lexical Definitions عادة ما يعبر الرمز اللغوى عن معنى محدد متفق عليه في اللغة. اى ان المُعرف معجميا عادة ما يشير الى معنى معروف للكلمة. وبالتالي هذا التقرير قد يكون صواب او خطأ . مثلا تعريف كلمة “طائر” هو اى كائن فقارى من ذوات الدم الحار له ريش. تعريف صواب للمتحدثين باللغة العربية، لكن لو مثلا تعريف طائر أصبح اى كائن من الثدييات له قدمين .. بكل تأكيد تعريف خاطئ. التعريفات المعجمية تساعد في حل إشكالية التباس معاني الكلمات خصوصا ان كانت معانيها متقاربة مثلا الضوء (1) شئ يجعل الأشياء تتضح الرؤية (2) إشعاع كهرومغناطيسي (3) شئ ضئيل في الوزن (4) شئ سعراته الحرارية أقل من المعيار الأساسي. عدة تعريفات تساعد على فهم نفس الكلمة في سياقات مختلفة. السؤال اللى غالبا يدور في عقلك دلوقتى .. ما هو الفرق ما بين التعريفات التعاقدية والتعريفات المعجمية. لو اخدت بالك .. انا قلت ان التعريفات المعجمية تحتمل الصواب والخطأ في حين ان التعريفات التعاقدية لاتحتمل الصواب او الخطأ. في التعريفات التعاقدية الاصطلاح ليس لة معنى بعيدا عن التعريف الموضوع .. فكر مثلا في معنى “ميجابايت” .. “كوارك” او غيرها من الاصطلاحات التعاقدية. أما التعريفات المعجمية لها معنى سابق ومستقل عن المعنى المحدد وبالتالي المعنى المطروح قد يكون صواب أو خطأ بُناء على أن كان استخدام المصطلح في الجملة مُتفق مع معاناة. لهذا السبب البعض قد يشير أحيانا للتعريفات المعجمية بالتعريفات الواقعية Real للإشارة لان المصطلح له معنى واقعي. لكن في الحقيقة الفكرة دى غير دقيقة لأن المصطلحات المعجمية قد تشير لمفاهيم غير واقعية لكنها محددة ومتفق عليها مسبقا مثلا “التنين” والعنقاء” مصطلحات لا تشير لكائنات واقعية لكنها مازالت مصطلحات معجمية وهناك تعريف محدد من الممكن اختبار صحة وخطأه حسب استخدامه في الجملة. لكن المعنى المعجمى المتفق عليه من أين يأتى؟ .. في الحقيقة الموضوع ده دراسة مستقلة في علوم اللغة. لكن بشكل مبسط معنى الكلمات مسألة احصائية تكتسب من استخدام الكلمات بشكل معين عبر الزمن. وبالتالي المعانى المعجمية قد تتغير مع الوقت. المعجميين أو القائمين بالعمل على وضع المعاجم lexicographers عادة ما يحاولوا التعامل مع تلك الاشكالية باستخدام افضل معنى للمصطلح، الاوسع انتشارا، والأقرب للتعبير عن الكلمة. لكن من الشائع جدا أن مصطلح معجمى قد يكون له معنى غير شائع في فترة زمنية معينة يصبح أكثر انتشارا في فترة أخرى. على اى حال ده موضوع كبير ومعقد وبعيد عن دراستنا الحالية للمنطق. النوع الثالث من التعريفات هو تعريفات الدقة Precising Definitions وهى التعريفات المستخدمة لتقليل إشكالية الغموض والالتباس في بعض الكلمات. كما رأينا منذ قليل كلمات مثل “الحرية”، “المسؤولية”،”الحب”، “الشجاعة”، الخ .. قد تكون غامضة او مُلتبسة المعنى حسب السياق. هذا الغموض والالتباس قد يسبب مشاكل كثير عند محاولة تحليل الفرضيات المطروحة. مثلا المادة الرابعة في الدستور الأمريكي بتقول “حق الشعب مكفول في أن يكون آمنًا في أشخاصه ، ومنازله ، وأوراقه ، وآثاره ، ضد عمليات التفتيش والمصادرة غير المعقولة… الخ” مصطلح :التفتيش والمصادرة الغير معقولة unreasonable searches” كانت محل نزاع اخير في حق الاجهزة الامنية في مراقبة تحركات المتهمين او المشتبه فيهم في قضايا معينة .. هل من الممكن استخدام تكنولوجيا مثل نظام تحديد الموقع GPS لمراقبة المشتبه فيه؟ .. هل يعد هذا خرق للدستور؟ .. هل يجب الحصول على تصريح من المحكمة للقيام بهذا البحث؟ .. بعض المحاكم في الولايات المتحدة أمرت الهيئات التنفيذية بطلب تصريح لمراقبة مشتبه فيه من المحكمة قبل القيام بالمراقبة ولا يعد خرق للدستور، لكن بعض القضاة في ولايات اخرى رفضوا هذا لاسباب عديدة من ضمنها ان مراقبة حركة السيارات من خلال جهاز الجي بي اس لا يعد عملية تفتيش على الاطلاق! … الخلاف ده كله بسبب ان مصطلح “التفتيش الغير معقول” غامض وغير محدد. مثال آخر لأهمية التعريفات الدقيقة في عمليات زراعة الأعضاء الحيوية، قبل أن يتم القيام بعملية زراعة القلب، لابد من موت المُتبرع، والا يصبح الجراح في وضع الاتهام بالقتل العمد. لكن لو مرت مدة طويلة على موت المُتبرع، تقل فرصة نجاح العملية. إذن السؤال متى بالضبط يعد الفرد ميتا؟ .. عند توقف القلب؟ .. توقف الشخص عن التنفس؟ .. عند توقف نشاط المخ؟ .. او تعريف أخر ؟؟ .. أى أن المسألة هنا هي تحديد اصطلاح “لحظة الوفاة” بدقة … على أى حال كثير من المحاكم في الدول الغربية حددت مصطلح لحظة الوفاة توقف نشاط المخ من خلال قياس تخطيط أمواج الدماغ electroencephalograph .. هذا التعريف هو تعريف دقيق يعتد بة في المحاكم الغربية. التعريفات الدقيقة تختلف عن تعريفات التعاقد لان المُعرف ليس مصطلح جديد، لكنه مُصطلح معروف لكن للأسف غامض، أو مُلتبس المعنى بشكل عام او بسبب استخدامة في سياق معين. وبالتالي لا يمكن تحديد اى معنى تعاقدى في تلك الحالة لأن المُصطلح معروف. وفي تلك الحالة الهدف يصبح وضع تعريف يحترم معنى المصطلح المتعارف عليه لكن يجعله أكثر دقة وأقل غموضا. النوع الرابع هو التعريفات النظرية Theoretical Definitions في العلم وفي الفلسفة ، غالبًا ما تكون التعريفات بمثابة ملخص أو خلاصة لبعض النظريات. اى ان التعريفات النظرية عادة ما تشير الى نظرية من خلالها يمكن تعريف خصائص الكائنات او الاشياء التى يشير إليها المصطلح. مثل هذه التعاريف ، عندما تكون خاطئة ، يتم انتقادها ليس لأنها ليست دقيقة لأنها ليست كافية – فهي لا تلخص النظرية المعنية بشكل صحيح. على سبيل المثال تعريف “كوكب” على أنه “الكواكب هي مجرد أجسام في مدار حول الشمس ، وهناك تسعة كواكب في النظام الشمسي – أصغرها هو بلوتو ، مكون من مواد غير عادية ، وله مدار غير عادي ، وبعيد عن الشمس.”. لكن مؤخرا هناك أجسام أخرى أكبر من كوكب بلوتو لها شكل غريب اكتشفت مُؤخرا تدور حول الشمس. هل تلك الأجسام ايضا تعد كواكب؟ .. لو الاجابة لا ؟ .. لماذا لا؟ .. هذا التعريف القديم اصبح غير مناسب مع الاكتشافات الحديثة وفتح الباب امام خلاف لم يحسم تماما داخل الاتحاد الفلكي الدولي International Astronomical Union (IAU). وصدر عنة تعريف جديد للكواكب فيها أقر الاتحاد أن هناك ثمان كواكب فقط في مجموعتنا الشمسية، وهناك فئة جديدة أطلق عليها الكواكب القزمية dwarf planet تنطبق على أجسام مثل بلوتو Pluto، سيرس Ceres، و آيرس Eris. اى ان التعريفات النظرية لابد وأن تحافظ على معنى ثابت ومستقر غير متغير مع الاكتشافات الجديدة ويعبر بشكل كامل عن النظرية المعبر عن المعنى .. سنة 2006 الاتحاد الفلكي الدولي وضع تعريف جديد أكثر تحديدا للكوكب على انه “جسم سماوي ، داخل النظام الشمسي ، (1) في مدار حول الشمس ؛ و (2) لديه كتلة جاذبية ذاتية للتغلب على قوى جذب الأجسام الصلبة بحيث تفترض شكل توازن هيدروستاتي (شبه دائري) ؛ و (3) أخلى المنطقة المحيطة بمداره. ” التعريفات النظرية أيضا تملأ فضاء أدبيات الفلسفة، من ارسطو في محاولة لوضع تعريف نظري للعدالة في عمله الخالد الجمهورية، إسبينوزا في محاولة لتعريف الحرية، لفيتجنشتاين تعريف اللغة، وغيرها مئات الأمثلة. التى تحاول وضع تعريف نظرى شامل ينطبق على كل الحالات الممكنة وازالة اى تناقضات او التبسات. وأخيرا النوع الأخير من التعريفات هو التعريفات الاقناعية Persuasive Definitions التعريفات الاربعة السابقة تعريفات للمعانى المعرفية، لكن التعريفات الاقناعية تركز على المعاني العاطفية، وهى نوع من التعريفات التى تحل خلاف حول معنى ما بالتأثير على المتلقي من خلال العواطف. التعريفات الاقناعية واسعة الانتشار داخل الحُجج والجدليات السياسية .. الماركسين مثلا قد يعرفوا الاشتراكية على انها ديموقراطية المجال الاقتصادى .. تعريف استخدم من قبل بعض من الاشتراكيين بالفعل .. والرأسماليين قد يعرفوا الرأسمالية على أنها ديمقراطية الاقتصاد. أو مثلا في صراع مازال دائرا حول عملية الإجهاض في الولايات المتحدة الأمريكية، الرافضين يعرفوا الاجهاض على أنه “القتل الوحشي للاطفال الابرياء” .. في حين المدافعين يعرفونه على انة “إجراء جراحي آمن وثابت حيث تُعفى المرأة من عبء غير مرغوب فيه” .. التأثير العاطفي واضح في اللغة المستخدمة في التعريف التى ستترك تأثير في عقل المتلقي بكل تأكيد. لكن في بحثنا عن الحقيقة في الجدليات كما رأينا سابقا لابد من التخلص من التأثير العاطفي والالتزام بالموضوعية وبالتالي التعريفات الاقناعية احد الصور التى لابد لنا من تحديدها في الجدليات ورفضها ان كنا نبحث عن الحقيقة.
المفهوم والدلالة Extension and Intension
التعريف يضع معنى الاصطلاح من الناحية اللغوية. لكن من الممكن فهم التعريفات والدور الهام الذي تلعبه في في المنطق من زاوية أخرى مختلفة عن الوظيفة التي تؤديها، من خلال فهم تركيبها. المصطلحات العامة General Terms تعلب دور كبير في عملية التفكير وبالتالي سنركز بحثنا حولها. الاصطلاح العام قد يكون على شاكلة كلمة “الكوكب” كما رأينا منذ قليل، كوكب، بتشير لعدد من الاشياء .. الأرض، المريخ، الزهرة، عطارد، الخ … لكن المصطلح لا ينطبق على بلوتو الذي أصبح يعد ضمن الكواكب القزمية طبقا لتصنيف الاتحاد الفلكي الدولي الأخير. كوكب إذن أشار لمجموعة من الأشياء. مجموعة تلك الكائنات شكلت تعريف مفهوم الكوكب. لو اكدت ان كل الكواكب لها مدار دائرى، تأكيدى بالضرورة لابد وأن ينطبق على كوكب الزهرة مثلا. اى أن المعنى الذي يحمله اصطلاح الكوكب يمتد ليشمل اى شئ او كائن يقع تحت هذا التعريف. المعنى الامتدادي (وتسمى أيضًا المعنى التوضيحي) للمصطلح العام هو مجموعة الكائنات التي تشكل امتدادًا للمصطلح. لكن للوصول لمعنى المصطلح العام من الضرورى معرفة كافة الكائنات التى تقع تحت هذا المصطلح، لأن تلك الكائنات تعطينا الخواص العامة المشتركة ما بينها التى تقود إلى وضع تعريف عام ينطبق عليها. وبالتالي معرفتنا لتلك الخواص العامة يساعدنا على فهم المعنى للمصطلح. إذن المعنى يفترض وجود معيار من خلاله يمكن تحديد إن كان شيء أو كائن ما يقع تحت امتداد مصطلح ما عام. هذا المفهوم للمعنى عادة ما يطلق عليه المعنى المفهومي intensional meaning او في احيان اخرى connotative meaning .. ومجموعة الخواص المشتركة بين كل الأشياء والكائنات التى يشير إليها المصطلح العام عادة ما يشار إليها المفاهيم connotation أو intension. لكن ليست هذه الصورة الوحيدة للمعنى. كل مصطلح عام له معنى مفهومي intensional وايضا معنى امتدادي extensional او دلالي denotative . مثلا فكر في مصطلح مثل “ناطحات السحاب” ينطبق على كل المباني التى تتعدى ارتفاع معين، ده المعنى المفهومي intension لكن المعنى الدلالي او الامتدادي للمصطلح extension هو فئة المباني التي تشمل برج خليفة في دبي، برج القاهرة، مبنى التجارة العالمي في نيويورك، الخ .. اى مجموعة كل المباني التي ينطبق عليها الاصطلاح. أى أن دلالة أو امتداد المصطلح هو عضويته اى كائنات أو أشياء لها عضوية في هذا المفهوم او المعنى، والعضوية تحددها الخواص المشتركة التى نصل إليها من خلال المعنى المفهومي intension. مثلا مصطلح “مثلث متساوى الاضلاع” له معنى مفهومي وهو اى كائن مكون من ثلاث أضلاع متقاطعة متساوية في الطول، اما المعنى الدلالي هو فئة كل الكائنات التى ينطبق عليها هذا المعنى المفهومي. ولان تلك الكائنات تشترك في الخصائص التى حددها المفهوم اذن هى فقط لها حق عضوية الانضمام لهذا المصطلح. اذن مفهوم الاصطلاح يحدد دلالته term’s intension determines its extension. لكن العكس غير صحيح. دلالات المصطلح لا تحدد مفهومة. مثلا فكر في مصطلح “مثلث متساوي الزوايا” المختلف عن “مثلث متساوى الاضلاع” .. المعنى المفهومي للمصطلح هو اى كائن مكون من ثلاث أضلاع متقاطعة متساوية في الزوايا. لو فاكر من دراستك للهندسة صحيح أن دلالات مفهوم المثلث متساوي الزوايا هي نفس دلالات مصطلح المثلث متساوي الأضلاع. لكن ليس معنى هذا ان المفهومين متطابقين! .. قدرتنا على تحديد امتدادات ودلالات اصطلاح ما، لا يدلنا على مفهوم الاصطلاح. باختصار المفاهيم لا تحدد بالدلالات intension is not determined by extension. المصطلحات من الممكن أن يكون لها نفس الدلالات لكن مفهومها مختلف. لكن المصطلحات التي لها دلالات مختلفة لا يمكن أن يكون لها نفس المفهوم! .. علماء اللغة يشيروا الى اتساع مفهوم المصطلح عند اضافة مصطلحات أخرى له increasing intension .. ويعرفوا هذه الظاهرة في حالة وجود متسلسلة من المصطلحات في ترتيب تزداد فيه رقعة المفهوم، عندما يكون كل مصطلح في المتسلسلة ماعدا المصطلح الأول يقرر خصائص أكثر من المصطلح السابق لة. وعكس هذا التعريف يصبح تقليل المفهوم decreasing intension. مثالا المتسلسلة “حيوان ، ثدييات ، قط ، نمر” تتسع في المفهوم .. على النقيض من متسلسلة “نمر ، قط ، ثدييات ، حيوان” يتناقص في المفهوم. لو حاولنا وضع المتسلسلات في مثال عملي من الممكن أن نبدأ بمصطلح “رجل” يتسع مفهومة لو اضفت له “رجل عمره 30 عام” ويتسع أكثر لو اضفت له “ولد في مصر” .. لكن اتساع مفهوم المصطلح يقلل من رقعة دلالالة! .. عدد الرجال في العالم أكثر من عدد الرجال اللى عمرها 30 سنة اللى اكثر من عدد الرجال اللى عمرهم 30 سنة ومولودين في مصر! .. لكن الفكرة دى ليست دائما صحيحة، في بعض الأحيان قد يتسع مفهوم المصطلح لكنه لا يؤثر على دلالالة .. تقدر تفكر في مثال تتسع فيه مساحة المفهوم لكن دلالته مازالت ثابتة؟! …. فكر في المثال ده … مصطلح “انسان” … الان ضيف إلى المصطلح “انسان لديه عمود فقرى!” .. الان ضيف ” انسان لدية عمود فقري، عمره ألف عام، وقرأ كل الكتب في تاريخ الإنسانية” .. بكل تأكيد اضافة تلك المفاهيم زاد من مساحة المفهوم الأول، لكنه لم يقلل من دلالاته بالمرة. أكيد لاحظت من المثال السابق ان هناك مصطلحات امتداداتها او دلالاتها خالية Empty، او لا توجد كائنات او اشياء ينطبق عليها مفهوم المصطلح او الخواص المشتركة التى يشير إليها المصطلح null class. مثلا معظمنا قرأ عن طائر الرخ في ألف ليلة وليلة، المعنى له مفهوم واضح ومحدد لكن لا توجد له دلالات في الواقع من الممكن ان نشير لها، كذلك العفاريت، الجن، وغيرها من المفاهيم المحددة لكن لاتوجد دلالات معروفة لنا من الممكن أن نضعها تحت هذا المفهوم .. حقيقة ان بعض المصطلحات خالية او لاتشير الى اى شئ تقودنا لعلاقة مهمة بين الدلالة والمفهوم وهى ان المفهوم يقرر الدلالة. اى ان مفهوم المصطلح يضع معيار ما يدل عليه. لأننا على دراية بالخصائص التى يشتمل عليها مفهوم مصطلح طائر الرخ، نصبح على علم أن المصطلح خالي او لا يدل على كائنات واقعية. اى اننا نعلم انه لا وجود لطائر عملاق أكبر من الحوت في الحجم، يسكن أعالي الجبال، وينفث نيران من منقارة. المناقشة دى قد تكون مسلية أو جائز مملة بالنسبة لك، لكنك غالبا بتتسائل ما هى علاقة معاني المصطلحات ودلالاتها بالمنطق والحُجج؟! .. في الحقيقة العلاقة كبيرة .. في بعض الأحيان يبنى البعض حُجج على مصطلحات لها مفهوم محدد لكن بدون دلالات. فكر في الحجة دى “
(1) كلمة “الله” ليست بدون معنى، أذن لها معنى
(2) طبقا لتعريف كلمة الله، هو كائن كامل القدرة، المعرفة، والمحبة
(3) إذن، كائن كامل القدرة، المعرفة والمحبة (الله) لابد وان له وجود.”
.. بكل تأكيد كلمة الله لها معنى، وبالتالي لها معنى مفهومي، لكن ليس بالضرورة ان يُتبع من تلك الحقيقة إن مصطلح الله ان يكون له معنى دلالي، او له فعلا دلالات يشير اليها! … إذن التفريق بين المفهوم والدلالة مهم جدا عند تحليل الحُجج والجدليات.
آليات التعريف الدلالية Denotative Definitions Techniques
التعاريف الدلالية Denotative definitions توظف طرق واساليب تحديد امتداد extension المصطلح محل التعريف. ابسط الطرق لتفسير الرقعة الامتدادية لمصطلح ما، هو تحديد الكائنات والأشياء التى يدل عليها المصطلح. طريقة فعالة لكنها محدودة كما سنرى. كما رأينا من الممكن وجود مصطلحين لهم نفس الدلالات (المثلث متساوي الأضلاع، المثلث متساوي الزوايا) .. لكن حصر جميع الكائنات التي يمتد إليها تعريف ما لا يعني بالضرورة أن التعريف كافي لتفريقه عن مصطلح آخر. وبديهيا ليست دائما من الممكن حصر أو عد كل الكائنات التى يدل عليها مصطلح ما. مثلا مصطلح نجم يدل حرفيا على عدد فلكي من الاشياء! أو مصطلح رقم يشير الى عدد لانهائى من الكائنات. في الواقع بالنسبة لمعظم المصطلحات العامة من غير الممكن حصر أو عد كل امتدادها بشكل عملي. وبالتالي التعريفات الدلالية محصورة على حصر جزئي لعدد من الكائنات التى تدل عليها. والقصور ده يؤدي لمشكلة كبيرة وهي أن هذا الحصر الجزئي يؤدي إلى أن التعريف يصبح غير مؤكد uncertain. لان الكائنات والأشياء لها خواص عديدة، وبالتالي قد يكون لها عضوية تحت أكثر من مفهوم، مثلا في مثال ناطحات السحاب، برج خليفة في دبي قد يندرج تحت مصطلح “أضخم مباني القرن العشرين” .. او مفهوم “أهم الإنجازات المعمارية البشرية في القرن العشرين” .. الخ .. وبالتالي الحصر الجزئي لدلالات المصطلح غير كافي للتفريق ما بين المصطلحات ذات الدلالات المختلفة. أحد طرق التغلب على تلك الاشكالية هو تحديد مجموعات جزئية تحت المفهوم، تلك المجموعات الجزئية قد تساعد على حصر الكائنات التي تنتمي إليها، مثال مصطلح “الكائنات الفقارية” من الممكن وضع مجموعات أو مفاهيم جزئية منة مثل “البرمائيات”، “الطيور”، “الأسماك”، “الزواحف”، “الثدييات”، الخ .. الحل ده قد يعطي بعض الراحة النفسية المؤقتة، لكن مصطلح “الكائنات الفقارية” مازال مفتقد لتعريف محدد. حل أخر للإشكالية هو بدلا من حصر كل الكائنات التى يشير اليها التعريف، قد نحاول الاشارة اليها .. هذا النوع من التعريفات يطلق عليها “التعريفات التوضيحية ostensive definitions” demonstrative definitions .. اللى واضح من اسمها أن التعريف محدد من خلال الإشارة الى الكائنات التى توضح مفهومة .. مثلا قد اعرف الكمبيوتر بالإشارة لجهاز الكمبيوتر القابع امامي الان. لكن التعريفات التوضيحية ينطبق عليها نفس المشاكل والقصور في التعريفات الدلالية، الاشارة محدودة بالموقع، رؤية الكائن، بالإضافة للالتباس الذي قد يحدث من الاشارة، مثلا عند تعريف الكمبيوتر بالاشارة الى جهاز كمبيوتر، البعض قد يعتقد ان اشير الى جزء منه كالشاشة مثلا. أحد الحلول الاخرى قد يكون من خلال اضافة جملة وصفية للتعريف ما يعرف بالتعريفات شبة التوضحية quasi-ostensive definition مثلا قد أشير للكمبيوتر هذا الجهاز هو كمبيوتر. لكن الجملة الوصفية دى تفترض ان المتلقي على دراية او فهم لمصطلح جهاز. اللى يحد الهدف من التعريفات التوضيحية، لان دلوقتى من المفروض أننا نعرف مصطلح من جهاز من خلال الإشارة لشئ ما، الخ .. المصطلحات الدلالية بشكل عام تعاني من اشكالية اخرى وهو عدم قدرتها على وضع تعريف محدد للكلمات التى لاتوجد في الطبيعة او لايمكن الاشارة اليها، كيف من الممكن ان تضع تعريف دلالي للأشباح، الملائكة، الجن، الموتى الأحياء، الخ. اذن التعريف من خلال الاعتماد على الامتدادات أو الدلالات غير كافي لتحديد المفاهيم ووضع تعريف ومعنى مؤكد.
آليات التعريف المفهومية Intensional Definitions Techniques
مفهوم المصطلح Intension هو كل الخواص المشتركة ما بين كل الكائنات التى يدل عليها المصطلح، وتشترك فيها فقط تلك الكائنات. لو مثلا الخواص التى تعرف مصطلح الفنجان مثلا “وعاء له ذراع” .. “ذو قاعدة” .. “له عمق” .. إذن كل فنجان هو وعاء له ذراع له ذراع وقاعدة، وفقط الفناجين هى الاوعية التى لها ذراع، قاعدة، وعمق. لكن هناك ثلاث طرق مختلفة لإدراك المفهوم لابد من التفريق ما بينها. الأول المفهوم النسبي أو الذاتي subjective intension للكلمة هو مجموعة الخواص التى يعتقد المتحدث في ضرورة وجودها في الأشياء التى يدل عليها المفهوم. مجموعة الخواص دى قد تختلف من فرد لآخر. او من مكان لآخر، من وقت لأخر، وبالتالي نسبية، ولا تصلح لوضع تعريف، على الأقل من وجهة نظر المنطق، لأن المنطق يهتم بالحقائق، المفاهيم والتعريفات العامة وليس التعريفات الذاتية أو النسبية. ثانيا .. المفهوم الموضوعي objective intension للكلمة هو مجموعة كل الخواص المشتركة لكل الكائنات التى تدل عليها الكلمة. مثلا في المفهوم الموضوعي لمصطلح “الدائرة”، لها خاصية انها تشمل اى مساحة لمسطح له نفس القطر. لكن المفهوم ده كثير من البشر لا يعرفه لكننا مازلنا قادرين على استخدام الكلمة. اى ان كان من غير الضرورى لنا ان ندرك جميع خواص المفهوم وبالتالي المفهوم الموضوعي لا يمكن أن يكون المفهوم العام الذي نبحث عنة لإعطاء تفسير أو توضيح للمصطلحات. الناس تتحدث يوميا باستخدام المصطلحات العامة، دون فهم المعنى الموضوعي لها، إذن لابد من وجود فئة اخرى من المفاهيم بجانب النسبية والموضوعية التي يعتمد عليها الناس عند استخدام تلك المصطلحات. المصطلحات لها معاني مستقرة ثابتة لأن هناك اتفاق ضمني على استخدام نفس المعيار لتحديد الأشياء التى تدل عليها تلك المصطلحات، أو التى تقع تحت مدلولها. الأمر الذي يجعل شئ ما دائرة في الوعي العام لكثير من الناس، هو انها منحنى مغلق، أى نقطة على محيطه على نفس المسافة أو البعد من مركز المسطح. هذا المعيار ضمني، اعتباري، ولهذا يطلق علية المفهوم التقليدي والمألوف conventional intension للكلمة. الصور دى من التعاريف المفهومية ضرورية لأنها تجعل المفهوم عام دون الحاجة لفهم كل خواصة. لكن ما هي الطرق والوسائل المختلفة لاستخدام المفاهيم لتعريف المصطلحات؟ … هناك عدة طرق، أبسطها وأكثرها استخداما، هو استخدام كلمة اخرى لها نفس المعنى أو المفهوم، اى مترادفة أخرى للكلمة الأولى synonyms .. التعريف الذي يعطي بتلك الصورة عادة ما يطلق علية التعريف الترادفي او من خلال المترادفات synonymous definition، المعاجم على وجة التحديد تعتمد بشكل كبير على تلك الطريقة في تعريف المصطلحات. قاموس ما من الممكن ان يعرف “خجول” باستخدام مرادفات مثل “عفيف النفس”، “مُستحى” ،الخ .. التعريفات من خلال الترادف عملية جدا خصوصا في تعريف الكلمات ما بين اللغات المختلفة. لكن الطريقة فيها قصور كبير، وهو أن كلمات عديدة لا يوجد لها كلمات أخرى مرادفة أو في كثير من الأحيان المترادفة لا تعبر تماما عن الكلمة الأولى، مثلا هل عفيف النفس هو دائما الخجول؟ .. وبالتالي المصطلحات من خلال الترادف غير دقيقة وقد تقود لفهم غير صحيح. لكن في الحقيقة الاشكالية الأهم في هذا النوع من التعريفات هو أن في حالة ان كلمة ما تشير لمفهوم غير واضح او مفهوم، في الغالب كل مرادفات الكلمة تكون محيرة ولاتساعد في تحديد المفهوم. صورة أخرى للتعريفات هي التعريفات الاشتقاقية etymological definition نحدد فيها تعريف الكلمة من خلال البحث في جذورها اللغوية في نفس اللغة أو لغات أخرى. هذا النوع من التعريفات يظهر كثيرا في الكتابات الفكرية، التاريخية، والفلسفية. الكاتب عادة ما يتتبع جذور المصطلح اللغوية ويسعى من هذا لتوضيح المعنى المقصود. مثلا جذور كلمة كابتن في اللغة العربية الكلمة اللاتينية caput التي تعني الرأس او القائد. أهمية النوع ده من التعريفات أنه يوضح جذور الكلمة وعلاقتها والاشتقاقات الأخرى التى عادة ما تتشابه لغويا، معرفة أصول الكلمة يساعد في فهم المقصود منها، مثلا كلمة Principles في اللغة الانجليزية جذورها ترجع للكلمة اللاتينية principium التى تعنى المصدر. وبالتالي المصطلح المركب الشائع في الفيزياء Principles of Physics الذي عادة ما يستخدم للإشارة للقوانين الأساسية للطبيعة، يصبح أكثر وضوحا عند فهمنا لجذور كلمة Principles اى مصدر الفيزياء. طريقة أخرى لوضع مفهوم لمصطلح ما، هو محاولة ربط المُعرف بمجموعة من الأفعال أو العمليات التى يمكن وصفها بوضوح هذا النوع من التعريفات يطلق علية التعريف من خلال العمليات operational definition .. هذا النوع من التعريفات حدد فئة للمرة الاولي عالم الفيزياء الأمريكي بيرسي بريدجمان P. W. Bridgeman سنة 1927 في كتابة المهم “منطق الفيزياء الحديثة The Logic of Modern Physics” .. مثلا مع ظهور النجاح الكبير اللى حققته نظرية النسبية العامة لأينشتين أصبح من غير الممكن تعريف المكان والزمان من خلال نفس الطرق المجردة اللى استخدمها نيوتن، وبالتالي تم استبدال تعريف المصطلحات بتعريف من خلال العمليات، اى من خلال العمليات التى نقوم بها عند قياس المسافة او الوقت. التعريف من خلال العمليات، ان كان المصطلح يمكن تطبيقة في حالة ما، فقط ان كان أداء عمليات معينة ينتج نتائج محددة. مثلا القيمة الرقمية لطول ما، من الممكن تعريفها من خلال العمليات بالاشارة لعمليات قياس محددة وهكذا. لكن فقط العلميات العامة التى ينطبق عليها معامل التكرارية من الممكن فقط قبولها في التعريفات من خلال العمليات. لكن في كل انواع التعريفات اللغوية، النوع الأكثر تطبيقا هو التعريف من خلال الأجناس والفروقات definition by genus and difference وهو الاهم في التعريفات المفهومية. وهو النوع الذي يُعتمد عليه بكثرة في وضع تعريف مفهومي للكلمات.
التعريف بالأجناس والفروقات Definition by Genus and Difference
التعريف بالأجناس أو الفروق يعتمد مباشرة على مفاهيم المصطلحات وفي بعض الأحيان يطلق عليها التعريفات التحليلية analytical definitions في بداية الحلقة اشرنا الى ان التعريفات من خلال المفهوم تبحث عن الخواص المشتركة بين مجموعة من الكائنات أو الاشياء، الكائنات لها خواص عديدة ومعقدة. اى ان يمكن تحليلها لعدة خواص أخرى. التعقيد في الخواص يمكن فهمه في صورة فئات Classes، والكائنات والأشياء تندرج تحت تلك الفئات، أو لها عضوية في تلك المجموعات. والفئات يندرج تحتها فئات فرعية اخرى Subclasses. مثلا فئة المثلثات تعبر عن كل المثلثات، من الممكن تقسيمها الى فئات فرعية زى المثلثات متساوية الاضلاع، المثلثات متساوية الزوايا، المثلثات متساوية الساقين، الخ. الفئات التى يندرج تحتها فئات فرعية اخرى يطلق عليها جنس genus والفئات الفرعية يطلق عليها الأنواع species . تأمل الامثلة التالية
(1) النوع: ثلج، فصيلة: الماء، الفرق: متجمد”
(2) النوع: ناطحة سحاب، فصيلة: المباني، الفرق: عالية جدا”
(3) النوع: زوج، فصيلة: رجل، الفرق: متزوج”
.. العلاقة بين الجنس والنوع مثل العلاقة بين الآباء والأبناء. الفرد قد يكون اب في علاقة مع أبنائه لكنه في نفس الوقت ابن في علاقة مع ابوية. بنفس الصورة فئة معينة قد تكون جنس بالنسبة للفئات الفرعية منها، لكنها نوع بالنسبة للفئات التي تحتويها. مثلا في المثال السابق المثلثات جنس بالنسبة لفئات المثلثات الفرعية مثل المثلثات متساوية الأضلاع. و لكنها في نفس الوقت أحد أنواع جنس المضلعات. لو كنت قرأت او درست علم الأحياء، اكيد ملاحظ ان استخدام علماء المنطق لمفهوم الجنس والنوع مختلف عن استخدام علماء الأحياء له، علماء الأحياء يستخدمون المصطلح بشكل ثابت غير نسبي. على أى حال الفئة Class هى مجموعة من الكائنات لها مجموعة مشتركة من الخواص. ولهذا كل الاعضاء في جنس ما لها نفس المجموعة المشتركة من الخواص. كل أعضاء فئة او جنس المضلعات تشترك في خاصية انها مسطحات مغلقة تحدها مجموعة من الخطوط المستقيمة المتقاطعة. هذا الجنس يتكون من مجموعة من الفئات الفرعية او الانواع اعضائها يشتركوا في نفس الخواص لجنس المضلعات لكن لهم مجموعة أخرى من الخواص تميزهم عن باقي الأنواع او الفئات الفرعية الأخرى. مثلا نوع المثلثات، المربعات، المسدسات، الخ . عضو في نوع المربعات يختلف عن عضو في نوع المثلثات في أنه مسطح مغلق يحدة اربع خطوط مستقيمة متقاطعة، ام المثلث مسطح مغلق يحده ثلاث خطوط مستقيمة متقاطعة. الخصائص التى تميز اعضاء فئة فرعية أو نوع عن اخرى تحت نفس الجنس، يطلق عليها الفروق المحددة specific difference. إذن من الممكن تحليل خواص المربعات لمجموعة من الخصائص (1) أنه مضلع (2) له أربع أضلاع. بالنسبة لفرد لا يعرف معنى مصطلح المربع او اى من مرادفاته لكنه على دراية بمعنى او مفهوم “المضلع” ، “الضلع”، “أربعة” .. يصبح معنى مربع مُفسر او مفهوم بالنسبة له من خلال التعريف بالجنس والفروق. كلمة مربع تعنى “مضلع له أربع أضلاع”. خلينى اجرب مثال أصعب شوية .. فكر في تعريف “رقم أولي prime number” … الرقم الاولي هو ” أي رقم طبيعي أكبر من الرقم واحد، ويمكن قسمته على نفسة فقط دون باقي” .. علشان نطرح هذا التعريف من خلال الجنس والفروق، أولا لابد أن نحدد الجنس الذى يندرج تحته تعريف المصطلح. ثانيا تحديد الفروق المحددة للفئة الفرعية التي يقع تحتها التعريف وتميزه عن باقي الانواع الاخرى تحت هذا الجنس. من خلال تعريف الرقم الاولي. الجنس هو “الأرقام الطبيعية أكبر من واحد” اى “1،2،3،4،5،6، ..” .. الفرق المميز “قابلية القسمة فقط على نفسة أو واحد دون باقي “الأرقام 2، 3،5،7 ، 11 ، الخ” .. أرجو ان يكون واضح بالنسبة لك أن التعريف من خلال الجنس والفرق حاسم ومحدد. لكن بالقطع الطريقة بها قصور. أولا التعريف بتلك الطريقة ينطبق فقط على المصطلحات التي لها خصائص معقدة من الممكن تحليلها زى الأمثلة السابقة. ثانيا، الطريقة لا تصلح ان كانت خصائص المصطلح كونية، كلمات مثلا زى “الوجود” ، “الماهية” ، “الكائن” لا يمكن تعريفها من خلال الجنس والفرق لانها كلمات كونية عامة لايوجد جنس يشمها، مثلا ماهو الجنس الذي يشمل كل الكائنات؟ .. لايوجد .. الفئات الكونية A universal class هى اعلى درجة من الفئات، في قمة الهرم، ويطلق عليها علماء المنطق أحيانآ الجنس الجامع summum genus . نفس الفكرة تنطبق على المصطلحات الميتافيزيقية مثل “المادة”، “الخاصية”، الخ .. لكن الإشكاليات دى عادى لا تشكل عائق امام استخدام طريقة التعريف من خلال الجنس والفروق في غالب الوقت.
