Kalam Falsfa كلام فلسفة

EP56: Foundations of Logic أُسس علم المنطق


Listen Later

تخيل أنك في قاعة مُحكمة، تشهد قضية قتل رجل أعمال، مُتهم فيها شريكة. ممثل الادعاء يبدأ مرافعته، السادة القضاة، هيئة المحكمة الموقرة. لقد سمعنا أقوال الشاهدين على مدى الأيام القليلة الماضية في حادثة القتل الوحشية للسيد: حسن جلال في مقر شركته بمدينة القاهرة بعد ظهر يوم 10 ديسمبر. المُدعى عليه، السيد محمود علي يصر على أنه ليس لديه دافع لقتل شريكة السيد حسن. ومع ذلك فالديون تحاصره من كل جانب، كما هو ثابت من شهادة مطلقته عدم استقرار حالته النفسية. هذا بالاضافة لشهادة موظفيه وعملائه الذين اقروا بالرغم من انهم عملوا معه لسنوات عديدة إلا انهم لايعرفون الكثير عنه، وبدا لهم غريب الأطوار في كثير من الأحيان. مُحامي السيد محمود يطالبنا بأن نصدق انه مجرد شخص خجول، انطوائي، غير قادر على أذية اى كائن حي! لكن ما يجب أن نصدق هو اما ان السيد محمود مواطن صالح او أنه مجرم عنيف. والرجل المُتهرب من ضرائبه لمدة عامين على التوالي لا يمكن اعتبارة مواطن شريف، سواء كان خجولا أو انطوائي! .. الجميع يعلم أن الكذب خطيئة. ومع ذلك، أقر السيد محمود أنه كذب على الشرطة عندما تم استجوابه المرة الاول بشأن مكان تواجده ليلة 10 ديسمبر. لكن بعد استجوابات اخرى، وصل الى علم الشرطة ان السيد محمود كان يُخطط السفر الى اليونان، الأمر الذي كان يمكنه من الهرب. السيد محمود شهد أن الرحلة كانت بخصوص شراكة مع أحد العملاء اليونانيون، بقليل من البحث توصل الى علمنا ان هذا الشريك اليوناني هو شركة مخالفة للقوانين المصرية وصدر حكم بشأن حظر علمها في السوق المصرية منذ سنوات، وإن دل هذا على شئ، فيدل على ان الطيور على أشكالها تقع، مجرم يعمل مع عصابة من المجرمين الهاربين. السيد محمود أعترف أنه في ليلة 10 ديسمبر وصل الى مقر الشركة في نفس التوقيت الذى هرب فيه القاتل! وأنه طارد القاتل في الشوارع الخلفية للشركة لكنه استطاع الهرب منه. لكني أذكركم مرة أخرى نحن امام كاذب محترف، كذب بالفعل مرة في أوراق التحقيقات الرسمية، كيف لنا أن نتوقع الصدق منه تلك المرة؟! .. وأخيرا، المحققين أثبتوا أن وجدوا قفازات القاتل في موقع الجريمة، ارتداها ليخفي بصمات جريمته الشنعاء، لكن عدالة السماء شاءت أن يرى الجميع السيد محمود وهو يجرب القفازات وانطبقت على حجم يدية بالضبط. لذا أطالب بتوقيع أقصى العقوبة على الجاني وتنفيذ نصوص مواد الإحالة الواردة لدى حضراتكم بقانون العقوبات. … تفتكر محمود فعلا كان القاتل؟ أم أنه برئ؟ .. ماهي أدلة إدانته أو براءته؟ .. وهل من الممكن صياغة تلك الأدلة في صورة حُجج منطقية؟  .. توقف لبرُهة، تأمل .. وحاول الاجابة على تلك التساؤلات.

محاور

ماهو المنطق؟، قوانين المنطق، المنطق والرياضيات، الحُجج، التعرف على الحُجج، الصور الغير جدلية، حُجج الاستنتاج والاستدلال، صور الحجة الاستنتاجية، صور الحجة الاستدلالية، الحقيقة، الصلاحية، والاحتمالية

ماهو المنطق؟ What is Logic

المنطق هو علم دراسة طرق ومبادئ التفكير القويم. قوام التفاعل داخل المجتمعات البشرية ومع الطبيعة قائم بالأساس على علمية التفكير، لكن ليس كل التفكير سليم ومعتدل، ومهمة المنطق منذ اللحظات الأولى لتاريخة المدون كانت البحث في ماهية آليات التفكير السليم، وطرق تفريق الحجج السليمة من الحجج الغير سليمة. المنطق دراسة علمية معيارية  normative بمعنى أنه لا يُدرس او يفسر كيف نفكر (دى مهمة علم النفس Psychologist) لكنة ما يجب أن نقوم به عند القيام بالتفكير السليم. الحُجة هي وحدة بناء الفكر. وبالتالي موضوع المنطق الأساسي. البشر تقوم بصياغة الحجج بشكل دائم من أجل عرض أفكارها، والدفاع عن نتائج تلك الحجج وإقناع الآخرين باعتناقها. لكن ليست كل الحجج على قدم المساواة، وبالتالي لابد وأن نسأل أنفسنا عند التعرض لأى حجة، هل نتيجة الحجة تتُبع من مُقدمتها؟ .. كى نجيب على هذا السؤال كان لابد للبشر أن تعتنق معيار تقييم كوني غير خاضع للنزعات والأهواء الذاتية، بالضرورة أصبح المعيار موضوعي Objective. في دراسة المنطق تصبح مهمة عالم المنطق Logician  هى أكتشاف المعايير الموضوعية لتقييم الحجج وتطبيقها. أنا سامع صوت اعتراضك بالفعل! … بتقول ان التفكير القويم ليس دائما الطريقة الوحيدة التى يعتمد عليها البشر لدعم أفكارهم وتأكيدها، أحيانا قد يلجأوا لتبرير معتقداتهم بناء على السلطة مثلا، العواطف، الإيمان، العادات والتقاليد وغيرها .. وده فعلا حقيقي. لكن عندما يريد البشر صنع قرارات وحقائق يمكن الاعتماد عليها كقاعدة متينة للوصول او الاقتراب من الحقيقة، التفكير العقلاني القويم هو أملهم الوحيد. من خلال طرق المنطق وأدواته. 

لكن كي نستطيع فهم أدوات وطرق المنطق لابد من فهم وحدات بنائه الأساسية أولا. بالرغم من ان كثير من تلك الأفكار التى سأقوم بعرضها الان ستبدو بسيطة وبديهية جدا بالنسبة لك، إلا أن من الضرورة جدا فهمها بعمق لانها اللبنة الأساسية التي سنقوم ببناء أفكار أكثر تعقيدا في المستقبل. كما أشرنا سابقا الحُجة arguments  هى وحدة بناء التفكير. و وحدة بناء الحجج أو الجدليات هى القضايا أو الاطروحات propositions. أى قضية أو أطروحة ما A proposition لها هدف واحد وهو تأكيد أو نفي شيئ ما. إذن كل قضية أو أطروحة قابلة للأثبات أو الدحض. إذن كل قضية أو أطروحة اما صواب أو خطأ True or False. مثلا أطروحة “الشمس تشرق كل صباح” صواب وتأكد شئ واحد وهو أن الشمس تشرق كل صباح. بالطبع هناك أطروحات او قضايا مازلنا عاجزين عن التأكد من صحتها. مثلا ” هناك حياة على كواكب أخرى غير الأرض” ..هذا الطرح يحاول أثبات شئ واحد وهو وجود حياة على الكواكب الاخرى، لكننا لم نستطع بعد من إثبات هذا الطرح أو نفية. وبالتالي تبقى قيمة الحقيقة لهذا الطرح مجهولة. قيمة الحقيقة Truth Value لأي قضية أو طرح قيمة ثنائية Binary اما صواب True  أو خطأ False. لو لاحظت القضايا والأطروحات اللى عرضتها في الامثلة ما هى إلا جمل لغوية Sentences. فعلا من القضايا من الممكن التعبير عنها من خلال صور لغوية متعددة الجمل اللغوية Sentences احدى طرق التعبير عن القضايا، لكنها ليست الطريقة الوحيدة. وبالتالي القضايا ليست متطابقة مع الجمل. الجمل هى وسيلة لعرض القضايا ليس أكثر. وليست كل الجمل بالضرورة تعبر عن قضايا. مثلا الجمل الاستفهامية لا تعبر عن أي طرح أو قضية مثلا “ماهو أسمك؟” جملة لاتعبر عن قضية وبالتالي لا تحتمل الصواب او الخطأ. أو الجمل الامرية “توقف عن الاستماع الآن” .. جملة أمرية لا تقدم أي قضية او طرح وبالتالي ليس لها قيمة حقيقة. وكذلك جمل التعجب، الاطراء، وغيرها من أشكال الجمل اللغوية المختلفة. وكما أشرنا منذ قليل هناك طرق عديدة للتعبير عن القضايا، ابسطها هو الجمل اللغوية، واللى قد تختلف من لغة لأخرى لكن الطرح يبقى واحدا. مثلا “الجو ممطر It is raining” جملتين لغويتين مختلفتين لكنها يعبرا عن نفس القضية أو الطرح. أو حتى في إطار نفس اللغة “أحمد يشرح قواعد المنطق”، “قواعد المنطق يشرحها أحمد” .. جميلتين لغويتين مختلفتين لكنهما يعبرا عن نفس القضية أو الطرح. إذن القضايا والأطروحات هو Proposition  الاصطلاح التقني المستخدم في علم المنطق للتعبير عن ما تشير إليه الجمل اللغوية. وبالتالي اصطلاح الجمل Sentence غير متطابق مع القضايا، لكن جرت العادة داخل ادبيات و رواقات علم المنطق لأستخدام الاصطلاحين بشكل تبادلي لأن مفهوم الفرق ما بينهم. وفي بعض الأحيان قد يستخدم البعض اصطلاح أخر وهو البيان أو التصريحات statement للإشارة لنفس المفهوم لكنها في نهاية الأمر تشير لنفس المعنى داخل علم المنطق. القضايا والأطروحات قد تكون بسيطة جدا في تركيبها لكنها أيضا قد تصبح شديدة التعقيد والغموض. تأمل الجملة دى مثلا “ينتج حوض الأمازون حوالي 20% من أكسجين الأرض، وينتج الكثير من الأمطار، ويعيش فيه العديد من صور الكائنات الحية المجهولة بالنسبة للبشر!” .. الجملة دى بتقدم ثلاث قضايا دفعة واحدة. وبما أن الثلاث قضايا مرتبطة ببعضها من خلال العطف “و” conjunctive بالتالي يتم تقييم قيمة الحقيقة  لكل قضية منهم على حدا، الامازون تنتج 20% من أكسجين الأرض (صواب أم خطأ) .. تنتج الكثير من الأمطار (صواب أم خطأ) وتعيش فيها العديد من صور الحياة المجهولة (صواب أم خطأ). لكن ليست هذه هي الصورة الوحيدة لجمل القضايا المركبة. مثلا هناك صور تبادلية disjunctive لا يتم فيها تقييم اى شق على حدا مثلا “الشمس ساطعة أو الشمس غائبة” .. هذا الطرح المركب صحيح في مجمله لأن الشمس لابد و ان تكون في حالة من الاثنين، لكن كل طرح مستقل قد يكون خطأ لأن الشمس ساطعة أطروحة خاطئة في المساء مثلا. مثال أخر على القضايا المركبة هو القضايا الشرطية hypothetical مثلا في مثال المفكر الفرنسي فولتير قال ” إن لم يكن هناك وجود لله، إذن من الضروري أن نخترعه!” .. أيضا في هذا المثال مركبي الطرح لا يمكن تأكيدها أو نفيها بشكل مستقل، فقط من الممكن تأكيد او نفي المركب الشرطي في مجملة “إن .. إذن” if–then ( سنعود في الحلقات المستقبلية لمناقشة منطق القضايا وتركيبات الجمل اللغوية) .. على اى حال ارجو ان الامثلة السابقة تكون وضحت لك ان التركيب الداخلي للقضايا والجمل المستخدمة للتعبير عنها جوهرى في عمل المنطق وتقييم تلك الحجج المبنية على تلك القضايا والأطروحات. 

