تخيل انك عامل صيانة في محطات كهرباء المدينة، تلقيت بلاغ من الإدارة عن حالة انقطاع واسع الانتشار في المدينة في منتصف الليل، زوجتك مضايقة انك هتخرج في الوقت المتأخر ده علشان الشغل. بتخرج بعد مشاجرة مع زوجتك بسب الاولاد ومواعيد عملك المتأخرة .. بتحاول رصد المحطة مصدر العطل، وانت على جانب الطريق في سيارتك بتحاول تحديد مكان المحطة على الخريطة، فجأة تهتز السيارة بعنف، وعمدان الإنارة في الشارع، ضوء ساطع شديد بيعبر فوقك، بنتابك الهلع عندما تنظر فوقك وترى جمس غماض ضخم يطير على مسافة قريبة فوق سيارتك! بيتوقف الجسم الغامض على مقربة من السيارة فوق شاحنة أخرى على جانب الطريق، سيارتك اصابها الجنون، مؤشر الراديو بيتحرك بدون تحكم، كل الشئ داخل السيارة يطير في الهواء وكأن هناك قوة مغناطيسية تجذبة اليها! بينطلق شعاع شديد مركز من الجسم الغريب تجاة الشاحنة يستمر لمدة دقائق ثم ينقطع ويطير الجسم في أجزاء من الثانية بسرعة جنونية، قبل ان يسود الظلام والسكون المكان! .. بعد ما تفوق من الصدمة تتحس وجهك بتتألم وتدرك ان جانب وجهك احترق من الحرارة الشديدة الصادرة عن الإشعاع! بتنطلق في سرعة في نفس الاتجاة اللى اختفي فيه الجسم الغريب، بتلاحظ مجموعة أخرى من الأجسام الغريبة الطائرة الأصغر حجما، بتسمع صوت سيارات الشرطة بتطارد الأجسام الغريبة ايضا، بتتبعهم، الجسم بيتجة نحو حافة الجبل، سيارات الشرطة لم تستطع التوقف المناسب فتهوى من قمة الجبل وتنفجر، لكنك بتستطيع التوقف في اللحظة المناسبة قبل ما تسقط القمة. على الجانب الآخر من المدينة طفل صغير عمرة خمس سنوات بيصحى من النوم على ضوء ساطع في غرفته، ولعبة كلها بتتحرك وتهتز بعنف، بيخرج لحديقة المنزل الخارجية بيتتبع الأجسام الغريبة الطائرة، والدته بتخرج وراءه، بيعبر الطريق السريع في نفس اللحظة اللى بتعبر فيها الطريق بسرعة جنونية وأنت بتطارد الأجسام الطائرة، قبل ما تصدم الطفل أمة تنقذة من أمامك في لحظات خاطفة وتتوقف سيارتك على جانب الطريق، لما بتترجل من السيارة تعتذر للام، بتشوف مجموعة من الناس واقفين بيتابعوا الاجسام الغريبة في السماء، اللى توقفت وبدأت تتحرك في دوائر حلزونية مصدرة أضواء بديعة قبل ما تختفي في السماء الظلمة طائرة بسرعة جنونية!.. بتعود بسرعة للمنزل وتحكي لزوجتك ما رأيت، بتخرج معاك لمكان الأطباق الطائرة لكن لايوجد اثر لهم، لتشكك فيما رأيت، وبتقول لك انك محتاج ترتاح. في صباح اليوم التالي الاخبار تنتشر عن الأطباق الطائرة في المدينة، الحكومة بتفسر الحدث على أنه طائرات حربية كانت بتقوم بمناورات ليلية، لكنك مع المجموعة اللى شاهدت الأطباق عن قرب تكذبوهم! .. الجنرال بيقول لكم ان هناك عدد من التفسيرات المتاحة للظاهرة، والاستدلال بأفضل تفسير هو أنها طائرات الدولة، الحكومة بتصور مئات الملايين من الصور سنويا للفضاء لايوجد فيها اي أطباق طائرة. بعد الصدمة اللى تلقتها في