قواعد وضع التعريف Rules of Definitions
وضع تعريفات من خلال الفئة والفروق مهمة ليست بسيطة بكل تأكيد. لانها تطلب اختيار الفئة أو الجنس المناسب لوضع المصطلح محل التعريف تحته. بالاضافة لتحديد الفروق المميزة بوضوح لهذا المصطلح. لهذا علماء المنطق وضعوا 5 قواعد اساسية من الممكن اتباعها.
(1) القاعدة الأولى: يجب أن يحدد التعريف الخصائص الاساسية للأنواع. افضل طريقة لتعريف الخصائص الأولية هو من خلال المفهوم التقليدي والمألوف conventional intension كما أشرنا سابقا. التعريف التقليدى أو المألوف ليس دائما خاصية جوهرية في طبيعة الكائن، احيانا قد يعبر عن أصل الكائن، علاقته بكائنات أخرى، أو كيفية استخدام الكائن. مثلا مصطلح “الحاكم” لا توجد خصائص جوهرية في الفرد الذى يقوم بدور الحاكم، لكن الخاصية الأساسية للحكام هي من خلال طبيعة علاقته بالمواطنين. أو ليست خاصية جوهرية في الكرسي ان يكون مصنوع من الخشب. لكن استخدامها للجلوس خاصية مميزة فيه.
(2) التعريف يجب ألا يكون دائري circular لو ظهر المُعرف في التعريف، إذن المُعرف يستخدم لتعريف نفسه، اى دائرة مغلقة للتعريف. التعريف الدائرى غير صالح لوضع تعريف لان يعتمد على نفسه في دائرة غير منتهية. مثلا عرف أحد العلماء الإجهاد على أنه ” تغيير كيميائي حيوي ، أو فسيولوجي ، و / أو تغيير سلوكي يتعرض له كائن حي استجابةً لضغط أو إجهاد” !.. استخدام نفس المصطلح أو أحد مرادفاته في التعريف يؤدى لتعريف دائرى غير صالح. مثال أخر، أحدهم عرف العلم على أنه النشاط الذي يقوم به العلماء .. والعلماء، هو اى فرد يقوم بنشاط العلم! .. أكيد الدائرية واضح لك بين التعريفين.
(3) القاعدة الثالثة: التعريف يجب أن لا يكون واسعا جدا أو محدود جدا – القاعدة دى سهلة الفهم لكنها صعبة التطبيق، التعريف لابد وأنه ينطبق فقط على الاشياء التى يدل عليها لا أكثر ولا أقل .. من طرائف تاريخ الفلسفة مثلا .. أحد أتباع أفلاطون في احد المحاضرات عرف الرجل على أنه “كائن له قدمين بدون شعر” .. فقام طالب آخر بنزع ريش دجاجة وألقاها امامة. التعريف كان شديد الاتساع وبالتالي من السهل ايجاد ثغرة او كائن يدل علية التعريف لكنة ليس فعلا من ضمن مجموعة الكائن.
(4) القاعدة الرابعة: لابد من عدم استخدام لغة غامضة، مُلتبسة، أو مجازية في التعريفات – القاعدة دى واضحة، لأن التعريف الذي يستخدم لغة غامضة اى غير واضح معانيها تحت اى سياق لا تساعد على وضع تعريف للمصطلح، أو استخدام لغة مُلتبسة معانيها تحتمل صورة مختلفة حسب السياق ايضا يؤدى الى عدم وضع تعريف محدد. اللغة المجازية من الممكن ان تعبر عن مشاعر الفرد حيال الكائن المعرف، لكنها لا تساعد في فهم معنى المصطلح. مثلا لا نعرف الكثير عن الخبز لو وضعنا تعريفه على أنه “وقود الحياة”. أو أن الجمل هو سفينة الصحراء. لكن التعبير البلاغي ليس مصدر الغموض الوحيد. مثلا تعريف الكلمات بشكل غير محدد او قاطع يفتح الباب أمام الغموض في اللغة .. مثلا الديموقراطية هي أحد صور الحكم تضع السلطة في أيد الشعب. التعريف فضفاض غير محدد .. مثلا من هو الشعب؟ .. واى سلطة؟ .. وما هي درجة التحكم في تلك السلطة؟ وكيف يمارس الشعب التحكم في تلك السلطة؟ الخ.
(5) القاعدة الخامسة: التعريف لابد وان لايستخدم لغة النفي إن أمكن التأكيد – اى ان ما يؤكدة أو يدل عليه المصطلح افضل من وصفة من خلال ما لا يدل عليه المصطلح .. للسبب المعروف وهو أن غالبا المصطلح يدل على عدد أقل من الأشياء في مقابل الاشياء التى لا يدل عليها. مثلا قطعة من الأثاث ليست مكتب، ليست سرير، ليست مكتبة، لاتعرف الكرسى. ولا تعرف الدولاب! اكيد الصورة وضحت لك .. نحن نريد تعريف الكائن من خلال ما يدل علية وليس ما لا يدل عليه (إن أمكن) وبقول ان امكن لان هناك بعض الحالات لن يكون هذا فيها ممكن، ده لان المصطلحات دى عادة ما تكون سلبية في طبيعتها. مثلا مصطلح “الأعمى” .. هو حالة فقدان البصر عن الفرد .. أو اليتيم .. انسان ليس لديه ابوان. الخ .. في الأحيان التي يستخدم فيها التعريف بالنفي، نبدأ بتعريف الجنس بشكل إيجابي وبعد هذا من الممكن رفض كل الانواع التى لا ينطبق عليها التعريف تحت هذا الجنس. لكن هذه الطريقة تنجح فقط ان كانت الأنواع او الفئات الفرعية قليلة العدد، إن كان الجنس يحتوى على عدد كبير من الأنواع، تصبح مهمة التعريف بالنفي شاقة.
صحة الحجج الاستنتاجية لا تعتمد على محتواها، لكنها قائمة على هيكل وتركيب الحجة. لكن معنى المصطلحات المستخدمة في صياغة قضايا الحجة يلعب دور محوري في حقيقة الاطروحة، وادراكنا لمفهوم الحجة. بدون المعاني اللغوية الواضحة لايمكن صياغة حجج صحيحة لان معناها سيصبح غير واضح وقد يساء فهمها. بفهم ظاهرة المعنى في التركيبات اللغوية، وتحديد الصور التعبيرية الغير واضحة مثل الغموض، والالتباس، الإبهام، والنقصان، والتعبيرات العاطفية والبلاغية. الغموض ينشأ من تعدد احتمالية المعنى في الجمل، أما الالتباس ينشأ من عدم وضوح حدود الاصطلاح، في حين أن الإبهام ينشأ عند فقدان المعنى الجوهرى للمصطلحات. والنقصان يظهر حين تخفي المصطلحات ورائها إشارات قائمة على سياق الكلام السابق. وأخيرا الجمل والتعبيرات العاطفية والبلاغية تترك آثار عاطفية في عقل المتلقي وبالتالي تؤثر على موضوعية الحُجة وحياديتها. كل هذة المشاكل الناشئة عن اللغة والمعاني الغير واضحة لابد من تجنبها قدر المستطاع أن كنا فعلا نبحث عن الحقيقة عند صياغة او تحليل الحُجج المنطقية. لكن دراسة المعنى في اللغة ليست دائما دراسة للسلبيات، لكن ايضا لوضع الطرق المنهجية لصياغة تعريفات ومعاني محددة للمصطلحات. المعنى يكتسب مما تشير إليه الكلمات، لكن ليست كل الاشياء يمكن الاشارة اليها او عدها، وبالتالي يتعدى المعني مفهوم الاشارة لما له وجود في الواقع! .. وبالتالي تصبح أساليب وطرق وضع التعريفات جوهرية في صناعة المعنى اللغوي، وبناء حُجج منطقية تحمل معاني حقيقية. في مناقشات البشر، اللغة هي وسيلة الاتصال الأولى، تشكيل الجمل والتعبيرات، القضايا لطرح المعلومات وإيصال المشاعر بعض من وظائف اللغة اليومية, لكن وظيفة اللغة الإخبارية والمعلوماتية هى ما يهتم به علم المنطق في الاساس.
القصة اللى بدأنا بيها مقتبسة بتصرف عن الفيلم الأمريكي “غير مخطط له Unplanned” الذى تم عرضه عام 2019 ومأخوذ عن قصة حقيقة عن حياة آبي جونسون مديرة عيادة تنظيم الاسرة وتحولها اللاحق إلى نشاط مكافحة الإجهاض. الفيلم كان مثار للجدل واحتجاجات عديدة من المدافعين عن حق المرأة في تقرير مصيرها في الولايات المتحدة، ورفضت معظم القنوات التلفزيونية ترويج اعلانات له. الفيلم في الحقيقة ملئ بالمناظر والصور الدموية ولا أنصح ضعاف القلوب بمشاهدتة، لكن الاهم من هذا هو اني اعتقد ان الفيلم بيطرح حجة ضد الإجهاض لكنه بيستخدم لغة عاطفية، تؤثر على أحاسيس ومشاعر المتلقي خصوصا النساء وتشل العملية المنطقية في عقلك للتفكير بدقة في الطرح الذي يقدمه الفيلم. في الحقيقة سواء كنت مع او ضد الإجهاض قبل مشاهدة العمل، بعد المشاهدة غالبا ما سيتركك في حالة كئيبة يصعب معها أن تتقبل أي نوع من الحجج العقلانية، وهذة الصورة بالضبط هى ما يحاول علماء المنطق تجنبة عند وضع الحجج المنطقية استخدام لغة غير واضحة غامضة وملتبسة مثل “تحرك الجنين” .. أو “داعمي الحياة” .. و استخدام تصوير عاطفي يؤثر على مشاعر المتلقي مثل “قتلة الاطفال” .. يغلق الباب أمام أى صورة من التفكير العقلاني او المنطقي. الصورة المنطقية التى نسعى إليها عند مناقشة قضية بتلك الحساسية هى التجرد من الطرح العاطفي، استخدام لغة موضوعية لتقرير الحقائق، وتقييمها، واستخدام الطرق والأدوات المنطقية، والتجريبية لتفنيد تلك الحجج للوصول للحقيقة أيا كانت صورتها.
ودلوقتي .. فكر في معاني الكلمات والتعبيرات التي تستخدمها يوميا .. ماهي وظيفة اللغة في الاتصال البشرى؟ … وهل التعبيرات اللغوية دائما دقيقة موضوعية؟ .. وإن كانت الاجابة بالنفي .. هل نسبية اللغة تلعب دور في عدم وضوحها؟ .. ماهو تأثير الغموض والالتباس اللغوي على صياغة التعريفات؟ .. وهل من الممكن صياغة حُجج صالحة باستخدام لغة مُبهمة أو ناقصة؟ .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP57/EP57_2020_02_20.mp3
في الحلقة الجاية .. سنضع الحجج المنطقية تحت مجهر الاختبار. ونقترب أكثر من تركيبها هيكلها. عن إعادة الصياغة … مخطط الحُجج .. جداول الحقيقة .. وتحليل الحُجج المنطقية .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP57/EP57_NoMusic_2020_02_20.mp3
زود معلوماتك:
Logic المنطق
http://bit.ly/378g8qE
Truth الحقيقة
http://bit.ly/2ugr4ni
Argument الحجج
http://bit.ly/2G4S63M
التحليلي والاصطناعي Analytic and Synthetic
http://bit.ly/2T9wPMs
Immanuel Kant إيمانويل كانط
http://bit.ly/2T9c5EL
critique of pure reason نقد العقل الخالص
http://bit.ly/2v5VqKb
V. O. Quine فيلارد فين كوين
http://bit.ly/2Z2LHgS
Two Dogmas of Empiricism عقيدتي التجريبية
http://bit.ly/39WvO1i
Saul Kripke سول كريبكي
http://bit.ly/3bYH9Qg
Naming and Necessity التسمية والضرورة
http://bit.ly/2PhjzEB
The sorites paradox معضلة الكوم
http://bit.ly/2T4b14Z
Eubulides of Miletus أبوليدس الملطي
http://bit.ly/2VjD7f4
Many-valued logic منطق القيم المتعددة
http://bit.ly/2VfgdFM
Supervaluationism التقييم الفائق
http://bit.ly/39YOjSL
Fuzzy logic منطق الغموض
http://bit.ly/2Phjgtr
Definitions التعريفات
http://bit.ly/3c8xRkK
المفهوم والدلالة Extension and Intension
http://bit.ly/2PgEmId
التعريف بالأجناس والفروقات Definition by Genus and Difference
http://bit.ly/3bYiOK6
Ludwig Wittgenstein
http://bit.ly/30Dkfsb
Bertrand Russell
http://bit.ly/2R4Xsm4
غير مخطط له Unplanned
http://bit.ly/3bWv9i1
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Secret Window Opening Credits
http://bit.ly/3ao1bTc
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
تخيل أنك في قاعة مُحكمة، تشهد قضية قتل رجل أعمال، مُتهم فيها شريكة. ممثل الادعاء يبدأ مرافعته، السادة القضاة، هيئة المحكمة الموقرة. لقد سمعنا أقوال الشاهدين على مدى الأيام القليلة الماضية في حادثة القتل الوحشية للسيد: حسن جلال في مقر شركته بمدينة القاهرة بعد ظهر يوم 10 ديسمبر. المُدعى عليه، السيد محمود علي يصر على أنه ليس لديه دافع لقتل شريكة السيد حسن. ومع ذلك فالديون تحاصره من كل جانب، كما هو ثابت من شهادة مطلقته عدم استقرار حالته النفسية. هذا بالاضافة لشهادة موظفيه وعملائه الذين اقروا بالرغم من انهم عملوا معه لسنوات عديدة إلا انهم لايعرفون الكثير عنه، وبدا لهم غريب الأطوار في كثير من الأحيان. مُحامي السيد محمود يطالبنا بأن نصدق انه مجرد شخص خجول، انطوائي، غير قادر على أذية اى كائن حي! لكن ما يجب أن نصدق هو اما ان السيد محمود مواطن صالح او أنه مجرم عنيف. والرجل المُتهرب من ضرائبه لمدة عامين على التوالي لا يمكن اعتبارة مواطن شريف، سواء كان خجولا أو انطوائي! .. الجميع يعلم أن الكذب خطيئة. ومع ذلك، أقر السيد محمود أنه كذب على الشرطة عندما تم استجوابه المرة الاول بشأن مكان تواجده ليلة 10 ديسمبر. لكن بعد استجوابات اخرى، وصل الى علم الشرطة ان السيد محمود كان يُخطط السفر الى اليونان، الأمر الذي كان يمكنه من الهرب. السيد محمود شهد أن الرحلة كانت بخصوص شراكة مع أحد العملاء اليونانيون، بقليل من البحث توصل الى علمنا ان هذا الشريك اليوناني هو شركة مخالفة للقوانين المصرية وصدر حكم بشأن حظر علمها في السوق المصرية منذ سنوات، وإن دل هذا على شئ، فيدل على ان الطيور على أشكالها تقع، مجرم يعمل مع عصابة من المجرمين الهاربين. السيد محمود أعترف أنه في ليلة 10 ديسمبر وصل الى مقر الشركة في نفس التوقيت الذى هرب فيه القاتل! وأنه طارد القاتل في الشوارع الخلفية للشركة لكنه استطاع الهرب منه. لكني أذكركم مرة أخرى نحن امام كاذب محترف، كذب بالفعل مرة في أوراق التحقيقات الرسمية، كيف لنا أن نتوقع الصدق منه تلك المرة؟! .. وأخيرا، المحققين أثبتوا أن وجدوا قفازات القاتل في موقع الجريمة، ارتداها ليخفي بصمات جريمته الشنعاء، لكن عدالة السماء شاءت أن يرى الجميع السيد محمود وهو يجرب القفازات وانطبقت على حجم يدية بالضبط. لذا أطالب بتوقيع أقصى العقوبة على الجاني وتنفيذ نصوص مواد الإحالة الواردة لدى حضراتكم بقانون العقوبات. … تفتكر محمود فعلا كان القاتل؟ أم أنه برئ؟ .. ماهي أدلة إدانته أو براءته؟ .. وهل من الممكن صياغة تلك الأدلة في صورة حُجج منطقية؟ .. توقف لبرُهة، تأمل .. وحاول الاجابة على تلك التساؤلات.
محاور
ماهو المنطق؟، قوانين المنطق، المنطق والرياضيات، الحُجج، التعرف على الحُجج، الصور الغير جدلية، حُجج الاستنتاج والاستدلال، صور الحجة الاستنتاجية، صور الحجة الاستدلالية، الحقيقة، الصلاحية، والاحتمالية
ماهو المنطق؟ What is Logic
المنطق هو علم دراسة طرق ومبادئ التفكير القويم. قوام التفاعل داخل المجتمعات البشرية ومع الطبيعة قائم بالأساس على علمية التفكير، لكن ليس كل التفكير سليم ومعتدل، ومهمة المنطق منذ اللحظات الأولى لتاريخة المدون كانت البحث في ماهية آليات التفكير السليم، وطرق تفريق الحجج السليمة من الحجج الغير سليمة. المنطق دراسة علمية معيارية normative بمعنى أنه لا يُدرس او يفسر كيف نفكر (دى مهمة علم النفس Psychologist) لكنة ما يجب أن نقوم به عند القيام بالتفكير السليم. الحُجة هي وحدة بناء الفكر. وبالتالي موضوع المنطق الأساسي. البشر تقوم بصياغة الحجج بشكل دائم من أجل عرض أفكارها، والدفاع عن نتائج تلك الحجج وإقناع الآخرين باعتناقها. لكن ليست كل الحجج على قدم المساواة، وبالتالي لابد وأن نسأل أنفسنا عند التعرض لأى حجة، هل نتيجة الحجة تتُبع من مُقدمتها؟ .. كى نجيب على هذا السؤال كان لابد للبشر أن تعتنق معيار تقييم كوني غير خاضع للنزعات والأهواء الذاتية، بالضرورة أصبح المعيار موضوعي Objective. في دراسة المنطق تصبح مهمة عالم المنطق Logician هى أكتشاف المعايير الموضوعية لتقييم الحجج وتطبيقها. أنا سامع صوت اعتراضك بالفعل! … بتقول ان التفكير القويم ليس دائما الطريقة الوحيدة التى يعتمد عليها البشر لدعم أفكارهم وتأكيدها، أحيانا قد يلجأوا لتبرير معتقداتهم بناء على السلطة مثلا، العواطف، الإيمان، العادات والتقاليد وغيرها .. وده فعلا حقيقي. لكن عندما يريد البشر صنع قرارات وحقائق يمكن الاعتماد عليها كقاعدة متينة للوصول او الاقتراب من الحقيقة، التفكير العقلاني القويم هو أملهم الوحيد. من خلال طرق المنطق وأدواته.
لكن كي نستطيع فهم أدوات وطرق المنطق لابد من فهم وحدات بنائه الأساسية أولا. بالرغم من ان كثير من تلك الأفكار التى سأقوم بعرضها الان ستبدو بسيطة وبديهية جدا بالنسبة لك، إلا أن من الضرورة جدا فهمها بعمق لانها اللبنة الأساسية التي سنقوم ببناء أفكار أكثر تعقيدا في المستقبل. كما أشرنا سابقا الحُجة arguments هى وحدة بناء التفكير. و وحدة بناء الحجج أو الجدليات هى القضايا أو الاطروحات propositions. أى قضية أو أطروحة ما A proposition لها هدف واحد وهو تأكيد أو نفي شيئ ما. إذن كل قضية أو أطروحة قابلة للأثبات أو الدحض. إذن كل قضية أو أطروحة اما صواب أو خطأ True or False. مثلا أطروحة “الشمس تشرق كل صباح” صواب وتأكد شئ واحد وهو أن الشمس تشرق كل صباح. بالطبع هناك أطروحات او قضايا مازلنا عاجزين عن التأكد من صحتها. مثلا ” هناك حياة على كواكب أخرى غير الأرض” ..هذا الطرح يحاول أثبات شئ واحد وهو وجود حياة على الكواكب الاخرى، لكننا لم نستطع بعد من إثبات هذا الطرح أو نفية. وبالتالي تبقى قيمة الحقيقة لهذا الطرح مجهولة. قيمة الحقيقة Truth Value لأي قضية أو طرح قيمة ثنائية Binary اما صواب True أو خطأ False. لو لاحظت القضايا والأطروحات اللى عرضتها في الامثلة ما هى إلا جمل لغوية Sentences. فعلا من القضايا من الممكن التعبير عنها من خلال صور لغوية متعددة الجمل اللغوية Sentences احدى طرق التعبير عن القضايا، لكنها ليست الطريقة الوحيدة. وبالتالي القضايا ليست متطابقة مع الجمل. الجمل هى وسيلة لعرض القضايا ليس أكثر. وليست كل الجمل بالضرورة تعبر عن قضايا. مثلا الجمل الاستفهامية لا تعبر عن أي طرح أو قضية مثلا “ماهو أسمك؟” جملة لاتعبر عن قضية وبالتالي لا تحتمل الصواب او الخطأ. أو الجمل الامرية “توقف عن الاستماع الآن” .. جملة أمرية لا تقدم أي قضية او طرح وبالتالي ليس لها قيمة حقيقة. وكذلك جمل التعجب، الاطراء، وغيرها من أشكال الجمل اللغوية المختلفة. وكما أشرنا منذ قليل هناك طرق عديدة للتعبير عن القضايا، ابسطها هو الجمل اللغوية، واللى قد تختلف من لغة لأخرى لكن الطرح يبقى واحدا. مثلا “الجو ممطر It is raining” جملتين لغويتين مختلفتين لكنها يعبرا عن نفس القضية أو الطرح. أو حتى في إطار نفس اللغة “أحمد يشرح قواعد المنطق”، “قواعد المنطق يشرحها أحمد” .. جميلتين لغويتين مختلفتين لكنهما يعبرا عن نفس القضية أو الطرح. إذن القضايا والأطروحات هو Proposition الاصطلاح التقني المستخدم في علم المنطق للتعبير عن ما تشير إليه الجمل اللغوية. وبالتالي اصطلاح الجمل Sentence غير متطابق مع القضايا، لكن جرت العادة داخل ادبيات و رواقات علم المنطق لأستخدام الاصطلاحين بشكل تبادلي لأن مفهوم الفرق ما بينهم. وفي بعض الأحيان قد يستخدم البعض اصطلاح أخر وهو البيان أو التصريحات statement للإشارة لنفس المفهوم لكنها في نهاية الأمر تشير لنفس المعنى داخل علم المنطق. القضايا والأطروحات قد تكون بسيطة جدا في تركيبها لكنها أيضا قد تصبح شديدة التعقيد والغموض. تأمل الجملة دى مثلا “ينتج حوض الأمازون حوالي 20% من أكسجين الأرض، وينتج الكثير من الأمطار، ويعيش فيه العديد من صور الكائنات الحية المجهولة بالنسبة للبشر!” .. الجملة دى بتقدم ثلاث قضايا دفعة واحدة. وبما أن الثلاث قضايا مرتبطة ببعضها من خلال العطف “و” conjunctive بالتالي يتم تقييم قيمة الحقيقة لكل قضية منهم على حدا، الامازون تنتج 20% من أكسجين الأرض (صواب أم خطأ) .. تنتج الكثير من الأمطار (صواب أم خطأ) وتعيش فيها العديد من صور الحياة المجهولة (صواب أم خطأ). لكن ليست هذه هي الصورة الوحيدة لجمل القضايا المركبة. مثلا هناك صور تبادلية disjunctive لا يتم فيها تقييم اى شق على حدا مثلا “الشمس ساطعة أو الشمس غائبة” .. هذا الطرح المركب صحيح في مجمله لأن الشمس لابد و ان تكون في حالة من الاثنين، لكن كل طرح مستقل قد يكون خطأ لأن الشمس ساطعة أطروحة خاطئة في المساء مثلا. مثال أخر على القضايا المركبة هو القضايا الشرطية hypothetical مثلا في مثال المفكر الفرنسي فولتير قال ” إن لم يكن هناك وجود لله، إذن من الضروري أن نخترعه!” .. أيضا في هذا المثال مركبي الطرح لا يمكن تأكيدها أو نفيها بشكل مستقل، فقط من الممكن تأكيد او نفي المركب الشرطي في مجملة “إن .. إذن” if–then ( سنعود في الحلقات المستقبلية لمناقشة منطق القضايا وتركيبات الجمل اللغوية) .. على اى حال ارجو ان الامثلة السابقة تكون وضحت لك ان التركيب الداخلي للقضايا والجمل المستخدمة للتعبير عنها جوهرى في عمل المنطق وتقييم تلك الحجج المبنية على تلك القضايا والأطروحات.
قوانين المنطق The Laws of Logic
كما أشرنا الصيغة الرسمية لطرح الأفكار في تسلسل منطقي من الممكن تقييمه وتحليله هى الحُجج argument. والوحدة الأساسية لبناء الحُجج هى القضايا أو الجدليات propositions. تركيب الحُجج بسيط جدا كما أشرنا. مجموعة من المقدمات premises تقود لنتيجة Conclusion. المنطق ماهو الا ان كانت المقدمات تدعم النتيجة وكيف يتم هذا الدعم. الحُجة من الممكن أن تحتوى على نتيجة واحدة فقط. في واقع الأمر الحُجة تعرف بنتيجتها. لو أحتوت الحجة على أكثر من نتيجة تصبح هناك أكثر من حُجة. الشكل القياسي للحُجج Standard Form يبدأ بقائمة من المقدمات او الاطروحات عادة ما يتم ترقيم تلك الأطروحات لسهولة الاشارة اليها ومناقشتها، وتنتهى بقضية واحدة هى نتيجة الحُجة، عادة يكون هناك خط فاصل بين المقدمات والنتيجة. مثلا
(1) المقدمة الأولى
(2) المقدمة الثانية
—————————–
(3) إذن، النتيجة.
النتيجة لابد وأن تكون مدعومة بالمقدمات. من الجائز ان تحتوى الحُجة على عدد لانهائى من المقدمات. لكن ياترى هل هناك حد أدنى لعدد المقدمات؟ … في الحقيقة الإجابة اللى كثير من الناس بيتوقعها هو أن هناك حد أدنى وهو مقدمة واحدة .. لان الأسلوب الشائع في الكلام بين الناس عادة ما بيكون على صيغة “بما أن … مقدمة .. إذن .. نتيجة” … لكن في الواقع الاجابة الرسمية هى إن الحد الأدنى للمقدمات هو صفر! … أيوة صفر .. اى من الممكن صياغة حُجة بدون اى مقدمات .. لكن ياترى ماهى الحُجة ان كانت لا توجد اى مقدمات؟! .. معنى هذا ان النتيجة مدعومة بلا شئ! .. وده يبدو أنه يتعارض مع مهمة المنطق الاولي، من المفترض اننا نقبل النتيجة فقط ان كانت هناك مقدمات تدعمها. لكن في الحقيقة لما علماء المنطق يسمحوا بحُجة بدون مقدمات، معناه أن نتيجة الحُجة تعنى لا يمكن نفي النتيجة، اى أن النتيجة من ثوابت البديهة، بدلا من ان نقول ان النتيجة مدعومة بالمنطق نقول انها نتيجة بديهية self-evident .. عارف ان الفكرة غريبة ومحيرة … لكن فكر في الامثلة التالية
(1) كل شئ مطابق لنفسه.
(2) الشئ أما يكون أو لا يكون
(3) لا يمكن أن يكون الشيء ولا يكون في نفس الوقت
(4) الشئ لا يمكن أن يكون أحمر وأخضر مثلا في نفس الوقت.
… ياترى اية اللى بيخلي الامثلة السابقة دى حقيقية؟ .. حاول تفكر في القضايا او الاطروحات المنطقية اللى من الممكن ان تدعمها .. في الغالب مش هتلاقي .. لو وصلت لحاجة ياريت تبعتها لي. الحقائق البديهية، هي حقائق لاتحتاج لاى أطروحة أخرى كي تدعمها. في الحقيقة الامثلة اللى قدمتها لك منذ لحظات بنقسم لفئتين، المثال الاول والثاني والثالث بيشكلوا ما يعرف في علم المنطق بقوانين المنطق laws of logic. المنطق له 3 قوانين أساسية فقط: القانون الاول هو
قانون الهوية The Law of Identity
“كل شئ مطابق لنفسه Everything is identical to itself”
. القانون الثاني هو
قانون الثالث المرفوع The Law of Excluded Middle
“الشئ أما يكون أو لا يكون Something is the case or it is not the case”
وأخيرا القانون الثالث،
قانون عدم التناقض The Law of Non-contradiction
“لا يمكن أن يكون الشيء ولا يكون في نفس الوقت It cannot be true that something is both the case and not the case at the same time”
.. أما المثال الرابع بيقع في فئة ما يعرف بـ الحقائق الميتافيزيقية الضرورية (إرجع لحلقات سلسلة ماوراء الطبيعة) .. وفي الحقيقة بعض الفلاسفة بيجادل ان هناك فئة ثالثة من الحقائق البديهية وهي الحقائق المشروطة Contingent Truth طالما لا يوجد ما ينفيها مثلا “هذه هى يدي، أشعر بها وأراها وأنا أكتب هذه الكلمات الآن!” .. الحقائق المُثبتة ذاتيا Self-evident truths بديهية، ومن الصعب الجدال ضدها لانها واسعة الانتشار بين البشر ( خوض التجربة بنفسك، وحاول تقنع احد اصدقائك بأنك موجود وغير موجود في نفس اللحظة وانت بتكلمه! .. أو فكر مثلا لو شكيت في ان ايديك هى فعلا أيديك؟!) .. لكن البديهيات مش دائما بتكون حقيقية! .. مثلا قد أخطئ رؤية حجر بعيد على أنه كلب مثلا (إرجع لحلقة نظرية المعرفة الثلاثية) .. كيف نصل للمعرفة؟ لماذا نثق في المعرفة المكونة بالبديهة؟ .. بل والاصعب كيف من الممكن ان نبرر تلك المعرفة البديهية؟ .. دى أسئلة عسيرة جدا، حاولت بعض العقول البشرية الفذة التعامل معها عبر التاريخ .. الفيلسوف الاسترالي الانجليزي الأصل لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein في عملة المهم تحقيقات فلسفية Philosophical Investigations اللى نشرة سنة 1958 وصف الإشكالية ببلاغة وقال “عندما استنفذ كل المبررات، ما يبقى هو وصف الأشياء بأسمائها الحقيقة” .. قوانين المنطق الثلاثة هي قوانين المنطق الكلاسيكي classical logic، لكن هناك منظومات منطق غير كلاسيكية non-classical logic systems تحاول الاجابة على تلك الاسئلة بطريقة مختلفة. على سبيل المثال فرع منطق عدم التوافق paraconsistent logic (أحد فروع المنطق الحديثة يبحث ظاهرة التناقض بطرق مبتكرة) .. على سبيل المثال بعض علماء منطق عدم التوافق بيرفضوا قانون عدم التناقض من المنطق الكلاسيكي، و يزعمون بوجود تناقضات حقيقية في الواقع، مثلا الأفراد الحاملة لآراء أخلاقية مُتعارضة .. (على اى حال ده موضوع معقد وشائك خارج أطار بحثنا الحالي وقد نعود لمناقشته في المستقبل).
المنطق والرياضيات Logic and Mathematics
علم المنطق سابق على الرياضيات، وفي اعتقاد البعض أساسي وضروري لها. والمنطق يختلف كثير عن الرياضيات، لكن المنطق والرياضيات يتشابهوا في العديد من السمات الجوهرية. مثلا التفكير المجرد، واستخدام العمليات، عالم المنطق الألماني الشهير جوتلوب فريجه Gottlob Frege واللى عادة بيعد الأب الروحي لعلم المنطق الحديث. عكف لفترة كبير من حياتة العملية على مشروع يعرف بالمَنْطِقانِيَّة Logicism وكان طموحه هو اختزال الرياضيات بالكامل الى قواعد المنطق الاساسية. المهمة الأولى والأصعب كانت تعريف الارقام من خلال عمليات المنطق فقط. وبالتالي تكتسب الرياضيات عمومية قواعد وقوانين المنطق. في عملة الغير تقليدى “أسس علم الحساب The Foundations of Arithmetic” اللى نشرة سنة 1884 فريجة بدأ عملية اختزال الرياضيات الى المنطق بداية بالرقم صفر. وجادل أن الصفر هو نفي مبدأ ” التطابق مع الذات” المنطقي. لان لايوجد اى شئ ليس مُتطابق مع ذاته وبالتالي الصفر منطقيا يشير الى هذا المفهوم المنطقي! وبالتالي أضافة صفر لمجموعة من الأشياء مازالت المجموعة متطابقة مع نفسها. إذن من الممكن تعريف الصفر على أنه مجموعة الأشياء التى تقع تحت مبدأ “عدم التطابق مع الذات” .. توقف قليلا وتأمل تلك الفكرة البديعة. .. الان بعد ان عرفنا الصفر من خلال قواعد المنطق، من الممكن ان نعرف باقي الارقام من خلال مفهوم الصفر. مثلا الرقم واحد من الممكن تعريفه على أنه مبدأ “التطابق مع الصفر”، لان يوجد فقط مفهوم واحد فقط لتعريف الصفر، وبالتالي الواحد يصبح هو الرمز المُشير الى عدد المفاهيم المُعبرة عن عدم التطابق مع الذات (اللى هو مفهوم واحد فقط). الرقم اثنان، هو المفهوم الذي يُشير الى تعريف التطابق مع الصفر أو الواحد. وهكذا. المشروع كان بديع وجوهري في طرحه، وواحد من أهم الكتب اللى من الممكن أن تقرأها في حياتك.
لكن للأسف العقل الانجليزى الفذ عالم المنطق و الفيلسوف برتراند راسل Bertrand Russell أشار لمعضلة وفجوة كبيرة في المشروع هدمتة تماما، وأصبحت تعرف في أدبيات المنطق والفلسفة بمعضلة راسل Russell’s paradox. المعضلة في فكرة المجموعة الخالية Empty Set والمجموعات الشاملة Super Set . المجموعة الخالية هى المجموعة التى لاتحتوى على اى عناصر بها، والمجموعة الشاملة هى مجموعة مكونة من مجموعات أخرى. لو تصورنا مجموعة شاملة مكونة من مجموعة خالية. بديهيا، المجموعة الشاملة تصبح المجموعة الخالية، لأنها تشتمل فقط على مجموعة واحدة وهى المجموعة الخالية نفسها، لكن المجموعة الشاملة مكونة من عنصر واحد وهو المجموعة الخالية، وفي نفس الوقت مطابقة لتلك المجموعة الخالية، إذن المجموعة الخالية تحتوى على عنصر واحد فقط، لكن ده أمر مستحيل طبقا لتعريف المجموعة الخالية لانها لاتحتوى على اى عناصر. بصيغة تستطيع العقول الغير رياضية فهمها يبدو أننا خلقنا شئ من لاشئ! إذن لابد وان هناك شئ خاطئ في هذا المنطق. فريجة اعتمد على المجموعات الخالية والمجموعات الشاملة في مشروعة لتعريف الارقام من خلال المفاهيم المنطقية، الإشكالية التي طرحها راسل وضعت المشروع بالكمال في دائرة الشك، وللأسف عجز فريجة وراسل وعلماء المنطق والرياضيات حتى اللحظة عن إيجاد حل لتلك المعضلة، فهجر فريجة المشروع وتخلى عن الفكرة تماما، وظلت الرياضيات مُعرفة من خلال بديهيات لا نستطيع ايجاد ارضية لها في علم المنطق، قصة سنعود لتفاصيلها في حلقات سلسلة فلسفة الرياضيات في المستقبل!