قوانين المنطق The Laws of Logic

كما أشرنا الصيغة الرسمية لطرح الأفكار في تسلسل منطقي من الممكن تقييمه وتحليله هى الحُجج argument. والوحدة الأساسية لبناء الحُجج هى القضايا أو الجدليات propositions. تركيب الحُجج بسيط جدا كما أشرنا. مجموعة من المقدمات premises تقود لنتيجة Conclusion. المنطق ماهو الا ان كانت المقدمات تدعم النتيجة وكيف يتم هذا الدعم. الحُجة من الممكن أن تحتوى على نتيجة واحدة فقط. في واقع الأمر الحُجة تعرف بنتيجتها. لو أحتوت الحجة على أكثر من نتيجة تصبح هناك أكثر من حُجة. الشكل القياسي للحُجج Standard Form يبدأ بقائمة من المقدمات او الاطروحات عادة ما يتم ترقيم تلك الأطروحات لسهولة الاشارة اليها ومناقشتها، وتنتهى بقضية واحدة هى نتيجة الحُجة، عادة يكون هناك خط فاصل بين المقدمات والنتيجة. مثلا

(1) المقدمة الأولى

(2) المقدمة الثانية

—————————–

(3) إذن، النتيجة.

النتيجة لابد وأن تكون مدعومة بالمقدمات. من الجائز ان تحتوى الحُجة على عدد لانهائى من المقدمات. لكن ياترى هل هناك حد أدنى لعدد المقدمات؟ … في الحقيقة الإجابة اللى كثير من الناس بيتوقعها هو أن هناك حد أدنى وهو مقدمة واحدة .. لان الأسلوب الشائع في الكلام بين الناس عادة ما بيكون على صيغة “بما أن … مقدمة .. إذن .. نتيجة”  … لكن في الواقع الاجابة الرسمية هى إن الحد الأدنى للمقدمات هو صفر! … أيوة صفر .. اى من الممكن صياغة حُجة بدون اى مقدمات .. لكن ياترى ماهى الحُجة ان كانت لا توجد اى مقدمات؟! .. معنى هذا ان النتيجة مدعومة بلا شئ! .. وده يبدو أنه يتعارض مع مهمة المنطق الاولي، من المفترض اننا نقبل النتيجة فقط ان كانت هناك مقدمات تدعمها. لكن في الحقيقة لما علماء المنطق يسمحوا بحُجة بدون مقدمات، معناه أن نتيجة الحُجة تعنى لا يمكن نفي النتيجة، اى أن النتيجة من ثوابت البديهة، بدلا من ان نقول ان النتيجة مدعومة بالمنطق نقول انها نتيجة بديهية self-evident .. عارف ان الفكرة غريبة ومحيرة … لكن فكر في الامثلة التالية

(1) كل شئ مطابق لنفسه.

(2) الشئ أما يكون أو لا يكون

(3) لا يمكن أن يكون الشيء ولا يكون في نفس الوقت

(4) الشئ لا يمكن أن يكون أحمر وأخضر مثلا في نفس الوقت.

… ياترى اية اللى بيخلي الامثلة السابقة دى حقيقية؟ .. حاول تفكر في القضايا او الاطروحات المنطقية اللى من الممكن ان تدعمها .. في الغالب مش هتلاقي .. لو وصلت لحاجة ياريت تبعتها لي. الحقائق البديهية، هي حقائق لاتحتاج لاى أطروحة أخرى كي تدعمها. في الحقيقة الامثلة اللى قدمتها لك منذ لحظات بنقسم لفئتين، المثال الاول والثاني والثالث بيشكلوا ما يعرف في علم المنطق بقوانين المنطق laws of logic. المنطق له 3 قوانين أساسية فقط: القانون الاول هو

قانون الهوية The Law of Identity

“كل شئ مطابق لنفسه Everything is identical to itself”

. القانون الثاني هو

قانون الثالث المرفوع The Law of Excluded Middle

“الشئ أما يكون أو لا يكون Something is the case or it is not the case”

وأخيرا القانون الثالث،

قانون عدم التناقض The Law of Non-contradiction

“لا يمكن أن يكون الشيء ولا يكون في نفس الوقت It cannot be true that something is both the case and not the case at the same time”

.. أما المثال الرابع بيقع في فئة ما يعرف بـ الحقائق الميتافيزيقية الضرورية (إرجع لحلقات سلسلة ماوراء الطبيعة) .. وفي الحقيقة بعض الفلاسفة بيجادل ان هناك فئة ثالثة من الحقائق البديهية وهي الحقائق المشروطة Contingent Truth طالما لا يوجد ما ينفيها مثلا “هذه هى يدي، أشعر بها وأراها وأنا أكتب هذه الكلمات الآن!” .. الحقائق المُثبتة ذاتيا  Self-evident truths بديهية، ومن الصعب الجدال ضدها لانها واسعة الانتشار بين البشر ( خوض التجربة بنفسك، وحاول تقنع احد اصدقائك بأنك موجود وغير موجود في نفس اللحظة وانت بتكلمه! .. أو فكر مثلا لو شكيت في ان ايديك هى فعلا أيديك؟!) .. لكن البديهيات مش دائما بتكون حقيقية! .. مثلا قد أخطئ رؤية حجر بعيد على أنه كلب مثلا (إرجع لحلقة نظرية المعرفة الثلاثية) .. كيف نصل للمعرفة؟ لماذا نثق في المعرفة المكونة بالبديهة؟ .. بل والاصعب كيف من الممكن ان نبرر تلك المعرفة البديهية؟ .. دى أسئلة عسيرة جدا، حاولت بعض العقول البشرية الفذة التعامل معها عبر التاريخ .. الفيلسوف الاسترالي الانجليزي الأصل لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein في عملة المهم تحقيقات فلسفية Philosophical Investigations اللى نشرة سنة 1958 وصف الإشكالية ببلاغة وقال “عندما استنفذ كل المبررات، ما يبقى هو وصف الأشياء بأسمائها الحقيقة” .. قوانين المنطق الثلاثة هي قوانين المنطق الكلاسيكي classical logic، لكن هناك منظومات منطق غير كلاسيكية non-classical logic systems تحاول الاجابة على تلك الاسئلة بطريقة مختلفة. على سبيل المثال فرع منطق عدم التوافق paraconsistent logic (أحد فروع المنطق الحديثة يبحث ظاهرة التناقض بطرق مبتكرة) .. على سبيل المثال بعض علماء منطق عدم التوافق بيرفضوا قانون عدم التناقض من المنطق الكلاسيكي، و يزعمون بوجود تناقضات حقيقية في الواقع، مثلا الأفراد الحاملة لآراء أخلاقية مُتعارضة .. (على اى حال ده موضوع معقد وشائك خارج أطار بحثنا الحالي وقد نعود لمناقشته في المستقبل).

المنطق والرياضيات Logic and Mathematics

علم المنطق سابق على الرياضيات، وفي اعتقاد البعض أساسي وضروري لها. والمنطق يختلف كثير عن الرياضيات، لكن المنطق والرياضيات يتشابهوا في العديد من السمات الجوهرية. مثلا التفكير المجرد، واستخدام العمليات، عالم المنطق الألماني الشهير جوتلوب فريجه Gottlob Frege واللى عادة بيعد الأب الروحي لعلم المنطق الحديث. عكف لفترة كبير من حياتة العملية على مشروع يعرف بالمَنْطِقانِيَّة Logicism وكان طموحه هو اختزال الرياضيات بالكامل الى قواعد المنطق الاساسية. المهمة الأولى والأصعب كانت تعريف الارقام من خلال عمليات المنطق فقط. وبالتالي تكتسب الرياضيات عمومية قواعد وقوانين المنطق. في عملة الغير تقليدى “أسس علم الحساب The Foundations of Arithmetic” اللى نشرة سنة 1884 فريجة بدأ عملية اختزال الرياضيات الى المنطق بداية بالرقم صفر. وجادل أن الصفر هو نفي مبدأ ” التطابق مع الذات” المنطقي. لان لايوجد اى شئ ليس مُتطابق مع ذاته وبالتالي الصفر منطقيا يشير الى هذا المفهوم المنطقي! وبالتالي أضافة صفر لمجموعة من الأشياء مازالت المجموعة متطابقة مع نفسها. إذن من الممكن تعريف الصفر على أنه مجموعة الأشياء التى تقع تحت مبدأ “عدم التطابق مع الذات” .. توقف قليلا وتأمل تلك الفكرة البديعة. .. الان بعد ان عرفنا الصفر من خلال قواعد المنطق، من الممكن ان نعرف باقي الارقام من خلال مفهوم الصفر. مثلا الرقم واحد من الممكن تعريفه على أنه مبدأ “التطابق مع الصفر”، لان يوجد فقط مفهوم واحد فقط لتعريف الصفر، وبالتالي الواحد يصبح هو الرمز المُشير الى عدد المفاهيم المُعبرة عن عدم التطابق مع الذات (اللى هو مفهوم واحد فقط). الرقم اثنان، هو المفهوم الذي يُشير الى تعريف التطابق مع الصفر أو الواحد. وهكذا. المشروع كان بديع وجوهري في طرحه، وواحد من أهم الكتب اللى من الممكن أن تقرأها في حياتك.