المؤتمر الصحي بتصبح مهووس وتتبع كل الاخبار عن الاطباق الطائرة والاجسام الفضائية الغريبة. بتسيطر على ذهنك صورة جبل معينة انت مش عارف مصدرها اية، بتشكل صلصال على صورة الجبل، وانت على مائدة الطعام بتشكل الاكل اللى قدامك على صورة الجبل، زوجتك وأولادك بدأو يرتابوا في قواك العقلية .. زوجتك بتصحى على صوتك وانت جمعت الخردة والقمامة في قاعة المنزل وبحاول صناعة جبل على نفس الصورة اللى بتطاردك ولاتعرف ماهو مصدرها! بتطارد زوجتك في منتصف الطريق بعد ما أخذت الاولاد وتركت المنزل، وجيرانك بيتابعوا الموقف في ذهول. في مراكز القيادة الحكومة خبراء الاتصالات و الجنرالات في الجيش بيحققوا في زيادة نشاط الجسم الغريب والحوادث الغريبة ذات الصلة، بتظهر طائرات اختفت في الحرب العالمية الثانية في وسط الصحراء المكسيكية وهي في حالة جيدة تماما كأنها خرجت من المصنع للتو! .. وعثور غير متوقع للعبارة كوكباكسي التى اختفت عند مثلث برمودا قبل 50 عام في وسط صحراء جوبي. مراكز الاتصالات في الهند أبلغت عن تلقيها رسالة متكررة غريبة عبارة عن مجموعة نبضات راديو قصيرة المدى من خمس نغمات موسيقية: D ‘و E’ و C ‘و C و G. أحد العلماء بيقترح ان الموجات من الممكن ترجمتها الأحداثيات على الخريطة، بالفعل بعد ترجمة الموجات لإحداثيات بيظهر موقعها لجبل في ولاية وايومي! .. الجيش بيتجة للفور على المنطقة ويقوم بإخلائها، وينشر مجموعة من التقارير الكاذبة في الاخبار عن تسرب غاز سام في المنطقة والدولة مضطرة لاخلائها. لما تشاهد الاخبار في التليفزيون وبتظهر صورة الجبل نفس الصورة اللى كانت مسيطرة على عقلك وتكاد تذهب عقلك، بتنطلق على الفور في اتجاه الجبل، تنجح في التسلل من سياج الجيش حول المكان، وتصعد الجبل، على الجانب الاخر من الجبل ترى محطة أتصالات كاملة اعدها الجيش للأتصال بزوار المساء. خلية عمل من العلماء والعسكريين بيجهزوا المكان استعدادا لامر ما. عند منتصف الليل تظهر عشرات من الاجسام الطائرة في السماء، بتشعر بالسعادة انك مازلت بكامل قواك العقلية، بيبدأ العلماء فى محاولة التواصل مع الاجسام الطائرة باستخدام الضوء والصوت من لوحة كهربائية كبيرة، بيعزفوا نفس النغمات المتككرة اللى تم رصدها في الهند، فجأة بيخيم الصمت والظلام، وتهبط من السماء سفينة فضائية عملاقة في حجم مدينة كاملة طائرة، ويبدأ التواصل معها من خلال النغمات اللى بدأ العلماء في فهم كيفية ارسالها، ببطئ يُفتح باب السفينة ويخرج منه عشرات من البشر من كل الاجناس والاعمار، بعد ان قدم بعضهم نفسة بيكتشف القادة انهم الطائرين المختفيين منذ الحرب العالمية الثانية! بعد الافراج عن سراح كل البشر المختفية من عشرات السنين، يخرج من السفينة مخلوقات صغيرة ذات لون رمادي رأسها ضخمة وأطرافها طويلة، تبدأ في عملية تعارف مع البشر، بتقرر الانضمام لأول وفد من البشر سيصعد كزوار للمركبة الام لاكتشاف عالم جديد غامض ومثير!