الحُجج Arguments
إذن القضايا والأطروحات propositions هى اللبنة الاساسية لبناء الحُجج والجدليات argument. في أي حُجة الهدف هو تأكيد أو نفي أطروحة او قضية واحدة بناء على او باستخدام مجموعة أخرى من القضايا او الاطروحات. وفي تلك الحالة نقوم بعملية أستدلال أو استنباط inference. لو كنت متابع لحلقات كلام فلسفة بكل تأكيد سمعتني باستخدام المصطلح ده كثير قبل كدة. وفي أبسط طريقة ممكن اعرفة بيها، الاستدلال هو عملية نقوم فيها بربط مجموعة من القضايا والأطروحات ببعضها البعض. بعض الاستدلالات صحيحة، والبعض الآخر غير صحيح. عالم المنطق بيقوم بتحليل هذه التجمعات من القضايا المرتبطة ببعضها. ويقيم ان الأطروحات المبدئية واطروحة النهاية، والعلاقة بينهما.مجموعة القضايا دى تكون او تشكل ما يعرف بالحُجة argument الاصطلاح هنا تنقني في علم المنطق يشير لمجموعة القضايا المرتبطة ببعضها دى ولا يعنى الفكرة الشائعة في ذهن العامة بالحُجج والجدليات على انها صور من الخلافات والمناقشات الحادة. في المنطق الحُجة أو الجدلية تُشير بشكل محدد لاى مجموعة من القضايا او الاطروحات التى يُدعى أنها في حالة من الارتباط ويتبع بعضها البعض بحيث ان حقيقة احدهما تدعم التالية عليها وهكذا حتى النتيجة. وبالتالي لكل استدلال جائز توجد حُجة مكافئة. الحجج ليست مجرد مجموعة من القضايا او الاطروحات في سلة! هذا التجمع يمتاز بصفة جوهرية وهى تركيبة structure. التركيب بيظهر الاستدلال الناتج عن ربط تلك القضايا. من الممكن وصف هذا التركيب من خلال فكرتين أساسيتين. المقدمات premise والنتيجة conclusion. نتيجة الحُجة هى القضية التى تحاول الحجة تأكيدها باستخدام القضايا والأطروحات الأخرى داخل الحجة. أما المقدمات، هى القضايا الاخرى المفترض انها مؤكدة وتقدم الدعم او السبب للأعتقاد في صحة أو تأكيد طرح النتيجة داخل الحُجة. في دراستنا للمنطق سنتعرض صور وأشكال متعددة من الحُجج في كافة مجالات الحياة من العلم، السياسة، القانون، الأخلاق، والدين . وفي كل واحدة من تلك الحُجج قد يكون هناك مدافعين ومهاجمين عن الحُجة، لكن مهمتنا كباحثين منطقيين موضوعين هو ترك آرائنا وتحيزاتنا الشخصية خارج معمل المنطق، ونبحث التركيب المنطقي لتلك الحجج بحيادية وان كانت بالفعل تقود لنتيجة صحيحة ومضمونة. الحُجج تتنوع جدا حسب درجة تعقيدها ووضوحها. بعضها شديد البساطة، لكن البعض الاخر شديد التعقيد أحيانا بسبب تركيب القضايا المطروحة او اللغة المستخدمة، واحيان اخرى بسبب تعقد العلاقات بين تلك القضايا. أبسط صور الحُجج التى قد تتعرض لها تتكون من مقدمة ونتيجة تتبع منها. وكل منهما مُعبر عنه بجملة واحدة. مثلا “لم يكن هناك أحد عندما ظهرت الحياة على سطح الأرض، إذن أى إدعاء عن مصدر الحياة لابد وأن يعتبر نظرية وليس حقيقة”. لكن النتيجة ليست دائما في نهاية الحُجة كما في المثال السابق أحيانا قد تأتى في المقدمة مثلا الفيلسوف الانجليزي جيريمي بينثام Jeremy Bentham في عمله الخالد “مبادئ التشريع Principles of Legislation” اللى نشرة سنة 1802 طرح تلك الجدلية “كل قانون هو شر، لأن كل قانون هو انتهاك للحرية Every law is an evil, for every law is an infraction of liberty “. الجملة القصيرة دى تحتوى على اطروحتين او قضيتين “كل قانون هو شر” النتيجة … “كل قانون هو انتهاك للحرية” .. المقدمة! … ودى ابسط صور ممكنة لاى حجة لكن لايمكن لقضية او طرح واحد ان يصبح جدلية، لأن الحجة مجموعة من القضايا المرتبطة.في بعض الأحيان بعض القضايا والأطروحات المركبة تبدو وكأنها حجة او جدلية، لكن في واقع الأمر هى ليست كذلك مثلا “إذا كانت الدولة تهدف إلى أن تكون مجتمعًا يتألف من الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات، فمن المؤكد أن تكون الدولة القائمة على الطبقة الوسطى هي الأفضل” . الشق الأول والثاني من هذه القضية لا يمكن تأكيدها بشكل مستقل إذن تصبح الجملة كلها قضية واحدة وليست حجة. لكن أرسطو Aristotle قدم نفس الفكرة لكن في صيغة حجة في الكتاب الخامس من عمله الخالد “السياسة Politics” كالاتي “هدف الدولة هو تكون تكون مجتمعًا يتألف من الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات، وبالتالي الدولة التي تعتمد على الطبقة الوسطى لا بد أن تكون الأفضل A state aims at being a society composed of equals, and therefore a state that is based on the middle class is bound to be the best constituted” في تلك الحالة نحن أمام حجة قصيرة وسليمة كلا من شقيها يمكن تقييمه بشكل مستقل وهناك علاقة ارتباط استدلالي ما بين شقيها!
التفكير فن، وكذلك علم! نشاط نقوم به، ولكنه أيضا نشاط نقوم بتحليله. تقديم الأسباب والدوافع وراء معتقداتنا أمر طبيعي وبديهي جدا عند كافة البشر. لكن مهارة وفن بناء الحُجج واختبارها كأى مهارة أو حرفة تتطلب الكثير من الممارسة. لذا قد تكون استوعبت كلماتي السابقة لكن مهاراتك تبدأ بالممارسة!
التعرف على الحُجج Recognizing Arguments
قبل أن نستطيع تقييم الحجج والجدليات، لابد أولا وأن نبنى مهارة التعرف عليها. التعرف على الحجج يتطلب بالقطع فهم اللغة التى تم صياغة أطروحات الحجة بها، لكن فهم اللغة وحده غير كافي. التعرف على الحُجج قد يكون مُشكل بسبب الطرق المختلفة والمتفردة في صياغتها. حتى وان كنا واثقين من وجود حجة داخل السياق في كثير من الأحيان يكون من العسير التفريق بين مقدمتها ونتيجتها. لذلك علماء المنطق وضعوا مجموعة من الطرق والأدوات للمساعدة في اكتشاف الحجج وتفنيد اجزائها، أول تلك الطرق ما يعرف بالمؤشرات Indicators .. قد تظهر في الجمل اللغوية باختلاف اللغات بعض الكلمات او الجمل المؤشرة على نتيجة الحُجة وفي تلك الحالة نطلق عليها Conclusion Indicators عادة ما تظهر قبل تعبير أو جملة النتيجة في الحجة. من ضمن تلك المؤشرات مثلا في اللغة العربية “إذن”، “بُناء عليه”، “وبالتالي”، “كنتيجة”، “من الممكن استنتاج”، “مما يستتبع” .. وغيرها وفي اللغة الانجليزية بعض مؤشرات النتيجة هى “therefore,accordingly,as a result,we may infer … ” . وبالتالي من خلال عملية اختزال الجمل السابقة على المؤشر اللغوى الجملة اللاحقة تصبح هى التعبير عن النتيجة مثلا في جملة “المساجين الواقعين تحت التعذيب سيعترفوا بأي شئ فقط للتخلص من الألم. وبُناء عليه، التعذيب ليس طريقة موثوق فيها من أجل الوصول للحقيقة” .. النتيجة في تلك الجدلية هى ” التعذيب ليس طريقة موثوق فيها من أجل الوصول للحقيقة” والادعاء “المساجين الواقعين تحت التعذيب سيعترفوا بأي شئ فقط للتخلص من الألم” ومؤشر النتيجة بين الجملتين هو “وبُناء عليه” .. لكن في بعض الاحيان الجدليات قد لاتحتوى على مؤشرات للنتيجة وبدلا من هذا تحتوى على مؤشرات للادعاء premise indicators ، زى “بما أن”، “كما في” ، “لان” ، “بسبب”، “نتيجة ل” .. وغيرها، وفي اللغة الانجليزية بعض المؤشرات مثلا “since,because,as shown by, ..” . مثلا في جملة “مرضى القلب لا يجب ان يدخنوا على الإطلاق، بما أن الدراسات أظهرت آثار سلبية للتدخين على صحة القلب” .. النتيجة في تلك الحجة هى “مرضى القلب لا يجب ان يدخنوا على الإطلاق”، الادعاء ” الدراسات أظهرت آثار سلبية للتدخين على صحة القلب” والرابط في تلك الحالة مؤشر ادعائي وليس مؤشر نتيجة وهو “بما أن”. لكن المؤشرات السابقة لا تظهر دائما بالضرورة داخل الجمل اللغوية، وفي تلك الحالة الطريقة الثانية للتعرف على الحجة قد تكون من خلال السياق Context او المعنى المطروح. مثلا في كتاب المفكر الأمريكي المُلحد المعاصر سام هاريس Sam Harris “خطاب لأمة مسيحية Letter to a Christian Nation” بيقول “نصف الأمريكيين يؤمنون ان الكون عمره 6000 آلاف سنة، وهم مخطئون في ذلك. إعلان خطأهم ليس قضية تعصب لاديني لكنة أمانة فكرية”. بكل تأكيد من سياق تلك الفقرة هناك حجة واضحة بالرغم من غياب المؤشرات اللغوية. ومن الشائع أيضا في بعض الطرق البلاغية في صياغة الاطروحات والقضايا ان يقوم الفرد بصياغة القضية على صورة تساؤل! .. لكن لو فاكر في بداي ة الحلقة انا قلت لك ان السؤال احد صور الجمل اللغوية التي لاتحتمل الصواب والخطأ. ده صحيح لكن ده اللى يجعل التعرف على الحجج صعب في كلام البشر استخدام طرق ووسائل تعبير بلاغية في بعض الأحيان، في ظاهر الأمر الجملة تبدو استفهامية لكنها تفترض ان الاجابة على السؤال هى القضية أو الطرح نفسه! أي ان الجملة قد تبدو استفهامية لكن في واقعها هى تعبيرية declarative . مثلا في أحد النصوص المقتبسة عن الكنيسة الإنجليكية في نيجيريا بخصوص تحريم المثلية الجنسية تقول “لماذا لم يخلق الله الاسود أزواج للرجال؟ او الاشجار؟ أو حتى الرجال أنفسهم؟ .. منذ بداية قصة الخلق وأنت ترى غاية الله هو أن يتزوج الرجال والنساء!” .. النتيجة هنا هي نية الله في تزويج الرجال والنساء والمقدمات طرحت في صورة أسئلة إجابات تلك الاسئلة من الواضح انها القضايا التي تبنى عليها النتيجة. هذه الصورة اللغوية في التعبير عن المقدمات في صيغة اسئلة غالبا ما تكون فعالة عندما يكون من الواضح ام هناك اجابة واحدة فقط على التساؤل لا يشوبها الشك. وفي تلك الحالة المتلقي لا يجد مفر في قبول الاجابة على تلك الاسئلة وبالتالي تقدم دافع قوي للاعتقاد في صحة نتيجة الحُجة بشكل عام. مثال أخر ” إذا كان الحق في القتل الرحيم قائم على حق الانسان في تقرير مصيرة، لا يمكن ان يقتصر فقط على المرضى الذين يعانون من حالة مرضية ميؤوس منها. اذا كان البشر تمتلك الحق فى تقرير مصيرها فلماذا يجب عليهم انتظار المرض الميئوس منه قبل السماح لهم بممارسة هذا الحق؟” .. السؤال البلاغي هنا قوي وفعال لأن ليس من الواضح لماذا نسلب البشر هذا الحق، إن كان الحق قد أعطى في المقام الأول للمرضى بناء على حق تقرير المصير. وبالتالي تصبح نتيجة تلك الجدلية “حق الموت الرحيم، إن سمح بة بُناء على حق البشر في تقرير المصير لا يمكن أن يقتصر فقط على المرضى”. على اى حال الحجج القائمة على أسئلة بلاغية من هذا النوع عادة ما تكون موضع شك، لأن السؤال في كثير من الأحيان لا يكون صحيح او خاطئ ولكن يستخدم كأداة لتأكيد طرح ما في عقل المتلقي مع تجنب مسؤلية تأكيد هذا الطرح، لأن المتلقي أجاب على السؤال بنفسه! .. وفي الحقيقة علماء المنطق حددوا أحد صور المغالطات المنطقية من هذا النوع لتسهيل مهمة التعرف عليها (هناقش المغالطات المنطقية بالتفصيل في الحلقات المستقبلية). على اى حال الصورة الأخيرة التي هقدمها لك التى قد تسبب غموض الحجة وصعوبة التعرف عليها، هى ان احد اطروحتها أو قضايها غير مصرح به بشكل مباشر ويفترض انه سيفهم ضمنيا. مثلا في الخلاف حول عملية استنساخ البشر في مطلع القرن كتب بعض الناقدين ” استنساخ البشر – مثل الإجهاض ، وسائل منع الحمل ، المواد الإباحية والقتل الرحيم – هو شر جوهري وبالتالي لا ينبغي السماح به أبدًا” .. بدون شك هذه جدلية، لكن بعض اجزائها مفقودة! .. الحجة قائمة على الطرح الغائب منها وهو ان “الشر الجوهرى لا يجب ان يسمح به” .. لانها فكرة بديهية وبالتالي لا داعي من تقديمها. هذا النوع من الحجج يطلق عليه enthymemes. المقدمة الغائبة القائمة عليها الحجة قد لايتفق عليها كافة البشر او لا تكون بديهية كما يتصور صاحب الحجة. قد تكون مثلا محل خلاف. وقد تكون نوايا صاحب الحجة غير جيدة في اخفائها لاعتقادهم أن عدم وضوحها سيجعل من العسير انتقادها. مثلا في صراع قائم في الولايات المتحدة حول لأبحاث الخلايا الجذعية stem cells أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي جادل “ابحاث الخلايا الجذعية الجنينية embryonic stem cells غير قانونية، لان لايمكن اجراء الابحاث دون قتل جنين بشري لاستخدام خلاياه في البحث” .. مقدمة الحجة صحيحة لأن أبحاث الخلايا الجذعية غير ممكنة دون تدمير الاجنة في مراحل معينة في تكوينها، لكن نتيجة الحجة وهي “أن هذا النوع من الأبحاث غير قانوني” قائمة على طرح او مقدمة غائبة وهى أن قتل الأجنة البشرية غير قانوني .. وهذه القضية محل نزاع وخلاف مجتمعي مازال قائم! .. قوة وتأثير هذا النوع من الحجج الناقصة يعتمد على معرفة المتلقي بان بعض المقدمات غير صحيح أو محل نزاع.
الصور الغير جدلية Non-Argumentative Forms
ليست كل وسائل الاتصال البشري حُجج وجدليات كما أشرنا من قبل. ولأن المنطق بيتعامل مع الحُجج لابد من التفريق ما بين الكلام الذي يحتوي على حُجة وصورة الأخرى. الكلام الذي يحتوي على حُجة يحاول يثبت شئ ما. ان لم تحاول الفقرة أو الكلام إثبات شيء ما، إذن لا يحتوي على حُجة. كي نفرق بين أنواع الكلام الذى يحتوى على حُجة لابد من التعرف على الصور الاخرى. هعرض عليك مجموعة من الصور دى الأولى: صورة الاتصال الغير استنتاجية البسيطة Simple Noninferential .. وهي أبسط صور الجمل البيانية قد تحتوى على قضايا، ونتائج، او الاثنين، لكنها تفتقد لاهم ما يميز الحُجج وهو الروابط المنطقية التي تربط قضايا مقدمة بنتيجة ما. الاتصال البشرى من هذا النوع يشمل عدة صور منها .. التحذير warning .. مثلا “أحذر الأرض مبتلة لا تنزلق”. صورة أخرى هى النصيحة advice .. مثلا .. “أحذر من خان، لا تأتمن أسرارك معة” .. صورة اخرى جمل الاعتقاد أو الرأى statement of belief or opinion .. مثلا “نعتقد أن الحل الوحيد لتقدم الشعوب العربية هو زيادة مساحة الحريات، رفع كفاءة وجودة التعليم، والاعتماد على العلم” .. سواء اتفقت او اختلفت مع الجملة السابقة، هذه الجملة ليست حُجة لانها لاتقدم هيكل منطقي للتدليل على نتيجتها. صورة أخرى هى التقرير report .. عبارة عن مجموعة من الجمل تنقل معلومات محددة عن حدث أو ظاهرة ما .. مثلا “طبقا لتقرير مؤسسة هيرتيج، درجة الحرية الاقتصادية في مصر 52.5، مما يجعل اقتصادها في المرتبة الرابعة والأربعين في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2019”. أحد أهم الآلات الاتصال اللغوي هي التفسير Explanation. لكن فقرات التفسير قد تتشابهة لغويا في كثير من الأحيان مع الحُجج لانها بتستخدم مؤشرات لغوية مشابهة في صياغتها اللغوية، مثلا كلمات زى “لان، بسبب، اذن، لهذا، الخ … ” بتستخدم كثيرا في الفقرات التفسيرية اللى قد يجعل من العسير تفريقها عن الحجج. في تلك الحالة معرفة نية الكاتب جوهرية في فهم الغرض من الفقرة. على سبيل المثال “السماء تكتسب زرقتها من سطح الأرض! لأن أشعة ضوء الشمس تتشتت من خلال احتكاكها بجزيئات الغلاف الجوى” .. الفقرة دى تفسيرية وليست حجة بالرغم من ظهور مؤشر المقدمة “لان”. الجمل التفسيرية عادة ما تتكون من شقين او مركبين، جملة تعبر عن الظاهرة المُفسرة explanandum، وجملة او مجموعة من الجمل لتفسير الظاهرة explanans. هدف الفقرة تفسيرى وهو إلقاء الضوء على ظاهرة لون السماء الأزرق وليس إثبات حدوثها، بصيغة اخرى، هدف جملة التفسير هو اظهار لماذا يحدث شئ ما على العكس من غرض الحُجة وهو إثبات حدوث هذا الشئ! في مثال السماء، الحقيقة واضحة للكل ان لونها أزرق، جملة المُفسر “تشتت أشعة الشمس نتيجة تصادمها مع جزيئات الغلاف الجوى” هدفها تفسير لون السماء الأزرق وليس إثبات ان السماء لونها ازرق. بشكل مجرد لو س ظاهرة ما نحاول اثباتها من خلال دليل ص سنقول “س بسبب ص” .. لكن لو س ظاهرة مثبتة ولكننا نحاول تفسيرها من خلال ص . سنستخدم نفس التركيب اللغوى “س بسبب ص” لكن الغرض مختلف بين الجملتين. لكن الغرض ضمنى في الفقرة وفي كثير من الاحيان قد يكون ظاهر او محدد مما يشكل صعوبة في التفريق ان كانت الفقرة تفسيرية ام جدلية. كيف إذن من الممكن معرفة ان كان هدف المتحدث تفسير س من خلال ص أو اقناعنا بحقيقة س من خلال ص؟ .. من الممكن أن نبدأ باختبار حالة س نفسها. هل هو طرح يحتاج لإثبات حقيقته؟ .. أم أن حقيقة معروفة، مثبتة، او بديهية؟ .. وبالتالي فهم أعمق لسياق الحديث، عادة ما يساعد المُحلل في التفريق ما بين هدف المتحدث ان كان الإثبات (حجة) ام التفسير؟ .. وفي بعض الاحيان هذا السياق قد لايكون واضح لان الفقرة اقتطعت من سياقها. وفي احيان اخرى تحديد ان كانت س لاتحتاج الاثبات او امر بديهي يصبح أمر محل خلاف، ووقتها يصبح من الصعب تحديد ان كان الطرح جدلي ام تفسيري! .. صورة أخرى هى الجمل الشرطية conditional statement على صيغة “لو … إذن if ..then” الجمل الشرطية تتكون من مركبين، المركب التالي لمؤشر الشرط “لو” يسمى السالف أو الشرط antecedent ، والمركب التالي لإذن يطلق على المُترتب عليه consequent .. مثلا “لو أمطرت، إذن الأرض ستبتل” .. الجمل الشرطية لا تعد حُجة، لأن لا ينطبق عليها هيكل الحُجج المنطقية، اى لا توجد مقدمات داعمة لنتيجة ما. في الحجج الشرطية لا توجد ادعاءات يطرحها مركب الشرط أو مركب المُترتب علية. اى ان لا يوجد ما يمكن استخدامه لإثبات حقيقة السالف أو المُترتب عليه بشكل مستقل. والجملة بشكل كلي فقط صحيحة أن تحقق مركب الشرط. لكن بالطبع الجملة الشرطية ككل من الممكن أن تستخدم كمقدمة في حجة لانها تقدم حقيقة في حالة تحقق الشرط مثلا..
(1) لو امتلكت إسرائيل سلاح نووي، إذن تهدد الأمن والسلام في الشرق الاوسط
(2) اسرائيل تمتلك سلاح نووي
(3) إذن، اسرائيل تهدد الأمن والسلام في الشرق الاوسط
.. الجمل الشرطية قائمة على علاقة لغوية بين الشرط والمترتب عليه، علاقة مشابهة للوصلة الاستدلالية بين المقدمات والنتيجة في الحجج لكنها مختلفة لان مقدمات الحجة يدعى أنها صحيحة، لكن الجمل الشرطية لا تدعى صحة مركب الشرط ولهذا الجمل الشرطية ليست حجج، لكن من الممكن أعادة صياغتها كي تبدو كحجة .. مثلا المثال السابق من الممكن صياغته كحجة كالاتي
(1) المطر يسبب ابتلال الأرض
(2) الجو ممطر
(3) إذن، الأرض مبتلة.
في الحقيقة الجمل الشرطية ذات أهمية كبيرة في المنطق، ومجالات أخرى عديدة (لو كنت مثلا تعمل في مجال البرمجيات ستدرك ما أتحدث عنه) .. وتزداد تلك الدرجة من الاهمية عند وصف العلاقة بين الشروط الضرورية necessary والكافية Sufficient. شرط ما “س” يقال انه كافي sufficient condition لحدوث نتيجة ما “ص” فقط ان كان “س” هو كل المطلوب لتحقيق “ص”. مثلا أن يكون كائن ما كلب هو شرط كاف لأن يكون هذا الكائن حيوان. على العكس من شرط ما س ضروري necessary condition لحدوث نتيجة ما ص. فقط إن كانت ص لا تتحقق إلا بحدوث س. مثلا من الضروري أن يكون الكلب حيوان. الفرق بين الكافي والضروري مش من السهل استيعابة للوهلة الاولي. تخيل مثلا انى بقول لك ان هناك كلب في صندوق، أكيد أنت على ثقة أن بداخل الصندوق الان حيوان. كينونة الكلب شرط كافي لإثبات كينونة الحيوان، لكن العكس غير صحيح .. اى لو قلت لك ان الصندوق فيه حيوان. هل أنت متأكد الان الصندوق فيه كلب؟ .. بالقطع لا، لأن من الجائز أن يكون الكائن قطة مثلا .. إذن كينونة الحيوان ضرورية لإثبات كينونة الكلب لكنها غير كافية. على أى حال سنعود لمناقشة الجمل الشرطية ومنطق الكفاية والضرورة في المستقبل.
حُجج الاستنتاج والاستدلال Deductive and Inductive Arguments
الحُجج والجدليات قائمة على فكرة ان مقدماتها تُثبت حقيقة نتيجتها، لكن هناك طريقتان مختلفتان من خلالهم يمكن لمجموعة من الاطروحات او القضايا ان تدعم او تبرر حقيقة قضية اخرى. ولهذا هناك عائلتين رئيسيتين من الحُجج. استنتاجية deductive و استدلالية inductive فهم هذا التفريق أساسي في فهم عمل المنطق. الحجج الاستنتاجية deductive argument حصرية وقاطعة في الحقيقة التى تُثبتها، اى ان حقيقة النتيجة المُثبتة قاطعة ونهائية إن صحت المقدمات، اى من المستحيل أن تكون خاطئة. على العكس من الحجج الاستدلالية inductive argument حقيقة نتيجتها غير قاطعة اى ان صحت المقدمات من غير المحتمل ان تكون النتيجة خاطئة لكنها مازالت فرضية قائمة ولو حتى نظريا. وبالتالي في تعاملنا العقلاني مع حورات الاخرين ان كان برهانها قاطع نطلق عليها استنتاجية. وعكس ذلك نطلق عليها استدلالية. ولان اى حجة تجعل نتيجتها اما قاطعة ام لا. اذن اى حجة تنتمي الى واحدة من تلك العائلتين اما استنتاجية او استدلالية. هذا التفريق طرح للمرة الأولى بشكل موثق في التاريخ الإنساني على ايد أرسطو Aristotle وفي القرون اللاحقة علية الاستنتاج والاستدلال اصبحا صورتى الادلة العقلانية ليس فقط في المنطق لكن في كافة المناحي العقلية. ولن تجد اى مجال علمي او عقلي لا يوجد داخل أدبياته فكرة الاستنتاج فى مقابل الاستدلال بداية من الرياضيات، مرورا بالفيزياء حتى التاريخ. وإن اختلفت. وفي كثير من الأحيان يشير البعض للاستنتاج، بالبرهان بسبب قطعية او المنطق الالزامي necessary reasoning والى الاستدلال بالمنطق الاحتمالي probabilistic reasoning. هضرب لك حُجتين للتفريق، الاولي
(1) محمود رجل مصرى
(2) الرجال المصريون عادة ما يتزوجون عند سن الثلاثون
(3) إذن، في الغالب محمود سيتزوج عند سن الثلاثون.
الحجة الثانية
(1) محمود رجل
(2) كل الرجال غير قادرة على الحمل
(3) إذن، بالضرورة محمود غير قادر على الحمل.
الحُجة الأولى استدلالية في حين أن الثانية استنتاجية. لو تأملت الحجتين السابقتين ستجد أن هناك مجموعة من السمات المميزة ما بينهم اهما استخدام المؤشرات اللغوية .. المؤشر الاحتمالي “في الغالب” مقارنة بالقطعى “بالضرورة”، قوة الرابطة الاستدلالية ما بين المقدمات والنتائج .. اى هل من الممكن ان تكون النتيجة خاطئة إن كانت المقدمات صحيحة؟ في الحجة الثانية مُستحيل ان يحدث هذا وبالتالي الرابطة قوية مقارنة بالحجة الأولى .. أمر راجع ليس للبديهة لكن للغة المستخدمة ان كان كل الرجال غير قادرة على الحمل ومحمود رجل لا مفر من عدم قدرة محمود على الحمل لانه احد الرجال!، وأخيرا هيكل الحجة ككل عامل مهم في تحديد نوعها.
صور الحجة الاستنتاجية Deductive Argument Forms
الحجة الاستنتاجية لها هيكل أو تركيب يجعل مقدمتها تدعم حقيقة نتائجها. هناك عدة صورة لتلك التراكيب او الصور المختلفة للحجة الاستنتاجية. الصورة الأولى هي الحجة الاستنتاجية القائمة على الرياضيات argument based on mathematics وفيها نتيجة الحجة قائمة بالكامل على عملية حسابية او قياس هندسي. مثلا لو كنت في السوق واشتريت خمس أقلام و3 كراسات، تستنتج من ذلك ان معك ثمان اشياء. وبما ان جميع العمليات في الرياضيات الاساسية استنتاجية، بالتالي نستطيع اعتبار اى حجة قائمة على الرياضيات استنتاجية ايضا. قبل ما تعترض … هذا باستثناء الحجج القائمة على الإحصاء statistics التى تعد حجج استدلالية كما سنرى بعد قليل. الصورة الثانية: الحجة من الدليل argument from definition الحجج التى نتيجتها ببساطة تعتمد على تعريف كلمة او جملة في المقدمة. مثلا من الممكن ان اجادل ان على لايقول الحق لان علي كذاب. حتمية إخفاء الحقيقة تتبع من تعريف الكذب. الصورة الثلاثة الاخيرة هى صور قياسية syllogism عادة ما تتكون مقدمتين ونتيجة واحدة. أول صورة منها القياس التصنيفي categorical syllogism فيها كل أطروحة من المقدمات تبدأ بواحدة من ثلاث مؤشرات “كل”، “لا” ، و “بعض”. مثلا
(1) كل الحقول يعمل بها فلاحون
(2) بعض الحقول تقع على حدود المدن
(3) إذن، بعض الفلاحين تعمل على حدود المدن.
الصورة الثانية من حجج القياس الاستنتاجية هى القياس الشرطي او الافتراضى hypothetical syllogism اللى بتستخدم المؤشر اللغوي لو … إذن في واحد على الأقل من مقدماتها. مثلا
(1) لو كل قنوات الإعلام في الوطن العربي تابعة للسلطة، إذن ستضلل الشعوب
(2) كل قنوات الإعلام في الوطن العربي تابعة للسلطة
(2) إذن قنوات الإعلام في الوطن العربي تضلل الشعوب.
الصورة الاخيرة من القياس هى القياس الاقتراني disjunctive syllogism عادة ما تستخدم مقدماتة مؤشرات مثل “أما .. أو” مثلا
(1) إما ان تنتقل السلطة سلميا او بالثورات الشعبية
(2) في الانظمة الديكتاتورية لا تنتقل السلطة سلميا
(3) إذن، تنتقل السلطة بالثورات الشعبية في الانظمة الديكتاتورية.
(هنعود لمناقشة منطق القياس بالتفصيل في الحلقات المستقبلية). علماء المنطق بيستخدموا مصطلح الصلاحية validity للتعبير عن اتساق قوام الحجج الاستنتاجية، اى إن كانت المقدمات فعلا بما لايدع مجال للشك تدعم النتيجة. الصلاحية تنطبق فقط على الحجج الاستنتاجية . الحجة الاستنتاجية صالحة Valid فقط ان نتيجتها دائما وضروريا صحيحة ان كانت كل مقدماتها صحيحة. وليست كل الحجج الاستنتاجية صالحة، لان بعضها قد يفشل في تحقيق هدفة وهو إثبات صحة النتيجة بناء على المقدمات ضروريا، اذن الحجج الاستنتاجية قد تكون صالحة valid او غير صالحة invalid. ومهمة المنطق الاستنتاجي الاولى اصبحت تفريق الحجج الصالحة من الغير صالحة وعلماء المنطق طورا طرق وأدوات فعالة لتلك المهمة سنتعرض لها خلال دراستنا المستقبلية.
صور الحجة الاستدلالية Inductive Argument Forms
بشكل عام نتائج الحجج الاستدلالية من المقبول ان تكون أوسع في نطاقها من محتوى المقدمات. وعادة ما بيكون هناك انتقال نوعي من المعلوم في المقدمة الى الغير معلوم في النتيجة، وبالتالي نتائجها غير قطعية. كالجدليات الاستنتاجية، الحجج الاستدلالية لها عدة صور وتركيبات شائعة. بعضها على سبيل المثال لا الحصر. حجج التنبؤ prediction نوع من الحجج ينتقل من معرفتنا بالماضى لادعاء معرفة ما عن المستقبل. مثلا من الممكن ان اتنبأ بحدوث ظواهر مُناخية معينة في منطقة جغرافية معينة بسبب تكرار حدوثها في نفس المنطقة في الماضي. كلنا مدركين ان التنبؤ بالمستقبل من المستحيل ان يكون قطعى وبالتالي هذا النوع من الجدليات يندرج تحت المنطق الاحتمالي او الحجج الاستدلالية. صورة أخرى هى الحجة من القياس argument from analogy وهى نوع من الحجج تكتسب الصحة باستخدام التشابهة في الحالات او الاشياء. مثلا هذا النوع من الحجة شائع بين الناس في وصف جودة نوع من المنتجات بناء على التشابه مع منتجات اخرى من نفس المصدر، المنتج، او البلد. لكن هذا النوع من المنطق احتمالي في أفضل حالاته. صورة اخرى هى التعميم generalization وهى نوع من الحجج ينتقل من المعرفة بعينة من البيانات الى معرفة حول عينة أكبر اشمل واعم. لأن عناصر العينة تشترك في خواص معينة مع العينة الاشمل. مثلا من الممكن انى اجادل ان المواطنين في فئة عمرية معينة او شريحة تعليمية معينة سينتخبوا مرشح ما بناء على معرفة تفضيلات عينة أصغر من نفس السن أو الخلفية التعليمية. صورة أخرى الحجة من السلطة argument from authority نوع من الجدل بيخلص لان شئ ما صواب لان خبير أو شاهد أقر بذلك. من الممكن ان اجادل ان سعر سهم معين في السوق سيرتفع في المستقبل بناء على بيانات من اقتصادى معين. او من الممكن ان يجادل محامي ان المتهم هو الجاني بناء على شهادة شاهد عيان، بالرغم من ان الشاهد قد يكون كاذب. وبالتالي المعرفة احتمالية. صورة أخيرة هي الأشهر الاستدلال السببي causal inference وهي حجة قائمة تنتقل من معرفتنا بسبب ما لمعرفة تأثيره والعكس. مثلا من الممكن ان اجادل ان بترك زجاجة من الماء في الثلاجة عدة ساعات، لابد وأن الماء سيكون مثلج (انتقال من السبب للنتيجة) .. او بالعكس من الممكن ان أجادل ان رائحة الطعام سيئة لأنه ترك خارج الثلاجة ففسد (انتقال من النتيجة للسبب). لكن بما أن العلاقات السببية لا يمكن ابدا القطع في ضرورة حدوثها أي أنها غير قطعية البرهان (ارجع لحلقة إشكالية السببية) .. هذا النوع من الجدال يُعد احتمالي. ومن هنا تصبح مهمة المنطق الاحتمالي او الحجج الاستدلالية ليست ان كانت الحجة صالحة valid أم لا كما في الحجج الاستنتاجية! .. لكن إيجاد الطرق والأدوات للتأكد من التأكيدات التي تصنعها لانها احتمالية في طبيعتها فمن الممكن إجراء التجارب، الاختبارات المعملية، وجمع الملاحظات وتحليل البيانات مثلا كما يحدث في العلوم الطبيعية للتأكد من صحة حقيقة النتائج المستخلصة. هضرب لك مثلا من الواقع عن اهمية المعرفة الاحتمالية والحجج الاستدلالية للبحث عن الحقيقة في مقابل الحجج الاستنتاجية القطعية. مرض مُتلازمة نقص المناعة (الايدز) immune deficiency syndrome (AIDS) مرض خطير وقاتل وكتائب من العلماء والباحثين بيعملوا بلا كلل في محاولة لفهم أسباب المرض والحد من انتشاره. هل من الممكن ان نتعلم استدلاليا (اى بدون معرفة قطعية) كيف نحد من انتشار الفيرس؟ .. في الحقيقة نعم ده أمر ممكن! … سنة 2006 مؤسسة الصحة العالمية نشرت نتائج الدراسات الموسعة اللى قامت بيها في كلا من كينيا وأوغندا (دول خطورة الإصابة بالايدز وانتشاره عالية جدا فيها) .. وجدت أن خطورة انتقال العدوى بفيروس HIV في عملية الاتصال الجنسى تناقصت للنصف في الرجال اللى مروا بعملية الطهارة circumcision
في طفولتهم وتتناقص في النساء بنسبة 30%! العلاقة السببية ما بين عملية الطهارة وتناقص خطورة انتقال العدوى نوع من المعرفة الاحتمالية لا يمكن القطع بها كما في الحجج الاستدلالية، لكنها ذات درجة عالية جدا من الاحتمالية، وبالتالي المعرفة المستخلصة تصبح مهمة جدا! . النتائج المستخلصة من الحجج الاستدلالية أضعف من مثيلتها الناتجة عن الحجج الاستنتاجية لانها غير قطعية. لكنها تمتاز بدرجات مختلفة من الاحتمالية (عالية الاحتمال كما هو الحال في الدراسة السابقة، او ضعيفة في حالات أخرى). ولهذا السبب تبقي نتائج الحجج الاستدلالية دائما مفتوحة لاعادة النظر في حالة ظهور ادلة جديدة قد تزيد او تضعف من قوة احتماليتها. حتى في اقوى الجدليات الاستدلالية عالية الاحتمال مازالت النتائج غير قطعية وسيصبح دائما من الجائز ظهور ادلة واكتشافات جديدة تنفي النتائج الاولي (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية). الحجج الاستنتاجية على النقيض لاتضعف او تقوى مع الوقت او مع ظهور معرفة جديدة، اما انها صحيحة او غير صحيحة قولا واحدا. في صورتها الاشهر لو كل البشر فانية، وسقراط بشر، لابد من فناء سقراط. لايمكن اضافة اى مقدمات اخرى او اكتشاف حقائق جديدة تعكس حقيقة تلك الحجة. إذا كانت الحجة صحيحة ، فلا شيء في العالم يمكن أن يجعلها أكثر صحة. إذن التمييز بين الاستقراء والاستنباط يعتمد على طبيعة الادعاءات التي يقدمها نوعان من الحجج حول العلاقات بين مقدماتها واستنتاجاتهما. وبالتالي ، الحجة الاستنتاجية هي الحجة التي يُدعى أن استنتاجها يتبعها من مقدماتها مع الضرورة المطلقة ، وهذه الضرورة ليست مسألة درجة ولا تعتمد بأي طريقة على أي شيء آخر . على النقيض ، الحجة الاستقرائية هي الحجة التي يُدعى أن استنتاجها يتبعها من حيث الاحتمال فقط ، ويكون هذا الاحتمال مسألة درجة ويعتمد على ما قد يتوفر من معلومات وأدلة جديدة.