 

لكن للأسف العقل الانجليزى الفذ عالم المنطق و الفيلسوف برتراند راسل Bertrand Russell أشار لمعضلة وفجوة كبيرة في المشروع هدمتة تماما، وأصبحت تعرف في أدبيات المنطق والفلسفة بمعضلة راسل Russell’s paradox. المعضلة في فكرة المجموعة الخالية Empty Set والمجموعات الشاملة Super Set . المجموعة الخالية هى المجموعة التى لاتحتوى على اى عناصر بها، والمجموعة الشاملة هى مجموعة مكونة من مجموعات أخرى. لو تصورنا مجموعة شاملة مكونة من مجموعة خالية. بديهيا، المجموعة الشاملة تصبح المجموعة الخالية، لأنها تشتمل فقط على مجموعة واحدة وهى المجموعة الخالية نفسها، لكن المجموعة الشاملة مكونة من عنصر واحد وهو المجموعة الخالية، وفي نفس الوقت مطابقة لتلك المجموعة الخالية، إذن المجموعة الخالية تحتوى على عنصر واحد فقط، لكن ده أمر مستحيل طبقا لتعريف المجموعة الخالية لانها لاتحتوى على اى عناصر. بصيغة تستطيع العقول الغير رياضية فهمها يبدو أننا خلقنا شئ من لاشئ! إذن لابد وان هناك شئ خاطئ في هذا المنطق. فريجة اعتمد على المجموعات الخالية والمجموعات الشاملة في مشروعة لتعريف الارقام من خلال المفاهيم المنطقية، الإشكالية التي طرحها راسل وضعت المشروع بالكمال في دائرة الشك، وللأسف عجز فريجة وراسل وعلماء المنطق والرياضيات حتى اللحظة عن إيجاد حل لتلك المعضلة، فهجر فريجة المشروع وتخلى عن الفكرة تماما، وظلت الرياضيات مُعرفة من خلال بديهيات لا نستطيع ايجاد ارضية لها في علم المنطق، قصة سنعود لتفاصيلها في حلقات سلسلة فلسفة الرياضيات في المستقبل!

الحُجج  Arguments

إذن القضايا والأطروحات propositions هى اللبنة الاساسية لبناء الحُجج  والجدليات argument. في أي حُجة الهدف هو تأكيد أو نفي أطروحة او قضية واحدة بناء على او باستخدام مجموعة أخرى من القضايا او الاطروحات. وفي تلك الحالة نقوم بعملية أستدلال أو استنباط inference. لو كنت متابع لحلقات كلام فلسفة بكل تأكيد سمعتني باستخدام المصطلح ده كثير قبل كدة. وفي أبسط طريقة ممكن اعرفة بيها، الاستدلال هو عملية نقوم فيها بربط مجموعة من القضايا والأطروحات ببعضها البعض. بعض الاستدلالات صحيحة، والبعض الآخر غير صحيح. عالم المنطق بيقوم بتحليل هذه التجمعات من القضايا المرتبطة ببعضها. ويقيم ان الأطروحات المبدئية واطروحة النهاية، والعلاقة بينهما.مجموعة القضايا دى تكون او تشكل ما يعرف بالحُجة argument الاصطلاح هنا تنقني في علم المنطق يشير لمجموعة القضايا المرتبطة ببعضها دى ولا يعنى الفكرة الشائعة في ذهن العامة بالحُجج والجدليات على انها صور من الخلافات والمناقشات الحادة. في المنطق الحُجة أو الجدلية تُشير بشكل محدد لاى مجموعة من القضايا او الاطروحات التى يُدعى أنها في حالة من الارتباط ويتبع بعضها البعض بحيث ان حقيقة احدهما تدعم التالية عليها وهكذا حتى النتيجة. وبالتالي لكل استدلال جائز توجد حُجة مكافئة.  الحجج ليست مجرد مجموعة من القضايا او الاطروحات في سلة! هذا التجمع يمتاز بصفة جوهرية وهى تركيبة structure. التركيب بيظهر الاستدلال الناتج عن ربط تلك القضايا. من الممكن وصف هذا التركيب من خلال فكرتين أساسيتين. المقدمات premise والنتيجة conclusion. نتيجة الحُجة هى القضية التى تحاول الحجة تأكيدها باستخدام القضايا والأطروحات الأخرى داخل الحجة. أما المقدمات، هى القضايا الاخرى المفترض انها مؤكدة وتقدم الدعم او السبب للأعتقاد في صحة أو تأكيد طرح النتيجة داخل الحُجة. في دراستنا للمنطق سنتعرض صور وأشكال متعددة من الحُجج في كافة مجالات الحياة من العلم، السياسة، القانون، الأخلاق، والدين . وفي كل واحدة من تلك الحُجج قد يكون هناك مدافعين ومهاجمين عن الحُجة، لكن مهمتنا كباحثين منطقيين موضوعين هو ترك آرائنا وتحيزاتنا الشخصية خارج معمل المنطق، ونبحث التركيب المنطقي لتلك الحجج بحيادية وان كانت بالفعل تقود لنتيجة صحيحة ومضمونة. الحُجج تتنوع جدا حسب درجة تعقيدها ووضوحها. بعضها شديد البساطة، لكن البعض الاخر شديد التعقيد أحيانا بسبب تركيب القضايا المطروحة او اللغة المستخدمة، واحيان اخرى بسبب تعقد العلاقات بين تلك القضايا. أبسط صور الحُجج التى قد تتعرض لها تتكون من مقدمة ونتيجة تتبع منها. وكل منهما مُعبر عنه بجملة واحدة. مثلا “لم يكن هناك أحد عندما ظهرت الحياة على سطح الأرض، إذن أى إدعاء عن مصدر الحياة لابد وأن يعتبر نظرية وليس حقيقة”. لكن النتيجة ليست دائما في نهاية الحُجة كما في المثال السابق أحيانا قد تأتى في المقدمة مثلا الفيلسوف الانجليزي جيريمي بينثام  Jeremy Bentham في عمله الخالد “مبادئ التشريع Principles of Legislation” اللى نشرة سنة 1802 طرح تلك الجدلية “كل قانون هو شر، لأن كل قانون هو انتهاك للحرية Every law is an evil, for every law is an infraction of liberty “. الجملة القصيرة دى تحتوى على اطروحتين او قضيتين “كل قانون هو شر” النتيجة … “كل قانون هو انتهاك للحرية” .. المقدمة! … ودى ابسط صور ممكنة لاى حجة لكن لايمكن لقضية او طرح واحد ان يصبح جدلية، لأن الحجة مجموعة من القضايا المرتبطة.في بعض الأحيان بعض القضايا والأطروحات المركبة تبدو وكأنها حجة او جدلية، لكن في واقع الأمر هى ليست كذلك مثلا “إذا كانت الدولة تهدف إلى أن تكون مجتمعًا يتألف من الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات، فمن المؤكد أن تكون الدولة القائمة على الطبقة الوسطى هي الأفضل” . الشق الأول والثاني من هذه القضية لا يمكن تأكيدها بشكل مستقل إذن تصبح الجملة كلها قضية واحدة وليست حجة. لكن أرسطو Aristotle قدم نفس الفكرة لكن في صيغة حجة في الكتاب الخامس من عمله الخالد “السياسة Politics” كالاتي “هدف الدولة هو تكون تكون مجتمعًا يتألف من الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات، وبالتالي الدولة التي تعتمد على الطبقة الوسطى لا بد أن تكون الأفضل A state aims at being a society composed of equals, and therefore a state that is based on the middle class is bound to be the best constituted” في تلك الحالة نحن أمام حجة قصيرة وسليمة كلا من شقيها يمكن تقييمه بشكل مستقل وهناك علاقة ارتباط استدلالي ما بين شقيها!  

التفكير فن، وكذلك علم! نشاط نقوم به، ولكنه أيضا نشاط نقوم بتحليله. تقديم الأسباب والدوافع وراء معتقداتنا أمر طبيعي وبديهي جدا عند كافة البشر. لكن مهارة وفن بناء الحُجج واختبارها كأى مهارة أو حرفة تتطلب الكثير من الممارسة. لذا قد تكون استوعبت كلماتي السابقة لكن مهاراتك تبدأ بالممارسة!