محاور
إشكالية التفسير العلمي، نظرية قانون التغطية للتفسير، النموذج الاستنتاجي القانوني، أطروحة الهوية البُنيوية، النظرية السببية للتفسير، النظرية التوحيدية للتفسير، النظرية التعددية للتفسير، الاستدلال بأفضل تفسر، الشك الانتقائي، تجريبية الفطرة السليمة
ما هو دور العلم في حياتنا؟ .. في الحلقة السابقة عرضنا جدلية البعض بأن مهمة العلم في حياة البشر هي وصف طبيعة وتكوين العالم الحقيقي كما هو، الرؤية المعروفة بالواقعية العلمية Scientific Realism.الهدف الأساسي للمبادئ الأساسية للكيمياء هو وصف الحالة الكائن عليها الذرات ونسبتها لبعضها البعض لتكوين المركبات المختلفة في العالم الطبيعي زى الحديد، الملح، الكربون، الخ. وكذلك باقي فروع العلم المختلفة. لكن من الشائع أيضا بين الكثير من المفكرين أن مهمة العلم ليست فقط أخبارنا بالكيفية الكائن عليها العالم، لكن أيضا لماذا Why العالم على تلك الحالة، لماذا تكون الكائنات، ولماذا تحدث الظواهر؟! .. اى ان هدف العلم ليس فقط الوصف لكن ايضا التفسير. وبالتالي أصبحنا أمام سؤال جديد، ماهى مواصفات النظرية العلمية كي تكون قادرة على تفسير الظواهر؟ .. وكيف يختلف العلم في فهم وتفسير ظاهرة ما عن مجرد وصفها؟. الكثيرين وعلى رأسهم فلاسفة الواقعية Empiricists عادة ما بيشككوا في رؤيا العلم كمنظومة تفسيرية للواقع، ويروا العلم في جوهرة كمنظومة من القواعد للتنبؤ بنتيجة التجارب لا أكثر ولا أقل، لكن بمجرد وضع تفسير الظواهر كهدف آخر للنظريات العلمية، يرتاب الشك الواقعيين. هذا بالاضافة لان معظم التفسيرات العلمية للظواهر الطبيعية تنطوى الاشارة لوجود كائنات نظرية مجهرية ودون المجهرية، ومن هنا بيجادل الواقعيين ان حقيقة الفرضيات العلمية شرط ضرورى فى اى تفسير علمي صحيح، أي أن التفسير يتطلب أكثر من مجرد الملائمة العلمية Scientific Adequacy، وبالتالي من وجهة نظر التجريبية التفسير في العلم فكرة غير أساسية في أقل تقدير. وهناك علاقة معقدة ما بين إشكالية التفسير Problem of Explanation وإشكالية التأكيد Problem of Confirmation وظل أمل فلاسفة العلم لفترة طويلة التعامل مع تلك الإشكاليتين بشكل مستقل. فهم الادلة وتحديد الحد الكافي من الادلة لاثبات صحة فرضية ما إشكالية، وتفسير الظواهر إشكالية أخرى. نظريا من الممكن رسم تلك الحدود لكن في الواقع هناك علاقة قوية بين تلك القضايا .. حل إشكالية التفسير قد يؤثر على حل اشكالية الادلة والاثبات. في نهاية الأمر العلماء يفضلون الفرضيات بناء على قدرتها التفسيرية للظواهر. عملية الاستدلال بناء على البيانات المتاحة عن الظواهر لوضع فرضية ما لتفسير تلك الظواهر هى الاستدلال بأفضل تفسير او الاستدلال التفسيرى explanatory inference العملية المختلفة بشكل كبير عن طرق عمل الفلسفة