الحقيقة، الصلاحية، والاحتمالية Truth, Validity, and Probability
تقييم الحُجج زى ما شفنا هو المهمة الاولى لعلم المنطق، سواء كانت الحجج دى استنتاجية أو استدلالية. في عملية التقييم بنقوم بنحاول الإجابة على سؤالين اساسيين (1) هل كل المقدمات تؤدى إلى أو تدعم النتيجة؟ (2) هل كل المقدمات صحيحة؟ والترتيب هنا مهم. اى ان لو الاجابة على السؤال الأول بالنفي، اى ان بعض المقدمات لاتؤدى للنتيجة إذن هناك اشكالية في التفكير، وبالتالي الحجة فاسدة أو عديمة القيمة ولا داعي لتقييم صحة المقدمات من أساسة. منذ قليل ناقشنا فكرة صلاحية الحُجة Validity بالنسبة للحجج الاستنتاجية، الحجة يقال انها صالحة التى هناك رابطة ضرورية بين مقدماتها ونتيجتها، أو بصورة ابسط النتيجة تتبع بالضرورة من المقدمات. والعكس هو الحجة الاستنتاجية الغير صالحة invalid deductive argument التى من الجائز ان تكون نتيجتها غير صحيحة بالرغم من صحة مقدماتها. أى أن النتيجة لا تتبع بالضرورة من المقدمات. اى ان صحة الحجة الاستنتاجية إزدواجية القيمة Binary اما صالحة ام لا، لا توجد حالة وسيطة. لاختبار صلاحية الحجة نبدأ بافتراض صحة كل المقدمات وبعد هذا نحدد ان في ضوء صحة تلك المقدمات ان كان من الجائز للنتيجة ان تكون خاطئة. مثلا
(1) كل الصحف مقروءة
(2) جريدة الاخبار صحيقة
(3) إذن جريدة الاخبار مقروءة.
في هذا المثال من السهل رؤية أن في حالة صحة كل من المقدمات لابد من صحة النتيجة لا توجد احتمالية لخطئها. لو الأخبار صحيفة، وكل الصحف مقروءة لايوجد مفر من صحة ان الاخبار جريدة مقروءة! .. مثال أخر
(1) كل مصانع السيارات يابانية
(2) مرسيدس مصنع سيارات
(3) إذن مرسيدس يابانية
.. هنا من السهل جدا رؤية إن المقدمة الأولى خاطئة، لان مش كل مصانع السيارات يابنية و بالتالي النتيجة خاطئة لان مرسيدس شركة سيارات ألمانية. لكن في لو افترضت ان مقدمات الحجة صحيحة مؤقتا، الالزام ضرورى في صحة النتيجة من المقدمات. اى ان لو افترضنا ان كل مصانع السيارات فقط يابانية ومرسيدس مصنع سيارات، لا مفر من كون مرسيدس ياباني. إذن الحجة صالحة اى ان سياقها سليم بالرغم من عدم صحة أحد مقدمتها. مثال أخر ..
(1) كل الصحف مؤسسات صحفية
(2) الأهرام مؤسسة صحفية
(3) إذن الأهرام صحيفة
تفتكر الحجة دى صالحة التركيب؟ … ما تستعجلش … بالرغم من صحة المقدمتين إلا أن الحجة غير صالحة invalid لان بفرض ان كل الصحف مؤسسات صحفية والأهرام مؤسسة صحفية الا ان هذا لايتبع بالضرورة ان الاهرام تكون صحيفة .. بالرغم من ان الاهرام فعلا صحيفة في الواقع. لكن من التركيب اللغوى السابق للحق لا يتبع تلك الحقيقة، أي أن من الجائز حتى في حالة صحة المقدمات أن تكون النتيجة خاطئة .. تخيل مثلا انى غيرت الحجة بالصورة دى ..
(1) كل الصحف مؤسسات صحفية
(2) قناة النيل للأخبار مؤسسة صحفية
(3) إذن قناة النيل للأخبار صحيفة!
ارجو ان يكون واضح بالنسبة لك عدم صلاحية الحجة! .. النقطة المهمة اللى بحاول أبرزها لك من خلال تلك الامثلة المحيرة .. هو ان صلاحية الحجة Validity مختلفة تماما عن حقيقتها Truth. بشكل عام الصلاحية لا يمكن تحديدها بشكل متسق فقط من خلال حقيقة كلا من المقدمات والنتيجة. مثلا في مثال كل الصحف مقروءة ومثال شركات السيارات، الحجتين صالحتين الا ان الاولى مقدمتها ونتيجتها حقيقية فعلا ـ، في حين أن الثانية مقدمتها ونتيجتها ليست حقيقية .. لان ليست كل شركات السيارات يابانية ومرسيدس ليست شركة يابانية. وفي حين ان نتيجة الحجة الثالثة كانت صحيحة والاهرام فعلا صحيفة إلا أنها حجة غير صالحة! .. الصلاحية شئ يمكن تحديدة من خلال العلاقة بين المقدمات والنتيجة. وان كانت المقدمات فعلا تدعم النتيجة أم لا بغض النظر عن حقيقتها. السؤال ليس ان كانت تلك المقدمات او النتيجة صواب او خطأ لكن ان كانت النتيجة تُتبع من المقدمات. في الواقع الفكرة دى أهم فكرة من الممكن ان تعرفها في المنطق الاستنتاجي. ان حجة استنتاجية ذات مقدمات حقيقية و نتيجة خاطئة في واقع الأمر هى حجة غير صالحة invalid. منظومة المنطق الاستنتاجي بالكامل تصبح عديمة القيمة لو بدأنا بحقيقة المقدمات ووصلنا لخطأ النتيجة. على الجانب الآخر مفهوم الحقيقة Truth هو خاصية في الاطروحات أو القضايا بشكل مستقل منعزل، اى تقييم كل مقدمة او نتيجة في الحجة بشكل مستقل وليست العلاقة بين المقدمات والنتائج كما هو الحال في الصلاحية. لما مثلا بقول بطرح ادعاء أن كل الصحف مؤسسات صحفية. حقيقة هذه القضية خاصية فيها مستقلة عن ارتباطها بأي قضايا أو أطروحات أخرى. التفريق ده مهم جدا، الحقيقة والخطأ Truth and falsity خواص مستقلة للقضايا، الصلاحية أو الصحة والبطلان validity and invalidity خواص في الحجج. وكما ان مفهوم الصحة والبطلان لايمكن تطبيقة على قضية او طرح مستقل، مفهوم الحقيقة لايمكن تطبيقة على حجة. الحجة ككل إما صحيحة أو باطلة، اما القضايا المكونة لها وتطرح ادعائات عن العالم قد تكون حقيقية أو خاطئ. وبالتالي الحجج الاستنتاجية اللى تطرح استنتاج من مجموعة من القضايا لنتيجة ما قد تكون صحيحة أو باطلة. في الحقيقة العلاقة ما بين حقيقة وخطأ القضايا وصحة وبطلان الحجج معقدة وأساسية لفهم المنطق الاستنتاجي (أنصحك ترجع تسمع هذا المقطع من بدايته لو حاسس ان الفكرة مازالت غير واضحة بالنسبة لك)
إذن، كل حجة بتصنع ادعاء عن وجود علاقة ما بين مقدمتها ونتيجة ما مستنبطة من تلك المقدمات، هذه العلاقة قائمة وضرورية بين المقدمات والنتيجة بغض النظر عن حقيقة أو خطأ المقدمات!.. إذن هناك معيارين لتقييم الجدليات، حقيقة قضاياها (المقدمات والنتيجة) وصحة او بطلان العلاقة بين بين المقدمات والنتيجة. الحُجج الاستدلالية Inductive Arguments تتبع نفس الصورة العامة في التقييم المستخدمة مع الحُجج الاستنتاجية مع الفارق في ان حقيقة نتيجة الحُجة الاستدلالية إحتمالية Probabilistic وليست إزدواجية Binary كما في حالة الحُجة الاستنتاجية إما صواب أو خطأ. كما رأينا منذ قليل صور الحجة الاستدلالية عديدة سواء من حجج القياس، التعميم، الحجة من السلطة، أو
الاستدلال السببي. الحُجج الاستدلالية يتم تقيمها في فئتين إما حُجة استدلالية قوية strong inductive argument وهى الحجة الاستدلالية التي من غير المُحتمل improbable أن تكون نتيجتها خاطئة False بالرغم من أن مقدماتها صواب True. أى ان النتيجة احتمالية صدقها عالية بُناء على مقدمات الحُجة (مكافئة للحجة الاستنتاجية الصحيحة Valid لكنها احتمالية وليست قطعية). والفئة الثانية هي حُجة استدلالية ضعيفة weak inductive argument وهى الحُجة التى احتمال ان نتيجتها تُتبه بناء علىالمقدمات ضعيف جدا، بالرغم من ادعاء الحجة (مكافئة للحجة الاستنتاجية الباطلة Invalid لكنها احتمالية وليست قطعية). الحجج الاستدلالية بشكل عام قائمة على ما يطلق عليه الفلاسفة مبدأ انتظام الطبيعة uniformity of nature الذى طبقا لة المستقبل عادة ما يتبع ما حدث في الماضى أو الانتظام regularities في منطقة ما من الطبيعة متكرر في مناطق أخرى. مثلا لو السكر في الماضى كان حلو المذاق، سيكون كذلك في المستقبل غالبا، او كذلك في مصر كما هو في أمريكيا! البحث عن الانتظامية في الطبيعة وإدراكها أحد الآليات العقلية البشرية أيضا، مثلها مثل الالة السببية في عقولنا. العقول البشرية تبحث عن الانتظام والسببية في الطبيعة بشكل بديهي وتلقائي. وعادة ان خالف الواقع تلك الآليات تكون مفاجأة لنا ومن الصعب على عقولنا قبولها.
البشر مُهتمة ليس فقط بماهية الأشياء، لكن كيف من الممكن ان تكون الاشياء. و بالضرورة أصبحوا مشغولين عبر العصور بكيف تتصل الأشياء ببعضها ولماذا. بدراسة الاحتمالات، والاستدلال على ما لانعرف مما نعرف! .. عندما نستدل على حتمية موت انسان لان حتمى لكل البشر، هو انتقال من المعروف الي الممكن. عندما نستدل على احتمالية الأمطار قريبا بسبب تكون الغيوم في السماء، هو انتقال احتمالي من معرفة الماضي للتنبؤ بالمستقبل. هذة وغيرها صور من التفكير العقلاني والاستدلال المنطقي. منذ ان بدأ البشر في محاولة الاجابة على سؤال لماذا، أصبح المنطق هو اول ادوات البحث عن الحقيقة. المنطق هو علم دراسة التفكير. ينشغل عُلماءة بالبحث في الطرق، الأدوات، والمبادئ للتفريق بين التفكير السليم والاعوج. ومبكرا اكتشف المنطقيين أن في غالب الوقت حقيقة الجدليات تعتمد على العلاقة بين اطروحاتها، وتعتمد على صور او هيكل الجدلية، وليس على محتواها! .. ومن وقتها أصبح المنطق هو دراسة شكل، تركيب، وهيكل الحُجج العقلانية. السمة التى جعلت من المنطق آلة بشرية عامة غير محدودة بالزمان، والمكان، الثقافة، أو اللغة! وجعلت تطبيقة واسع النطاق في كافة المجالات من القانون، الرياضيات، للعلوم بكافة صورها! .. قدرة البشر للتفكير بصورة عقلانية مشتركة هو ما يميزنا عن باقي الكائنات الحية (على الأقل في حدود معرفتنا العلمية الحالية)، دراسة المنطق هى التمرين العقلي لبناء ملكة التفكير السليم، ومهارة اكتشاف التفكير الأعوج والحُجج الفاسدة. وبالرغم من أن الفرد قد لا يستخدم قواعد المنطق مُباشرة في حياته اليومية، إلا أنها جزء اساسى غير مباشر في كثير ان لم يكن كافة قراراتك اليومية. مثلا قد تكون قررت انك تستيقظ من النوم باكر، قد تصل الى العمل او الجامعة في ميعادك. فأصبح المنطق في قرار استيقاظك باكرا “لو اردت الوصول في ميعادي، لابد ان استيقظ باكرا، أريد الوصول في ميعادي، إذن، سأستيقظ باكرا” .. الصورة البسيطة دى التى غالبا ما تمارسها لا إراديا، يطلق عليها علماء المنطق .. المنطق الاستثنائى modus ponens .. من الجائز أنك بتسمع المصطلح للمرة الأولى، لكنك تقوم بالفعل بهذا النوع من الاستدلال المنطقي يوميا! .. جوهرية المنطق في حياة الإنسان قد تكون شعرة رفيعة فاصلة بين الحياة والموت في كثير من الأحيان. الاستدلال المنطقي هو ما يمنعك من القفز من النافذة، او العبور أمام السيارات المسرعة، أو عدم الإمساك بشعلة من النيران. كلها صور من الاستدلال غاية في الحساسية والاهمية يقوم بها الطفل من السنوات الاولي في حياته لإدراكه أنها استدلالات ضرورية لحفظ حياته! أيا كان تخصصك او دراستك، قدرتك على صناعة استدلالات جيدة (اى استخدام المنطق) ستجعل تجربتك الوجودية أفضل وأقل حيرة ودهشة. المعرفة الإنسانية في مجملها قائمة على المنطق بداية من الفلسفة، والبحث عن حقيقة الله، مرورا بتصميم التجارب العلمية، وجمع الادلة التجريبية، فهم ودراسة حركة الاسواق المالية، قوانين الدول والعلاقات الدولية، وعلوم الكمبيوتر والبرمجيات التى قامت في الأساس على أيدي علماء المنطق والرياضيين. وغيرها من مناحي البحث والمعرفة الانسانية. في رحلة بحثنا سنتعرض لأنظمة علم المنطق الرئيسية الرسمي والاحتمالي، صور وادوات صياغة وتحليل الحُجج المنطقية، آليات البحث عن الحقيقة، طبيعة المعنى في اللغة، وآليات التعرف على المُغالطات المنطقية، في نهاية هذة الجولة هدفي أن تكون أصبحت مسلح بصندوق أدوات المنطق وآلياته وتبدأ في التفكير كمنطقي!
المُرافعة اللى بدأنا بيها تخيلية، مقتبسة بتصرف من كتاب التفكير النقدي Critical Thinking لأستاذة الفلسفة الأمريكية المُعاصرة شارون كاي Sharon Kaye. حاولت من خلالها أثير ملكات تفكيرك العقلاني للبحث عن المنطق والحجج فيها. بكل تأكيد المُرافعة مليئة بالاخطاء المنطقية، والسيد محمود لم تثبت إدانته، واعتقد ان من الصعب ان تجد هذا النوع من التفكير الغير عقلاني في الحياة اليومية على الأقل في قاعات المحاكم.المُرافعة احتوت على العديد من المُغالطات المنطقية. مثلا الأولى: استعان ممثل الادعاء بشاهدة مطلقة السيد محمود لإثبات حالة النفسية المضطربة، وهي ليست متخصصة لإصدار هذا الحكم الطبي، ولا شاهد مُحايد في تلك الحالة بل العكس في الأغلب ستكون منحازة في رأيها. من الممكن صياغة الحُجة كالآتي
(1) كل القتلة ليسوا متزنين نفسيا
(2) محمود غير متزن نفسيا طبقا لشهادة مُطلقتة
(3) إذن، محمود قاتل.
الإشكالية ليست فقط في ضعف الثقة في شهادة زوجته، لكن في تركيب الحُجة لان لايتبع بالضرورة ان كل غير متزن نفسيا ان يكون قاتل. المُغالطة المنطقية ثانية: ممثل الادعاء عمم باستهتار نتيجة كذب محمود مرة، بأنه اى شئ سيقوله بعد ذلك لابد و ان يكون كذب. من الممكن صياغة الحُجة كالآتي
(1) كل من كذب مرة، لابد وان يكذب بعد ذلك
(2) محمود كذب مرة على الشرطة
(3) إذن، باقي أقول محمود كاذبة.
بكل تأكيد المقدمة الأولى لتلك الحُجة غريبة وليس من الواضح لماذا يجب أن نعتقد في حقيقة ان كل من كذب مرة لابد وان يكذب طوال الوقت! .. على أى حال عرضت عليك مُغالطتين منطقيتين من أصل 10 مُغالطات منطقية في المُرافعة، سأترك لك اكتشاف باقي المُغالطات كتمرين عقلي أرجو أن يكون مُمتع.
سأتركك مع كلمات عالم المنطق واللغة الاسترالي-الانجليزي الأصل لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein في أحد أهم ما كتب “أطروحة عن المنطق والفلسفة Treatise on Logic and Philosophy ” نشرت سنة 1921 .. “كان من المُعتاد القول إن الله يمكن أن يخلق أي شيء باستثناء ما يتعارض مع قوانين المنطق – والحقيقة هي أننا لانستطيع أن نقول كيف سيبدو عالمٌ غير منطقي!”
ودلوقتى .. فكر في الاستدلالات والمعرفة التي تكتسبها يوميا؟ .. هل المنطق آلية جوهرية في عقلك؟ .. هى السر في حفظ بقائك حتى اللحظة؟! .. هل المنطق سابق على الرياضيات؟ .. وهل من الممكن ان نأسس جوهر الرياضيات في قواعد المنطق في يوم ما؟ .. ما هي معايير تقييم الحُجج والجدليات؟! .. هل هي معايير موضوعية أم نسبية؟ .. وهل من الممكن تصور عالم بدون منطق؟! .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP56/EP56_2020_01_16.mp3
في الحلقة الجاية .. سنُكمل دراستنا لقواعد المنطق وآلياته .. اللغة هي آلية التعبير، التوجيهة، ونقل المعلومات. وبالتالي قناة الاتصال المنطقي الاولى للبشر … عن اللغة .. المعنى .. المُصطلحات .. و آليات التعريف.. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك:
Logic المنطق
http://bit.ly/378g8qE
Truth الحقيقة
http://bit.ly/2ugr4ni
Argument الحجج
http://bit.ly/2G4S63M
Proposition القضايا
http://bit.ly/2NFAHmr
Premise المقدمات
http://bit.ly/38orhDJ
Statement الجمل
http://bit.ly/3ar2HUD
Critical thinking التفكير النقدي
http://bit.ly/2R76fEc
Law of thought قوانين المنطق
http://bit.ly/2G1lic1
Law of identity قانون الهوية
http://bit.ly/2FZhCrk
Law of excluded middle قانون الثالث المرفوع
http://bit.ly/2u8nxaN
Law of noncontradiction قانون عدم التناقض
http://bit.ly/37a0kUq
Validity الصلاحية
http://bit.ly/2RxT3XA
Modus ponens قياس استثنائي
http://bit.ly/30xaDzn
2019 Index of Economic Freedom
https://herit.ag/3653pno
Tractatus Logico-Philosophicus
http://bit.ly/2G3lNm4
Gottlob Frege
http://bit.ly/2uUmITh
The Foundations of Arithmetic
http://bit.ly/2R70LZW
Ludwig Wittgenstein
http://bit.ly/30Dkfsb
Bertrand Russell
http://bit.ly/2R4Xsm4
Logicism المَنْطِقانِيَّة
http://bit.ly/2G5sLqG
Enthymeme
http://bit.ly/376acyd
Deductive reasoning المنطق الاستنتاجي
http://bit.ly/2uclVgl
Inductive reasoning المنطق الاستدلالي
http://bit.ly/2K5VhtB
Syllogism القياس
http://bit.ly/30AGS0E
Disjunctive syllogism
http://bit.ly/30x9oAd
Logical disjunction
http://bit.ly/379ZHKy
Propositional calculus
http://bit.ly/36cONCw
Paraconsistent logic
http://bit.ly/30w8C6s
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Secret Window Opening Credits
http://bit.ly/3ao1bTc
Enchanting Fairy Music – Fairy Realm
http://bit.ly/2CbqcBn
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
تخيلي إنك عالمة فضاء تعملي في برنامج الحكومة الامريكية للبحث عن صور أخرى من الحياة في الفضاء، والدك دائما كان مثلك الاعلى وقدوتك، يمتاز بعقلية علمية تجريبية، لم يقتنع سوى بالادلة العملية والتحليلات المنطقية. وضعك قدمك على طريق العلم والحقيقة قبل ان يرحل عن العالم. عملك اليومي هو البحث في الفضاء باستخدام اللاسلكي عن أى موجات راديو من الكواكب الاخرى تتبع أنماط محددة من الممكن أن تكون مرسلة من كائنات عاقلة أخرى. نشأتك شكلت عقليتك بصورة لا دينية، لا تؤمني بما لا يمكن اثباته من خلال الادلة والتجارب العملية ، رفضتى الايمان بالله، الأرواح، الملائكة، والشياطين .. واى صورة أخرى من الإيمان لا يمكن إثباتها من خلال الأدلة العلمية. قاعدة الأبحاث اللى بتعملى فيها على جزيرة بورتو ريكو، هناك بتجمعك الصداقة بشخصية مختلفة جذريا عنك، لاهوتي وباحث في الانسانيات، اللى بيخبرك أنه عاكف على كتاب عن كيف فقدت البشرية المعنى في حياتها، وانه شديد التعجب بالرغم من التقدم الهائل الذي شهدته البشرية في المعرفة والعلوم الا اننا اصبحنا بعيدين عن بعضنا تربطنا صلات أضعف من التي ربطت أجدادنا ومازلنا تائهين في بحثنا عن الحقيقة والمعنى في حياتنا. ويخبرك أيضا أنه لم يكن مؤمنا طوال حياته، لكنه مر بتجربة غيرت مفهومة للحياة. بيصف تجربته بأنه شعر فيها بالانتماء، بالحب الغير مشروط من الله، وللمرة الأولى في حياتة شعر أنه غير خائف أو وحيد! .. بتردى عليا “مش من الجائز أنك مررت بتلك التجربة ببساطة لأن جزء نفسي داخلك أرادها؟” .. هيرد عليكى .. بانه شخص عقلاني، لكن تجربتة تخطت حدود العقلانية و المنطق. وللمرة الأولى رأى أن العقل بالرغم من أنه نعمة كبيرة للبشر إلا أنه مازال محدود وليس الطريقة الوحيدة لفهم الكون وكان عاجز عن تفسير تجربته التى بدت حقيقية تماما بالنسبة له. تخبرية بالرغم من وصفة الصوفي لتجربته، الا انك غير قادرة على تصديقه دون ان يقدم ادلة مادية لدعم تجربته. تمر الشهور وما زالت تبحثى عن الاشارات في الفضاء، الى ان تكتشفي انتى وفريقك البحثى إشارة من نجم فيجا المجاور، الاشارة عبارة عن متسلسلة من الأعداد الأولية prime numbers الظاهرة التي لا يمكن تفسيرها بشريا حتى الان، ده بيكون دليل بالنسبة لك على ان هناك كائنات عاقلة تحاول الاتصال بالبشر من نجم فيجا. الامر بيتطور سريعا ويتحول لقضية أمن قومى، بيجتمع مجلس الدولة في محاولة لتحديد الخطوات التالية. بتقومى انتى وفريقه البحثي بتحليل الرسالة المستقبلة قبل أن تكتشفي أنها تحتوي على 63 ألف صفحة من البيانات العسير تفسيرها، المشروع بيتم وضعة تحت اقصى درجات السرية، ويتم جمع فريق من علماء فك الشفرة والرياضيين لمحاولة فهم البيانات المدمجة في الرسالة. أخيرا بيتم فهم مضمون الرسالة اللى يبدو انها دليل تعليمات لبناء آلة من نوع ما .. انتى وفريقك البحثى بتخبرى مركز الامن القومى ان غالبا الكائنات الفضائية أرسلت تعليمات بناء آلة انتقال متطورة حتى يتمكن البشر من بناء وسيلة انتقال تمكنهم من الانتقال الى الفضاء للقاء الكائنات الفضائية في نجمهم. دول العالم بتساهم في جمع المصادر والعقول البشرية لبناء تلك الالة المتقدمة، تحضيرا لاول اتصال مع الكائنات الفضائية. القلق حيال تلك الالة انها مبرمجة بصورة ما لعملية نقل معقدة لمكان مجهول لفرد واحد .. بعد مباحثات بين أعضاء مجلس الأمن القومي يتم اختيارك كأفضل ممثل للبشرية للذهاب على متن الآلة في تلك الرحلة مجهولة المصير! .. في اليوم المحدد للرحلة بتدخلى كابينة المركبة بعد أن تودعي طاقم العمل الذي سيكون على اتصال بيكى طوال الرحلة. بتبدأ المركبة في الدوران بسرعة عالية، من داخل المركبة بتشعرى بسرعة دورانها قبل أن ترى من خلال نافذتها المركبة تسقط في حلقات تتحرك بشكل لولبي، بتوصفي شكل المسار الحلزوني الذي تنزلق بداخلة المركبة من خلال الصوت لفريق العمل .. بتقولى انه يبدو كثقب دودى wormhole سينقلك لبعد أخر. لكنك لايوجد أي تعليق من فريقك، يبدو ان الاتصال انقطع معهم. تزداد سرعة المركبة قبل أن تسقط في فضاء جديد لم تريه من قبلة به أربع نجوم ساطعة كالشمس يبدو انك في مجرة نجم فيجا. تقتربي من النافذة بترى نجوم قريبة بديعة، لم ترها عين بشرية من قبل، بتفقدى شعورك وتنساب دموعك قبل أن تفقدى الوعى تحت وطأة الضغط الشديد. بتفتحى عينك لتجدى نفسك على شاطئ بحر يبدو كالشاطئ فلوريدا اللى نشأتي فيها، لكنه اجمل مئات المرات، بتنهضى عند حركتك بتلاحظى ان كل حركة بتصدريها تحرك جزيئات الهواء من حولك ويمكنك رؤيتها! .. من بعيد تشاهدى صورة مشوشة لكائن ما بيحرك جزيئات الهواء متقدما تجاهك، أخيرا عند وقوفه أمامك بتكتشفى انه والدك المتوفى! .. بتقولى “أبي” .. بيرد وهو بيلمس وجهك “أفتقدتك” .. بتبكي وترتمي في أحضانه، بعد لحظات بتفقي من الحلم الجميل وتقولي له .. “مستحيل، انت متوفي، انتوا حملتوا ذكرياتى لم كنت غائبة عن الوعي، وانت مجرد صورة” .. هيرد “هى دى بنتى ذو العقلية العلمية .. ده صحيح .. احنا اعتقدنا ان دى سيسهل مهمة الاتصال الاول عليكي!” .. بيقولك ان الحضارة الانسانية مثيرة للاهتمام، لأن البشر شغوفين بالبحث عن الحقيقه، وان دى هتكون اول خطوة لأتصالات أخرى متكررة! .. قبل ما يختفي كل شئ في الظلام وبتسمعى ضوضاء عالية وأصوات فريقك البحثى وهما بيخرجك من المركبة .. بعد ما تستردى كامل وعيك تنصدمى لما تكتشفى ان رحلتك كانت مجرد أجزاء من الثانية غيبتى فيها عن الوعي، وأن المركبة لم تغادر القاعدة الارضية بالمرة .. وكل ماحدث، هو عطل ارتفع فيه ضغط المركبة وفقدتى الوعي .. بتخبريهم بتجربتك واتصالك بالكائنات الفضائية، بتحاولي البحث عن الرسائل المسجلة على المركبة، لكن لا أثر لأي شئ .. بتصرى على قصتك .. لكن فريقك البحثي بيقول لك .. انتى بتطلبي منا أن نصدق قصة بدون أدلة مادية، أو معملية .. هل من المفروض اننا نصدقك قصتك بالايمان .. نحن علماء .. التجربة والأدلة المادية هى كل شئ! .. بتقولي .. انا فعلا لا أقدر على تقديم الادلة المادية .. لكنى على يقين من تجربتي، لا أستطيع اثباتها او حتى تفسيرها .. لكن كل ما أعرفه كإنسانة، كل ما أملكه من عقلانية ورشد يخبرنى انها حقيقة! .. أنا مرت بتجربة رائعة، خارجة على حدود العقل، جعلتنى اشعر بضئل حجمنا في الكون، وأننا نتمنى لشئ ما أكبر منا .. اننا لسنا وحدنا في هذا الكون .. شئ خارج على حدود العقل والتجربة!
محاور
مهد المدرسة التجريبية، نشأة التجريبية الاستقرائية، التجريبية الطبيعية والواقعية العلمية، التجريبية الإصلاحية، العلم كهيكل إجتماعي، الهيكل التراكمي للعلم، تحديات المدرسة التجريبية، العُلماء الآليين، مستقبل فلسفة العلم
التطور في قواعد منطق عملية البحث العلمي وعقلانية المعرفة المكتسبة من خلالة لم تكن ابدا عملية مباشرة او حصرية على واحدة من الثقافات، الطريقة العلمية scientific method كانت ومازالت محل جدال ونقاش بين المفكرين، الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ. وجادل فلاسفة وعلماء طبيعيون حول أولية تأسيس منهج أخر للمعرفة العلمية مرات عديدة عبر تاريخ العلم القديم والحديث! .. لكن بغض النظر عن الخلافات حول المنهج، المجتمعات العلمية تقدمت بخطى ثابتة ومحددة عبر التاريخ لتشكل الصورة الحالية لمنهج البحث العلمي الحديث. التفسيرات العقلانية للطبيعة كالطبيعة الذرية لجميع الموجودات ظهرت في الهند القديمة واليونان، في حين رفضت المدرسة المادية الاستدلال inference كمصدر للمعرفة. أرسطو صاغ الطريقة العلمية بشكل محدد للمرة الأولي في اليونان القديمة إلى جانب علم الأحياء التجريبي وعملة الخالد حتى اللحظة في المنطق. ورفض بشكل قاطع إطار استنتاجي deductive بحت قائم على التعميمات من خلال الملاحظة. لكن بعض اهم المناقشات في تاريخ المنهج العلمي دارت حول العقلانية rationalism خصوصا بالصورة التى دعا اليها رينيه ديكارت Descartes وإشكالية الحث او الاستدلال inductivism التى برزت بشكل واضح مع نيوتن والثورة العلمية التالية علية. والجدال الدائر ما بين المدافعين والمناهضين للواقعية العلمية أصبح محورى في اى نقاش حول اى نظرية علمية توسع رقعة أفكارنا إلى عوالم وكائنات لايمكن مُلاحظتها! .. والمذهل أن في واقع الأمر كان هناك عدد من المناقشات الواضحة للطرق والآليات العلمية في سجلات الثقافات الاولي.
مهد المدرسة التجريبية The Cradle of Empiricism
معظم ما يمكن استنتاجه حول طريقة ممارسة العلوم في تلك الفترة نابع من أوصاف عملية البحث في الطبيعة من سجلات تلك الحضارات المبكرة. على سبيل المثال بردية إدوين سميث Edwin Smith papyrus (العائد تاريخها لعام 1600 ق.م وسميت نسبة الى مكتشفها عالم المصريات الأمريكي إدوين سميث) وتعد اول وثيقة طبية في تاريخ البشرية ومن المرجح أنها كتبت بواسطة الطبيب المصرى أمنحوتب. البردية تصف ثماني وأربعين حالة من حالات الجراحة التطبيقية تختلف من كسر في الجمجمة إلى إصابة النخاع الشوكي. وكل حالة من الحالات الواردة فيها مبحوثة بحثاً دقيقاً في نظام منطقي في عناوين مرتبة من تشخيص ابتدائي مؤقت ، وفحص ، وبحث في الأعراض المشتركة بين أمراض مختلفة ، وتشخيص العلة، والاستدلال بأعراضها على عواقبها وطريقة علاجها، ثم تعليقات على سطح المصطلحات العلمية الواردة فيها وشروح لها. ويشير المؤلف في وضوح لا نجد له مثيلا قبل القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن المركز المسيطر على الطرفين السفليين من أطراف الجسم كائن في المخ . ويعتبر المصريون القدماء هم أول من استخدم كلمة الدماغ في كتاباتهم و أول من عرضوا تشريحه. وتكلموا أيضا عن السحايا و السائل الدماغي الشوكي. البردية في الحقيقة تُظهر أوجه تشابه قوية مع الطريقة التجريبية الأساسية في العلوم. وذهب مؤرخ العلوم الطبية الانجليزى المعاصر جيفرى لويد Geoffrey E. R. Lloyd في ورقته البحثية المهمة اللى نشرها سنة 1979 “السحر، العقل، والتجربة: دراسات في أصل وتطور العلوم اليونانية Magic, Reason and Experience: Studies in the Origin and Development of Greek Science” جادل فيها ان تلك البردية كان لها عظيم الاثر في صياغة وتشكيل المنهج التجريبي العلمي في اليونان القديمة. أيضا بردية إبيرس Ebers Papyrus (أول بردية كتبت في تاريخ البشرية) وهى احدى البرديات الطبية المصرية التى اعتنت بمعرفة الاعشاب ويعود تاريخها الى 1550 ق.م اللى بدا المنهج التجريبي واضح بشدة في نصوصها.
بحلول منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين Mesopotamia، تطور علم الفلك البابلي Babylonian astronomy اللى بيعد اول الامثلة المعروفة في تاريخ البشرية لعلم الفلك. ووفقا لمؤرخ العلوم والرياضيات الدينماركي آسغر آبو Asger Aaboe في ورقتة البحثية اللى نشرها سنة 1974 “علم الفلك في العصور القديمة Scientific Astronomy in Antiquity” جميع صور علم الفلك اللاحقة سواء في العالم القديم، الهند، العالم الإسلامي، او الغرب هي مجرد جهود أكثر تخصصا قائمة على علم الفلك البابلي بشكل واضح في طرق تحديد مواقع الأجرام وحساب حركاتها. المصريين والبابليين الاوائل طوروا كثير من المعرفة والقواعد الاساسية للرياضيات المستخدمة في جميع العمليات المعرفية المرتبطة بدراسة السماء والنجوم وكذلك الطب، ووضعوا قوائم مختلفة لتصنيف دراستهم، ونتائج ابحاثهم، في حين ان البابليين على وجه الخصوص انخرطوا في الأشكال الاولي من العلوم الرياضية التجريبية في محاولتهم المبكرة لوصف الظواهر الطبيعية رياضيا. لكنهم افتقروا بشكل كبير للطرق العقلانية لفهم الانماط في الطبيعة. الفلاسفة اليونان القدماء شاركوا في الأشكال المبكرة لما يُعرف اليوم بالعلوم النظرية العقلانية، التى ادت الى انتقال نحو فهم أكثر عقلانية للطبيعة، الأمر الذي بدأ في أقل تقديراتنا ما بين 480-650 ق.م. الباحث الفينيقى تاليس Thales أول فيلسوف معروف استخدم التفسيرات الطبيعة الخالصة لتفسير الظواهر الطبيعية، معلنا أن كل حدث له سبب طبيعي، وبهذا يعد رائد المدرسة الطبيعية الاول، بالرغم من تناقل اقوال عنة تشير لاعتقادة في موجودات فوق الطبيعة مثلا في قولة “كل الأشياء مليئة بالآلهة”. ليوسيبوس Leucippus و Democritus من بعدة واصلوا المسار من خلال تطوير النظرية الذرية atomism وجادلوا ان كل الموجودات تتكون من عناصر دقيقة غير قابلة للتجزئة تسمى الذرات. نفس الافكار ظهرت بشكل مستقل بين فلاسفة الهند القديمة في مدارس نايا Nyaya، وفيسيسكا Vaisesika والبوذية Buddhist. وتكونت مدارس معرفية مادية شديدة التشكك في أن الادراك والحواس اساس المعرفة الحقيقية، وان الحقيقة المستدل عليها في الطبيعة دائما ما ستكون محل شك. وقرب منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، كانت هناك بالفعل بعض مكونات التقاليد العلمية راسخة، حتى قبل أفلاطون أحد المؤسسين للتقليد العلمي بفضل مساهمته في تطوير المنطق الاستنتاجي deductive reasoning، أرسطو نقل عن معلمة أفلاطون تدريسة الحساب، علم الفلك، والهندسة. وتحررت الأفكار الفلسفية في هذا الوقت من قيوم الظواهر اليومية والحس السليم.