التعرف على الحُجج Recognizing Arguments  

قبل أن نستطيع تقييم الحجج والجدليات، لابد أولا وأن نبنى مهارة التعرف عليها. التعرف على الحجج يتطلب بالقطع فهم اللغة التى تم صياغة أطروحات الحجة بها، لكن فهم اللغة وحده غير كافي. التعرف على الحُجج قد يكون مُشكل بسبب الطرق المختلفة والمتفردة في صياغتها. حتى وان كنا واثقين من وجود حجة داخل السياق في كثير من الأحيان يكون من العسير التفريق بين مقدمتها ونتيجتها. لذلك علماء المنطق وضعوا مجموعة من الطرق والأدوات للمساعدة في اكتشاف الحجج وتفنيد اجزائها، أول تلك الطرق ما يعرف بالمؤشرات Indicators .. قد تظهر في الجمل اللغوية باختلاف اللغات بعض الكلمات او الجمل المؤشرة على نتيجة الحُجة وفي تلك الحالة نطلق عليها Conclusion Indicators  عادة ما تظهر قبل تعبير أو جملة النتيجة في الحجة. من ضمن تلك المؤشرات مثلا في اللغة العربية “إذن”، “بُناء عليه”، “وبالتالي”، “كنتيجة”، “من الممكن استنتاج”، “مما يستتبع” .. وغيرها وفي اللغة الانجليزية بعض مؤشرات النتيجة هى “therefore,accordingly,as a result,we may infer … ” . وبالتالي من خلال عملية اختزال الجمل السابقة على المؤشر اللغوى الجملة اللاحقة تصبح هى التعبير عن النتيجة مثلا في جملة “المساجين الواقعين تحت التعذيب سيعترفوا بأي شئ فقط للتخلص من الألم. وبُناء عليه، التعذيب ليس طريقة موثوق فيها من أجل الوصول للحقيقة” .. النتيجة في تلك الجدلية هى ” التعذيب ليس طريقة موثوق فيها من أجل الوصول للحقيقة” والادعاء “المساجين الواقعين تحت التعذيب سيعترفوا بأي شئ فقط للتخلص من الألم” ومؤشر النتيجة بين الجملتين هو “وبُناء عليه” .. لكن في بعض الاحيان الجدليات قد لاتحتوى على مؤشرات للنتيجة وبدلا من هذا تحتوى على مؤشرات للادعاء premise indicators ، زى “بما أن”، “كما في” ، “لان” ، “بسبب”، “نتيجة ل” .. وغيرها، وفي اللغة الانجليزية بعض المؤشرات مثلا “since,because,as shown by, ..”   . مثلا في جملة “مرضى القلب لا يجب ان يدخنوا على الإطلاق، بما أن الدراسات أظهرت آثار سلبية للتدخين على صحة القلب” .. النتيجة في تلك الحجة هى “مرضى القلب لا يجب ان يدخنوا على الإطلاق”، الادعاء ” الدراسات أظهرت آثار سلبية للتدخين على صحة القلب” والرابط في تلك الحالة مؤشر ادعائي وليس مؤشر نتيجة وهو “بما أن”. لكن المؤشرات السابقة لا تظهر دائما بالضرورة داخل الجمل اللغوية، وفي تلك الحالة الطريقة الثانية للتعرف على الحجة قد تكون من خلال السياق Context او المعنى المطروح. مثلا في كتاب المفكر الأمريكي المُلحد المعاصر سام هاريس Sam Harris “خطاب لأمة مسيحية Letter to a Christian Nation” بيقول “نصف الأمريكيين يؤمنون ان الكون عمره 6000 آلاف سنة، وهم مخطئون في ذلك. إعلان خطأهم ليس قضية تعصب لاديني لكنة أمانة فكرية”. بكل تأكيد من سياق تلك الفقرة هناك حجة واضحة بالرغم من غياب المؤشرات اللغوية. ومن الشائع أيضا في بعض الطرق البلاغية في صياغة الاطروحات والقضايا ان يقوم الفرد بصياغة القضية على صورة تساؤل! .. لكن لو فاكر في بداي ة الحلقة انا قلت لك ان السؤال احد صور الجمل اللغوية التي لاتحتمل الصواب والخطأ. ده صحيح لكن ده اللى يجعل التعرف على الحجج صعب في كلام البشر استخدام طرق ووسائل تعبير بلاغية في بعض الأحيان، في ظاهر الأمر الجملة تبدو استفهامية لكنها تفترض ان الاجابة على السؤال هى القضية أو الطرح نفسه! أي ان الجملة قد تبدو استفهامية لكن في واقعها هى تعبيرية declarative  . مثلا في أحد النصوص المقتبسة عن الكنيسة الإنجليكية في نيجيريا بخصوص تحريم المثلية الجنسية تقول “لماذا لم يخلق الله الاسود أزواج للرجال؟ او الاشجار؟ أو حتى الرجال أنفسهم؟ .. منذ بداية قصة الخلق وأنت ترى غاية الله هو أن يتزوج الرجال والنساء!” .. النتيجة هنا هي نية الله في تزويج الرجال والنساء والمقدمات طرحت في صورة أسئلة إجابات تلك الاسئلة من الواضح انها القضايا التي تبنى عليها النتيجة. هذه الصورة اللغوية في التعبير عن المقدمات في صيغة اسئلة غالبا ما تكون فعالة عندما يكون من الواضح ام هناك اجابة واحدة فقط على التساؤل لا يشوبها الشك. وفي تلك الحالة المتلقي لا يجد مفر في قبول الاجابة على تلك الاسئلة وبالتالي تقدم دافع قوي للاعتقاد في صحة نتيجة الحُجة بشكل عام. مثال أخر ” إذا كان الحق في القتل الرحيم قائم على حق الانسان في تقرير مصيرة، لا يمكن ان يقتصر فقط على المرضى الذين يعانون من حالة مرضية ميؤوس منها. اذا كان البشر تمتلك الحق فى تقرير مصيرها فلماذا يجب عليهم انتظار المرض الميئوس منه قبل السماح لهم بممارسة هذا الحق؟” .. السؤال البلاغي هنا قوي وفعال لأن ليس من الواضح لماذا نسلب البشر هذا الحق، إن كان الحق قد أعطى في المقام الأول للمرضى بناء على حق تقرير المصير. وبالتالي تصبح نتيجة تلك الجدلية “حق الموت الرحيم، إن سمح بة بُناء على حق البشر في تقرير المصير لا يمكن أن يقتصر فقط على المرضى”. على اى حال الحجج القائمة على أسئلة بلاغية من هذا النوع عادة ما تكون موضع شك، لأن السؤال في كثير من الأحيان لا يكون صحيح او خاطئ ولكن يستخدم كأداة لتأكيد طرح ما في عقل المتلقي مع تجنب مسؤلية تأكيد هذا الطرح، لأن المتلقي أجاب على السؤال بنفسه! .. وفي الحقيقة علماء المنطق حددوا أحد صور المغالطات المنطقية من هذا النوع لتسهيل مهمة التعرف عليها (هناقش المغالطات المنطقية بالتفصيل في الحلقات المستقبلية). على اى حال الصورة الأخيرة التي هقدمها لك التى قد تسبب غموض الحجة وصعوبة التعرف عليها، هى ان احد اطروحتها أو قضايها غير مصرح به بشكل مباشر ويفترض انه سيفهم ضمنيا. مثلا في الخلاف حول عملية استنساخ البشر في مطلع القرن كتب بعض الناقدين ” استنساخ البشر – مثل الإجهاض ، وسائل منع الحمل ، المواد الإباحية والقتل الرحيم – هو شر جوهري وبالتالي لا ينبغي السماح به أبدًا” .. بدون شك هذه جدلية، لكن بعض اجزائها مفقودة! .. الحجة قائمة على الطرح الغائب منها وهو ان “الشر الجوهرى لا يجب ان يسمح به” .. لانها فكرة بديهية وبالتالي لا داعي من تقديمها. هذا النوع من الحجج يطلق عليه enthymemes. المقدمة الغائبة القائمة عليها الحجة قد لايتفق عليها كافة البشر او لا تكون بديهية كما يتصور صاحب الحجة. قد تكون مثلا محل خلاف. وقد تكون نوايا صاحب الحجة غير جيدة في اخفائها لاعتقادهم أن عدم وضوحها سيجعل من العسير انتقادها. مثلا في صراع قائم في الولايات المتحدة حول لأبحاث الخلايا الجذعية stem cells أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي جادل “ابحاث الخلايا الجذعية الجنينية embryonic stem cells غير قانونية، لان لايمكن اجراء الابحاث دون قتل جنين بشري لاستخدام خلاياه في البحث” .. مقدمة الحجة صحيحة لأن أبحاث الخلايا الجذعية غير ممكنة دون تدمير الاجنة في مراحل معينة في تكوينها، لكن نتيجة الحجة وهي “أن هذا النوع من الأبحاث غير قانوني” قائمة على طرح او مقدمة غائبة وهى أن قتل الأجنة البشرية غير قانوني .. وهذه القضية محل نزاع وخلاف مجتمعي مازال قائم! .. قوة وتأثير هذا النوع من الحجج الناقصة يعتمد على معرفة المتلقي بان بعض المقدمات غير صحيح أو محل نزاع. 

الصور الغير جدلية Non-Argumentative Forms

ليست كل وسائل الاتصال البشري حُجج وجدليات كما أشرنا من قبل. ولأن المنطق بيتعامل مع الحُجج لابد من التفريق ما بين الكلام الذي يحتوي على حُجة وصورة الأخرى. الكلام الذي يحتوي على حُجة يحاول يثبت شئ ما. ان لم تحاول الفقرة أو الكلام إثبات شيء ما، إذن لا يحتوي على حُجة. كي نفرق بين أنواع الكلام الذى يحتوى على حُجة لابد من التعرف على الصور الاخرى. هعرض عليك مجموعة من الصور دى الأولى: صورة الاتصال الغير استنتاجية البسيطة Simple Noninferential  .. وهي أبسط صور الجمل البيانية قد تحتوى على قضايا، ونتائج، او الاثنين، لكنها تفتقد لاهم ما يميز الحُجج وهو الروابط المنطقية التي تربط قضايا مقدمة بنتيجة ما. الاتصال البشرى من هذا النوع يشمل عدة صور منها .. التحذير warning .. مثلا “أحذر الأرض مبتلة لا تنزلق”. صورة أخرى هى النصيحة advice .. مثلا .. “أحذر من خان، لا تأتمن أسرارك معة” .. صورة اخرى جمل الاعتقاد أو الرأى statement of belief or opinion .. مثلا “نعتقد أن الحل الوحيد لتقدم الشعوب العربية هو زيادة مساحة الحريات، رفع كفاءة وجودة التعليم، والاعتماد على العلم” .. سواء اتفقت او اختلفت مع الجملة السابقة، هذه الجملة ليست حُجة لانها لاتقدم هيكل منطقي للتدليل على نتيجتها. صورة أخرى هى التقرير report .. عبارة عن مجموعة من الجمل تنقل معلومات محددة عن حدث أو ظاهرة ما .. مثلا “طبقا لتقرير مؤسسة هيرتيج، درجة الحرية الاقتصادية في مصر 52.5، مما يجعل اقتصادها في المرتبة الرابعة والأربعين في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2019”. أحد أهم الآلات الاتصال اللغوي هي التفسير Explanation. لكن فقرات التفسير قد تتشابهة لغويا في كثير من الأحيان مع الحُجج لانها بتستخدم مؤشرات لغوية مشابهة في صياغتها اللغوية، مثلا كلمات زى “لان، بسبب، اذن، لهذا، الخ … ” بتستخدم كثيرا في الفقرات التفسيرية اللى قد يجعل من العسير تفريقها عن الحجج. في تلك الحالة معرفة نية الكاتب جوهرية في فهم الغرض من الفقرة. على سبيل المثال  “السماء تكتسب زرقتها من سطح الأرض! لأن أشعة ضوء الشمس تتشتت من خلال احتكاكها بجزيئات الغلاف الجوى” .. الفقرة دى تفسيرية وليست حجة بالرغم من ظهور مؤشر المقدمة “لان”. الجمل التفسيرية عادة ما تتكون من شقين او مركبين، جملة تعبر عن الظاهرة المُفسرة explanandum، وجملة او مجموعة من الجمل لتفسير الظاهرة explanans. هدف الفقرة تفسيرى وهو إلقاء الضوء على ظاهرة لون السماء الأزرق وليس إثبات حدوثها، بصيغة اخرى، هدف جملة التفسير هو اظهار لماذا يحدث شئ ما على العكس من غرض الحُجة وهو إثبات حدوث هذا الشئ! في مثال السماء، الحقيقة واضحة للكل ان لونها أزرق، جملة المُفسر “تشتت أشعة الشمس نتيجة تصادمها مع جزيئات الغلاف الجوى” هدفها تفسير لون السماء الأزرق وليس إثبات ان السماء لونها ازرق. بشكل مجرد لو س ظاهرة ما نحاول اثباتها من خلال دليل ص سنقول “س بسبب ص” .. لكن لو س ظاهرة مثبتة ولكننا نحاول تفسيرها من خلال ص . سنستخدم نفس التركيب اللغوى “س بسبب ص” لكن الغرض مختلف بين الجملتين. لكن الغرض ضمنى في الفقرة وفي كثير من الاحيان قد يكون ظاهر او محدد مما يشكل صعوبة في التفريق ان كانت الفقرة تفسيرية ام جدلية. كيف إذن من الممكن معرفة ان كان هدف المتحدث تفسير س من خلال ص أو اقناعنا بحقيقة س من خلال ص؟ .. من الممكن أن نبدأ باختبار حالة س نفسها. هل هو طرح يحتاج لإثبات حقيقته؟ .. أم أن حقيقة معروفة، مثبتة، او بديهية؟ .. وبالتالي فهم أعمق لسياق الحديث، عادة ما يساعد المُحلل في التفريق ما بين هدف المتحدث ان كان الإثبات (حجة) ام التفسير؟ .. وفي بعض الاحيان هذا السياق قد لايكون واضح لان الفقرة اقتطعت من سياقها. وفي احيان اخرى تحديد ان كانت س لاتحتاج الاثبات او امر بديهي يصبح أمر محل خلاف، ووقتها يصبح من الصعب تحديد ان كان الطرح جدلي ام تفسيري! .. صورة أخرى هى الجمل الشرطية conditional statement  على صيغة “لو … إذن if ..then” الجمل الشرطية تتكون من مركبين، المركب التالي لمؤشر الشرط “لو” يسمى السالف أو الشرط antecedent ، والمركب التالي لإذن يطلق على المُترتب عليه consequent .. مثلا “لو أمطرت، إذن الأرض ستبتل” .. الجمل الشرطية لا تعد حُجة، لأن لا ينطبق عليها هيكل الحُجج المنطقية، اى لا توجد مقدمات داعمة لنتيجة ما. في الحجج الشرطية لا توجد ادعاءات يطرحها مركب الشرط أو مركب المُترتب علية. اى ان لا يوجد ما يمكن استخدامه لإثبات حقيقة السالف أو المُترتب عليه بشكل مستقل. والجملة بشكل كلي فقط صحيحة أن تحقق مركب الشرط. لكن بالطبع الجملة الشرطية ككل من الممكن أن تستخدم كمقدمة في حجة لانها تقدم حقيقة في حالة تحقق الشرط مثلا..