التقليدية الاستدلال الاستقرائي inductive inference او الاستدلال من حالات محددة للتعميم. الأمر الذى يقود لان هناك علاقة وطيدة ما بين إشكالية التفسير وإشكالية التأكيد والإثبات. القوى التجريبية المتمثلة في البساطة، التماسك، والتكامل بين النظريات العلمية و المعتقدات الميتافيزيقية، كلها تهدف للتفسير الجيد للظواهر الطبيعية، لو ان هناك نظريتين اختلفنا في قوتهما التفسيرية على الرغم من تكافؤهم في التنبؤ بحدوث نفس الظواهر، يبدو ان هناك اشكالية اذن في الاعتقاد في تكافؤ تلك النظريات. فلاسفة الواقعية جادلوا ان الاستدلال بأفضل تفسير inference to the best explanation في حالة وجود أدلة ما ومجموعة من الفرضيات المتنافسة لتفسيرها هو الفرضية القادرة على تفسير الظاهرة، بأبسط مجموعة من الفرضيات والتركيبات النظرية. وبالتالي من وجهة نظرهم يصبح الاستدلال بأفضل تفسير هو المبرر الرئيسي لأعتنقاء رؤية واقعية علمية للعالم. لكن زى ما شفنا فيلسوف العلم الأمريكي-الهولندي المعاصر باس فان فراسين Bas van Fraassen في كتابة المهم “الصورة العلمية The Scientific Image” اللى نشرة سنة 1980 نقد الفكرة دى وطرح مجموعة من الجدليات ضد قابلية التفسير بأفضل استدلال أن يكون العامل الاساسي في الفصل بين الفرضيات. وجادل ان هناك العديد من النظريات العلمية تقدم تفسيرات جيدة للظواهر الطبيعية مثلا زى الميكانيكا النيوتونية بالرغم من أنها كانت خاطئة (ارجع لحلقة الواقعية العلمية). القوة التفسيرية هى علاقة براغماتية ما بين النظرية، الحقيقة، و الإطار التفسيري. حيث الاطار التفسيري يتم تحديدة بخلفية المعتقدات، الاهتمامات، والصراعات الثقافية. اى انه بيجادل ان الاطار هو العامل الأساسي في التفريق ما بين النظريات المتنافسة خصوصا حين تتكافئ قدرتها التفسيرية، وبما ان الاطار نسبي بناء على أهدافنا ومعتقداتنا من غير الممكن بناء المعرفة العلمية فقط على القدرة التفسيرية للفرضية. واخيرا جادل ان في واقع الأمر البحث عن النظرية ذات القدرة التفسيرية الأعلى في واقع الأمر هو بحث عن النظريات العلمية الملائمة علميا اى القادرة على وصف الكائنات والظواهر القابلة للمُلاحظة في العالم، وبالتالي ستكون قادرة على تفسيرها. اى ان القوة التفسيرية هى خاصية براغماتية للنظريات.
إشكالية التفسير العلمي The Problem Scientific Explanation
تفسير الظواهر هو تبرير سبب حدوثها. وكثير من الفلاسفة والعلماء أعتقدوا ان دور النظريات العلمية لايمكن ان يقتصر فقط على وصف العالم كما هو ولابد ايضا ان تخبرنا لماذا العالم كما هو. فكر في الامثلة التالية
(1) حطام المنزل سببها الزلزال.
(2)أرتفاع ضغط الغاز سببة ثبات الكمية وارتفاع درجة الحرارة.
(3) انا أقود سيارتي كل يوم في الصباح لقضاء 8 ساعات في مبنى ما للعمل بهدف س.