طريقة أرسطو الاستدلالية الاستقرائية inductive-deductive استخدمت الاستدلال من المُلاحظات لأستنباط مبادئ عامة، والاستنتاج من تلك المبادئ للتحقق من المزيد من الملاحظات، ومزيد من دورات الحث والاستنباط لمواصلة تقدم المعرفة. الأورغانون The Organon هى مجموعة كتب أرسطو في المنطق، أورغانون مصطلح إغريقي يعني الآلة. أتباع أرسطو اطلقوا عليها هذا الاسم لان أرسطو أعتقد أن المنطق هو آلة العلم ووسيلته للوصول إلى الحقيقة. ما بين الأورغانون وكتاب الميتافيزيقا Metaphysics أرسطو قدم ما يمكن أن يسمى بالطريقة العلمية، وقدم بوضوح أحد أهم مكونات التقليد العلمي – التجريبية empiricism – اللى جادل في طرحها أن يمكن معرفة الحقائق الكونية من خلال عملية الحث أو الاستدلال induction. بصورة ما أرسطو حاول التوفيق ما بين الأفكار التجريدية والمُلاحظة في الطبيعية، من المهم اني اؤكد لك ان من الخطأ الاعتقاد ان العلوم الارسطية كانت تجريبية، في الواقع أرسطو لم يقبل المعرفة المكتسبة عن طريق الاستقراء كمعرفة علمية حقيقية. ومع ذلك عملية الاستقراء بالنسبة له كانت تمهيد ضروري للعمل في مجال البحث العلمي لانها توفر المبادئ الاساسية اللازمة للعمل العلمي. واعتبر ان عمل الفيلسوف الطبيعي هو إظهار الحقائق العلمية واكتشاف أسبابها، وبالرغم من ان الاستدلال كان عملية كافية لاكتشاف الكون من خلال التعميم، إلا أنه كان غير كافي لتفسير الأسباب وراء تلك الظواهر! .. أرسطو استخدم الاستنتاج المنطقي deductive reasoning لحل تلك الاشكالية وطرح هذا الاستنتاج المنطقي في صورة أصبحت معروفة في المنطق بالقياس syllogisms. من خلال القياس يمكن للعلماء أن يستنتجوا حقائق عالمية جديدة من الحقائق التي تم تأسيسها بالفعل. أرسطو طور مقاربة معيارية كاملة للبحث العلمي قائمة على القياس المنطقي، الصعوبة في طرحه كانت في إظهار أن الحقائق المشتقة قائمة على فرضيات أساسية قوية وثابتة. لكن في واقع الأمر مازال هناك خلاف حول مدى تجريبية طريقة أرسطو، بالتحديد يبدو انه اعتبر الإدراك الحسي وسيلة للمعرفة من خلال الحدس، وقصر أبحاثه في التاريخ الطبيعي على بنية الطبيعة. وحسب ما توصل الى علمنا أرسطو لم يجرى اى تجارب علمية بالمعنى الحديث للعلوم التجريبية اليوم. لكن بصياغته للبنات الأساسية للعقلانية العلمية أرسطو إلى حد ما أقرب من سابقيه الى العلوم التجريبية.
نشأة التجريبية الاستقرائية Emergence of Inductive Empiricism
خلال العصور الوسطى بدأت معالجة القضايا التى أصبحت لاحقا تعرف بمشاكل العلوم. وكان هناك تركيز كبير على الجمع ما بين النظرية والممارسة العملية في العالم الإسلامي، مقارنة بما كان عليه الحال في العصور الكلاسيكية السابقة عليه، وكان من الشائع جدا في العصر الذهبي للإمبراطورية الإسلامية أن الدارسين للعلم ان يكونوا أيضا من أهل الحرفة والصنعة. الأمر الخارج على المألوف في العالم القديم. العلماء في الدولة الاسلامية غالبا كانوا محترفين في صناعة الأدوات ، الأمر الذى زاد من قدراتهم على على استخدام تلك الأدوات في المُلاحظة والقياس. واستخدم العلماء المسلمين التجربة والقياس الكمي للتفضيل ما بين النظريات المتنافسة ووضعها في إطار تجريبي عام كما كان واضح في أعمال جابر بن حيان Jābir ibn Hayyān الكندي Alkindus. وهكذا تدريجيا بحلول القرن الحادى عشر ظهرت العديد من الأساليب العلمية من العالم الإسلامي في العصور الوسطى والتى أكدت جميعها على التجريب والقياس الكمي بدرجات متفاوتة. في الحقيقة الأمثلة كثيرة ومتعددة على تجريبية العلماء المسلمين في العصر الذهبي ومن صعب حتى عدها سريعا، لكن على سبيل المثال أحد الامثلة المُهمة هو كتاب المناظر المكون من سبع مُجلدات في مجال البصريات، الفيزياء والرياضيات الذي ألفه العلامة العالم المصرى الحسن ابن الهيثم في مصر وهو تحت الإقامة الجبرية بين عامي 1011 و 1021 والذى يعد علامة فارقة في تاريخ تطور علم البصريات.و وضع أسس البصريات الفيزيائية الحديثة بعد أن غير جذرياً طريقة فهم الضوء ورؤية الأشياء وفي العلم بشكل عام وُضِعت مقدمة في المنهج العلمي التجريبي كنتيجة لذلك. وُصِف ابن الهيثم “بأبي الفيزياء الحديثة” و”رائد المنهج العلمي الحديث” ومؤسس “الفيزياء التجريبية”، ووصفة البعض بـ”العالم الأول” للأسباب التالية: صُنف هذا مع كتاب إسحاق نيوتن فلسفة المبادئ الرياضية الطبيعية كأكثر الكُتب تأثيراً في علم الفيزياء وأكبر عامل في تطوير علم البصريات والإدراك البصري. ابن الهيثم جمع في كتابه بين الملاحظات، التجارب، والحجج المنطقية لدعم نظريته في التطفل في الرؤية intromission theory of vision، التي جادل فيها أن أشعة الضوء تنبعث من الأشياء وليس من العيون. واستخدم حججا تجريبية ومنطقية لإظهار أن نظرية الانبعاث القديمة للرؤية التى دعمها كل من بطليموس Ptolemy و إقليدس Euclid والتى جادلا فيها أن أشعة الأبصار تنبعث من العين. وكذلك طرح تجارب عملية ومنطقية لدحض نظرية الانخراط القديمة التى دعمها أرسطو Aristotle ورأى فيها أن الاشياء ينبعث منها جزيئات مادية دقيقة جدا تتجة الى العين تسبب الرؤية. الادلة التجريبية التي طرحها ابن الهيثم في كتابه للبصريات دعمت جميع أطروحاته النظرية، وأسست لنظرياتة عن الرؤية، الضوء، واللون. وفي الحقيقة ابن الهيثم نظر الى دراساته العلمية على أنها بحث عن الحقيقة، فالحقيقة مطلوبة فقط لذاتها! .. ابن الهيثم خمن في أعماله بأن الضوء ينتقل عبر أجسام شفافة في خطوط مستقيمة فقط، وتمكن من تأكيد تلك الفرضية بعد سنوات مضنية من البحث التجريبي. وكتب ان حال إجراء تجربة يلاحظ فيها دخول الضوء من خلال ثقب الى غرفة مظلمة سيكون مسار الضوء مستقيما كما يبدو واضحا في انعكاسه على الغبار الذي يملأ الهواء. وقام بإجراء تجربة بوضع عصا مستقيمة وخيط مستقيم مشدود بجوار شعاع الضوء لإثبات فرضية. كما استخدم ابن الهيثم الشك العلمي وأكد على الدور الجوهري الذي تقوم به التجربة في التوصل للحقيقة. وشرح دور الاستنباط induction في عملية القياس المنطقي syllogism. وانتقد أرسطو لانة لم يساهم في طريقة الاستنباط المنطقي التى رأى ابن الهيثم انها متفوقة على طريقة القياس المنطقي التى أسهب أرسطو تفصيلها والاعتماد عليها. واعتبر ان الاستدلال هو شرط أساسي في عملية البحث العلمي الحقيقي. أيضا لو دققت النظر في ثنايا كتاب المناظر لابن الهيثم ستجد بدايات مبكرة لفكرة شفرة أوكام Occam’s razor قبل أوكان بقرون. على سبيل المثال بعد إثباته أن الضوء يتولد عن الأشياء المضيئة وينبعث منها أو ينعكس في العينين، يجادل ابن الهيثم ان فكرة انبعاث الاشعة البصرية من العين تصبح فكرة زائدة عن حاجة التفسير ولا فائدة منها! … بعض مؤرخي العلم ذهب أيضا الى أن ابن الهيثم قد يعد أول أوائل علماء الوضعية positivism في تاريخ البشرية، لانة جادل بوضوح في المناظر بأننا معرفتنا الحق لايمكن ان تتخطى حدود تجربتنا ولا يمكن أن نقيمها فقط على المفاهيم والمبادئ النظرية عندما نحاول فهم الظواهر الطبيعية، والرياضيات هى عمود العقل في صياغة المُلاحظة والتجربة. وفي الحقيقة ابن الهيثم كان أحد العلماء المسلمين القلائل الذي طبق مبادئه الفلسفية على عملة العملي. فبعد افتراضه أن الضوء هو مادة توقف عن طرح نظريات أو مناقشات متعمقة في طبيعته لان الادوات التجريبية لم تتوفر في عصره لهذا البحث، بل حصر تحقيقاته في حركة الضوء وانتشاره، وأخذ في الاعتبار فقط خصائص الضوء التي يمكن دراستها بالهندسة والتحقق منها بالتجربة!
مثال أخر مضئ من العصر الذهبي للدولة الإسلامية في القرون الوسطى، هو العالم الفارسي أبو ريحان البيروني Abū Rayhān al-Bīrūnī الذى طور أساليب علمية مبكرة للبحث العلمي في مجالات علمية مختلفة ما بين سنة 1020 و 1030. على سبيل المثال لا الحصر أطروحاته حول علم المعادن في كتابه الخالد الجماهر في معرفة الجواهر. والبيروني يعد أدق العلماء التجريبيين التي عرفتها الانسانية. وطور طريقة تجريبية مبكرة في علم الميكانيكا. وفي الحقيقة أساليب البيروني تشبة المنهج العلمي الحديث بطريقة ملفتة للنظر، خصوصا في تأكيده على ضرورة التجريب المتكرر، واهتمامه الشديد بمنع الأخطاء المنهجية والتحيز عن المُلاحظة مثل الأخطاء الناجمة عن استخدام أدوات صغيرة والأخطاء البشرية المُرتكبة عند المُلاحظة. وجادل أن لو كان من الجائز أن تتسبب الأدوات في حدوث أخطاء بسبب عيوب فنية أو أخطاء صناعية إذن لابد من أخذ ملاحظات وقرائات متعددة وتحليلها نوعيا وعلى هذا الاساس نصل لقيمة فردية منطقية للثابت المطلوب. في الحقيقة البيروني كان نموذج حي لعقلية العالم الحديث عامل ومنتج في العصور الوسطى، وعدة الكثير من الدارسين العرب والغربيين كأعظم العقول العلمية التى عرفها التاريخ كما أشار المستشرق الألماني إدوارد ساخو Eduard Sachau 1887. وذهبت د. يمنى طريف الخولي في كتابها المُهم “بحوث في تاريخ العلوم عند العرب” إلى أن البيروني قد وضع يده على مفتاح العلم … “فالمنهج هو دماء حياة العلم والقوة المثمرة الوَلود إياه. النظريات قد يرسو بها المطاف في متاحف التاريخ. أما المنهج — أسلوب البحث المنضبط حين يتبلور — فإن تطبيقه يؤدي إلى النتائج تلو النتائج فيُصَحِّح بعضُها بعضًا ويفوق سابقَها لاحقُها، ليذوي هذا السابق، ومع توالي الممارَسات المنهجية يُصْبِح هذا اللاحق بدوره سابقًا يومًا ما، وهكذا دواليك … “
وأخيرا الشيخ الرئيس ابن سينا Avicenna (Ibn Sina) في عملة الخالد كتاب الشفاء الذي نشره سنة 1027 ناقش فلسفة العلوم ووصف طريقة مبكرة للبحث العلمي. ويمكن من أهم النقاط التي ركز عليها ابن سينا في بحثة هو الاجراءات المناسبة للبحث العلمي وكيف يكتسب المرء المبادئ الأولى للعلم؟ .. وتسائل كيف يمكن للعالم أن يجد البديهيات الأولية أو فرضيات العلم الاستنتاجى دون استنباطها من بعض المبادئ الأساسية؟! .. وفسر أن عند أدراك الفرد لأن العلاقة بين المصطلحات قد تتيح يقين مطلق للمعرفة. وأضاف طريقيتين أخريين لإيجاد المبادئ أو البديهيات الاولي، الاولي هي الطريقة الأرسطية للاستقراء induction والطريقة الحديثة هي الفحص والتجريب. وأنتقد ابن سينا الاستقراء الأرسطي بحجة انه لا يؤدى إلى المطلق والكوني. ودعا الى طريقة التجريب كوسيلة البحث العلمي الحق! .. وفي كتابه السابق القانون في الطب نشرة سنة 1025 كان ابن سينا أول من وصف أسس الاتفاق والاختلاف التي تعد ضرورية للمنطق الاستقرائي والطريقة العلمية.على العكس عن الطريقة العلمية لمُعاصرة البيروني الذي رأى أن الثوابت من الممكن الحصول عليها من خلال العمل العلمي التجريبي فقط، وان النظريات يمكن صياغتها بعد الاكتشافات فقط .. ابن سينا وضع إطار عمل علمي فيه الاسئلة العامة والكونية جاءت في المقام الأول وقادت العمل التجريبي في المقام الأول! ونظرا للفرق الجوهري في طريقة البحث العلمي فيما بينهم أشار البيروني إلى نفسة كعالم رياضيات وابن سينا كفيلسوف خلال أحد المراسلات بين هلالين الحادة والعنيفة في بعض الاحيان التى دارت بينهم لفترة من الزمن، تفاعل فيها البيروني مع عقلية الشيخ الرئيس الموسوعية حتى عزف ابن سينا عن مُواصلتة، لكن هذة قصة لمرة أخرى.
التجريبية الطبيعية والواقعية العلمية Naturalistic Empiricism and Scientific Realism
في جولتنا الفلسفية عبر دروب فلسفة العلم مررنا بقرن من الزمان تقريبا من المفكرين، والعلماء، المدارس، و العديد الأفكار الفلسفية. لكن هناك 3 أفكار رئيسية خيمت على رحلتنا. التجريبية empiricism، الطبيعية Naturalism، والواقعية العلمية Scientific Realism. وكما رأينا الصور الثلاث لها ما لها وعليها ما عليها، من المؤيدين، الداعمين، المراقبين، والناقدين. وكلا منها بدأ بطرح ادعاء قوى انها قادرة على طرح تفسير كامل لتفسير الطبيعة والواقع في مجملة.لكننا لم ندرس إمكانية طرح تكاملى ما بين الأفكار الثلاثة! .. لكن كيف من الممكن وضع تلك النظريات الثلاثة في تكاملية في حين أن بعضها ان لم تكن كلها تتضارب في كثير من جوانبها مع بعضها البعض. المدرسة التجريبية تاريخيا ادعت أن مصدر المعرفة الوحيد عن العالم والوجود هو التجربة. أما المدرسة الطبيعية ادعت ان الامل الوحيد لحل الإشكاليات الفلسفية بما في ذلك المشكلة المعرفية هو من خلال وضعها في إطار علمي طبيعي. أما الواقعية العلمية ادعت أن العلم قادر على وصف هيكل وبنية الواقع بما في ذلك التركيبات الخفية الغير مُدركة بالحواس. ياترى فين المشكلة في وضع تلك الأفكار الثلاثة في صورة نظرية واحدة لتفسير الواقع؟! .. في غالب الاشكالية قابع على جانب المدرسة التجريبية. زى ما شفنا في حلقة (إشكالية المنطق و التجريبية) الإشكالية الكبرى اللى واجهت التجريبية هو أن كل محاولات تفسير الواقع فقط من خلال التجربة قابلتها صعوبات وتبعيات كان من الصعب التعامل معها. الصورة التقليدية للمدرسة التجريبية بشكل خاطئ تصورت ان العقل حبيس خلف حجاب الافكار والاحاسيس، إن كانت التجربة الحسية هى كل نملك للوصول للواقع. كيف من الممكن أن نكشف الأفكار الخادعة المُكونة في عقولنا عن الواقع. في أقصى الصور تطرفا من المدرسة التجريبية أُعتقد ان اى شئ خارج نطاق التجربة الإنسانية غير مطروح بالمرة كمصدر للمعرفة. لكن حتى في الصور الاكثر اعتدالا من الصعب تفسير كيف من الممكن أن تدعم المدرسة التجريبية نظرية علمية قائمة على وجود تركيبات أو كائنات غير مُدركة بالتجربة. وبالتالي الصورة العامة للمدرسة أصبحت أن العلم مهتم فقط بملاحظة الأنماط المُلاحظة بالتجربة. وفي العقود الاخيرة هناك حالة من الاحتدام اشتعلت ما بين أتباع المدرسة التجريبية والواقعية العلمية معروفة في أدبيات فلسفة العلم ب ” نقص إثبات النظرية بالدليل the underdetermination of theory by evidence” التجريبيون بيجادلوا ان دائما ما سيكون هناك عدد من النظريات البديلة متوافقة مع الادلة المطروحة على صحة نظرية ما. وبالتالي لن يكون لدينا ابدا ارضية تجريبية لتفضيل نظرية ما على أخرى واعتبارها انها تمثيل حقيقي للواقع. وان لم يكن لدينا ارضية تجريبية لتبرير لماذا نظرية ما هى الادق والاصح في تمثيل الواقع بالتالي لايوجد لدينا ارضية بالمرة! .. المدرسة التجريبية أيضا ليست على وفاق مع المدرسة الطبيعية، بالنسبة لكثير من التجريبيون بما اننا قادرين فقط على الوصول لأفكارنا وتجاربنا الفردية إذن لابد وأن تكون تلك نقطة البداية عند تكوين اى نظرية فلسفية للمعرفة. لكن الطبيعيين يجادلوا ان دى فكرة غير جيدة. هذا بالإضافة لان فلاسفة الطبيعية جادلوا أن الأفكار التجريبية ماهي الا مجموعة من التخاريف لان بالنظر لطريقة عمل العلم في الواقع من غير الممكن الاعتماد على التجربة فقط للفصل ما بين الأفكار والنظريات العلمية، ده غير ان التجربة ليست عامل مُحايد من وجهة نظرهم زى ما شفنا في جدلية المُلاحظة المُحملة بالنظرية theory-ladenness of observation (أرجع لحلقة إشكالية العلم). وأخيرا بالرغم من أن العلاقة أفضل كثيرا ما بين المدرسة الطبيعية والواقعية العلمية، كما توقعت. لان من غير المنطقي ان تكون رؤيتك طبيعية للوجود والواقع ولا تعتنق رؤية علمية لتفسيرة أفضل الطرق البشرية لمعرفة الطبيعة والواقع. الا ان هناك بعض الأصوات داخل عباءة المدرسة الطبيعية تدعو لهجر الخرافة الداعية ان العلم على صلة مباشرة بالواقع!
التجريبية الإصلاحية Reformed Empiricism
التجريبيون زى ما شفنا بيتعاملوا مع العقل على أنه محجوز خلف حجاب الأفكار في وصوله لحقيقة العالم. الاحاسيس، والمشاعر، والأفكار بتمنع العقل من الوصول لحقيقة العالم وبدلا من هذا تخلق صورة افتراضية. لكن هناك عدد من الفلاسفة الان بيعتقد ان تلك الصورة غير دقيقة، ومن السهل ان نقع في فخها عند التفكير بشكل عام في دور التجربة تشكيل معتقداتنا، أو بشكل محدد حول دورها في العلم. والفكرة دى من السهل تتبعها في فلسفة العلم، فيها الواقع ذو وجهين، وجهة التجربة وعالم المحسوسات، و الوجهة النظرى الغامض البعيد عن المحسوسات. كيف اذن من الممكن ان نحدد دور التجربة في العلم، ان كان هناك وجهة غير محسوس او قابل للاكتشاف من خلال التجربة. في الرؤية الطبيعية، البشر كائنات بيولوجية في عالم فيزيائى تطورنا كي تتعامل معة. كل صور الحياة البشرية بما في ذلك الصور الاجتماعية المعقدة والمتشابكة منها قائمة على درجة ثابتة من التفاعل السببي مع البيئة المحيطة بنا. سواء من الآليات الابصار، للسمع، للحس،الخ من الآليات اللى بنعتمد عليها لتنظيم عملية التعامل مع الطبيعة. الآليات دى بتستجيب لصور مختلفة ومتعددة من المحفزات اللى بتسببها الأشياء، الكائنات، والأحداث في الطبيعة. داخليا من المستحيل اننا نقدر نصل لليقين في المعرفة المكتسبة عن طريق حواسنا، لكن من الممكن اننا نضع تصور لكيفية عمل تلك الاليات وكيف تساعدنا في الوصول لصورة من المعرفة عن الواقع. حتى الان الفرضية ليس لها علاقة بالعلم او حتى البشر بشكل محدد، الادعاء عام بالنسبة لجميع الحيوانات بل صور الحياة بشكل عام، انها بتستخدم الاليات البصرية للتكيف مع البيئية المحيطة. لكن الفكرة البسيطة والبديهية دى قد تكون كافية لتجنب إشكالية الوصول لحقيقة العالم. من الجائز ان لابد لنا ان نتجتنب رؤية العالم كصورة مزدوجة من المحسوسات والمجردات! .. آليات الاحساس بتعطينا جسر للتفاعل مع الواقع، وصولنا للواقع من خلال الافكار والنظريات في واقع الامر هو نوع من التفاعلات السببية المركبة والمعقدة مع الواقع. ومع تطور اليات تفاعلنا مع الواقع من خلال التطور التقني والعلمي يتزداد قدرتنا على الاتصال بالواقع والمعرفة اللى بنكتسبها رقعتها تتسع، وبالتالي اجزاء من الواقع والطبيعة في وقت ما ستكون قدرتنا على الوصول لها محدودة وبالتالي الاستنباط الغير مباشر هو احد افضل السبل لوصفها والتعامل معها حتى تطور الاليات ادراكنا. يعنى مثلا الجراثيم في وقت ما كانت نظرية تقع تحت الجانب الغير مُدرك او المجرد في معرفتنا عن الواقع، لكنا مع تطور اليات الادراك اصبحت تلك المعرفة مدركة وانتقلت للجانب المدرك او الحسى من المعرفة البشرية.
فكر مرة تانية في إشكالية ” نقص اثبات النظرية بالدليل the underdetermination of theory by evidence”، التجريبيين كانوا دائما في قلق من فكرة أن دائما ما ستكون هناك نظرية اخرى بديلة منافسة تصف المُلاحظات في الطبيعة وبالتالي دائما ما سيكون هناك نقص إثبات. لو القلق ده مُبرر، كيف من الممكن ان يكون عندنا امل في الوصول لمعرفة حقيقة للأجزاء الغير مُلاحظة من الواقع؟ .. نفس المشكلة قائمة مع الكائنات القابلة للمُلاحظة، آليات الاحساس لدينا هي الاساس في صنع الأحكام المعرفية حول الأشياء في الطبيعة بل والواقع نفسة بالرغم من أن تلك الآليات تتأثر فقط بالمُحفزات المُباشرة كالصوت والضوء مثلا. من حيث المبدأ دائما ما سيكون هناك، تصورات بديلة للكائنات والأشياء في الواقع بالرغم من تلقيها من خلال نفس المُحفزات، اى ان نقص الإثبات دائما ما سيكون موجود. وبالرغم من هذا سنكون دائما قادرين على صنع حكم حول طبيعة الواقع وحقيقته من خلال تلك الآليات! .. وبدراسة آليات الإدراك الحسي بشكل علمى كلما تطورت التقنيات والآليات العلمية، من الممكن أن تتأكد من درجة الموثوقية في الأحكام الصادرة عن تلك الآليات. نفس الفكرة من الممكن تطبيقها على الاستدلال وآليات صنع النماذج في العلم نفسه. بداية بالتساؤل ماهى درجة الثقة في المعرفة التى من الممكن تحقيقها، باستخدام الآليات المختلفة للاستدلال وصنع النماذج.التركيبات، والكائنات المستنبطة التي لا يمكن الوصول اليها الا من خلال بناء النماذج التخمينية، مع مرور الوقت يصبح من الممكن التوصل اليها ودراستها تصبح روتينية. على سبيل المثال التركيبات الجينية للكائنات الحية، ظلت لفترة طويلة رهينة النماذج التخمينية النظرية، وكان من غير الممكن الوصول اليها او إدراكها بالحواس، لكن مؤخرا من خلال تقنيات تسلسل الحمض النووى DNA sequencing technologies اصبح من الممكن إدراكها وأصبحت دراستها روتينية في العلم. التغير الدائم لتلك الحدود ما بين ما يمكن ادراكة وما لايمكن ادراكة، من الممكن النظر الية كآلية تقييم لأداء العملية العلمية وادواتها بشكل عام. لان من الممكن ان نعود للنماذج التى تم تطوريها عندما كانت تلك الكائنات غير مدركة ونعيد تقيمها، وبشكل عام تحديد المبادئ التى قادتنا لنماذج جيدة وتجنب الطرق والاليات التى قادت لنماذج غير جيدة او لم تنجح في وصف الواقع بدقة. مثلا مبدأ تفضيل النظريات الابسط، هل فعلا يقود الى خيارات جيدة تصف الواقع بدقة كما يدعى غالب الفلاسفة والعلماء؟ .. القاعدة التى ستقوم عليها عملية تقييم الاليات والطرق بالضرورة ستكون قائمة على دراسة وفهم تاريخ العلم. لان من خلال تلك الدراسة نستطيع تأمل عمل الطرق والمبادئ المختلفة ونتائج اعتناق العلماء والهيئات البحثية لها. الامر اللى اتمنى ان يكون كان واضح بالنسبة لك من خلال حلقات فلسفة العلم، تقريبا بدون إستثناء كل الأفكار والنظريات الفلسفية حول العلم وطريقة عملة وآلياته زى بوبر وكوهن، قائمة على دراسة تاريخ العلم نفسه.
لكن ياترى ما هو الأمر المميز في العلم نفسه؟ .. البشر في مجموعها تشترك في نفس وسائل الاتصال بالواقع كنتيجة طبيعية لاشتراكها في نفس الطبيعة البيولوجية لكن بالرغم من هذا هناك فروق جذرية في كيفية البحث عن حقيقة الواقع وطبيعتة ما بين الافراد بل وحتى الجماعات البشرية المختلفة. بالرغم من أن كل البشر تتشارك في نفس آليات التفكير (المخ)، وآليات الادراك (السمع، الشم،الابصار، الخ)، الا ان هذا لا يمنع اختلافهم جوهريا في تكوين معرفتهم حول العالم. أحد المناطق الأساسية في الاختلاف هي الأفكار الكبرى، النظريات الكبرى، والفرضيات التفسيرية للعالم!، على العكس مثلا من الطريقة اللى بيتعاملوا بها في حياتهم اليومية! .. من الجائز أن التركيب البيولوجي المُشترك ما بين البشر بيدفعها ان تكون عملية وبراجماتية في تأمين الاحتياجات الأساسية المسكن، الشراب، الطعام، الخ. لكنة هذا التركيب غير ناجح في وجود نظريات تفسيرية مشتركة حول موقعنا في الوجود. احد الرؤى الاختزالية التبسيطية للعلم التى اعتقد انها ناجحة الى حد كبير في فهمة، هو النظر إليه كإستراتيجية strategy .. تحت هذا المفهوم العلم هو استراتيجية لعرض الافكار والاشكاليات النظرية الوجودية الكبرى على آلية اختبار من خلال المُلاحظة والتجربة. تلك الآلية ليست مفروضة علينا بالطبيعة البشرية كالاليات البيولوجية، زى اللغة، أو قواعد المنطق الأساسية، او حتى قوانين الفيزياء الطبيعية. لكنها إستراتيجية اختيارية. الأفراد، الجماعات، الثقافات، والشعوب المختلفة تلجأ لها في محاولة للوصول الى اتفاق حول الأفكار والنظريات الكبرى. تلك الإستراتيجية العلمية تتمثل في تفسير الأفكار ، ودمجها في الأطر المحيطة (البشرية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الخ) ، وتطويرها ، بحيث يتم البحث عن التجربة حتى في حالة الفرضيات الأكثر عمومية وطموحًا حول الكون. وجهة النظر العلمية هذه هي نوع من التجريبية. لو فاكر في الحلقة الاولي من سلسلة فلسفة العلم (إرجع لحلقة إشكالية العلم) .. طرحت عليك تعدد إستخدام وتفسير مُصطلح “العلم” .. هناك صور متشعبة ومتعددة لمصطلح العلم بمفهومه الضيق والواسع.من الممكن رؤية فكرة العلم كإستراتيجية كمفهوم واسع للعلم على النقيض من الطرق المحددة لعمل تلك الاستراتيجيات كمفهوم ضيق للعلم.بشكل عام العلم ماهو الا استراتيجية تقييم الأفكار البشرية الكُبرى من خلال عرضها على التجربة. لكن الثورة العلمية وما تبعها طورت طريقة محددة للقيام لتطبيق الاستراتيجية وتنظيم الجماعات البشرية والهيئات الاجتماعية حولها. مُصطلح العلم قد يستخدم ايضا في مفهومه الضيق للإشارة لتلك المنظومة الاجتماعية social organization. بداية المفهوم الواسع للعلم كإستراتيجية لعرض الأفكار البشرية الكبرى على التجربة، من الممكن لأي شخص بمفردة أن يطبق تلك الاستراتيجية، مثلا قد يقوم الفرد بوضع برنامج خاص محدد لوضع فرضيات معينة في مجال محدد وتقييم تلك الأفكار من خلال الاختبار والمُلاحظة. وقد يدير الفرد حوار خيالي داخلى ما بين مؤيد ومعارض للفرضية. هذا الفرد يرفض الثقة في الحقيقة المنقولة من الآخرين، ويحاول الاقتراب من الحقيقة قدر المُستطاع مُعتمدا فقط على تجربته الخاصة. هذا الفرد يُدرك الواقع من خلال إستراتيجية معرفية قائمة على الفرضية، الاختبار والمُلاحظة .. أو ببساطة إستراتيجية علمية! .. هذة طريقة ممكنة لتطبيق الاستراتيجية العلمية، لكن بدون شك بعيدة كثيرا عما يحدث في الواقع. الواقع الذى تم صياغته وتشكيله بعد الثورة العلمية الحديثة وما تبعها في نهايات القرن السادس عشر. لو هدفنا هو فهم تلك الاستراتيجية، بالتالى لابد لنا من التركيز على تطور وتركيب المنظومة الاجتماعية لتطبيق تلك الاستراتيجية العلمية.
الهيكل الاجتماعي للعلم The Social Structure of Science
السمات المميزة للعلم كهيكل إجتماعى من الممكن فهمها من خلال بُعدين أساسين. الأول زمني حول منظومة العمل في توقيت معين، العلم طور نظامًا للمكافآت وثقافة داخلية تولد مزيجًا فعالًا من المنافسة والتعاون، وتقسيمًا مفيدًا للعمل العلمي عبر الطرق والأجزاء المختلفة لحل مشكلة ما. العلم من الممكن رؤيته بمفهومه الضيق كهيكل اجتماعي فعال قادر على تنظيم طاقات الأفراد المختلفين للعمل بشكل فعال للأجابة على التساؤلات الكبرى. البُعد الثاني يتعلق بعملية نقل الافكار ما بين الأجيال المختلفة العاملة تحت هيكل المنظومة العلمية. السمة الجوهرية والواضحة جدا في هذا البعد هو أن العمل العلمي تراكمي cumulative. كل جيل يبنى على عمل الأجيال السابقة. إسحاق نيوتن وصف الأمر مرة ببلاغة قائلا إن العاملين في الحقل العلمي الآن واقفين على أكتاف العلماء السابقين. كى تعمل تلك المنظومة بسلاسة وكفائة لابد من وجود طريقة موثوقة لنقل الأفكار عبر الأجيال بالإضافة لمنظومة مكافأة تجعل من المُجزى للعلماء ان يُكملوا عمل السابقين عليهم. داخل هذا الهيكل الاجتماعي للعلم، الحوار ما بين المؤيدين والمعارضين لفرضية ما يصبح ممكن وحقيقى وليس خيالا كما في حالة تطبيق الفرد لإستراتيجية العلم. والمنظومة العلمية وضعت طرق وآليات اجتماعية من الممكن أن نثق في الاعتماد عليها للتأكيد من الفرضيات ورفض الأفكار الغير علمية. وبالتالي بالاضافة لطريقة عمل العلم التخمينية في وضع الفرضيات يصاحبها آلية تصحيح وتقييم داخلية. من خلال تلك الآليات من الممكن لاى فرد، حتى المتشككين في العلم، هدفه، وآلياته نفسها من العمل داخل المنظومة بمرونة تامة طالما قبلوا العمل تحت تلك القواعد. الأمر اللى قد يفسر مثلا عمل بعض العلماء ذوي المعتقدات الدينية التى قد يتضارب بعضها مع بعض النظريات العلمية داخل تلك المنظومة، بل ويحققون نجاحات داخل منظومة العلم بسبب قواعدها وهيكلها الاجتماعي. المنظومة الاجتماعية للعلم، أظهرت اتزانات استثنائية أدت لتميزها ونجاحها . أولها الاتزان ما بين المنافسة ما بين المنافسة competition والتعاون cooperation. اتزان آخر ما بين النقد criticism والثقة trust الأمر الذى كان جلي الوضوح في أعمال توماس كوهن حول تحول النماذج الفكرية، اللى اعتقد بوجود علاقة فعالة فريدة من نوعها ما بين النقد والثقة في العلم. فكرة “الاتزان” ودلالاتها قد يتشكك فية البعض، بل وقد يدفع البعض للشك في المنظومة في مجملها. وصف هذا الاتزان ما بين المنافسة والتعاون، النقد والثقة بالاستثنائية يضفي نوع من التوقير لهذا الاتزان. لكن لماذا نحن على يقين من أن الحالة الراهنة جيدة؟ كيف نعرف أننا لا نستطيع أن نحسن أداءنا من خلال تغيير التنظيم الاجتماعي للعلوم؟ .. لكن كما رأينا الفيلسوف الاسترالي بول فيربيند Feyerabend أعتقد ان العلم فقد هذا الاتزان في العقود الاخيرة خصوصا الاتزان في العلاقة ما بين التخيلي والحقيقي (أرجع لحلقة ما بعد الثورات العلمية) .. على أى حال بُعدى المنظومة الاجتماعية للعلم من حيث تنظيم العلم زمنيا وعبر الاجيال، كانوا جوهر تمييز المنظومة العلمية، لكن هل كان هناك تحولات معينة أوصلتنا لهذين البعيدين؟ اما انهما تطورا تدريجيا؟ هل تطورا بشكل مستقل؟ او معا؟
الهيكل التراكمي للعلم The Cumulative Structure of Science
الهيكل التراكمي The cumulative structure للعمل العلمي في واقع الأمر قديم في بعض المجالات لكنة حديث العهد في مجالات أخرى. وقد يكتسب ويفقد جزئيا في بعض الأحيان. ثلاثية الفيلسوفان الانجليزيين تولمان و جودفيلد المكونة من ( نسيج السماوات Fabric of the Heavens ، بنية المواد The Architecture of Matter ، واكتشاف الوقت The Discovery of Time) اللى نشروها في الفترة ما بين 1962 و1967 حول تاريخ العلم والأسس والمفاهيم الكامنة وراء الأفكار العلمية وتطورها (ثلاث كتب أنصحك بشدة أن تضعها على قائمة الكتب التي يجب أن تقرأها إن كنت دارس او مهتم بالمجال) .. وصفوا تطور الأفكار حول الكون من العصور القديمة للعصر الحديث كهيكل تراكمي يُكتسب ويُفقد في بعض الأحيان! .. خط بحثي او علمي معين قد يبدأ مع مدرسة فكرية معينة في مدينة معينة أو موقع معين، ثم يتراجع مع الوقت ويختفي ويستبدل بتتابع من أفراد عاملين بشكل مستقل على نفس الأفكار، عادة ما يعيدوا اختراع العجلة مرات ومرات عديدة، لكن تدريجيا هذا النمط الغير منظم من العمل العلمي في العصور القديمة اُستبدل بنمط تراكمي. في الحقيقة الجمعية الملكية في لندن the Royal Society of London في منتصف القرن السابع عشر لعبت دور محوري في تكوين الاتزان ما بين التعاون والمنافسة بخلق ثقافة عمل تحكمها روح النقد العلمي الموضوعي وشبكة ثقة للأفراد المقبول منهم النقد. لو اعتبرنا ثقافة العمل الجديدة دى كانت أساسية وجوهرية للعلم ومنظومته، تصبح المغامرات والشطحات العلمية في بداية الثورة العلمية زى جاليليو قليلة الاهمية من حيث تأثيرها على طريقة عمل منظومة العلم الحديثة! .. الخيمياء alchemy أحد الفروع القديمة للفلسفة الطبيعية نشأت في مصر الرومانية في القرون الأولى ومارست في أوروبا، أفريقيا، وأسيا. الخيمياء كانت سابقة على علم الكيمياء chemistry الحديث. وتأثيرها كان واسع النطاق حتى نهايات القرن السابع عشر. وكانت مزيج من الممارسات العملية قائمة على وصفات مفصلة ومجموعة من النظريات العجيبة التى بدت كالسحر في كثير من الأحيان (مثلا الصخور كانت تنمو كالكائنات الحية، أو التفاعلات الكيميائية كانت تتأثر بالعلاقة بين الكواكب والنجوم، الخ) . الخيمياء كانت تجريبية في كثير من ممارستها، والنتيجة قادت معظم العاملين فيها. لكن عمل الخيميائيين كان مُنظم بطريقة تعارضت مع طريقة عمل منظومة العلم الحديث! .. الخيمياء كانت عادة ما بتتم كطقوس سرية، المعرفة لم تكن مُتاحة بشكل علنى على نطاق واسع، الثقافة الحاكمة كانت مغلقة والتواصل كانت محكوم ومحدد على دائرة معينة. الأمر اللى كان راجع جزئيا للطبيعة الشبة باطنية الغامضة للمجال، وأيضا جزئيا إلى الأمل في الحصول على فوائد مالية ضخمة من خلال إيجاد طريقة لتحويل المعادن الأخرى إلى ذهب. إلى أن قام الفيلسوف الطبيعي، الكيميائي والفيزيائي الأيرلندي روبرت بويل Robert Boyle عضو الجمعية الملكية بلندن وأحد مؤسسي علم الكيمياء الحديث، وأحد أهم رواد التجريبية العلمية الحديثة بطرح طريقة عملة المناقضة والمنافسة للخيمياء والقائمة على التعاون المفتوح، التي أسست بداية ثقافة علمية جديدة تجنب السرية، والدوغمائية المدرسية.