(1) لو امتلكت إسرائيل سلاح نووي، إذن تهدد الأمن والسلام في الشرق الاوسط

(2) اسرائيل تمتلك سلاح نووي

(3) إذن، اسرائيل تهدد الأمن والسلام في الشرق الاوسط

.. الجمل الشرطية قائمة على علاقة لغوية بين الشرط والمترتب عليه، علاقة مشابهة للوصلة الاستدلالية بين المقدمات والنتيجة في الحجج لكنها مختلفة لان مقدمات الحجة يدعى أنها صحيحة، لكن الجمل الشرطية لا تدعى صحة مركب الشرط ولهذا الجمل الشرطية ليست حجج، لكن من الممكن أعادة صياغتها كي تبدو كحجة .. مثلا المثال السابق من الممكن صياغته كحجة كالاتي

(1) المطر يسبب ابتلال الأرض

(2) الجو ممطر

(3) إذن، الأرض مبتلة.

في الحقيقة الجمل الشرطية ذات أهمية كبيرة في المنطق، ومجالات أخرى عديدة (لو كنت مثلا تعمل في مجال البرمجيات ستدرك ما أتحدث عنه) .. وتزداد تلك الدرجة من الاهمية عند وصف العلاقة بين الشروط الضرورية necessary والكافية Sufficient. شرط ما “س” يقال انه كافي sufficient condition لحدوث نتيجة ما “ص” فقط ان كان “س” هو كل المطلوب لتحقيق “ص”. مثلا أن يكون كائن ما كلب هو شرط كاف لأن يكون هذا الكائن حيوان. على العكس من شرط ما س ضروري necessary condition  لحدوث نتيجة ما ص. فقط إن كانت ص لا تتحقق إلا بحدوث س. مثلا من الضروري أن يكون الكلب حيوان. الفرق بين الكافي والضروري مش من السهل استيعابة للوهلة الاولي. تخيل مثلا انى بقول لك ان هناك كلب في صندوق، أكيد أنت على ثقة أن بداخل الصندوق الان حيوان. كينونة الكلب شرط كافي لإثبات كينونة الحيوان، لكن العكس غير صحيح .. اى لو قلت لك ان الصندوق فيه حيوان. هل أنت متأكد الان الصندوق فيه كلب؟ .. بالقطع لا، لأن من الجائز أن يكون الكائن قطة مثلا .. إذن كينونة الحيوان ضرورية لإثبات كينونة الكلب لكنها غير كافية. على أى حال سنعود لمناقشة الجمل الشرطية ومنطق الكفاية والضرورة في المستقبل. 

حُجج الاستنتاج والاستدلال Deductive and Inductive Arguments  

الحُجج والجدليات قائمة على فكرة ان مقدماتها تُثبت حقيقة نتيجتها، لكن هناك طريقتان مختلفتان من خلالهم يمكن لمجموعة من الاطروحات او القضايا ان تدعم او تبرر حقيقة قضية اخرى. ولهذا هناك عائلتين رئيسيتين من الحُجج. استنتاجية deductive  و استدلالية inductive فهم هذا التفريق أساسي في فهم عمل المنطق. الحجج الاستنتاجية deductive argument حصرية وقاطعة في الحقيقة التى تُثبتها، اى ان حقيقة النتيجة المُثبتة قاطعة ونهائية إن صحت المقدمات، اى من المستحيل أن تكون خاطئة. على العكس من الحجج الاستدلالية  inductive argument حقيقة نتيجتها غير قاطعة اى ان صحت المقدمات من غير المحتمل ان تكون النتيجة خاطئة لكنها مازالت فرضية قائمة ولو حتى نظريا. وبالتالي في تعاملنا العقلاني مع حورات الاخرين ان كان برهانها قاطع نطلق عليها استنتاجية. وعكس ذلك نطلق عليها استدلالية. ولان اى حجة تجعل نتيجتها اما قاطعة ام لا. اذن اى حجة تنتمي الى واحدة من تلك العائلتين اما استنتاجية او استدلالية. هذا التفريق طرح للمرة الأولى بشكل موثق في التاريخ الإنساني على ايد أرسطو  Aristotle وفي القرون اللاحقة علية الاستنتاج والاستدلال اصبحا صورتى الادلة العقلانية ليس فقط في المنطق لكن في كافة المناحي العقلية. ولن تجد اى مجال علمي او عقلي لا يوجد داخل أدبياته فكرة الاستنتاج فى مقابل الاستدلال بداية من الرياضيات، مرورا بالفيزياء حتى التاريخ. وإن اختلفت. وفي كثير من الأحيان يشير البعض للاستنتاج، بالبرهان بسبب قطعية او المنطق الالزامي necessary reasoning والى الاستدلال بالمنطق الاحتمالي probabilistic reasoning. هضرب لك حُجتين للتفريق، الاولي

(1) محمود رجل مصرى

(2) الرجال المصريون عادة ما يتزوجون عند سن الثلاثون

(3) إذن، في الغالب محمود سيتزوج عند سن الثلاثون.

الحجة الثانية

(1) محمود رجل

(2) كل الرجال غير قادرة على الحمل

(3) إذن، بالضرورة محمود غير قادر على الحمل.

الحُجة الأولى استدلالية في حين أن الثانية استنتاجية. لو تأملت الحجتين السابقتين ستجد أن هناك مجموعة من السمات المميزة ما بينهم اهما استخدام المؤشرات اللغوية .. المؤشر الاحتمالي “في الغالب” مقارنة بالقطعى “بالضرورة”، قوة الرابطة الاستدلالية ما بين المقدمات والنتائج .. اى هل من الممكن ان تكون النتيجة خاطئة إن كانت المقدمات صحيحة؟ في الحجة الثانية مُستحيل ان يحدث هذا وبالتالي الرابطة قوية مقارنة بالحجة الأولى .. أمر راجع ليس للبديهة لكن للغة المستخدمة ان كان كل الرجال غير قادرة على الحمل ومحمود رجل لا مفر من عدم قدرة محمود على الحمل لانه احد الرجال!، وأخيرا هيكل الحجة ككل عامل مهم في تحديد نوعها.   

صور الحجة الاستنتاجية Deductive Argument Forms 

الحجة الاستنتاجية لها هيكل أو تركيب يجعل مقدمتها تدعم حقيقة نتائجها. هناك عدة صورة لتلك التراكيب او الصور المختلفة للحجة الاستنتاجية. الصورة الأولى هي الحجة الاستنتاجية القائمة على الرياضيات argument based on mathematics  وفيها نتيجة الحجة قائمة بالكامل على عملية حسابية او قياس هندسي. مثلا لو كنت في السوق واشتريت خمس أقلام و3 كراسات، تستنتج من ذلك ان معك ثمان اشياء. وبما ان جميع العمليات في الرياضيات الاساسية استنتاجية، بالتالي نستطيع اعتبار اى حجة قائمة على الرياضيات استنتاجية ايضا. قبل ما تعترض … هذا باستثناء الحجج القائمة على الإحصاء statistics التى تعد حجج استدلالية كما سنرى بعد قليل. الصورة الثانية: الحجة من الدليل  argument from definition الحجج التى نتيجتها ببساطة تعتمد على تعريف كلمة او جملة في المقدمة. مثلا من الممكن ان اجادل ان على لايقول الحق لان علي كذاب. حتمية إخفاء الحقيقة تتبع من تعريف الكذب. الصورة الثلاثة الاخيرة هى صور قياسية syllogism عادة ما تتكون مقدمتين ونتيجة واحدة. أول صورة منها القياس التصنيفي categorical syllogism فيها كل أطروحة من المقدمات تبدأ بواحدة من ثلاث مؤشرات “كل”، “لا” ، و “بعض”. مثلا

(1) كل الحقول يعمل بها فلاحون

(2) بعض الحقول تقع على حدود المدن

(3) إذن، بعض الفلاحين تعمل على حدود المدن.