دة أمثلة على صورة مختلفة للتفسير السببي، الاول تفسير سببي بسيط، والثاني بيلجأ لقوانين الطبيعة بالتحديد قوانين المادة المتعلقة بالضغط والحرارة لتفسير الظاهرة، واخيرا المثال الثالث هو نوع من التفسيرات النفسية الاجتماعية. التفسيرات السببية بصورها المختلفة قائمة على بنية السبب والنتيجة لتفسير الظواهر cause and effect. التفسيرات بناء على القوانين والقواعد بتعمل على اظهار ان الاحداث تقع تحت تفسير مجموعة صارمة ومحددة من القوانين المتكاملة، التفسير النفسي بيعمل باللجوء لخلفية البشر المعرفية لتفسير سلوكياتهم وارتباطها برغبتهم ومعتقداتهم. وهناك مجموعة واسعة من الصور والاشكال التى قد يقع عليها التفسير. بداية من التفسيرات تطورية ـ تاريخية،ـ لاهوتية، وظيفية، وغيرها .. وفي حقيقة الأمر العلماء والفلاسفة اختلفوا لفترة طويلة حول تقسيم انواع التفسيرات وايها تفسيرات حقيقية. مثلا التفسيرات اللاهوتية الطبيعية بان الاحجار تسقط لان الأرض هى مركز الكون، أو ان السماء معلقة، الخ تم رفضها خلال عصر الثورة العلمية من قبل الفلاسفة الطبيعيين، لانها تفسيرات لجأت لموقع الأشياء في الكون، او وظيفتها المفترضة دون تقديم سبب مادي لحدوثها. التفسيرات الوظيفية محتاجة لطريقة سببية مقبولة كي تقبل! .. على سبيل المثال شوكة الاكل، لها سبب تفسيري وهو ان البشر صنعوها على تلك الصورة لعدة اسباب نفسية وسببية قبل الوظيفية. وبنفس الصورة التفسيرات التطورية لوجود كائنات ما في بيئة معينة تطورت بشكل ما فقط مقبولة في حالة وجود تفسيرى سببي مقبول! .. في تلك الحالة تحت ظروف بيئية معينة تنجح بعض الكائنات في البقاء والتكييف مع قدرتها على نقل سماتها الفزيائية من خلال الجينيات. تلك الكائنات تزداد معدلات نجاتها وبقائها وعبر ملايين السنين مع تراكم خواصها الوظيفية البسيطة تنتج سمات وخواص وظيفية اكثر تعقيدا، كالعيون، الارجل، الاسنان، وغيرها! وعلى الجانب الاخر بعض المفكرين جادل ان التفسيرات النفسية، الاجتماعية زى النظرية الماركسية مثلا نوع من العلوم الزائفة لانها لا تطرح طرق واليات سببية من الممكن اختبارها معمليا. يبدو في كثير من الاحيان ان التفسيرات العلمية دائما ما تكون سببية، حيث يتم اللجوء للقوانين الطبيعية لتفسير الظواهر كما في المثال الثاني. قوانين الضغط مثلا يتم تفسيرها طبقا لقوانين الجزيئات والحرارة. لكن زى ما شفنا في بداية سلسلة فلسفة العلم فلاسفة الوضعية المنطقية positivists زى ديفيد هيوم اعترضوا على اى فكرة قائمة على وجود أسباب أو روابط ضرورية ما بين الظواهر المختلفة المنتظمة الحدوث في الطبيعة ( الفكرة اللى سبقة لها الإمام الغزالي في عمله الخالد تهافت الفلاسفة لما جادل أن تكرار تتابع حدوث الحدث غير كافي على اننا نقول ان التلازم ضرورى – أرجع لحلقة إشكالية الوجود في الفلسفة الإسلامية). وبالنسبة لهم طبقا لتاريخ العلم الحديث، التفسيرات تسبقها دائما القوانين الرياضية النظرية، قوانين نيوتن للحركة و الجاذبية، قوانين الغاز والضغط، قوانين قوى الكهرباء والمغناطيسية كلها بدأت اولا بالقوانين الرياضية. قوانين نيوتن عن قوى الجاذبية اكتسبت مصداقيتها، لانها وضعت قوانين دقيقة محددة لوصف