تحديات المدرسة التجريبية Challenges of Empiricism
هل هناك مكان للتجريبية؟ لو فاكر من حلقة هيكل الثورات العلمية. توماس كوهين جادل ان العلم لا يمكن وصفه من خلال اى معادلة تجريبية بالمرة، لأن العلم آلة أكثر تعقيدا من اى صور تخليتها المدرسة التجريبية الكلاسيكية. الافكار التى لم تكن فقط غير واضحة او مكتملة، لكنها أيضا خاطئة. رؤى فلاسفة التجريبية لم تقم على اى صورة قادرة على وصف الاتزان المعقد الموجود في العمل العلمى، خصوصا الاتزان الموجود في المنظومات العملية الاجتماعية. فلاسفة التجريبية قد يتفقوا مع كوهين في هذا التوصيف حول الطبيعة المعقدة للعلم، لكنهم هيجادلوا ان الافكار الاساسية للتجريبية قادرة على توصيف السمات الجوهرية في العملية العلمية. لكن من وجهة نظر كوهين والناقدين للتجريبية، الاطروحة بالكامل قائمة على صورة مبسطة غير واقعية للمعرفة وآليتها. عادة ما بيتم تخليص الفكرة التجريبية في ان “مصدر المعرفة الوحيد هو التجربة” .. لكن ماهو ياترى المقصود بمصدر هنا؟ .. هل هناك مصدر واحد للمعرفة؟ .. ام مصادر متعددة؟.. وهل هناك طريقة واحدة ام عدة طرق للوصول لهذا المصدر؟! .. تخيل ان من الممكن ان نثبت ان العملية العلمية من الممكن تفسيرها من خلال الاتزان ما بين المنافسة والتعاون وما بين النقد والثقة، لو فعلا أصبحت تلك الأطروحة الطريقة التي نفهم بها العلم، هذا الطرح لم يكن اى شئ من قريب أو بعيد تم طرحه داخل إطار المدرسة التجريبية. لكن توصيف طريقة عمل العلم أمر وثيق الارتباط بموضوعية العلم. سؤال هل المعرفة العلمية موضوعية؟ .. محورى فى أى مناقشات فلسفية، أو اجتماعية داخلية العلم. لو فاكر فى الحلقة الأولى من السلسلة جادلت انى هحاول قدر المستطاع تجنب استخدام فكرة الموضوعية لانها غير واضحة أو محددة وفي كثير من الاحيان قد تقود لفهم خاطئ لطبيعة العلم. مثلا في بعض الأحيان عندما يستخدم الناس مصطلح الموضوعية بيكون عندهم فكرة غير واضحة المعالم حول التأثير الجيد والسيئ للمعرفة الموضوعية على معتقداتهم. التأثيرات الموضوعية في مقابل التأثيرات النسبية، حيث الموضوعية أكثر محايدة وتتجنب الانحياز الذاتي تجاة بعض الافكار. من الجائز أن الموضوعية هي مصطلح يستخدم للإشارة إلى مجموعة من المفارقات الغير محددة للتفريق ما بين طريقتين لتشكيل المعتقدات، طريقة بعيدة عن النزعات، الأهواء والميول الذاتية، وطريقة مدفوعة بتلك الرؤية الذاتية. وفي بعض الاحيان الاخرى مصطلح الموضوعية يستخدم للتعبير عن فكرة مختلفة تماما، للإشارة لفكرة ميتافيزيقية. بعض الأشياء لها وجود موضوعي مستقل عن المتلقى في مقابل الوجود النسبي المعتمد على المتلقي. هل الارقام لها وجود موضوعي؟ .. هل القيم الأخلاقية لها وجود موضوعي؟ .. في بعض المناقشات العلمية ، يتم الجمع بين هذه الأفكار المختلفة للموضوعية. يقال إن المعتقدات تتشكل بشكل موضوعي عندما تحدث أو تسترشد بأشياء لها وجود واقعي. يعتبر العلم موضوعيًا إذا كانت عملية يتم فيها التحكم في تغيير المعتقدات والنظريات من خلال الاتصال بأشياء لها وجود واقعي في العالم. فهل العلم موضوعي بهذا المعنى؟ أو بالأحرى ، عندما يعمل العلم بشكل صحيح ، هل هو موضوعي بهذا المعنى؟ هل بنية العلوم هي التي تميل إلى إنتاج الموضوعية؟ .. الرؤية اللى حاولت أقدمها لك من خلال مجموعة حلقات سلسلة فلسفة العلم تجيب على هذه التساؤلات بالإيجاب، واتمنى ان تكون قد وصلت لك تلك الفكرة من خلال الاستماع للسلسلة. لكن ليست هذة الطريقة الصحيحة لطرح الاسئلة. مفهوم الموضوعية غير مفيد هنا. أسئلة خاطئة من نوع، هل يتم تغيير المعتقدات العلمية والنظرية عن طريق أشياء حقيقية ، أم عن طريق عوامل اجتماعية؟ هل الأفكار العلمية هي منتجات العالم الحقيقي ، أم أنها منتجات للإبداع الإنساني؟ هل نحن مسؤولون عما نعرفه ، أم أن العالم مسؤول عن ذلك؟ .. كلها أسئلة تقود لأجابات خاطئة ومشكلة معرفية. لأن المعتقدات العلمية ليست نتاج الذاتية او الطبيعة بشكل مستقل. بل نتاج تفاعل وديناميكية فعالة ما بين الطاقات النفسية، المنظومات الاجتماعية، وبنية وهيكل العالم. العالم لا يفرض المعتقدات علينا ، في العلم أو في أي إطار معرفي آخر. ومع ذلك ، يستجيب العلم لهيكل العالم ، عبر قناة الملاحظة. نفس الفكرة التى يطرحها ناقد التجريبية. لماذا التمسك بالشعارات التجريبية القديمة ، عندما يبدو أنها تطرح القضايا بهذه الطرق التبسيطية والمضللة؟ لماذا لا تحكي القصة بعبارات جديدة تماما؟ هناك ما هو أكثر في العلوم مما كان يحلم به في التقاليد التجريبية القديمة المتعبة. وبعض النظريات الناقدة تتشك في ان البعض مازال متمسك بالافكار التجريبية التقليدية لانها بسيطة ومفيدة في كثير من الأحيان خصوصا في محاولة تفسير العلم للعوام. مثلا عند محاولة تفسير كيف يختلف العلم عن الأصولية الدينية في تفسير الطبيعية؟ .. عند طرح تلك الأسئلة التجريبين قادرين على اعطاء اجابة بسيطة ومرضية. “”العلم مختلف لأنه عملية تتشكل فيها المعتقدات من خلال الملاحظة. يتم تقييم الأفكار ليس من حيث أصولها ، ولكن من حيث كيفية قابليتها للاختبار. لهذا العلم منفتح ، مُعادٍ للسلطوية ، ومرن. ” .. إجابة لطيفة وبسيطة ستلقي فهم واستحسان من العوام. دلوقتى تخيل ان الاجابة السطحية دى تم استبدالها بإجابة أكثر تعقيدا حول الاتزانات المُحكمة ونظام المكافأة، والتغير من خلال العلم الطبيعي وبين الأطر الفكرية المكونة من خلال الثورات العلمية كما طرح كوهين. اعتقد ستتفق معايا ان الاجابة ستكون أقل نجاحا في الاستقبال وإرضاء العامة. اى ان بالرغم من جاذبية البساطة في طرح التجريبين إلا أن الإجابات البسيطة دائما ما تكون غير صحيحة لاختزال انظمة معقدة غير قابلة للاختزال. على أي حال في اعتقادي منظومة العلم الحديث تتطلب استراتيجية عامة وهيكل اجتماعي مُعقد لتنفيذ تلك الاستراتيجية. في تقديري ان صورة معدلة لأطروحة تجريبية طبيعية هي الأقرب والأقدر على وصف الاستراتيجية العلمية الحالية.
العُلماء الآليين Robot Scientist
آدم Adam هو أول نموذج لروبوت لتصميم، تنفيذ، وتفسير التجارب العلمية Robot Scientist وهو أحد أهم التقنيات الاخيرة في مجال روبوتات المختبرات Laboratory robotics. منذ بداية الثمانينات والمختبرات العلمية خصوصا في مجال البيولوجيا والكيمياء بتستخدم صورة أو أخرى من روبوتات المعمل. اللى بتعمل الى جانب العلماء للقيام بإحدى مراحل التجربة العلمية مثل تحضير العينات أو معالجتها. على سبيل المثال شركات صناعة الدواء بتستخدم روبوتات لنقل العينات البيولوجية والكيميائية لتوليف مركبات كيميائية جديدة أو لأختبار قيم معينة لمركبات جديدة بدقة عالية. هذا النوع من العمليات المخبرية كانت مناسبة جدا لعمل الروبوت، لانها متكررة وتحتاج لدقة عالية، مثل انتقاء العينات، معالجتها، تغير تركيبها من خلال التبريد، التكثيف، الخلط، والتعريض للحرارة. لكن آدم كان نقلة علمية وتقنية نوعية، الفريق البحثي المكون من مجموعة من علماء البيولوجي، علماء الذكاء الاصطناعي، وعلوم الكمبيوتر مثل روس كينج Ross King، ستيفين موجليتون Stephen Muggleton، دوجلاس كيل Douglas Kell ، ستيف أوليفر Steve Oliver طور النموذج الأول لآدم سنة 2010، الذي كان قادرا على إجراء تجارب علمية بشكل مستقل لاختبار فرضية وتفسير نتائج التجربة بدون اى إرشاد من العلماء البشر. آدم أمتاز بمجموعة من القدرات الفذة لوضع كوين فرضيات لتفسير المُلاحظات، اقتراح تجارب لاختبار تلك الفرضيات، القيام بإجراء التجارب بنفسه أو من خلال التنسيق مع الروبوتات المخبرية الاخرى، تفسير نتائج التجارب، تكرار هذة العملية مرارا حتى يتوصل الى نتيجة. دقة آدم وآليته في إجراء التجارب لم تكن السبب في إبهار مبتكرية قبل المجتمع العلمي، لان تلك هى السمات الاساسية لاى منظومة آلية عاملة داخل المختبرات، لكن القدرة على طرح الفرضيات العلمية والمنطقية بيتطلب درجة عالية من إدراك المنطق الشرطى ومنطق الاحتمالات المُغايرة، اى ماذا لو كانت الواقع على على تلك الصورة … آدم سرعان ما أبهر مصممية بحل لغز التوارث والجينات في الخميرة yeast genetics الذى حير العلماء والباحثين لعقود طويلة! الخميرة تحتوى على بروتينات تسمى الإنزيمات اللازمة لتحفيز العديد من التفاعلات الكيميائية الضرورية لآلية الحياة، هذة الانزيمات مشفرة في الحامض النووى للخميرة، لكن كان من العسير على العلماء ربط الإنزيمات بجينات محددة! د. كينج وزملاؤه أعطوا آدم قاعدة بيانات تحتوى على معلومات عن الأنزيمات والمواد الكيميائية وعينات من الخميرة اللازمة لإجراء التجارب، بعد جولات متعددة من التجارب والتحليلات، آدم وجد جينات الخميرة المسؤولة عن تشفير الانزيمات بشكل مستقل تماما، وقام العلماء بإجراء تجارب لأختبار النتيجة التى توصل إليها آدم التي ثبت بالفعل صحتها! .. تخيل عالم فية المعامل مليئة بمئات من الروبوت الشبيهة بآدم! … وقتها قد تخطوا البشرية خطوات سريعة تجاه أكتشاف حقيقة الطبيعة وحل لغزها خاصة ان كانت الفلسفة الطبيعية على حق في المقام الأول، وكل شئ يمكن تفسيره من خلال المادة وآليتها. الميكنة الآلية Automation لمهام البشر هو الهدف الطبيعي للروبوتات. وفي العقدين الأخيرين الميكنة تطورت بصورة مضطردة في العديد من المجالات، العلم لم يكن بعيدا عن هذا التطور، وهناك صور عديدة من الميكنة بداية من البرمجيات المستقلة التى يعتمد عليها الفيزيائيين بشكل يومي للتعامل مع مليارات من البيانات، تفسيرها و استنتاج قوانين عامة منها. ومع تطور مجال الذكاء الاصطناعي دخلت الروبوتات في مجالات عديدة بتطلب قدر عالي من الدقة والمهارة لاجراء الابحاث مثل الطب. في مقال رائع بعنوان ” الميكنة في العلم The Automation of Science” نشر سنة 2009 في مجلة العلم الأمريكية. د. روس كينج Ross D. King عالم الذكاء الاصطناعي و أحد مطوري آدم، قال ان آدم هو الرفيق المثالي للعمل بجانب البشر في المختبرات العلمية، على العكس من العلماء لا يتعب أو يفقد التركيز أثناء اداء مهام متكررة، وهو ليس مجرد خادم آلي غير قادر على طرح الفرضيات البديلة أو تفسير نتائج التجارب. على الرغم أن آدم لايزال نموذجاََ أوليا، إلا ان د. كينج وفريقه البحثي يعتقدوا ان النموذج الثاني لهم (أطلقوا علية أسم حواء Eve) سيكون أكثر كفاءة، دقة، وقدرة على إجراء التجارب العلمية .. وسيساعد العلماء في البحث عن عقاقير جديدة لمكافحة أمراض مثل الملاريا والبلهارسيا في وقت وتكلفة أقل. البحث مازال في بداياته والأمر قد يستغرق سنوات طويلة وأموال طائلة قبل أن نصل إلى منظومة آلية كاملة استبدال معظم العلماء اليوم، إلا أن العائد على البشرية ضخم ويصعب حتى تصوره. بداية من اكتشاف عقارات وعلاج للأمراض في غضون أيام بدلا من سنوات وعقود، مرورا بإرسال العُلماء الآليين إلى الفضاء والبيئات التي يتعذر على البشر الوصول إليها، حتى اكتشاف سر الكون ونشأته، بل وإنقاذ الحياة نفسها في يوم من الايام! .. لكن كي ينجح البشر في ميكنة العلم لابد أولا من فهم آليتة ووصف سر نجاحة بدقة كي نكون قادرين على برمجتها في الروبوتات، وهذا يبدأ فقط في فلسفة العلم.
مستقبل فلسفة العلم The Future of Philosophy of Science
ما هي القضايا الاساسية في مستقبل فلسفة العلم القريب؟ .. ماذا يجب أن يركز فلاسفة العلم طاقتهم حوله؟ .. بكل تأكيد إشكاليات طبيعة العلم، الاستراتيجية العامة لعمل العلم، وهيكل مجتمعاته العلمية كلها قضايا تستحق البحث الجاد. لكني سأختم السلسلة بطرح ثلاث قضايا أساسية محور تركيز كبير في العقد الأخير داخل رواقات فلسفة العلم. الأولى شديدة الارتباط بفكرة التحولات العلمية اللى طرحناها في حلقة “هيكل الثورات العلمية” .. ما هو الدور الذي تلعبه الأطر والنماذج والتراكيب المماثلة في فهمنا للنظرية في العلوم؟ هل يجب أن نتبع كون وكارناب في التمييز الحاد بين “مستويين” من التغيير داخل العلم؟ أم أن هذه صورة خادعة تخلق مشاكل بدلاً من طرح حلول؟. الإشكالية الثانية متعلقة بنظام المكافآت في العلوم ، والعلاقات بين الأهداف على مستوى الفرد والأهداف المجتمعية. حتى الآن الآراء الفلسفية حول هذا الموضوع تميل إلى تعميم الكثير ، وافترضت أن الفئة الأعظم من العلماء لديهم مجموعة مماثلة من الدوافع. بُناء على المُدخلات من علم اجتماع العلوم ، لكن القصة ينبغي أن تكون أكثر تفصيلاً. ما الاختلافات الموجودة بين الحقول المختلفة والثقافات الفرعية المختلفة في العلوم ، على سبيل المثال؟ هل الدوافع والغايات واحدة بين الأفراد؟ .. ما هو تأثير المؤسسات الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية على دوافع وأهداف الأفراد؟ .. ماهى العلاقة بين المنافسة والتعاون في العلوم؟ .. وغيرها من الاسئلة التى مازالت بلا إجابة مقنعة. وأخيرا الإشكالية الثالثة، هى العلاقة الغير واضحة ما بين النظريات العلمية والطبيعية، وتأثير اللغة على صياغة المعرفة العلمية، مثلا مفهوم الحقيقة ودورها المحوري في المعرفة العلمية! .. أو فكرة نماذج Models تجريد الواقع النظرية. حتى الان لا توجد نظرية فلسفية جيدة لتفسير تلك التمثيلات اللغوية وعلاقتها بالعلم. وهناك مساحة كبيرة من عدم اليقين والجدل داخل هذه المنطقة من فلسفة العلم. لكن بالرغم من هذا، من المؤكد أن بمقدورنا رؤية التقدم الذي تم إحرازه داخل فلسفة العلم في العقود الأخيرة. على سبيل المثال لا الحصر فكرة أن العلم مهتم فقط بوصف أنماط التجارب في الطبيعة تم تقريبا التخلي عنها وهجرها تماما. الواقعية العلمية Scientific realism تم تطويرها وتوصيفها من خلال نظريات أكثر تعقيدا. ودراسة اللغة وتأثيرها قلت بشكل ملحوظ داخل فلسفة العلم، وازداد التركيز بشكل واضح على النظريات حول بناء النماذج التجريدية كلبنة أساسية في منظومة العلم الحديث. نظريات الاختبار والدليل تم صياغتها بصورة أكثر وضوحا مقارنة بالنصف الأول من القرن العشرين. و فكرة النظر عن كثب في العلاقة بين هيكل المكافآت في العلوم والقضايا المعرفية محل الدراسة شهدت تقدم ملحوظ مؤخرا . هناك الكثير من التقدم بكل تأكيد، لكن مازال هناك الكثير!
القصة التى بدأنا بها مقتبسة بتصرف عن قصة الفيلم الأمريكي “الاتصال Contact” الذي أخرجه المخرج الامريكي روبرت زيماكس Robert Zemeckis عام 1997 وقامت ببطولته الممثلة الأمريكية جودي فوستر Jodie Foster. الفيلم مستوحى من رواية بنفس العنوان نشرت سنة 1985 للفلكي الأمريكي الباز كارل ساجان Carl Sagan (الذي كان من أبرز المساهمين في تبسيط علوم الفلك والفيزياء الفلكية وغيرها من العلوم الطبيعية في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان له دور رائد في تعزيز البحث عن المخلوقات الذكية خارج الكرة الأرضية.) .. من خلال قصة الفيلم حاولت أنقل لك صورة لصورة العلم قائم فقط على الادلة والتجربة. المدرسة التجريبية الطبيعية لاتقبل بأى صورة أخرى من الحقيقة إلا ان كانت مدعومة بمُلاحظة مادية او تجربة معملية قائمة على الأدلة والمنطق. لكن في بعض الاحيان قد نمر بالتجربة لكن نكون غير قادرين على تقديم الادلة والبراهين المادية، وقتها نعبر الخط الرفيع بين المعرفة والإيمان … ويعود سؤال البشرية الأزلي يطرق أبوابنا … أين الحقيقة؟!
فلسفة العلم .. هي أحد فروع الفلسفة الحديثة تهتم في الأساس بأسس وطرق وآثار العلوم. وأحد أهم الأسئلة والقضايا التي تطرحها هى لماذا يجب أن نثق في المعرفة العلمية؟ .. وعلى أى أساس تُبنى؟ .. ما هي طبيعة العلم وآلياته؟ .. والغرض النهائي من بحثه؟ … المواضيع التى تتقاطع بالضرورة مع فلسفة ما وراء الطبيعة، علم الوجود ، وفلسفة المعرفة. مواضيع فلسفة العلم تبقي وجودية طبيعية وتبتعد عن أسئلة القيمة والأخلاق التي أصبحت محل دراسة مجالات فكرية أو فلسفية أخرى. في حين أن الفكر الفلسفي المتعلق بالعلوم يعود إلى الحضارات المبكرة حتى قبل اليونانية، إلا أن فلسفة العلم ظهرت كمنظومة فكرية مستقلة ومتفردة داخل الفلسفة فقط في القرن العشرين في أعقاب حركة الوضعية المنطقية، التى حاولت صياغة معيار تقييم قائم على المنطق لتفريق العلم الحقيقي من الزائف. الى ان انتقل كارل بوبر من الوضعية الى وضع مجموعة حديثة من معايير المنهجية العلمية قائمة على قابلية الدحض والتخمين. وكتاب توماس كوهن بُنية الثورات العلمية كان النقلة التالية لتشكيل إطار العمل الفكري للعمل ومجتمعاتة! مُتحديا الرؤية الشائعة للعلم كمنظومة تراكمية للعلم ثابتة للتجربة المنهجية وبدلا من ذلك جادل أن التغيير في العلم مرتبط بالنماذج والثورات العلمية وتحولاتها الحاكمة للثقافة والتيار العلمي العام السائد داخل مجال بحثي معين. بعد طرح الثورات العلمية ظهر حركة ما بعد الثورات التي نادت بعبثية فكرة الطريقة العلمية زى ما طرح بول فيرابند، الذي دعى للسماح بكل صور البحث العلمي بما في ذلك المقاربات الغير طبيعية . وأخيرا ظهرت التيارات المُنادية بدراسة العلم من منظور اجتماعي كإستراتيجية بحث عن الحقيقة من خلال ضوابط وقواعد هيكل المُجتمعات العلمية. فلسفة العلم موضوع يهم كلا من الفلاسفة والعلماء! وبالتالى الفلسفة بتتعامل مع أسئلة العلم لم يتعامل معها بعد، او من الجائز لن يتعامل معها أبدا، والسؤال الاهم لماذا لا يستطيع العلم التعامل مع تلك الأسئلة؟! ..وجود اسئلة لا يستطيع العلم التعامل معها فى حد ذاته سؤال فلسفي! … الأمر الذي يجعل الفلسفة دراسة لا يمكن للعلماء الجادين تجنبها! مهمة فلسفة العلم الاساسية هى تحليل آليات وطرق عمل العلوم المختلفة، السؤال المهم قد يصبح لماذا تقع مهمة الاجابة على هذا التساؤل على عاتق الفلاسفة؟! بدلا من العلماء؟ … سؤال مهم، وأحد أهم جوانب الإجابة عليه، هو أن الفلسفة مؤهلة بأدوات البحث عن الحقيقة المنطقية والعقلانية التي تجعلها الطريقة المثلى للإجابة على هذا السؤال.
ودلوقتى .. فكر فى النظريات والتجارب العلمية اللى تعرض لها طوال حياتك؟ .. هل النظريات العلمية هي انعكاس حقيقي للواقع؟ .. أم أنها منتجات الإبداع الإنساني؟ .. هل نحن مسؤولون عما نعرفه اليوم؟ .. أم أن التجربة هي مصدر المعرفة الوحيد؟ .. ياترى ماهو سر نجاح العلم كإستراتيجية بحث عن الحقيقة؟ .. وهل يمكن وصف تلك الاستراتيجية بمعزل عن هيكلها الاجتماعي؟ … فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP55/EP55_2019_12_14.mp3
في الحلقات الجاية .. هنترك العلم وفلسفته ونعود لرحاب الفلسفة الواسع ومواضيعها المثيرة للعقول .. المواضيع متعددة وغنية بالمشاكل العقلية والقضايا الفكرية اللى قضت البشرية أجيال وقرون في البحث بين طياتها .. يمكن نتكلم عن المنطق .. الوجودية .. الصوفية .. أو حتى من الجائز معنى الحياة!
من دلوقتى للحلقة الجاية ..
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك:
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
https://goo.gl/GeKj3K
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
https://goo.gl/RRfoqg
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
https://goo.gl/DfrzG4
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
https://goo.gl/c2eosa
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
https://goo.gl/Dc53as
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
https://goo.gl/5khso5
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
https://goo.gl/BwQf5o
Scientific Realism الواقعية العلمية
https://stanford.io/2RKYOkC
http://bit.ly/2Pxv1uB
Empiricism التجريبية
http://bit.ly/2PRKvKG
Naturalism الطبيعية
http://bit.ly/2RPy84h
Edwin Smith papyrus بردية إدوين سميث
http://bit.ly/38ENgaz
Ebers Papyrus بردية إبيرس
http://bit.ly/38yA1Z7
Scientific Astronomy in Antiquity علم الفلك في العصور القديمة
http://bit.ly/38CbMJq
The Organon الأورغانون
http://bit.ly/2RRVoi1
Jābir ibn Hayyān جابر بن حيان
http://bit.ly/2LVPhFP
Ibn al-Haytham الحسن ابن الهيثم
http://bit.ly/2RYVPax
كتاب المناظر
http://bit.ly/2LUz3N6
Abū Rayhān al-Bīrūnī أبو ريحان البيروني
http://bit.ly/36BUvhQ
بحوث في تاريخ العلوم عند العرب
http://bit.ly/2srmfHb
Avicenna ابن سينا
http://bit.ly/2PNon3Q
underdetermination نقص إثبات
http://bit.ly/2KPemTE
theory-ladenness of observation المُلاحظة المُحملة بالنظرية
http://bit.ly/2Pxv4Xj
The Social Structure of Science الهيكل الاجتماعي للعلم
https://stanford.io/2rD8XHB
Royal Society of London الجمعية الملكية في لندن
http://bit.ly/2PPutAI
alchemy الخيمياء
http://bit.ly/2LWPAjD
Robot Scientist العُلماء الآليين
http://bit.ly/2PRLOt4
The Automation of Science الميكنة في العلم
http://bit.ly/2YMsYrj
Contact الأتصال
http://bit.ly/36Aw0kT
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Alan Silvestri Contact – Awful Waste Of Space
http://bit.ly/36yjrqn
Alan Silvestri Contact – The Primer
http://bit.ly/2RSM11J
Alan Silvestri Contact – Small Moves
http://bit.ly/36zpkDD
myuu – Nebula
http://bit.ly/2tjeDqA
Desert Sphinx
http://bit.ly/36zvDXW
Arabian winds
http://bit.ly/38J7sZ9
Saïd Chraïbi – Andaloussiyyat
http://bit.ly/38GQ0UM
myuu – Bittersweet
http://bit.ly/36EM1GL
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Look Out
http://bit.ly/2RPxxQ5
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Identity Crisis
http://bit.ly/2rMp5qa
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
“اهداء الى ذكرى المُعلم الأول والأب الروحي .. أ. فتحي ابو الروس”
تخيل انك مهندس بحريات، متخصص في البحث عن السفن الغارقة في أعماق المحيطات. من سنوات فكرة واحدة مسيطرة على عقلك، العثور على أكبر كنز غارق في المحيط! السفينة الامريكية The SS Central America غرقت في اعماق المحيط الهادي في إعصار شديد سنة 1857 فى رحلة عودتها من بنما الى مدينة نيويورك وعلى متنها 14 ألف كيلوجرام من الذهب الخام المستخرج من عمليات التنقيب، ومئات الضحايا من الركاب. العثور على السفينة الغارقة من أكثر من 150 سنة أصبح شغلك الشاغل. بدأت رحلة بحثك عن طاقم عمل يدعمك في عملية البحث الصعبة. بتبدأ بجارك وصديقك اللى كان متخصص في دراسة تاريخ الرحلات البحرية. اللي يتحمس للفكرة بشدة وعكف على جمع ودراسة كافة شهادات أفراد الطاقم والركاب الناجون، عن موقع السفينة، سرعة الرياح، ارتفاع الموج، وتوقيت العاصفة. على الجانب الآخر بتبدأ بطرح فكرتك على الأثرياء بحثا عن تمويل لمشروعك الضخم والصعب في نفس الوقت. السؤال المحير كيف ستبحث عن سفينة عن غارقة من عشرات السنوات في محيط واسع بُبناء على مجموعة من شهادات النجاة في أحسن الحالات غير دقيقة ان لم تكن خاطئة تماما. صديقك وضع مصفوفة لجميع البيانات المتواترة في شهادات الناجين. لكنكم لم تكونوا كباقي المنقبين عن الذهب في أعماق البحار، مجرد هواة تبحثوا عن الثراء السريع، طريقتكم كانت علمية. بدأتم في البحث عن متخصصين في وضع خوارزميات البحث عن المفقودات بناء على كميات ضخمة من المعلومات. بتتصلوا بلارى أحد العلماء الذين كان لهم يد في تطوير خوارزمية العثور على القنبلة الهيدروجينية المفقودة. بيوافق على العمل معكم في البحث على السفينة المفقودة. بتُحيط عملية البحث بسرية كبيرة تجنبا لتسرب الاخبار ومحاولة الآخرين منافستك في العثور على الكنز المفقود. لما بتبدى شكك في دقة المعلومات المجموعة من الشهادات، لارى بيأكد لك ان كل البيانات مهمة طالما اضفنا لها قيمة بتمثل الثقة في صحتها. ويبدأ في تكوين خريطة بايزية احتمالية باستخدام خطة بحث قائمة على نظرية بايز للاحتمالات. كل معلومة جديدة من شهادات الناجين تحدث القيمة المبدئية لاحتمال موقع السفينة، وهكذا في متوالية بايزية متراكمة للتنبؤ بموقع السفينة. لارى بيضع نموذج بايزي بناء على جميع المتغيرات التي من الممكن أن يكون لها تأثير في التنبؤ بموقع السفينة الغارقة من شهادات الناجين. صديقك كان بمثابة عميل جمع البيانات، تنظيمها، وترتيبها بطريقة من الممكن لنموذج لارى البايزي أن يستوعبها ويتعامل معها. أما لارى كان عميل تحليل البيانات باستخدام خوارزميات البحث البايزي الاحتمالية. نموذج لارى الاحتمالي قادة لوضع 3 فرضيات رئيسية عن موقع غرق السفينة. لارى استخدم نظرية بايز الاحتمالات لوضع طريقة من الممكن اتباعها للبحث عن السفينة الغارقة في المساحة الشاسعة التي غطتها جميع البيانات. بدأت مع فريق البحث باستخدام غواصة من الممكن التحكم فيها عن بعد بالبحث في المناطق ذات الاحتمالية الاعلى اللى حددتها خوارزمية بوب، وتدريجيا تتحرك حلزونيا تجاه المناطق ذات الاحتمالية الأقل. عملية البحث كانت بطيئة وبدت غريبة لطاقم السفينة معاك لانها تتحرك في خطوط عجيبة وفي كثير من الأحيان عكس الموج، لكنك اصرت على اتباع نموذج لارى الاحتمالي بكل دقة. في البداية بتعثورا على سفينة في المنطقة ذات الاحتمالية الأعلى، لكن بعد بحثها بتكتشفوا أنها سفينة أخرى، البعض بدأ يتشكك في قدرتك على العثور على السفينة لكنك مصمم على اتباع نموذج لارى الاحتمالي بدقة حتى تغطى رقعة البحث بالكامل. بالفعل في احد المناطق على خريطة البحث بتظهر السفينة المفقودة ساكنة في أعماق المحيط. تبدأوا في عملية استخراج حطام السفينة المليئة السبائك والعملات الذهبية. لكن للأسف العثور على الذهب المفقود كان بداية المصاعب. شركات التأمين على السفينة المفقودة من عشرات السنين طاردتك في المحاكم القضائية مطالبة بحقها في الذهب مقابل التعويضات التي دفعتها لأهالي المفقودين والضحايا على السفينة، المستثمرين بيطالبوا بحقوقهم، و الديون بدأت تطاردك من كل جانب. القضايا استمرت في المحاكم الفدرالية لعشرة سنوات، تضاعفت فيها أتعاب فريق الدفاع عنك لتصبح بالملايين، أصبحت مُحاصر من الجميع، المشروع الذى بدأ مشروع بحثي بدأ كالحلم وقتها، تحول الى كابوس بشع يطاردك في كل مكان .. حتى اختفيت عن الجميع ولم يعثر لك على أثر!
محاور
نظرية الاحتمالات والحقيقة، قاعدة بايز، المعادلة البايزية، المسلمات الاحتمالية، نظرية الاحتمالات الذاتية، المشروطية البايزية، الآلة البايزية، تقييم البايزية، إشكالية الدليل القديم، الواقعية العلمية والاستدلال بالإزالة
إشكالية التأكيد بظلالها المعتمة خيمت على فلسفة العلم ومفكريها معظم القرن العشرين. الإشكالية كانت ومازالت بسيطة في وصفها لكنها معقدة وبعيدة المنال في حلها. سؤال الإشكالية الأساسي ماهو المطلوب في مُلاحظة ما كي تقدم دليل كافي لتأكيد نظرية علمية ما؟ .. زى ما شفنا أحد المحاولات الطامحة قام بها فلاسفة التجريبية المنطقية logical empiricism في بدايات القرن العشرين باستخدام أفكار بسيطة أساسية وقواعد منطقية من الممكن استخدامها لبناء نوع من المنطق الاستقرائي inductive logic لتقديم إطار عمل علمي منطقي لتأكيد النظريات والفرضيات العلمية زى مثال بملاحظة عدة غربان سوداء يقدم دليل او تأكيد على ان كل الغربان لونها أسود (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية) .. لكن للأسف الفشل كان نهاية تلك المغامرة الطموحة. كارل بوبر Karl Popper كان العلامة الثانية الفارقة في تاريخ محاولة حل إشكالية التأكيد. اللى بعد تماما عن اصطلاح التأكيد بالمرة و عارض الفكرة كلية في العلم، واستبدالها بفكرة قابلة للدحض أو النفي Falsification الفكرة اللى لاقت نجاح كبير لكنها عجزت عن حل الاشكالية بالكامل وواجهت صعوبات في التعامل مع بعض الحالات زى الجمل الاحتمالية والوجودية (ارجع لحلقة قابلية النفي) .. وأخيرا عرضنا طرح توماس كوهين لفكرة تحول النموذج الفكري والثورات العلمية والإشكاليات المتعلقة بها التى لم تركز بشكل محدد على إشكالية التأكيد وظلت المشكلة قائمة (إرجع لحلقة الثورات العلمية). والصور الغير تقليدية لفكرة التأكيد والتفسير في العلم التي ناقشناها في حلقات ما بعد الثورات العلمية، و الواقعية العلمية كان من الغير عادى طرحها لو كان هناك نظرية قوية مقنعة للتأكيد اللى في غيابها أصبح فلاسفة التجريبية في موضع دفاع زى ما شفنا في حلقة التفسير العلمي. لكن الصورة تغيرت في النصف الثاني من القرن العشرين وأصبح هناك أمل في نظرية للتأكيد والأدلة في العلم بعد تطور مدرسة جديدة وهي مدرسة البايزية الاحتمالية Bayesianism، التي تطورت نواة أفكارها تدريجيا في القرن العشرين، ومع نهايات القرن أصبح من الممكن وضع تصور كلي لتلك الأفكار قد يقدم نظرية تأكيدية علمية بديلة. والمدرسة البايزية أصبحت الطريقة الأكثر شيوعا الآن مع بدايات القرن الواحد والعشرين لحل إشكالية التأكيد داخل الوسط العلمي.