الصورة الثانية من حجج القياس الاستنتاجية هى القياس الشرطي او الافتراضى hypothetical syllogism  اللى بتستخدم المؤشر اللغوي لو … إذن في واحد على الأقل من مقدماتها. مثلا

(1) لو كل قنوات الإعلام في الوطن العربي تابعة للسلطة، إذن ستضلل الشعوب

(2) كل قنوات الإعلام في الوطن العربي تابعة للسلطة

(2) إذن قنوات الإعلام في الوطن العربي تضلل الشعوب.

الصورة الاخيرة من القياس هى القياس الاقتراني disjunctive syllogism عادة ما تستخدم مقدماتة مؤشرات مثل “أما .. أو” مثلا

(1) إما ان تنتقل السلطة سلميا او بالثورات الشعبية

(2) في الانظمة الديكتاتورية لا تنتقل السلطة سلميا

(3) إذن، تنتقل السلطة بالثورات الشعبية في الانظمة الديكتاتورية.

(هنعود لمناقشة منطق القياس بالتفصيل في الحلقات المستقبلية). علماء المنطق بيستخدموا مصطلح الصلاحية validity للتعبير عن اتساق قوام الحجج الاستنتاجية، اى إن كانت المقدمات فعلا بما لايدع مجال للشك تدعم النتيجة. الصلاحية تنطبق فقط على الحجج الاستنتاجية . الحجة الاستنتاجية صالحة Valid  فقط ان نتيجتها دائما وضروريا صحيحة ان كانت كل مقدماتها صحيحة. وليست كل الحجج الاستنتاجية صالحة، لان بعضها قد يفشل في تحقيق هدفة وهو إثبات صحة النتيجة بناء على المقدمات ضروريا، اذن الحجج الاستنتاجية قد تكون صالحة valid او غير صالحة invalid. ومهمة المنطق الاستنتاجي الاولى اصبحت تفريق الحجج الصالحة من الغير صالحة وعلماء المنطق طورا طرق وأدوات فعالة لتلك المهمة سنتعرض لها خلال دراستنا المستقبلية.

صور الحجة الاستدلالية Inductive Argument Forms

بشكل عام نتائج الحجج الاستدلالية من المقبول ان تكون أوسع في نطاقها من محتوى المقدمات. وعادة ما بيكون هناك انتقال نوعي من المعلوم في المقدمة الى الغير معلوم في النتيجة، وبالتالي نتائجها غير قطعية. كالجدليات الاستنتاجية، الحجج الاستدلالية لها عدة صور وتركيبات شائعة. بعضها على سبيل المثال لا الحصر. حجج التنبؤ prediction نوع من الحجج ينتقل من معرفتنا بالماضى لادعاء معرفة ما عن المستقبل. مثلا من الممكن ان اتنبأ بحدوث ظواهر مُناخية معينة في منطقة جغرافية معينة بسبب تكرار حدوثها في نفس المنطقة في الماضي. كلنا مدركين ان التنبؤ بالمستقبل من المستحيل ان يكون قطعى وبالتالي هذا النوع من الجدليات يندرج تحت المنطق الاحتمالي او الحجج الاستدلالية. صورة أخرى هى الحجة من القياس argument from analogy وهى نوع من الحجج تكتسب الصحة باستخدام التشابهة في الحالات او الاشياء. مثلا هذا النوع من الحجة شائع بين الناس في وصف جودة نوع من المنتجات بناء على التشابه مع منتجات اخرى من نفس المصدر، المنتج، او البلد. لكن هذا النوع من المنطق احتمالي في أفضل حالاته. صورة اخرى هى التعميم generalization وهى نوع من الحجج ينتقل من المعرفة بعينة من البيانات الى معرفة حول عينة أكبر اشمل واعم. لأن عناصر العينة تشترك في خواص معينة مع العينة الاشمل. مثلا من الممكن انى اجادل ان المواطنين في فئة عمرية معينة او شريحة تعليمية معينة سينتخبوا مرشح ما بناء على معرفة تفضيلات عينة أصغر من نفس السن أو الخلفية التعليمية. صورة أخرى الحجة من السلطة argument from authority نوع من الجدل بيخلص لان شئ ما صواب لان خبير أو شاهد أقر بذلك. من الممكن ان اجادل ان سعر سهم معين في السوق سيرتفع في المستقبل بناء على بيانات من اقتصادى معين. او من الممكن ان يجادل محامي ان المتهم هو الجاني بناء على شهادة شاهد عيان، بالرغم من ان الشاهد قد يكون كاذب. وبالتالي المعرفة احتمالية. صورة أخيرة هي الأشهر  الاستدلال السببي causal inference وهي حجة قائمة تنتقل من معرفتنا بسبب ما لمعرفة تأثيره والعكس. مثلا من الممكن ان اجادل ان بترك زجاجة من الماء في الثلاجة عدة ساعات، لابد وأن الماء سيكون مثلج (انتقال من السبب للنتيجة) .. او بالعكس من الممكن ان أجادل ان رائحة الطعام سيئة لأنه ترك خارج الثلاجة ففسد (انتقال من النتيجة للسبب). لكن بما أن العلاقات السببية لا يمكن ابدا القطع في ضرورة حدوثها أي أنها غير قطعية البرهان (ارجع لحلقة إشكالية السببية) .. هذا النوع من الجدال يُعد احتمالي. ومن هنا تصبح مهمة المنطق الاحتمالي او الحجج الاستدلالية ليست ان كانت الحجة صالحة valid أم لا كما في الحجج الاستنتاجية! .. لكن إيجاد الطرق والأدوات للتأكد من التأكيدات التي تصنعها لانها احتمالية في طبيعتها فمن الممكن إجراء التجارب، الاختبارات المعملية، وجمع الملاحظات وتحليل البيانات مثلا كما يحدث في العلوم الطبيعية للتأكد من صحة حقيقة النتائج المستخلصة. هضرب لك مثلا من الواقع عن اهمية المعرفة الاحتمالية والحجج الاستدلالية للبحث عن الحقيقة في مقابل الحجج الاستنتاجية القطعية. مرض مُتلازمة نقص المناعة (الايدز) immune deficiency syndrome (AIDS) مرض خطير وقاتل وكتائب من العلماء والباحثين بيعملوا بلا كلل في محاولة لفهم أسباب المرض والحد من انتشاره. هل من الممكن ان نتعلم استدلاليا (اى بدون معرفة قطعية) كيف نحد من انتشار الفيرس؟ .. في الحقيقة نعم ده أمر ممكن! … سنة 2006 مؤسسة الصحة العالمية نشرت نتائج الدراسات الموسعة اللى قامت بيها في كلا من كينيا وأوغندا (دول خطورة الإصابة بالايدز وانتشاره عالية جدا فيها) .. وجدت أن خطورة انتقال العدوى بفيروس HIV في عملية الاتصال الجنسى تناقصت للنصف في الرجال اللى مروا بعملية الطهارة circumcision  

في طفولتهم وتتناقص في النساء بنسبة 30%! العلاقة السببية ما بين عملية الطهارة وتناقص خطورة انتقال العدوى نوع من المعرفة الاحتمالية لا يمكن القطع بها كما في الحجج الاستدلالية، لكنها ذات درجة عالية جدا من الاحتمالية، وبالتالي المعرفة المستخلصة تصبح مهمة جدا! . النتائج المستخلصة من الحجج الاستدلالية أضعف من مثيلتها الناتجة عن الحجج الاستنتاجية لانها غير قطعية. لكنها تمتاز بدرجات مختلفة من الاحتمالية (عالية الاحتمال كما هو الحال في الدراسة السابقة، او ضعيفة في حالات أخرى). ولهذا السبب تبقي نتائج الحجج الاستدلالية دائما مفتوحة لاعادة النظر في حالة ظهور ادلة جديدة قد تزيد او تضعف من قوة احتماليتها. حتى في اقوى الجدليات الاستدلالية عالية الاحتمال مازالت النتائج غير قطعية وسيصبح دائما من الجائز ظهور ادلة واكتشافات جديدة تنفي النتائج الاولي (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية). الحجج الاستنتاجية على النقيض لاتضعف او تقوى مع الوقت او مع ظهور معرفة جديدة، اما انها صحيحة او غير صحيحة قولا واحدا. في صورتها الاشهر لو كل البشر فانية، وسقراط بشر، لابد من فناء سقراط. لايمكن اضافة اى مقدمات اخرى او اكتشاف حقائق جديدة تعكس حقيقة تلك الحجة.  إذا كانت الحجة صحيحة ، فلا شيء في العالم يمكن أن يجعلها أكثر صحة. إذن التمييز بين الاستقراء والاستنباط يعتمد على طبيعة الادعاءات التي يقدمها نوعان من الحجج حول العلاقات بين مقدماتها واستنتاجاتهما. وبالتالي ، الحجة الاستنتاجية هي الحجة التي يُدعى أن استنتاجها يتبعها من مقدماتها مع الضرورة المطلقة ، وهذه الضرورة ليست مسألة درجة ولا تعتمد بأي طريقة على أي شيء آخر . على النقيض ، الحجة الاستقرائية هي الحجة التي يُدعى أن استنتاجها يتبعها من حيث الاحتمال فقط ، ويكون هذا الاحتمال مسألة درجة ويعتمد على ما قد يتوفر من معلومات وأدلة جديدة.

الحقيقة، الصلاحية، والاحتمالية Truth, Validity, and Probability

تقييم الحُجج زى ما شفنا هو المهمة الاولى لعلم المنطق، سواء كانت الحجج دى استنتاجية أو استدلالية. في عملية التقييم بنقوم بنحاول الإجابة على سؤالين اساسيين (1) هل كل المقدمات تؤدى إلى أو تدعم النتيجة؟ (2) هل كل المقدمات صحيحة؟ والترتيب هنا مهم. اى ان لو الاجابة على السؤال الأول بالنفي، اى ان بعض المقدمات لاتؤدى للنتيجة إذن هناك اشكالية في التفكير، وبالتالي الحجة فاسدة أو عديمة القيمة ولا داعي لتقييم صحة المقدمات من أساسة. منذ قليل  ناقشنا فكرة صلاحية الحُجة Validity بالنسبة للحجج الاستنتاجية، الحجة يقال انها صالحة التى هناك رابطة ضرورية بين مقدماتها ونتيجتها، أو بصورة ابسط النتيجة تتبع بالضرورة من المقدمات. والعكس هو الحجة الاستنتاجية الغير صالحة invalid deductive argument التى من الجائز ان تكون نتيجتها غير صحيحة بالرغم من صحة مقدماتها. أى أن النتيجة لا تتبع بالضرورة من المقدمات. اى ان صحة الحجة الاستنتاجية إزدواجية القيمة Binary اما صالحة ام لا، لا توجد حالة وسيطة. لاختبار صلاحية الحجة نبدأ بافتراض صحة كل المقدمات وبعد هذا نحدد ان في ضوء صحة تلك المقدمات ان كان من الجائز للنتيجة ان تكون خاطئة. مثلا

(1) كل الصحف مقروءة

(2) جريدة الاخبار صحيقة 

(3) إذن جريدة الاخبار مقروءة.

في هذا المثال من السهل رؤية أن في حالة صحة كل من المقدمات لابد من صحة النتيجة لا توجد احتمالية لخطئها. لو الأخبار صحيفة، وكل الصحف مقروءة لايوجد مفر من صحة ان الاخبار جريدة مقروءة! .. مثال أخر

(1) كل مصانع السيارات يابانية

(2) مرسيدس مصنع سيارات

(3) إذن مرسيدس يابانية

.. هنا من السهل جدا رؤية إن المقدمة الأولى خاطئة، لان مش كل مصانع السيارات يابنية و بالتالي النتيجة خاطئة لان مرسيدس شركة سيارات ألمانية. لكن في لو افترضت ان مقدمات الحجة صحيحة مؤقتا، الالزام ضرورى في صحة النتيجة من المقدمات. اى ان لو افترضنا ان كل مصانع السيارات فقط يابانية ومرسيدس مصنع سيارات، لا مفر من كون مرسيدس ياباني. إذن الحجة صالحة اى ان سياقها سليم بالرغم من عدم صحة أحد مقدمتها. مثال أخر ..

(1) كل الصحف مؤسسات صحفية

(2) الأهرام مؤسسة صحفية

(3) إذن الأهرام صحيفة

تفتكر الحجة دى صالحة التركيب؟ … ما تستعجلش … بالرغم من صحة المقدمتين إلا أن الحجة غير صالحة invalid لان بفرض ان كل الصحف مؤسسات صحفية والأهرام مؤسسة صحفية الا ان هذا لايتبع بالضرورة ان الاهرام تكون صحيفة .. بالرغم من ان الاهرام فعلا صحيفة في الواقع. لكن من التركيب اللغوى السابق للحق لا يتبع تلك الحقيقة، أي أن من الجائز حتى في حالة صحة المقدمات أن تكون النتيجة خاطئة .. تخيل مثلا انى غيرت الحجة بالصورة دى ..

(1) كل الصحف مؤسسات صحفية

(2) قناة النيل للأخبار مؤسسة صحفية

(3) إذن قناة النيل للأخبار صحيفة!

ارجو ان يكون واضح بالنسبة لك عدم صلاحية الحجة! .. النقطة المهمة اللى بحاول أبرزها لك من خلال تلك الامثلة المحيرة .. هو ان صلاحية الحجة Validity مختلفة تماما عن حقيقتها Truth. بشكل عام الصلاحية لا يمكن تحديدها بشكل متسق فقط من خلال حقيقة كلا من المقدمات والنتيجة. مثلا في مثال كل الصحف مقروءة ومثال شركات السيارات، الحجتين صالحتين الا ان الاولى مقدمتها ونتيجتها حقيقية فعلا ـ، في حين أن الثانية مقدمتها ونتيجتها ليست حقيقية .. لان ليست كل شركات السيارات يابانية ومرسيدس ليست شركة يابانية. وفي حين ان نتيجة الحجة الثالثة كانت صحيحة والاهرام فعلا صحيفة إلا أنها حجة غير صالحة! .. الصلاحية شئ يمكن تحديدة من خلال العلاقة بين المقدمات والنتيجة. وان كانت المقدمات فعلا تدعم النتيجة أم لا بغض النظر عن حقيقتها. السؤال ليس ان كانت تلك المقدمات او النتيجة صواب او خطأ لكن ان كانت النتيجة تُتبع من المقدمات. في الواقع الفكرة دى أهم فكرة من الممكن ان تعرفها في المنطق الاستنتاجي. ان حجة استنتاجية ذات مقدمات حقيقية و نتيجة خاطئة في واقع الأمر هى حجة غير صالحة invalid. منظومة المنطق الاستنتاجي بالكامل تصبح عديمة القيمة لو بدأنا بحقيقة المقدمات ووصلنا لخطأ النتيجة. على الجانب الآخر مفهوم الحقيقة Truth  هو خاصية في الاطروحات أو القضايا بشكل مستقل منعزل، اى تقييم كل مقدمة او نتيجة في الحجة بشكل مستقل وليست العلاقة بين المقدمات والنتائج كما هو الحال في الصلاحية. لما مثلا بقول بطرح ادعاء أن كل الصحف مؤسسات صحفية. حقيقة هذه القضية خاصية فيها مستقلة عن ارتباطها بأي قضايا أو أطروحات أخرى. التفريق ده مهم جدا، الحقيقة والخطأ Truth and falsity خواص مستقلة للقضايا، الصلاحية أو الصحة والبطلان validity and invalidity خواص في الحجج. وكما ان مفهوم الصحة والبطلان لايمكن تطبيقة على قضية او طرح مستقل، مفهوم الحقيقة لايمكن تطبيقة على حجة. الحجة ككل إما صحيحة أو باطلة، اما القضايا المكونة لها وتطرح ادعائات عن العالم قد تكون حقيقية أو خاطئ. وبالتالي الحجج الاستنتاجية اللى تطرح استنتاج من مجموعة من القضايا لنتيجة ما قد تكون صحيحة أو باطلة. في الحقيقة العلاقة ما بين حقيقة وخطأ القضايا وصحة وبطلان الحجج معقدة وأساسية لفهم المنطق الاستنتاجي (أنصحك ترجع تسمع هذا المقطع من بدايته لو حاسس ان الفكرة مازالت غير واضحة بالنسبة لك)

إذن، كل حجة بتصنع ادعاء عن وجود علاقة ما بين مقدمتها ونتيجة ما مستنبطة من تلك المقدمات، هذه العلاقة قائمة وضرورية بين المقدمات والنتيجة بغض النظر عن حقيقة أو خطأ المقدمات!.. إذن هناك معيارين لتقييم الجدليات، حقيقة قضاياها (المقدمات والنتيجة) وصحة او بطلان العلاقة بين بين المقدمات والنتيجة. الحُجج الاستدلالية Inductive Arguments تتبع نفس الصورة العامة في التقييم المستخدمة مع الحُجج الاستنتاجية مع الفارق في ان حقيقة نتيجة الحُجة الاستدلالية إحتمالية Probabilistic وليست إزدواجية Binary كما في حالة الحُجة الاستنتاجية إما صواب أو خطأ. كما رأينا منذ قليل صور الحجة الاستدلالية عديدة سواء من حجج القياس، التعميم، الحجة من السلطة، أو 

الاستدلال السببي. الحُجج الاستدلالية يتم تقيمها في فئتين إما حُجة استدلالية قوية strong inductive argument وهى الحجة الاستدلالية التي من غير المُحتمل improbable أن تكون نتيجتها خاطئة False بالرغم من أن مقدماتها صواب True. أى ان النتيجة احتمالية صدقها عالية بُناء على مقدمات الحُجة (مكافئة للحجة الاستنتاجية الصحيحة Valid لكنها احتمالية وليست قطعية). والفئة الثانية هي حُجة استدلالية ضعيفة weak inductive argument وهى الحُجة التى احتمال ان نتيجتها تُتبه بناء علىالمقدمات ضعيف جدا، بالرغم من ادعاء الحجة (مكافئة للحجة الاستنتاجية الباطلة Invalid لكنها احتمالية وليست قطعية). الحجج الاستدلالية بشكل عام قائمة على ما يطلق عليه الفلاسفة مبدأ انتظام الطبيعة uniformity of nature الذى طبقا لة المستقبل عادة ما يتبع ما حدث في الماضى أو الانتظام regularities في منطقة ما من الطبيعة متكرر في مناطق أخرى. مثلا لو السكر في الماضى كان حلو المذاق، سيكون كذلك في المستقبل غالبا، او كذلك في مصر كما هو في أمريكيا! البحث عن الانتظامية في الطبيعة وإدراكها أحد الآليات العقلية البشرية أيضا، مثلها مثل الالة السببية في عقولنا. العقول البشرية تبحث عن الانتظام والسببية في الطبيعة بشكل بديهي وتلقائي. وعادة ان خالف الواقع تلك الآليات تكون مفاجأة لنا ومن الصعب على عقولنا  قبولها.

البشر مُهتمة ليس فقط بماهية الأشياء، لكن كيف من الممكن ان تكون الاشياء. و بالضرورة أصبحوا مشغولين عبر العصور بكيف تتصل الأشياء ببعضها ولماذا. بدراسة الاحتمالات، والاستدلال على ما لانعرف مما نعرف! .. عندما نستدل على حتمية موت انسان لان حتمى لكل البشر، هو انتقال من المعروف الي الممكن. عندما نستدل على احتمالية الأمطار قريبا بسبب تكون الغيوم في السماء، هو انتقال احتمالي من معرفة الماضي للتنبؤ بالمستقبل. هذة وغيرها صور من التفكير العقلاني والاستدلال المنطقي. منذ ان بدأ البشر في محاولة الاجابة على سؤال لماذا، أصبح المنطق هو اول ادوات البحث عن الحقيقة. المنطق هو علم دراسة التفكير. ينشغل عُلماءة بالبحث في الطرق، الأدوات، والمبادئ للتفريق بين التفكير السليم والاعوج. ومبكرا اكتشف المنطقيين أن في غالب الوقت حقيقة الجدليات تعتمد على العلاقة بين اطروحاتها، وتعتمد على صور او هيكل الجدلية، وليس على محتواها! .. ومن وقتها أصبح المنطق هو دراسة شكل، تركيب، وهيكل الحُجج العقلانية. السمة التى جعلت من المنطق آلة بشرية عامة غير محدودة بالزمان، والمكان، الثقافة، أو اللغة! وجعلت تطبيقة واسع النطاق في كافة المجالات من القانون، الرياضيات، للعلوم بكافة صورها! .. قدرة البشر للتفكير بصورة عقلانية مشتركة هو ما يميزنا عن باقي الكائنات الحية (على الأقل في حدود معرفتنا العلمية الحالية)، دراسة المنطق هى التمرين العقلي لبناء ملكة التفكير السليم، ومهارة اكتشاف التفكير الأعوج والحُجج الفاسدة. وبالرغم من أن الفرد قد لا يستخدم قواعد المنطق مُباشرة في حياته اليومية، إلا أنها جزء اساسى غير مباشر في كثير ان لم يكن كافة قراراتك اليومية. مثلا قد تكون قررت انك تستيقظ من النوم باكر، قد تصل الى العمل او الجامعة في ميعادك. فأصبح المنطق في قرار استيقاظك باكرا “لو اردت الوصول في ميعادي، لابد ان استيقظ باكرا، أريد الوصول في ميعادي، إذن، سأستيقظ باكرا” .. الصورة البسيطة دى التى غالبا ما تمارسها لا إراديا، يطلق عليها علماء المنطق .. المنطق الاستثنائى modus ponens .. من الجائز أنك بتسمع المصطلح للمرة الأولى، لكنك تقوم بالفعل بهذا النوع من الاستدلال المنطقي يوميا! .. جوهرية المنطق في حياة الإنسان قد تكون شعرة رفيعة فاصلة بين الحياة والموت في كثير من الأحيان. الاستدلال المنطقي هو ما يمنعك من القفز من النافذة، او العبور أمام السيارات المسرعة، أو عدم الإمساك بشعلة من النيران. كلها صور من الاستدلال غاية في الحساسية والاهمية يقوم بها الطفل من السنوات الاولي في حياته لإدراكه أنها استدلالات ضرورية لحفظ حياته! أيا كان تخصصك او دراستك، قدرتك على صناعة استدلالات جيدة (اى استخدام المنطق) ستجعل تجربتك الوجودية أفضل وأقل حيرة ودهشة. المعرفة الإنسانية في مجملها قائمة على المنطق بداية من الفلسفة، والبحث عن حقيقة الله، مرورا بتصميم التجارب العلمية، وجمع الادلة التجريبية، فهم ودراسة حركة الاسواق المالية، قوانين الدول والعلاقات الدولية، وعلوم الكمبيوتر والبرمجيات التى قامت في الأساس على أيدي علماء المنطق والرياضيين. وغيرها من مناحي البحث والمعرفة الانسانية. في رحلة بحثنا سنتعرض لأنظمة علم المنطق الرئيسية الرسمي والاحتمالي، صور وادوات صياغة وتحليل الحُجج المنطقية، آليات البحث عن الحقيقة، طبيعة المعنى في اللغة، وآليات التعرف على المُغالطات المنطقية، في نهاية هذة الجولة هدفي أن تكون أصبحت مسلح بصندوق أدوات المنطق وآلياته وتبدأ في التفكير كمنطقي! 