النظرية البايزية في أبسط صورها بتحاول فهم فكرة التأكيد والدليل من خلال نظرية الاحتمالات Probability Theory. الفكرة مش جديدة في تاريخ فلسفة العلم رودلف كارناب قضى عقود بيحاول يحل الإشكالية باستخدام نظرية الاحتمالات. ده غير ان الفكرة بديهية لكثير من الناس، مثلا لو رأيت سيارة أحمد خارج منزلة من المحتمل جدا ان احمد بالمنزل. كلا من الإحصاء statistics وتحليل البيانات data analysis قائمين على نظرية الاحتمالات لوصف النتائج التى من الممكن استخلاصها من العينات و الدراسات الاستقصائية surveys. وحتى في دائرة القانون والقضاء فكرة الادلة القائمة على الطب الشرعي forensic أصبحت سائدة زى تحليل الدى ان اية القائم في الأساس على نظرية احتمالية لكن يعتد به كدليل ادانة او برائة. وبالتالي الكثير من الفلاسفة حاولوا فهم ودراسة الدليل من خلال فكرة الاحتمالات، الفكرة ببساطة ان عند وجود شك أو ريبة uncertainty في فرضية ما، الأدلة المستقاة من الملاحظة قد تقلل أو تزيد من احتمالية probability الفرضية. المدرسة البايزية أحد صور الفكرة العامة دى، وقائمة على معادلة رياضية بسيطة يعتبرها أنصار المدرسة الحل السحرى لإشكالية التأكيد والدليل. توماس بايز Thomas Bayes كان رجل دين ورياضي انجليزى أثبت النظرية التي نسبت إليه نظرية بايز Bayes’s theorem في القرن الثامن عشر ومن وقتها اتباع المدرسة اعتبرة إنه توصل لاكتشاف غير عادى.
نظرية الاحتمالات والحقيقة Probability and Truth
لو نسيت القواعد الرياضية لنظرية الاحتمالات اللى درستها من سنين في المدرسة، هحاول أفكرك بالقواعد الاساسية لنظرية الاحتمالات لان الاساس بنى عليه بايز نظريتة. احتمالية الحدث Probability of Event تعبر عن عدد المرات اللى حصلنا فيها على نتيجة معينة عند إجراء نفس التجربة عدة مرات. الاحتمالية ضرورية ومهمة في منظومات الحقيقة في الحالات اللى النتائج فيها اما عشوائية او ببساطة شديدة التعقيد يصعب علينا فيها التنبؤ بالنتيجة. نتيجة الحدث Outcome هو أحد النتائج المحتمل حدوثها في فضاء العينة، مثلا لو رمينا النرد، الحصول على الرقم واحد أحد النتائج المحتملة. فضاء العينة Sample Space هو مجموعة كل النتائج المحتمل حدوثها لتجربة ما مثلا فضاء العينة في حالة إلقاء نرد هو مجموعة الأعداد (1,2,3,4,5,6). أما الحدث Event مجموعة جزئية من فضاء العينة، عادة ما يمكن التعبير عن غالب الاحداث بانها تجيب على سؤال نعم أم لا. مثلا حدث الحصول على الرقم 6 عند إلقاء النرد؟ .. السؤال “هل تم الحصول على الرقم 6 عند إلقاء النرد مرة واحدة؟” .. باستخدام المصطلحات الرياضية دى من الممكن إعادة تعريف الاحتمال على أنه النسبة الجزئية لمرات حدوث الحدث من كل النتائج الممكنة في فضاء العينة. احتمالية الأحداث ينطبق عليها معاملات المنطق الأساسية. بمعنى قابلية الاتحاد، التقاطع، التكامل، والنفي .. مثلا احتمالية الحدث س1 اتحاد احتمالية الحدث س2 هى مجموع النتائج في كلا من س1 و س2. تقاطع احتمالية س1، وس2 هو مجموعة النتائجة المشتركة بين س1 وس2. واحد الأفكار البديهية لكن الهامة للغاية لفهم النظرية البايزية هى ان لو س1 وس2 مجموعتى احتمالات منفصلتين إذن التقاطع ما بينهم هو صفر لان لا توجد نتائج مشتركة، ونعبر عن تلك النتيجة بالرمز سيتا في الرياضيات. هنبنى على الفكرة دى، تخيل مثلا اننا الحدث س1 هو إلقاء نرد، والحدث س2 هو إلقاء عملة. عند إلقاء النرد مرة واحدة احتمال الحصول على كل عدد هو 1/6 لان هناك ست اوجهة وكل رقم من الممكن أن يظهر مرة واحدة فقط، اذن عدد مرات الحدوث الجزئية لكل عدد من فضاء العينة هو 1/6. وبنفس المنطق بما ان هناك نتيجتين محتملتين فقط في حالة العملة ملك وكتابة، إذن احتمالية الحصول على كل منهم 1/2. بالتالي لتلك الحدثين المنفصلين احتمالية الحصول على الرقم 5 والكتابة هو حاصل ضرب احتمالية الحصول على كل حدث منفصل، أي 1/6 x 1/2 يصبح 1/12. الفكرة الأخيرة التي سأقدمها لك في نظرية الاحتمالات الرياضية المهمة والأساسية في نظرية بايز معروفة بالاحتمالية الجزئية أو المشروطة Conditional Probability .. الفكرة بتتعامل مع الاحتمالية الأحداث المعتمدة على بعضها البعض. مثلا من مثال النرد شفنا ان احتمالية الحصول مثلا على العدد 3 هي 1/6 لان فضاء العينة لكل النتائج هو 6 والعدد الجزئي المعبر عن الحصول على الرقم 3 عند رمي النرد مرة واحدة هو 1. إذن الاحتمالية هي 1/6. تخيل دلوقتى ان القيت بالنرد وبطلب منك انك تخمن احتمالية الحصول على النتيجة. ردك هيكون 1/6. لكن لو أضفت لك معلومة ان النتيجة عدد فردى، ياترى هيكون ردك ايه؟ .. بالظبط بالبديهة فضاء العينة في الحالية دى اتغير، لان كل النتائج لم تعد محتملة الحدوث .. الأعداد الفردية في فضاء العينة الاصلى هى الأعداد (1,3,5) .. في تلك الحالة احتمالية الحصول مثلا على العدد 2 تساوى صفر لانه رقم زوجى خارج فضاء العينة. ومثلا لو سألت عن احتمالية الحدوث على العدد 3 في حالة ان النتائج كلها أعداد فردية . في تلك الحالة الاحتمالية المشروطة هتكون 1/3 بديهيا. والقانون الرياضي ورائها هو أن احتمالية س1 عند حدوث س2 = تقاطع احتمالية س1 وس2 مقسومة على احتمالية س2 ( إثبات المعادلة دى خارج نطاق مناقشنا حاليا، لكنها معادلة بسيطة من الممكن ان تثبتها بديهيا).
قاعدة بايز Bayes Rule
المقدمة الرياضية اللى بدأنا بيها حول نظرية الاحتمالات الرياضية ضرورية لفهم اطروحة بايز. قاعدة بايز بتتعامل مع عدد من الفرضيات المتنافسة حول تفسير ظاهرة ما في ضوء الأدلة المُلاحظة. هبدأ بمثال لتوضيح الفكرة، قبل ما أطرح عليك المعادلة الرياضية. تخيل انك صحيت في يوم من الايام حاسس بصداع، وحالتك بشكل عام ليست على ما يرام. لما تزور الدكتور ويجرى عليك مجموعة من الاختبارات لانة غير متأكد من حالتك، بعد كام يوم بتظهر نتيجة الاختبارات وللأسف بيكتشف ان عندك مرض نادر جدا بيُصيب 1% فقط من البشر .. أعراض المرض سيئة للغاية، فبتسأل الدكتور ان متأكد بنسبة كام ان عندى المرض ده؟ … بيرد الدكتور ان دقة الاختبار عالية جدا لكنها ليست قاطعة، الاختبار قادر على تحديد المرض في 99% من الحالات، لكنه هناك نسبة خطأ 1% أن الاختبار يقرر أن الفرد عنده المرض وهو غير مصاب بيه. … ياترى ايه احتمالية أنك مصاب بالمرض فعلا؟ … لو كانت اجابتك 99%، ماتتسرع انت اعتبرت نسبة نجاح الإختبار هي احتمالية إصابتك بالمرض! .. وده حساب إحتمال خاطئ .. انت محتاج نظرية بايز علشان تقدر تحسب الاحتمالية في الحالة دى!! … قاعدة بايز هتساعدنا في حساب احتمالية فرضية ما (خلينا نقول في الحالة دى هى انك مصاب فعلا بالمرض) مشروطة بوجود بيانات معينة أو حدث معين (في المثال الحدث هو انك اجريت الاختبار) .. الاحتمالية من الممكن حسبها باستخدام الاحتمالية المبدئية Prior Probability للحدث (اى الاحتمالية المبدئية انك مصاب بالمرض قبل الاختبار) وضربها في احتمالية حدوث الحدث في حالة ان الاحتمالية فعلا كانت صحيحة (في تلك الحالة احتمالية أن نتيجة الاختبار تكون إيجابية وفعلا انك مصاب بالمرض الايجابية الحقيقية True Positive .. اى انه قدر يحدد ان عندك المرض فعلا) ونقسم الناتج على المجموع الكلي لاحتمالات الحدث أو الدليل (في الحالة دى مجموع احتمالية ان يكون عندك المرض و نتيجة الاختبار تكون إيجابية (الايجابية الحقيقية True Positive) و احتمالية أنك غير مصاب بالمرض و نتيجة الاختبار تكون إيجابية (الايجابية الكاذبة False-positive) ) .. الاحتمالية المبدئية في المعادلة دى عادة ما تكون المُعامل الأصعب تحديدة، وفي كثير من الوقت مش هتكون اكثر من مجرد تخمين زى ما سنرى بعد قليل. لكنا في المثال الحالي هنعتبر ان الاحتمالية المبدئية هو نسبة حدوث المرض في البشر (1%) ، احتمالية ان الاختبار يكون ايجابي وانت فعلا مصاب بالمرض (الايجابية الحقيقية) هى 99% مشتقة من درجة دقة الاختبار. والاحتمالية الكلية للاختبار هي مجموع كلا من احتمالية الإيجابية الحقيقة اى حاصل ضرب 99% في 1% من البشر فعلا مصابين + احتمالية الايجابية الكاذبة اى حاصل ضرب 1% نسبة خطأ الاختبار في 99% من البشر الغير مصابين .. لو طبقت كل الارقام ستحصل على أن احتمالية انك تكون مصاب فعلا بالمرض 50% (جرب بنفسك تحسبها بالورقة والقلم). في الحقيقة لما بايز توصل للقاعدة دى للمرة الاولى ماكنش شايف انها ثورية أو عبقرية بالمرة .. لدرجة انه لم يعتقد انها تستحق حتى النشر! .. وتم اكتشاف القاعدة ضمن أوراقه بعد عشر سنوات مات بالصدفة، الورثة عرضوها على صديقة الفيلسوف الانجليزي ريتشارد بريز Richard Price علشان يقرر ان كان الاوراق مهمة ولا لأ، بريز نشر الورقة تحت عنوان “مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances” سنة 1763، اللى أحدثت ثورة في تاريخ الرياضيات، الفلسفة، والعلم من وقتها.
المعادلة البايزية Bayesian Equation
المعادلة القائمة عليها النظرية البايزية تعد معادلة رياضية بسيطة جدا. نظرية بايز تحاول قياس الفرق الذي من الممكن أن يحدثة دليل ما في صحة أو تأكيد فرضية. لو P(h) هو احتمال س فرضية بدون الدليل د. و P(h|e) هو احتمال الفرضية س في ضوء الدليل د. إذن لو كان احتمال الفرضية س في ضوء د أكبر من احتمال الفرضية س بدون د. إذن د يُأكد الفرضية س. او بصورة ادق د تجعل الفرضية س أكثر أحتمالا. اى ان لو فرد ما اعتنق فرضية ما س بدون وجود دليل بنسبة احتمالية، بعد ظهور الدليل د المفروض ان احتمالية صحة الفرضية عند الفرد تزداد. أي أن النظرية بتساعدنا على تحديث قيمة الاحتمال في الاعتقاد في ضوء الأدلة المتاحة. الفكرتين الرئيسيتين في نظرية بايز. فكرة دليل د يؤكد فرضية ما س لو كان د يزيد من احتمالية س، وفكرة أن الاحتمالات لابد وان يتم تحديثها طبقا لنظرية بايز. لكن ازاى نظرية بايز بتفسر احتمالية فرضية س في ضوء د؟ .. النظرية بتعبر عن هذه الاحتمالية كدالة رياضية لمتغيرين احتمالين آخرين. وهما الاحتمالات المبدئية Prior للفرضية س P، والاحتمالات السابقة لعكس او نفي الفرضية س P not مجموع هذين الرقمين لابد وان يكون واحد صحيح، لأنهما متكاملين. احتمالية الفرضية س في ضوء د P س|د عادة ما بيطلق عليها أرجحية الدليل likelihoods of evidence. خلينى أحاول تبسيط الأفكار الرياضية الجافة من خلال مثال .. تخيل انك مش متأكد من وجود صديق لك بالمنزل، لكنك رأيت سيارته بالخارج (دليل د) .. هنفترض ان قبل رؤية سيارته كونت فرضية انه بالمنزل بنسبة احتمالية 50%، واحتمالية ان سيارته ستكون أمام المنزل اذا كان بداخل المنزل بنسبة 80% لانه عادة لا يغادر المنزل بدون السيارة. في حين أن احتمالية انه لا يكون بالمنزل بالرغم من وجود سيارته بالخارج 10% فقط. باستخدام معادلة بايز من الممكن اننا ندخل الارقام السابقة للحصول على احتمالية وجوده في المنزل في ضوء وجود سيارته بالخارج 50*80/(50*80+50*10) .. اللى تقريبا 90% إذن رؤية سيارته صديقك خارج منزله يزيد من الاحتمالية الأولية لوجوده داخل المنزل بدون وجود دليل اللى قدرناها ب 50% الى تقريبا 90% .. اى ان رؤية السيارة يؤكد بقوة فرضية أن صديقك بالمنزل! … ارجو ان الفكرة البديهية والمعادلات الرياضية البسيطة أصبحت واضحة بالنسبة لك. في الحقيقة بايز في ورقته قام بتجربة بسيطة جدا، كان قاعد وضهرة لمنضدة خلفة وفي ايده كرة، بيلقيها خلف ظهره، كل مرة يلقي الكرة، يطلب من مساعدة يحدد مكانة نسبيا بالنسبة للرمية السابقة عليها، مثلا هل كانت على يمينها، وشمالها، أمامها، وخلفها. وهكذا باعادة اجراء التجربة، وتحديث الاحتمالية المبدئية كل مرة بناء على نتائج التجربة الحالية، بايز اعتقد ان من خلال تلك الطريقة من الممكن انه يستمر في تحديث مكان الكرة الاولي اللى ما يعرفوش، طبعا عمره ما هيكون متأكد من المكان الاولي ده، لكن مع كل معلومة جديدة يزداد دقة تنبؤة بمكان الكرة الاول. ودى الفكرة الفلسفية اللى بنى عليها بايز تصوره للعالم والحقيقة، ليس اعتقاده في ان لا توجد حقيقة موضوعية محددة ومجردة، لكننا لن نكون قادرين على الوصول إليها بدقة قاطعة ابدا .. وكل ما يجب ان نسعى الية هو ان نحدث فهمنا وتصورنا للحقيقة كل ما تظهر معلومة جديدة تزيد من دقة تنبئنا بحقيقة الواقع. إذن معادلة بايز لم يكن الهدف منها أن تطبق مرة واحدة للحصول على الحقيقة القاطعة مرة واحدة للأبد، لكن يتم تطبيقها مرة بعد الأخرى،في كل مرة تضيف معلومة جديدة وتقربنا أكثر للحقيقة. في مثال المرض اللى حسبنا احتمالية إصابتك بة ب 50% تخيل انك قررت انك تزور طبيب آخر وتجرى الاختبار مرة اخرى حتى تتأكد أن احتمالية ال50% انك مصاب بالمرض، لو طبقنا معادلة بايز مرة تانية .. الاحتمالية المبدئية في الحالة دى 50% (الاحتمالية اللى حصلنا عليها من الاختبار الاول Posterior .. اى اننا حدثنا الاحتمالية الاولية اللى كانت 1% احتمالية الاصابة في البشر بالاحتمالية الجدية الناتجة من الاختبار الاول) و نضربها في احتمالية الاختبار ايجابي وانت مصاب بالمرض 99% ونقسم على الاحتمالية الكلية للاختبار . هتلاقى ان احتمالية الجديدة انك تكون مصاب بالمرض في حالة أن نتيجة الاختبار الثاني كانت ايجابية هتكون 99% .. الأمر البديهي أيضا نتيجة معملين مستقلين اظهرت ان عندك المرض في الغالب فعلا هيكون عندك المرض، مش معقول هتكون صدفة .. لكنها مش امر مستحيل لان الاحتمالية مازالت 99% فقط اى ان مازال هناك 1% ان الأمر كان مجرد خطأ وصدفة وأنك غير مصاب بالمرض! .. وهكذا يمكنك اعادة تطبيق الاختبار لزيادة دقة الاحتمالية. الصعوبة في نظرية بايز هو أنها لا تساعدنا في تحديد الاحتمالات الأولية للفرضية . الاحتمال الاولي للفرضية س في غياب الدليل د ياترى ايه القيمة المناسبة له؟ .. في مثل صديقك اللي في المنزل قدرنا احتمال وجوده ب 50% ، لكن فرد آخر قد يقدر نفس الاحتمالية ب 70%، او 30% .. اى ان لا يوجد معيار واحد محدد متفق عليه لتحديد الاحتمالات الأولية .. القيمة دى هى العامل الأساسي في تحديد القيمة النهائية لاحتمالية س في ضوء د. وبالتالي بالرغم من أن نظرية بايز مفيدة جدا في نقاش الادلة على نظرية علمية ما، في كثير من الأحيان كثير من قراءات الاحتمالية ستكون شبهة مستحيلة لأن من الصعب تحديد الاحتمالات المبدئية Prior للنظرية أو الفرضية محل التأكيد. إذن لابد من وضع صورة موحدة متفق عليها او تفسير واحد لمفهوم الاحتمالات المبدئية حتى يصبح استخدام معادلة بايز موحد ويعطي نفس النتيجة تحت الظروف والتفسيرات المختلفة، التفسير الموحد للأحتمالات المبدئية ده كان المبدأ المهم الذي طورة بايز و أطلق عليه التفسير الذاتي subjectivist interpretation .
التفسير الذاتي للأحتمالات Subjectivist Interpretation of Probability
معظم التفسيرات لفكرة الاحتمالات اعتبرت انها طريقة لقياس خاصية موضوعية مجردة Objective في الأحداث. قيمة الاحتمال Probability Value هى قياس لفرصة وقوع الحدث، حيث الفرصة بصورة ما خاصية في الحدث نفسه وموقع وزمان حدوثه في العالم. دى مثلا الفكرة اللى عند كثير مننا لما بنتكلم عن إحتمالية فريق ما انه يكسب مباراة رياضية. لكن الرؤية دى غير دقيقة طبقا للتفسير الذاتي للأحتمالات. اللى بتفسر الاحتمالات على انها درجة الاعتقاد degrees of belief. الاحتمالية تقيس درجة ثقة الفرد في حقيقة إدعاء ما. وبالتالي لو قلت لك ان احتمال ان فريق الزمالك المصري لكرة القدم يكسب المباراة مع فريق الأهلي غدا 40% .. وكأني بقول لك ان درجة اعتقادى او ثقتى في إدعاء فوز فريق الزمالك هى 40%. الطريقة الذاتية لتفسير الاحتمالات قدمها للمرة الأولى بشكل مستقل فيلسوفان ورياضيين شهرين في أوائل القرن العشرين فرانك رمزى Frank Ramsey وبرونو دى فينيتي Bruno de Finetti. الطرح اللى كان مهم جدا مش بس في الفلسفة لكن أيضا محورى في نظرية صناعة القرار decision theory اللى بتلعب دور أساسي في العلوم الاجتماعية وخصوصا علم الاقتصاد. وغالب الفلاسفة اللى بستخدموا نظرية بايز لفهم الأدلة العلمية ودورها في تأكيد الفرضيات بيعتقدوا في رؤية ذاتية للاحتمالات! سواء كان الفهم ده بسبب قناعة ان دى الطريقة الوحيدة الصحيحة لفهم الاحتمالات او بسبب ان لابد من فهم الاحتمالات على تلك الصورة من أجل تطبيق نظرية بايز. وأكيد مش محتاج اقول لك ان الرؤية الذاتية كانت ومازالت محل خلاف فكرى كبير بين الفلاسفة والرياضيين، هحاول أعرض لك بعض جوانب هذا الخلاف بدون التطرق لتفاصيل رياضية وفنية معقدة قدر المستطاع. زى ما شفنا الرؤية الذاتية للاحتمالات بتشوف ان الاحتمال هو درجة اعتقاد الفرد في ادعاء ما أو فرضية ما عن الواقع، لكن من أجل أن نعرف درجة اعتقاد الفرد في فرضية ما لانسألة أن يبحث في عقله عن رقم محدد لتلك الدرجة زى مثلا لما بنسأل فرد عن مقدار النقود في حافظته! .. بدلا من هذا نحدد درجة اعتقاد الفرد من خلال سلوك مقامرتة gambling behavior لكلا من الحقيقي actual والممكن possible. أو بصورة أخرى درجة أعتقادك بتظهر في الرهان اللى قد تقامر علية والرهان اللى قد ترفضه. ( في الواقع كثير من الناس العادية قد يكونوا ضد المقامرة والرهان حتى لو كانت فرصتهم في الفوز كبيرة والعكس أيضا صحيح، لكن دى على اى حال الفكرة المثالية للبشر اللى تبنتها نظرية بايز .. مش هنحاول حل الإشكالية دى دلوقتى وهنفترض ان ده السلوك الطبيعي لغالب الناس). إذن كى نعرف درجة اعتقد إنسان ما في فرضية ما، بننظر إلى سلوكه في المقامرة حول الفرضية. في رهان ما احتمالية أن الفرد يأخذ أيا من جانبي الرهان .. أى احتمالية 50% نطلق عليها احتمالات متعادلة للشخص subjectively fair odds. مثلا تصور أن احتمالات رهان فرد على حقيقة فرضية ما “ف” هى 3:1 .. أى أن الفرد الذى يراهن على صحة “ف” يربح نقطة ان كانت “ف” فعلا صحيحة ويخسر 3 نقاط ان كانت “ف” خاطئة. بصور أعم لو قلنا إن الرهان على فرضية “ف” بنسبة (س: 1 ) هو الاستعداد لان تخسر س من النقاط لو ظهر ان ف خاطئة وفي المقابل تكسب 1 من النقاط لو كانت ف صحيحة. معناه ايه الكلام ده؟ … معناة ان كل ما أصبحت قيمة س كبيرة كلما زادت درجة ثقتك في صحة “ف”، لان لديك استعداد لخسارة رقم كبير من النقاط إن كانت “ف” خاطئة وبالتالى لايوجد شخص عاقل سيغامر بخسارة نقاط كثيرة خصوصا لو كانت النقاط دى مثلا نقود! .. إذن لو كانت الاحتمالات العدالة لرهانك الشخصى على فرضية “ف” هى ( س:1 ) اذن درجة اعتقادك في “ف” هى ( س / س+1 ). “س” هى درجة قابليتك للخسارة في حالة ان “ف” غير صحيحة و ( س+1 ) هى مجموع احتمالات أن “ف” صحيحة و”ف” غير صحيحة. لو متابع معايا حتى الآن حددنا درجة اعتقادك في فرضية ما “ف”. لكن درجة الاعتقاد في “ف” مرتبطة بدرجة اعتقادك في فرضيات أخرى. مثلا درجة اعتقادك في “ف” مرتبطة بدرجة اعتقادك في “ق” ايضا وكذلك درجة اعتقادك في “نفي ف”، الخ .. وبالتالي كي نجد الاحتمالية الذاتية subjective probability ل “ف” و “ق”، نحدد الاحتمالات العادلة لرهانك على كلا من “ف” و “ق”. إذن منظومة معتقدات الفرد في لحظة ما هى وصف لشبكة محددة من الاحتمالات الذاتية لهذا الفرد حول مجموعة كبيرة من الفرضيات عن الواقع. هذة الشبكة من الاحتمالات بتعمل في تناغم من تفضيلات الفرد utilities كي تنتج سلوكياته. في وجهة النظري البايزية، الحياة ماهى الا متسلسلة من الرهانات a series of gambles فيها سلوكياتنا بتمثل رهاننا حول طبيعة العالم.
المسلمات الاحتمالية Axioms of Probability
المدرسة البايزية تدعى انها تقدم نظرية حول درجة عقلانية أو اتساق شبكة معتقدات الفرد. وانصارها بيجادلوا أن مجموعة متسقة من درجات الاعتقاد لابد وأن تتبع مجموعة محددة من القواعد الرياضية للأحتمالات. (أوعدك ان دى هتكون أخر مجموعة من المعادلات الرياضية في الحلقة) .. الرياضي الروسي Kolmogorov وضع مجموعة أساسية من المسلمات الرياضية axioms اللى قامت عليها نظرية بايز. المسلمة الأولى: كل الاحتمالات هي أرقام تقع ما بين الصفر والواحد. مسلمة 2: اذا كان ادعاء ما صحيح بشكل تحليلي او مبسط أذن له احتمالية 1. مسلمة 3: لو كانت “ف” و”ف*” هى بدائل حصرية exclusive alternatives اى ان لا يمكن لكلاهما ان يكون صحيح، اذن احتمالية ف أو “ف*” تساوى احتمالية “ف +” احتمالية “ف*”. مسلمة 4: احتمالية “ف” في ضوء دليل “د” تساوى احتمالية “ف” و “د” مقسومة على احتمالية “د” .. حيث احتمالية “د” أكبر من الصفر. و نظرية بايز هي نتيجة للمسلمة 4 لان احتمالية ف و د من الممكن التعبير عنها كـ احتمالية كلا من “ف” في ضوء “د” مضروبة في احتمالية “د” أو كـ احتمالية “د” في ضوء “ف” مضروبة في احتمالية وبما أن هاتين الاحتمالين متساويتين إذن نظرية بايز صحيحة. أنا عارف ان المسلمات مش هى مشكلتك دلوقتى لكن السؤال المهم .. لماذا درجة أعتقدانا في أي معتقد لابد وأن تتبع المسلمات السابقة؟! .. في الحقيقة أنصار نظرية التفسير الذاتي للأحتمالات قدموا جدلية شهيرة للإجابة على هذا السؤال .. معروفة بـ جدلية الكتاب الهولندي Dutch book argument .. الجدلية من الممكن صياغتها كالآتي .. لو كانت درجة اعتقادك في فرضية ما لا تتفق مع مبادئ حساب نظرية الاحتمالات probability calculus سيكون هناك مواقف جائزة من المقامرة من المؤكد أنك ستخسر فيها المال. المواقف دى هى المواقف اللى هتضارب فيها على جانبي الفرضية، أو على جميع الاحتمالات الممكنة للفرضية. في تلك الحالات، إن لم تتفق درجة اعتقادك مع حساب الاحتمالات، وكان لديك الاستعداد لقبول أي رهان متوافق مع درجة اعتقادك، إذن ستقبل مزيج من الرهانات التى تضمن خسارتك! … خلينى ابسط لك الفكرة، من خلال مثال .. تخيل اننا بنلعب لعبة رمي العملة المعروفة في مصر ب ملك وكتابة .. لو كانت درجة اعتقادك ان الرمية المقبلة بنسبة 60% ملك ونسبة 60% كتابة .. هتكون خالفت حساب الاحتمالات طبقا للمسلمة الثالثة اللى طبقا لها مجموع اعتقاداتك هتكون 120% الأمر المستحيل طبقا للمسلمة الاولى وهى ان كل الاحتمالات تقع ما بين الصفر والواحد أو صفر% و 100% .. لكن تخيل انك اصرت على درجة معتقداتك وكان عندك الاستعداد للرهان عليها. دلوقتى تخيل أنك تراهن 10$ على 150:1 أن النتيجة هتكون ملك، ورهان اخر ب 10$ 150:1 أن النتيجة هتكون كتابة. لابد وأن تقبل كلا من المراهنين لان تفسيرك الذاتي للاحتمالات يقبل أن احتمال كلا من الملك والكتابة قد يكون 150:1. لابد وان تخسر، لو النتيجة كانت ملك هتكسب 10$ من الرهان الأول وتخسر 5$ من الرهان الثاني، والعكس صحيح. حتى تتجنب تلك الحالة لابد وأن معتقدات المختلفة تتفق مع قواعد الاحتمالات. الافكار اللى استخدمناها حتى اللحظة تنطبق على معتقدات الفرد في لحظة زمنية، لكن من الممكن استخدامها لإعطاء نظرية ما طريقة من خلالها يمكن تأكيد معتقدات النظرية عند ظهور الأدلة. نظرية بايز بتصف علاقة ما بين احتمالية “س” بدون وجود دليل “د” واحتمالية “س” في وجود دليل مادى “د”. وكلا الاحتمالين تم صياغتها في غياب الدليل “د”. وفي حالة العثور على الدليل د طبقا للنظرية البايزية، اى عميل عاقل سيغير من درجة معتقداته كى تصبح درجة الثقة في الاحتمالية “س” قائمة على احتمالية “س” في وجود الدليل “د” P(h|e) . اى ان قيمة احتمالية حدوث “س” الجديدة تساوي قيمة احتمالية حدوث “س” القديمة في وجود الدليل “د”. Pnew(h) = Pold(h|e) . اى أن القيمة الجديدة لاحتمالية “س” لدى الفرد تصبح الاحتمالية القديمة ل “س” في حالة ظهور الدليل المادي “د”. اى ان الاحتمالات اللاحقة posterior probability للبارحة هي الاحتمالات المسبقة Prior probability للغد. إذن طبقا للرؤية الذاتية للأحتمالات لا يمكن لمجموعة من درجات الاعتقاد أن تكون أقرب للحقائق من مجموعة أخرى من الاحتمالات، طالما ان مجموعتى الاحتمالات بيتبعا مسلمات أو قواعد حساب الاحتمالات. لكنها ليست الرؤية الوحيدة لنظرية الاحتمالات البايزية، بعض أنصار النظرية بيعتقد في مزيج من رؤية ذاتية subjective ، ورؤية مجردة objective.
نظرية الاحتمالات الذاتية Subjective Probability
المدرسة البايزية Bayesianism قائمة على مبادئ ثلاثة أساسية، أولها هو الموقف المعرفي epistemic attitude للعلماء تجاه أي اقتراح مهم عمليا يجب أن يستند على الاحتمال الذاتي الذي يقرره العالم لهذا الاقتراح. الاحتمال الذاتي subjective probability هو رقم ما بين الصفر والواحد يعبر عن ثقة العالم في صحة فرضية ما. الاحتمال الذاتي عادة ما يطلق عليها درجة الاعتقاد degrees of belief. وبالتالي الاحتمال الذاتي للفرضية هو تعبير عن حقيقة نفسية للعالم وليس عن حقيقة مجردة مستقلة عن العالم أو الشخص المُلاحظ للفرضية. أى أن لا يعبر بالضرورة عن حقيقة الفرضية، لكن عن احتمال حقيقة الفرضية من وجهة نظر العالم ومن هنا أطلق عليها الاحتمالات الذاتية. على النقيض من الطرق المختلفة لتأكيد النظرية العلمية التى تعرضنا لها في الحلقات السابقة، النظرية البايزية ليست قائمة على فكرة قبول acceptance النظرية. لان لايوجد قدر كافي من الادلة للحث على تحول نوعي في الموقف المعرفي البايزي من عدم قبول إلى قبول النظرية. التعلم من الادلة هو دائما مسألة تعديل كمي لتغيير الاحتمال الذاتي الخاص بك تجاة فرضية ما حتى تعكس درجة اعتقادك في صحتها ظهور الأدلة الجديدة. أى أن النظريات الأكثر تفصيلا ما بين العلماء هى ببساطة تلك النظريات التي لديها أعلى قدر من الاحتمالات الذاتية. وبالتالي من المنطقي أن العلماء تحت إطار عمل بايزي ان يضعوا احتمال ذاتي لكل فرضية في عملية بحثهم. الفيلسوف البريطاني فرانك رمزي Frank P. Ramsey في ورقة بحثية بعنوان “الحقيقة والاحتمال Truth and probability” نشرها سنة 1931 أقترح أن يكون لديك أحتمال ذاتي لفرضية ما هو أن يكون هناك تصرفات معينة، هذا التصرف من الممكن قياسه في حالات كثيرة عن طريق تقييم سلوك المراهنة كالاتي، لكما زادت أحتماليتك الذاتية لفرضية ما، قلت الفرص حال ثبات كافة المتغيرات الاخرى، ستكون على استعداد لقبول المراهنة على حقيقة هذه الفرضية. بشكل أكثر دقة لو فرضنا ان الاحتمال الذاتي لفرضية ما ف هو “س” .. إذن ستقبل الفرص بنسبة 1:س على حقيقة هذه الفرضية، بمعنى آخر ستتجنب الرهان بأكثر من قيمة “س”، مثلا لو كانت قيمة احتمالك الذاتي هى 0.3 فلن تدفع أكثر من 3 جنيهات للعب لعبة قد تربح فيها 10 جنيهات في حالة صحة احتمالك، لأن مقدار رهانك على صحة الفرضية هو الثلث فقط. رمزى اعتقد ان معظم البشر سيكون لديها ميل طبيعي تجاه هذا القياس باستخدام الرهان كأختبار لاحتمالتهم الذاتية. على أى حال الأداة الرئيسية في النظرية البايزية هي حجة رياضية، بالتحديد حساب الاحتمالات في الرياضيات القياسية probability calculus اللى بالنسبة له جميع الاحتمالات الذاتية يفترض أن تتوافق. المبدأ الثاني في النظرية البايزية هو التطابق مع البديهيات، هنا بتظهر الناحية الارشادية او الاجبارية في نظرية بايز .. بعد ما تحقق أن العلماء لابد وان يكون لديهم حقائق نفسية عن درجة اعتقادهم أو أحتمالتهم الذاتية في صحة فرضية ما، الخطوة الثانية هو يجب عليهم وضع تلك الاحتمالات في صورة متوافقة مع مسلمات وقواعد حساب الاحتمالات.