المُرافعة اللى بدأنا بيها تخيلية، مقتبسة بتصرف من كتاب التفكير النقدي Critical Thinking لأستاذة الفلسفة الأمريكية المُعاصرة شارون كاي Sharon Kaye. حاولت من خلالها أثير ملكات تفكيرك العقلاني للبحث عن المنطق والحجج فيها. بكل تأكيد المُرافعة مليئة بالاخطاء المنطقية، والسيد محمود لم تثبت إدانته، واعتقد ان من الصعب ان تجد هذا النوع من التفكير الغير عقلاني في الحياة اليومية على الأقل في قاعات المحاكم.المُرافعة احتوت على العديد من المُغالطات المنطقية. مثلا الأولى: استعان ممثل الادعاء بشاهدة مطلقة السيد محمود لإثبات حالة النفسية المضطربة، وهي ليست متخصصة لإصدار هذا الحكم الطبي، ولا شاهد مُحايد في تلك الحالة بل العكس في الأغلب ستكون منحازة في رأيها. من الممكن صياغة الحُجة كالآتي

(1) كل القتلة ليسوا متزنين نفسيا

(2) محمود غير متزن نفسيا طبقا لشهادة مُطلقتة

(3) إذن، محمود قاتل.

الإشكالية ليست فقط في ضعف الثقة في شهادة زوجته، لكن في تركيب الحُجة لان لايتبع بالضرورة ان كل غير متزن نفسيا ان يكون قاتل. المُغالطة المنطقية ثانية: ممثل الادعاء عمم باستهتار نتيجة كذب محمود مرة، بأنه اى شئ سيقوله بعد ذلك لابد و ان يكون كذب. من الممكن صياغة الحُجة كالآتي

(1) كل من كذب مرة، لابد وان يكذب بعد ذلك

(2) محمود كذب مرة على الشرطة

(3) إذن، باقي أقول محمود كاذبة.

بكل تأكيد المقدمة الأولى لتلك الحُجة غريبة وليس من الواضح لماذا يجب أن نعتقد في حقيقة ان كل من كذب مرة لابد وان يكذب طوال الوقت! .. على أى حال عرضت عليك مُغالطتين منطقيتين من أصل 10 مُغالطات منطقية في المُرافعة، سأترك لك اكتشاف باقي المُغالطات كتمرين عقلي أرجو أن يكون مُمتع.

سأتركك مع كلمات عالم المنطق واللغة الاسترالي-الانجليزي الأصل لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein في أحد أهم ما كتب  “أطروحة عن المنطق والفلسفة Treatise on Logic and Philosophy ” نشرت سنة 1921 .. “كان من المُعتاد القول إن الله يمكن أن يخلق أي شيء باستثناء ما يتعارض مع قوانين المنطق – والحقيقة هي أننا لانستطيع أن نقول كيف سيبدو عالمٌ غير منطقي!” 

ودلوقتى .. فكر في الاستدلالات والمعرفة التي تكتسبها يوميا؟ .. هل المنطق آلية جوهرية في عقلك؟ .. هى السر في حفظ بقائك حتى اللحظة؟! .. هل المنطق سابق على الرياضيات؟ .. وهل من الممكن ان نأسس جوهر الرياضيات في قواعد المنطق في يوم ما؟ .. ما هي معايير تقييم الحُجج والجدليات؟! .. هل هي معايير موضوعية أم نسبية؟ .. وهل من الممكن تصور عالم بدون منطق؟! .. فكر تاني

https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP56/EP56_2020_01_16.mp3

في الحلقة الجاية .. سنُكمل دراستنا لقواعد المنطق وآلياته ..  اللغة هي آلية التعبير، التوجيهة، ونقل المعلومات. وبالتالي قناة الاتصال المنطقي الاولى للبشر … عن اللغة .. المعنى .. المُصطلحات .. و آليات التعريف.. هنتفلسف المرة الجاية  

من دلوقتى للحلقة الجاية

عيش الحياة بفلسفة

زود معلوماتك:

  • Hurley, P. J. – A Concise Introduction to Logic, 13th ed (2018)
  • Hausman, Alan; Kahane, Howard; Tidman, Paul. – Logic and Philosophy: A Modern Introduction. 12th edition (2013)
  • Copi, Irving and Cohen, Carl. – Introduction to Logic. 14th ed (2010)
  • Grayling, A. C. – An Introduction to Philosophical Logic (2001)
  • Girle, Rod. – Modal Logics and Philosophy (2000)
  • Wittgenstein, Ludwig – Philosophical Investigations (1958)
  • Frege, Gottlob – The Foundations of Arithmetic (1884)
  • Ayer, A. J. – Language, Truth and Logic (1946)
  • Logic المنطق

    http://bit.ly/378g8qE

    Truth الحقيقة

    http://bit.ly/2ugr4ni

    Argument الحجج

    http://bit.ly/2G4S63M

    Proposition القضايا

    http://bit.ly/2NFAHmr

    Premise المقدمات

    http://bit.ly/38orhDJ

    Statement الجمل

    http://bit.ly/3ar2HUD

    Critical thinking التفكير النقدي

    http://bit.ly/2R76fEc

    Law of thought قوانين المنطق

    http://bit.ly/2G1lic1

    Law of identity قانون الهوية

    http://bit.ly/2FZhCrk

    Law of excluded middle قانون الثالث المرفوع

    http://bit.ly/2u8nxaN

    Law of noncontradiction قانون عدم التناقض

    http://bit.ly/37a0kUq

    Validity الصلاحية

    http://bit.ly/2RxT3XA

    Modus ponens قياس استثنائي

    http://bit.ly/30xaDzn

    2019 Index of Economic Freedom

    https://herit.ag/3653pno

    Tractatus Logico-Philosophicus

    http://bit.ly/2G3lNm4

    Gottlob Frege

    http://bit.ly/2uUmITh

    The Foundations of Arithmetic 

    http://bit.ly/2R70LZW

    Ludwig Wittgenstein

    http://bit.ly/30Dkfsb

    Bertrand Russell

    http://bit.ly/2R4Xsm4

    Logicism المَنْطِقانِيَّة

    http://bit.ly/2G5sLqG

    Enthymeme

    http://bit.ly/376acyd

    Deductive reasoning المنطق الاستنتاجي

    http://bit.ly/2uclVgl

    Inductive reasoning المنطق الاستدلالي

    http://bit.ly/2K5VhtB

    Syllogism القياس

    http://bit.ly/30AGS0E

    Disjunctive syllogism

    http://bit.ly/30x9oAd

    Logical disjunction

    http://bit.ly/379ZHKy

    Propositional calculus

    http://bit.ly/36cONCw

    Paraconsistent logic 

    http://bit.ly/30w8C6s

    Music Credit

    ===========

    Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa

    https://goo.gl/r0ijGP

    Secret Window Opening Credits

    http://bit.ly/3ao1bTc

    Enchanting Fairy Music – Fairy Realm

    http://bit.ly/2CbqcBn

    Dark Piano – Liar

    http://bit.ly/2Txs6WS

    Celtic Music – Child of the Highlands

    http://bit.ly/2raCqb9

    myuu – Angst

    http://bit.ly/2rMp2L0

    myuu – Suspicious

    http://bit.ly/36uUaNI

    myuu – Spook Box

    http://bit.ly/2PKWoBV

    myuu – Carmen Habanera

    http://bit.ly/36BwDdY

    Kevin MacLeod – Pooka

    https://goo.gl/lslojY

    للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:

    https://www.facebook.com/KalamFalsfa

    https://kalamfalsfa.wordpress.com

    https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa

    https://twitter.com/kalamfalsfa

    https://archive.org/details/@kalamfalsfa

     

     

    ...more
    View all episodesView all episodes
    Download on the App Store

    Kalam Falsfa كلام فلسفةBy Ahmed Elmalt

    • 4.8
    • 4.8
    • 4.8
    • 4.8
    • 4.8

    4.8

    52 ratings


    More shows like Kalam Falsfa كلام فلسفة

    View all
    بودكاست أبجورة by بودكاست أبجورة

    بودكاست أبجورة

    3,689 Listeners

    دیدن | تاریخ فلسفه by امیر لطیفی

    دیدن | تاریخ فلسفه

    71 Listeners

    كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس by Podcast Record

    كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس

    22 Listeners

    Mech 3ayb | مش عيب by Metle Metlik | مِتلي متلِك

    Mech 3ayb | مش عيب

    0 Listeners