المشروطية البايزية Bayesian Conditionalization
المبدأ الثالث في النظرية البايزية هو قاعدة المشروطية Bayes’ conditionalization rule بيلزم العالم بتحديث الاحتمالات الذاتية بمجرد ظهور الأدلة. القاعدة بتضع أربع خطوات أساسية، الاولي هو تحديد الاحتمالات الذاتية السابقة prior اللاحقة posterior اى قيمة احتمالات الذاتية لديك عن الفرضية في غياب الأدلة وقيمة احتمالات الفرضية لديك عن الفرضية بعد ظهور الأدلة. قاعدة بايز بتقدم معادلة لحساب الاحتمالات اللاحقة لاى فرضية من خلال الاحتمالات السابقة وطبيعة الدليل. الخطوة الثانية هى الاحتمال الشرطي conditional probability أحد قواعد حساب الاحتمالات القياسية مثلا في احتمال الحصول على رقم 4 في رمية نرد هي 1/6 لان هناك ست طرق محتملة لها نفس الفرصة ان يكون احدها الرقم أربع. من الممكن صياغة القاعدة بشكل رسمى كالاتي، احتمالية الفرضية ف مشروطة بفرضية أخرى س من الممكن التعبير عنها على صيغة أحتمالية ف مشروطة ب “س” C(h|g). الخطوة الثالثة هى تحديث احتمال الفرضية عند ظهور الدليل كى تصبح الاحتمالية اللاحقة اى الاحتمالية في وجود الدليل. اى ان بمجرد معرفة ان الدليل كان صحيح او له وجود تصبح احتمالية الذاتية اللاحقة هي الاحتمالية السابقة. ام الخطوة الاخيرة ملاحظة نتيجة رياضية بسيطة لتعريف الاحتمال الشرطي اللى يطلق عليها نظرية بايز Bayes’ rule اللى طبقا لها في حالة الحصول على الدليل “د” .. نضرب قيمة الاحتمالية القديمة ل “ف” في أحتمالية الدليل “د” في وجود “ف” على احتمالية “د”. المعامل ده عادة ما يطلق علية المضاعف البايزي Bayesian multiplier .. لكن ايه السبب في قبول تلك القاعدة؟ … لماذا لابد وأن نجعل الاحتمال اللاحق على ظهور الدليل في حالة ظهوره هو الاحتمال السابق للفرضية. في الواقع هناك العديد من الجدليات والحجج حاولت إثبات القاعدة في العديد من الأدبيات البايزية معظمها يعتمد على حجة الكتاب الهولندي، لكن على اى حال الإجماع ما بين الرياضيين أن معظم الحجج غير كافي او مقنع. ومن المهم الاشارة لان الرياضيات في تلك الحالة غير كافية للأجابة على السؤال بمفردها .. لان حساب الاحتمالات بيعقد علاقة ما بين مجموعتين من الاحتمالات التي تعد جزء من نفس التوزيع العام، لكن قاعدة بايز بتعقد علاقة ما بين مجموعتين من الاحتمالات من توزيعين مختلفين، توزيع الاحتمال السابقة وتوزيع الاحتمالات اللاحقة. أذن اكتشاف الدليل تأثيرة واضح على الاحتمال بتطبيق القاعدة الرياضية وضرب الاحتمال السابق في المضاعف البايزي نحصل على الاحتمال اللاحق، وبالتالي ظهور الدليل يؤدى إلى زيادة احتمالية الفرضية “ف”، وفي تلك الحالة يقال أن الدليل “د” يُأكد الفرضية س. لكن حين يقلل الدليل من احتمالية الفرضية، يقال إن الدليل ينفي الفرضية. لو لاحظت ان زيادة احتمالية حدوث الشئ ليست نفس الشئ كـ تأكيده، وتقليل احتمالية ليست نفس الشئ كـ نفية لكن أتباع النظرية البايزية يحاولوا استبدال مفاهيم التأكيد بمفاهيم احتمالية جديدة.أي أن تحت المفهوم البايزي أن نقول أن نظرية ما مؤكدة هو القول فقط بأن احتمالاتها ازدادت، وقد تكون زيادة قليلة جدا ادت اللى ان الاحتمال اللاحق أصبح الاحتمال السابق طالما كان احتمال الدليل كافي لتحديث الاحتمال طبقا لقاعدة بايز الشرطية.
الآلة البايزية The Bayesian Machine
تخيل انك بتحاول معرفة ان كانت عملة ما مُحايدة اى انها غير مُنحازة لا تجاة الوجه (الملك) أو الظهر (الكتابة) .. من الممكن ان ترمى العملة المعدنية عشر مرات، على أمل الحصول على خمس مرات ملك وخمس مرات كتابة. كيف من الممكن أن نطبق قاعدة بايز الشرطية على هذا الدليل؟ .. في تلك الحالة سنحتاج لثلاثة قيم احتمالات ذاتية، احتمال سابق للفرضية “ف” بأن العملة مُحايدة، واحتمال سابق للدليل “د”، واحتمال الفرضية “ف” في وجود “د” ولابد من وضع قيم كمية لتلك الاحتمالات الثلاثة من خلال عملية عكسية نقوم فيها باتباع مسلمات وقواعد حساب الاحتمالات. لكن هذه العملية معقدة ومطولة ان تمت بشكل يدوى .. الجذاب في نظرية بايز ان الاحتمالات الذاتية من الممكن تحديدها بشكل اتوماتيكي بمجرد تحديد مجموعة من الاحتمالات يدويا. في حالة مثال العملة المعدنية بمجرد تحديد الاحتمالات السابقة للفرضية “ف” والاحتمالات الاخرى المنافسة لها، بقليل من الفلسفة والرياضيات من الممكن الحصول احتمالية الفرضية في حالة الدليل. نبدأ بإمكانية احتمالية الحصول على خمس مرات ملك في حال رمى العملة 10 مرات وافتراض أن العملة مُحايدة. بما أن المُحايدة يتبع منها القسمة العادلة بين وجهى العملة إذن احتمال الحصول على الملك 0.5 أو 50% بغض النظر كم مرة رمينا العملة. وبالتالى من المنطقى أن نحدد قيمة احتمال الفرضية في حالة وجود الدليل ب 50%، الفكرة البديهية دى بيطلق عليها مبدأ ميلر Miller’s Principle وفي أحيان أخرى قد يطلق عليها مبدأ تنسيق الاحتمالات Probability Coordination Principle أو اختصارا PCP. النظرية البايزية بتعتمد هذا المبدأ في تحديد إمكانية او احتمالية الفرضيات في حالة ظهور الدليل كى تقلل من عناء وضع تلك الاحتمالات بشكل يدوي. إذن لو كانت الفرضيات المتنافسة تضع احتمالات محددة ذات قيمة احتمالية محددة للدليل تشكل مجموعة حصرية ومتبادلة، إذن كم خلال مبدأ ميلر، وحساب الاحتمالات ومضاعف بايز من الممكن تحديد جميع الفرضيات بمجرد تحديد احتمالاتها السابقة. بهذا الشكل يصبح المطلوب من العلماء وضع مجموعة صغيرة ومحدودة جدا من الاحتمالات في البداية قبل ظهور أى أدلة، اى أن العالم لابد أن يضع قيم للأحتمالات الذاتية لكل فرضية علمية ممكنة متنافسة لتفسير ظاهرة ما. وباقي الاحتمالات سيتم الحصول عليها بتطبيق مبدأ ميلر وقواعد حساب الاحتمالات، التأكيد البايزي Bayesian confirmation بيعمل كآلة مميكنة، تدخل الاحتمالات المبدئية وتقدم الأدلة للفرضيات المتنافسة ودع حساب الاحتمالات يُأكد الفرضية.
تقييم البايزية Assessing Bayesianism
تحت قواعد المدرسة البايزية بنبدأ بمجموعة من الاحتمالات المبدئية للعديد من الفرضيات، التي بنحدثها مع ظهور الأدلة. المجال حر تمام ومفتوح لأختيار المجموعة دى من الاحتمالات المبدئية، بمعنى انه لاتوجد مجموعة أولية من الاحتمالات افضل من مجموعة أخرى، طالما أنها بتتبع قواعد ومسلمات حساب الاحتمالات. الفكرة دى محل نزاع في النظرية البايزية البعض رأى أنها نقطة ضعف والبعض الآخر رآها على العكس نقطة قوة! .. نقطة ضعف لأن النظرية لا تقدم اى ادوات لنقد الاحتمالات المبدئية مهما كانت غريبة أو عجيبة، وقد نجادل أن النتيجة اللى سنتهى إليها بعد ظهور الأدلة ستكون وثيقة الارتباط بالاحتمالات التي بدأنها بيها! .. لكن ده جانب واحد فقط من الحقيقة .. لان بالرغم فعلا من أن الاحتمالات الأولى بيتم اختيارها بحرية تامة وقد تكون عجيبة جدا طالما أنها اتبعت مسلمات حساب الاحتمالات، إلا أنها بتختفى تدريجيا في كثير من الاحيان مع ظهور الادلة الداعمة او الناقدة طالما اتبعنا قواعد المنطق السليم في تطوير تلك الاحتمالات. اى ان الاحتمالات المبدئية بتقل أهميتها كلما ظهرت أدلة جديدة. مثلا لو فى شخصين لديهم مجموعتين مختلفتين من الاحتمالات المبدئية حول فرضية س، لكن نفس إمكانية الحصول على الادلة “د1″، “د”2،”د3″، الخ .. دلوقتى تخيل ان الفردين توصلوا لنفس الأدلة. بالتالى احتمالية الفردين للفرضية س ستقترب أكثر وأكثر من بعضها البعض، ومن الممكن رياضيا إثبات أن لاى عدد طبيعي جائز من الاختلافات ما بين مجموعتين من الاحتمالات المبدئية، لابد من وجود عدد طبيعي محدد من الأدلة الكافية انها تجعل المجموعتين يلتقيا حول احتمال واحد حول الفرضية. إذن الاختلافات المبدئية للاحتمالات بتقل مع ازدياد عدد الأدلة. عملية التقاء convergence الاحتمالات دى قد تأخذ مدة زمنية طويلة، حتى تتوفر جميع الادلة، مدة زمنية ليس لها تأثير في الإثبات الرياضي نظريا لكن من غير الممكن تحقيقها عمليا. وبالتالى لابد وأن نقبل مع المجال المفتوح لاختيار اى عدد من الاحتمالات هيكون من الجائز وجود مجموعة من الاحتمالات المبدئية الأدلة لن تكون كافية للألتقائها في فترة زمنية عملية. ومن هنا بعض أنصار النظرية البايزية حاولوا يحددوا قواعد حاكمة لمجموعة الاحتمالات المبدئية. لكن هناك إشكالية أخرى في فكرة إلتقاء الاحتمالات المبدئية وهي افتراض أن بالرغم من اختلاف الاحتمالات المبدئية المتعددة حول الفرضية، إلا أن إمكانيات الادلة أو احتمالات الفرضية في وجود الادلة واحدة .. لكن ايه الاساس اللى علية اعتقدنا أن احتمالات الفرضية في وجود الادلة ستتفق أو تتقابل؟ .. لية الأفراد التي بتختلف جذريا حول احتمالات فرضية ما من الممكن أن تتفق حول امكانية الأدلة؟ .. خلافتهم في الغالب ستؤثر على رؤيتهم حول الادلة الممكنة والمطلوبة لتأكيد أحتمالتهم. أدبيات النظرية البايزية عادة ما بتستخدم أمثلة على شاكلة العاب القمار يبدو فيها أن إمكانية وجود أدلة تتلاقي في النهاية أمر معقول، لكن الامثلة دى نظرية وغير تقليدية في الواقع. الإشكالية دى في النظرية البايزية من الصعب تحديد أثرها خصوصا ان الاحتمالات المبدئية أساسية في الرد القياسي للنظرية على لغز جودمان للاستدلال Goodman’s new riddle of induction اللى تعرضنا له في حلقة إشكالية المنطق والتجريبية. اللغز من الممكن تبسيطه في المثال الآتي .. لو أمامنا جديلتين استدلاليتين قائمتين على ملاحظة مجموعة من الزمرد الاخضر .. الاولي خلصت لان كل الزمرد لونة أخضر، والثانية كل الزمرد لونة جرو (جرو كلمة افتراضية معنها ان الشئ المُلاحظ قبل سنة 2019 لونه أخضر وبعد 2019 لونه أزرق) .. لماذا نفترض ان هناك جدلية أصح من الاخرى؟ .. لو فاكر من مناقشتنا السابقة من غير الممكن التفريق ما بين تلك الجديلتين. رد النظرية البايزية أن كلا الجديلتين صحيحتين، لان كلاهما تأكدت بملاحظة زمرد أخضر . لكن مع ذلك فرضية جميع الزمرد أخضر بالنسبة لمعظم الناس سيكون لها أحتمال مسبق أعلى بكثير من فرضية جميع الزمرد جرو. وبالتالي بالرغم من أن كلا من الفرضيتين تأكدتا بالملاحظة الا ان احتمالية فرضية كل الزمرد أخضر ستكون الأكثر قبولا .. وفعلا ده بيضع فرق ما بين الجدليتين، لكن مش من الواضح لماذا ستكون احتمالية فرضية جميع الزمرد جرو أقل؟ .. لأن الفرد قد يبدأ باحتمالية أن جميع الزمرد جرو كالاحتمالية الوحيدة والملاحظة ستأكدها لان لا يوجد هناك ما يمنع في الرؤية البايزية ما يمنع اعتناق أى احتمالات مبدئية طالما اتبعت قواعد حساب الاحتمالات.
إشكالية الدليل القديم The Problem of Old Evidence
أحد أهم نتائج نظرية الجاذبية لنيوتن كان قدرتها على التنبؤ بالمد والجزر و المدار القمرى. وفي الغالب هذا النجاح كان وراء تأكيد النظرية، أو باستخدام اصطلاح بايزى، الحقائق المُلاحظة عن المد والجزر زادت من احتمالية النظرية النيوتنية. لكن في الواقع لا يجوز للبيزنين أن يستخدموا هذا الادعاء، لان الحقائق حول المد والجزر كانت معروفة بالفعل وقت وضع نيوتن لنظريتة، أي أن احتمالية الدليل كانت قيمتها واحد لأنه تم العثور عليه بالفعل، وبالتالي احتمالية الدليل واحتمالية النظرية في حالة العثور على الدليل اصبحتا متساويين لأن الدليل كان موجود بالفعل وقت وضع النظرية، أي أن المُضعاف البيزى قيمته كانت واحد، وبالتالي نظرية نيوتن لم تزداد احتماليتها من وضعها تنبؤ بحدوث المد والجزر! … المشكلة من الممكن تعميمها فى حالة “الدليل القديم old evidence” .. لو الدليل “د” تم العثور عليه قبل وضع الفرضية “س”، إذن “د” غير قادر على رفع احتمالية “س” من خلال استخدام الاحتمال الشرطي. الإشكالية دى فى الحقيقة هى المعضلة الكبيرة محل بحث أنصار المدرسة البايزية، وتم طرح عدد من الطرق للتعامل معها، لكنها كلها كانت غير مقنعة. الاشكالية ان لو نظرية ما تم اكتشافها خلال عملية البحث، لابد من وضع قيمة سابقة على النظرية. وضع قيمة سابقة على ارضية غير تجريبية، قبل ما نبدأ بتقييم النظرية شرطيا من خلال كل الادلة التى تم العثور عليها حتى تلك اللحظة، لكن لأن الأدلة القديمة قيمة احتمالها واحد أو 100% لان تم العثور عليها بالفعل، يصبح الإثبات الشرطى عديم القيمة. الرد الأول على المعضلة هو أن تعتبر الدليل المكتشف وقت وضع النظرية جزء من النظرية نفسها او الحالة السابقة وبالتالي لا يمكن استخدامة كمعامل شرطى في اثبات او نفي النظرية، لكنه يصبح الاحتمال المسبق لنظريتك Prior بما ان لاتوجد قيود على اختيار الاحتمالات السابقة على الفرضية. رد اخر بيتطلب مراجعة جذرية لمشروطية بايز. وذلك بدلا من استخدام الاحتمال الفعلى للادلة القديمة او التى عثر عليها بالفعل، استخدام احتمالية الادلة المضادة counterfactual لها زى مثلا الاحتمالات المضادة قبل اكتشاف الدليل، ده بيقدم طريقة طبيعية لوضع شروط نفي ضد الأدلة القديمة، لكن الصعوبة في أختيار تلك الاحتمالات المضادة مسبقا دفع العديد من أنصار النظرية البايزية هجر هذا الحل. الحل الثالث واللى غالبا الاكثر شهرة، بيقول بالرغم من ان وضع مشروطية على الدليل قديم او المكتشف بالفعل لن يكون له تأثير على احتمالية النظرية، وضع مشروطية على حقيقة أن النظرية تتنبأ بالدليل قد يكون له تأثير. الفكرة ان قبل وضع النظرية لم تكن تعرف أن الدليل سيتبع منها، لكن بمجرد وضع النظرية وقيمة لاحتمالية السابقة عليها، من الممكن أن تكون مشروطيتها قائمة على أن تحقق تبعية الدليل من النظرية. في الحقيقة هناك صعوبات في الرد ده. الاولى ان التبعيات هى حقائق منطقية، اللى طبقا لحساب الاحتمالات لابد من وضع قيمة لها واحدة في المرة. جعل الحقائق المنطقية قديمة كالدليل نفسه. الصعوبة الثانية هي أن نظرية الشرطية على الحقائق المنطقية لم يتم تطويرها بالقدر الكافي كما تطورت النظرية البايزية.
الواقعية العلمية والاستدلال بالإزالة Scientific Realism and Eliminative Inference
من الجائز أن تنتصر النظرية البايزية في نهاية المطاف في الصراع القائم حولها الآن. لكن قبل ما أختم جولتنا حول الطرح الاحتمالي لحل إشكالية التأكيد، سأعرض عليك بعض النظريات الأخرى، اللى قد تندرج تحت نفس المدرسة الاحتمالية بالرغم أن مش من الواضح ان كانت تلك النظريات في حالة منافسة أو تكامل مع النظرية البايزية . على اى حال المدرسة التجريبية في غالب القرن العشرين ركزت مناقشتها حول الدليل على صورة مبسطة جدا لكا يجب أن يحققه الاختبار العلمي، ببساطة هدف الاختبارات والتجارب العلمية هو اما تأكيد أو نفي التعميمات التى تطرحها النظريات من خلال المُلاحظة. في حالة النفي المنطق الاستنتاجي deductive logic سيكون كافي، اما في حالة التأكيد من الممكن استخدام صور خاصة من المنطق الاستقرائي inductive logic للوصول للحقيقة. لكن هذة الرؤية فشلت كما رأينا في الحلقات السابقة، فشلت من حيث عقلانيتها واتساقها الداخلي، وفشلت من حيث عمليتها للأستخدام داخل الدوائر العلمية. لكن أحد الصور البديلة لهدف الاختبار في العلم هي أن الاختبار العلمي عادة ما يكون محاولة للأختيار ما بين فرضيتين متنافستين حول التركيب الخفي او البعيد عن حواسنا للعالم الطبيعي. هذه الفرضيات عادة ما يتم التعبير عنها من خلال النماذج الرياضية، او التركيبات اللغوية، او بصور أخرى خارج نطاق طرحنا الحالي. أحيانا تلك التركيبات الخفية المُقترحة قد تعد مُسببات لظواهر طبيعية، وأحيانا قد تكون علاقات رياضية من الصعب ترجمتها لصورة بديهية من السبب والنتيجة يسهل علينا استيعابها بديهيا. وأحيانا قد يكون الهدف وضع تفسير جديد بالمرة، واحيان اخرى وصف بعض التفاصيل داخل نظرية أكبر. أحيانا الهدف قد يكون فهم أنماط طبيعية عامة، وأحيان أخرى قد يكون الهدف بناء صورة الأحداث وترتيبها الزمني في الماضي. في بداية الثورة العلمية كان من الشائع جدا رؤية إشكالية الدليل من خلال مثال الساعة، العالم يلاحظ حركة عقارب الساعة من الخارج ويحاول بناء استنباطات عن كيفية حركة تلك العقارب داخليا في الساعة. هذا المثال محدود جدا في التعبير عن حقيقة عمل العلم، لكنه في الواقع أقرب كثير لحقيقة العلم عن كثير من الصور المطروحة في غالب أدبيات الفلسفة التجريبية في القرن العشرين. محاولة التعامل مع اشكالية الدليل من خلال المنظور الواقعي ده قد تساعدنا في الوصول لطرح أكثر عملية لهدف عملية الاختبار العلمي. كون Kuhn ولودن Laudan أكدا بشكل صحيح أن النظريات والنماذج العلمية المختلفة بتضع معيار صحة النظرية العلمية معها. وبالتالي قد نقبل صورة تعددية لنظرية الأدلة في العلم. بمجرد انتقالنا تجاه صورة واقعية للعلم Scientific Realism يصبح من الجوهري ضرورة فهم الاستدلال التفسيري explanatory inference في اى عملية اختبار علمية. الاستدلال التوضيحي زي ما ناقشنا على مدار الحلقات السابقة هو استنباط فرضية من مجموعة من البيانات حول تركيب، عملية، أو كائن ما في الطبيعة بصورة تسمح بتفسير تلك البيانات. في الواقعية العلمية الاستدلال التفسيري أكثر اهمية لعملية البحث العلمي اليومية من المفاهيم النظرية الفلسفية حول الاستقراء induction. الاستنباطات الجيدة حول ما يمكن التنبؤ به، الأنماط التى من الممكن ان نتوقع حدوثها او استمرارها في تجاربنا اليومية، وكيفية عمل العمليات الطبيعية كلها ذات فائدة عملية مباشرة ملموسة في حياة البشر، في حين أن الفلاسفة لم يحرزوا الكثير من التقدم في فهم الاستدلال التفسيري explanatory inference. لكنها كانت فكرة مهملة لسنوات طويلة داخل فلسفة العلم لأن التجريبين انشغلوا بالبحث في طبيعة الاستقراء. أحد الصور المهمة لعملية الاستدلال التفسيري هى الاستدلال من خلال ازالة الاحتمالات Eliminative inference ..أو الاستدلال بطريقة شارلوك هولمز نسبة لشخصية المحقق الانجليزي الخيالية، اللى من خلالها يمكن الاستدلال على الحقيقة من خلال إزالة الاحتمالات الاخرى. الطريقة دى تم تجاهلها في غالب الوقت داخل فلسفة العلم في القرن العشرين، غالبا لأن فلاسفة العلم عادة ما افترضوا أن هناك عدد لانهائى من الاحتمالات البديلة لأي نظرية علمية. وبالتالي من المستحيل ازالة كل الفرضيات المنافسة، في حين أن الفكرة في جوهرها سليمة الا ان من الممكن ان نحد من هذا العدد اللانهائي من النظريات من خلال التقيد فقط بالنظريات البديلة ذات الصلة بالنظرية موضع الاختبار relevant alternatives وفي تلك الحالة من الممكن الاستدلال على صحتها من خلال ازالة الفرضيات الغير صحيحة. في الحقيقة الفكرة دى طرحها الكيميائي الأمريكي جون بلات John Platt في ورقة بحثية (انصحك بقرائتها) بعنوان “الاستدلال القوى Strong Inference ” نشرها ستة 1964 وركز فيها على فكرة الاستدلال من خلال ازالة الفرضيات المنافسة، وبدت فيها رؤية كصورة معدلة لنظرية قابلية النفي لكارل بوبر. لكن الورقة تم تجاهلها من غالب الفلاسفة في تلك الفترة، لكن بعض العلماء اخذوها بعين الاعتبار. وفي السنوات الاخيرة، الفلاسفة عادوا لأحياء أطروحة الاستدلال من خلال الاختزال مرة أخرى. على سبيل المثال الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون أيرمان John Earman طرح في كتابة البديع “بايز أم الإفلاس؟ Bayes or bust?” اللى نشرة سنة 1992 إطار عمل للأستدلال العلمي دون الاعتماد على أفكار احتمالية او بايزية بالمرة . والفيلسوف الإنجليزي المعاصر فيليب كيتشر Philip Kitcher طرح إطار عمل مشابه غير معتمد على النظرية البايزية الاحتمالية في كتابه المهم “تقدم العلوم The Advancement of Science” اللى نشرة سنة 1993. على اى حال الاستدلال من خلال الازالة قد يتم في صورة استنتاجية او غير استنتاجية. في أبسط صورة من الممكن إزالة كافة الفرضيات المنافسة ماعدا فرضية واحدة. وفي تلك الحالة من الممكن وضع حجة استنتاجية deductive argument قوية وسليمة طالما كانت إدعائها سلمية. تقريبا معظم صور المنطق اللى استخدمها آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle في حجج شخصيته الخيالية المحقق شارلوك هولمز. لكن الصور الغير استنتاجية من الممكن مقابلتها في حالتين. الاولي قد نكون غير قادرين على ازالة بعض الفرضيات بشكل قاطع، في تلك الحالة قد نكون قادرين على اظهار ان كافة الفرضيات من غير المُحتمل أن تكون صحيحة باستثناء فرضية واحدة. وثانيا قد نكون قادرين على ازالة معظم الفرضيات المنافسة لكن ليس كلها. وفي تلك الحالة مع ازالة عدد أكبر من الفرضيات المنافسة قد تكتسب تلك الفرضية دعم جزئي، لكن بالطبع يبقى الشك حول صحتها طالما بقيت هناك فرضيات اخرى منافسة قوية. وفي تلك الحالة من الممكن ان نقول ان من المرجح ان النظرية صحيحة. بكل تأكيد في الحالات الغير استنتاجية مثل الامثلة السابقة، من الممكن استخدام مزيج من الاستدلال من خلال الإزالة والنظرية البايزية اللى بتعطينا طريقة محددة للتعامل مع الاحتمالات. لان النظرية البايزية بتتعامل مع الالة بطريقة قائمة في الأساس على المقارنة حتى تكتسب فرضية ما صحتها وتخسر الفرضية الاخرى. إذن تتكون علاقة تكاملية بين الاستدلال من خلال الإزالة والنظرية البايزية في تلك الحالة. في الواقع الاستدلال من خلال الإزالة طبيعية جدا في العملية العلمية، والعلماء بيطرحوا جدلياتهم وحجتهم في غالب الوقت من خلال عملية ازالة الفرضيات، وبالتالي الفكرة ليست مجرد شطح فلسفي أو نظرى. و عملية الإزالة Elimination مهمة جدا في فهم الحالات الصعبة التى تتعامل معها نظرية الاستدلال التفسيري، الحالات اللى بيتم فيها وضع تفسيرات، نماذج، ونظريات جديدة كاملة. لان في تلك الحالات عادة ما بتتم مقارنة ما بين ما هو قائم من الفرضيات او النظريات لتفسير الظاهرة والفرضية الجديدة، ولابد من ازالة إحدى النظريتين. مثلا نظرية التطور لدارون في مقابل نظرية تنوع صور الحياة على الأرض من خلال عملية الخلق. أو فيزياء جاليلو في مقابل الفيزياء الارسطوطالية. أو نظرية سكينر السلوكية للغة في مقابل مقاربة تشومسكي المعرفية، الخ .. لكن في الحقيقة، بالنظر لتاريخ العلم، يصبح من الواضح لنا أن الصعوبة الكبرى اللى تواجه الجدليات الأزالية هو كيف من الممكن ان نعرف ونتأكد أننا أزلنا كل الفرضيات البديلة الممكنة؟ .. وقد يجادل البعض ان العلماء بشكل عام بيميلوا للثقة المُبالغ فيها في انهم ازالوا كافة الفرضيات البديلة! .. ودى حاجة غير مبالغ فيها، لان من السهل علينا أن نعتقد ان العلماء قد أخذوا في الاعتبار كافة البدائل الممكنة لفرضية ما، لكن الواقع قد يكون مختلف، خصوصا عندما يثبت خطأ النظرية وتظهر نظريات جديدة، في تلك الحالة يظهر أن العلماء لما يأخذوا بعين الاعتبار كافة البدائل! .. اذن الاستدلال من خلال الازالة قد يكون لنجاحات كبيرة في العلم لكنه ايضا قد يكون لفشل كبير خلال عملية البحث عن الحقيقة. على اى حال في اعتقادى الاستدلال من خلال الازالة لابد وان يكون جزء من اى نظرية فلسفية تحاول تفسير الاختبار والادلة في العلم، من الجائز لن تكون جوهر تلك النظرية لكنها بكل تأكيد ستلعب دور مهم.
في الورقة البحثية اللى نشرت بعد عشرات السنوات من موت عالم الرياضيات والاحصاء الإنجليزي توماس بايز Thomas Bayes “مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances”، بايز فجر ثورة رياضية، فلسفية، وعلمية لم تمتد حياتة كي يرى آثارها الايجابية على المعرفة البشرية لأنها لم تشتعل حتى النصف الثاني من القرن العشرين قبل يتخذ المجتمع العملي منحى بايزياً في البحث عن الحقيقة. من الفيزياء الطبيعية، لأبحاث السرطان، من الذكاء الاصطناعي لعلم النفس! الفيزيائين بيضعوا تفسيرات و اطروحات بايزية لميكانيكا الكم quantum mechanics، ويدافعوا عن نظرية الأوتار String Theory وتعدد العوالم multiverse من على أرضية بايزية. والفلاسفة يجادلوا أن العلم في مجملة من الممكن رؤيته كعملية بايزية احتمالية، والقاعدة البايزية قادرة وكافية لتفريق العلم الحقيقي عن الزائف. الباحثين في الذكاء الاصطناعي بداية بمصممي السيارات ذاتية القيادة، لأجهزة المساعدة الصوتية، للشبكات الاجتماعية بيوظفوا الطريقة البايزية لتطوير قدرة الآلات على التعرف على الأنماط بصورها المتعددة في المجالات المختلفة فتصبح صناعة القرار بداخلها ذاتية من خلال خوارزميات التعلم الآلي! .. الآلية البايزية عاملة اليوم في جميع مناحي الحياة، من فرز رسائل البريد الإلكتروني الغير مرغوب فيها، لتقييم المخاطر الطبية والدولية، حتى في فك شفرة الحمض النووي، وغيرها الالاف التطبيقات. وكثير من علماء الإدراك يفسروا ظاهرة المخ البشري كصورة بيولوجية من الآلة البايزية . برهان بايز طريقة لحساب صحة المعتقدات، الفرضيات، أو الادعاءات بُناء على أفضل الأدلة المُتاحة من خلال التجربة، المُلاحظة، والبيانات. لو حاولت تلخيص الفكرة البايزية في جملة واحدة أعتقد ستكون “المعتقدات المبدئية بالاضافة لأدلة جديدة تساوى معتقدات جديدة أفضل”. الرؤية البايزية لم تنكر أن واقعية العالم المجردة المطلقة، لكن ادعت أن البشر لن يكونوا قادرين أبدا على الوصول إلى الحقيقة المطلقة للواقع، لكن تزداد درجة اقترابهم من الحقيقة مع كل تجربة يتم اجرائها ومعلومة جديدة يتم اضافتها. المعرفة المطلقة لا يمكن نفيها بالدليل القاطع. لأنها ليست قائمة على الاحتمالية. عالم الإحصاء الأمريكي المعاصر نيثان سيلفر Nate Silver في كتابه البديع “الإشارة والضجيج the signal and the noise” جادل أن المناظرات بين افراد معتقداتهم المبدئية 100% وأفراد معتقداتهم المبدئية 0% حول فرضية ما عديمة القيمة، غياب القيمة الاحتمالية سيبقى ابدا سدا منيع للتواصل بينهم و عائق أمام الوصول للحقيقة المجردة، التى قد نقترب منها أبعد ما يكون لكن لن نمتلكها ابدا!
القصة اللى بدأنا بيها .. مقتبسة عن قصة الفيلم الوثائقي القصير ” في الأعماق In Deep Water” اللى قدمة المخرج الامريكي ستيفين ليكارت Steven Leckart على شبكة ESPN الأمريكية وتابع فيه القصة الحقيقة للعثور على السفينة الغارقة The SS Central America الغارقة سنة 1857 و اللى قام بيها فريق بحثي بقيادة تومي تومسون Tommy Thompson سنة 1988 واللى اعتمد في بحثة على طريقة رياضية قائمة على نظريات بايز الاحتمالية وشهادات الناجين من السفينة لوضع فرضيات للتنبؤ بموقع السفينة. بعد النجاح الكبير اللى حققة تومي هو وفريقة باكتشاف السفينة الغارقة وعلى متنها سفينة غارقة منذ أكثر من 150 عام في أكبر مسطح مائي على وجه الارض، اذن العثور على كل الحقائق الاخرى ممكن فقط ان اتبعنا الاحتمال البايزي! .. تومي نشر تفاصيل عملية البحث عن الكنز بتفاصيلها الرياضية، البحرية، والتحقيقة في كتابة “كنز أمريكا المفقود America’s Lost Treasure” اللى نشرة سنة 1998 .. قصة محقق يحاول العثور على دليل كالابرة في كون ضخم من القش! … لكن للأسف نهاية قصة تومي لم تكن سعيدة، بالرغم من أن شركته باعت الذهب سنة 2000 بقيمة تعدت ال50 مليون دولار، الا ان الديون أحاطت به من كل جانب سواء من أتعاب المحاماة ضد شركات التأمين او مستحقات المستثمرين. في نهاية الأمر تومي اختفى لسنوات بأموال طائلة قبل أن تعثر علية السلطات الفيدرالية سنة 2015 ومازالت قضيتة منظورة أمام المحاكم الفيدرالية الامريكية، قصة اجتمعت فيها روح المغامرة المستثمر، عبقرية العقل والطمع الإنساني!
ودلوقتى … تأمل للحظات المعرفة التي اكتسبتها عبر حياتك .. ماهى درجة ثقتك في صحة تلك المعرفة؟ .. هل أقتربت من اليقين؟ .. وهل من الممكن أن تقترب أبدا من اليقين؟ .. من الجائز أن تبقى المعرفة احتمالية الى الابد … لكن السؤال هل النظرية البايزية قادرة على حل إشكالية التأكيد والدليل في العلم؟ .. وهل قاعدة بايز قادرة على تمييز العلم الحقيقي من الزائف؟ .. أم أن البحث مازال جارى عن نظرية شاملة للتأكد في العلم؟ .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP54/EP54_2019_10_31.mp3
في الحلقة الجاية … هنكمل رحلة البحث في طبيعة العلم، في جولة أخيرة هناقش فيها أبعاد الإشكالات العقلية والمنطقية اللى فتحت أبوابها المجتمعات العلمية الحديثة! … عن تعدد النماذج … الواقعية الجديدة .. المثالية العلمية .. ومستقبل فلسفة العلم .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك:
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
https://goo.gl/GeKj3K
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
https://goo.gl/RRfoqg
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
https://goo.gl/DfrzG4
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
https://goo.gl/c2eosa
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
https://goo.gl/Dc53as
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
https://goo.gl/5khso5
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
https://goo.gl/BwQf5o
الواقعية العلمية Scientific Realism
https://stanford.io/2RKYOkC
http://bit.ly/2Pxv1uB
إشكالية التأكيد Problem of Confirmation
https://stanford.io/2K5VZqN
إشكالية التفسير Problem of Explanation
https://stanford.io/2KamlYI
الاستدلال الاستقرائي inductive inference
http://bit.ly/2K5VhtB
مدرسة البايزية الاحتمالية Bayesianism
http://bit.ly/32ffC6K
نظرية الاحتمالات Probability Theory
http://bit.ly/2C8dxPo
توماس بايز Thomas Bayes
http://bit.ly/3398NVL
مقال نحو حل مشكلة الاحتمالات An Essay towards solving a Problem in the Doctrine of Chances
http://bit.ly/2PU58Yj
ريتشارد بريز Richard Price
http://bit.ly/2JM8yIp
نظرية الاحتمالات الذاتية Subjective Probability
http://bit.ly/2PMWIBJ
الحقيقة والاحتمال Truth and probability
http://bit.ly/36uM7RZ
فرانك رمزي Frank P. Ramsey
http://bit.ly/2pCPzt7
جون أيرمان John Earman
http://bit.ly/32ipAoh
بايز أم الإفلاس؟ Bayes or bust?
http://bit.ly/2Ca7OIZ
الإشارة والضجيج the signal and the noise
http://bit.ly/2WEPgtJ
In Deep Water
https://53eig.ht/2CbrNXI
Music Credit
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Jurrivh – Lucid Dream
http://bit.ly/33hDdFm
Brandon Fiechter – Fairy Realm
http://bit.ly/2CbqcBn
Derek Fiechter – Dance of the Shadows
http://bit.ly/2NFnVDB
Brandon Fiechter – Waltz of the Fairies
http://bit.ly/2NvL1MU
Derek Fiechter, Brandon Fiechter – Fey Folk
http://bit.ly/36vVQr5
Adrian von Ziegler – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
Lucas King – Victim
http://bit.ly/2RLBCmm
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
kalam Falsfa كلام فلسفة » Episodes is made with Jetpack Podcast. Full show notes and every episode at https://kalamfalsfa.wordpress.com/
From the publisher's feed

3,695 Listeners

70 Listeners

23 Listeners

0 Listeners