الظواهر الواقعية وطرق تأثيرها على بعضها البعض، قوانين قابلة للاختبار والنفي. كارنب وآخرون من فلاسفة الوضعية نقدوا مثلا نظرية القوى الحيوية vital forces في علم الأحياء (اللى طبقا لها الأشياء الحية لديها قدرة غير موجودة في الجماد اللى تتنافى مع طبيعة الأنظمة الفيزيائية الدائمة الحركة تجاه حالة من العشوائية وعدم الاستقرار. وجادلوا انها لاتقدم اى شئ من الممكن ان يفسر تلك القوى، او اى تنبؤات محددة من الممكن اشتقاقها من القوانين الحاكمة لها! وبالتالي هيوم ومن قبلة الامام الغزالي جادلوا ان ما قد نطلق علية سببية هو في واقع الامر مجرد انتظام في حدوث الظواهر الطبيعية لايعنى بالضرورة القطع بدوامها او تفسيرها سببيا. وبالتالي وفقا لهذا الرأى، التفسيرات المطروحة في الامثلة السابقة طبقا لقوانين طبيعية ميكانيكية او فيزيائية تحكم سلوك المواد، ليست اكثر من مجرد تعميمات حول كيفية تصرف تلك الاشياء. وتصبح الفكرة هى الجمع ما بين نظرية انتظام الظواهر في العلاقات السببية ونظرية انتظام القوانين وتطبيقها على الواقع، وبالتالي يمكن للعلم والعلماء التخلص تماما من وجود اى علاقات ميتافيزيقية خفية او وصلات سببية أسمية ما بين الاشياء يطلق عليها السببية!
نظرية قانون التغطية للتفسير The covering law model of explanation
فلاسفة الوضعية المنطقية والتجريبية اعتقدوا أن التفسير بينطوى على التزامات ميتافيزيقية عن العالم، او خارج حدود الطبيعة على الأقل المُلاحظة وبالتالي حاولوا الابتعاد تماما عن فكرة التفسير. لكن في نهاية الأمر وصلوا لحل وسيط لفكرة ان العلم لديه قابلية التفسير، الفكرة التي أصبحت معروفة بقانون التغطية لنظرية التفسير covering law theory of explanation اللي أصبحت فكرة مسيطرة في بدايات القرن العشرين، لكنها اندثرت مع مرور الوقت. الفيلسوف الألماني كارل همبل Carl Hempel و الفيلسوف والكيميائي الالماني بول أوبنهايم Paul Oppenheim قدموا الفكرة للمرة الأولى في ورقة بحثية مهمة بعنوان “دراسات في منطق التفسير Studies in the logic of explanation” سنة 1948 اللى أصبحت محورية في الفلسفة التجريبية. هنبدأ بالاتفاق على بعض المصطلحات الاساسية حتى نكون قادرين على فهم نظرية همبل وأوبنهايم، المُفسَر explanandum هو اى شئ، حدث، ظاهرة محل التفسير. المُفسِر explanans هو الشيء القائم التفسير! .. مثلا لو قلنا “لماذا س؟” .. س في الحالة دى هو المُفسَر .. ولو كانت إجابتنا على السؤال “بسبب ص” .. ص في الحالة دى هو المُفسِر. الأفكار الأساسية لقانون التغطية بسيطة جدا، بشكل مبسط لتفسير شئ ما هو إظهار كيف يمكن اشتقاقه في جدلية منطقية. المُفسَر هو النتيجة في الجدلية، والفرضيات هى المُفسِر. التفسير الجيد لابد اولا ان تنطبق علية شروط الحجة المنطقية السليمة، لكن بالاضافة فرضيات جدليته لابد وأن تحتوى على الاقل على جملة واحدة من قوانين الطبيعة law of nature ( ولابد أن القانون بيكون له تأثير أساسي وحقيقي على الجدلية مش مجرد اضافة جانبية) .. وبدون ذكر لابد للفرضيات أن تكون صحيحة .. لكن اولا لابد من تحديد اى نوع من الجمل قادر على اعطائنا تفسير للظاهرة. مثلا تفسير تحول لون السماء للأسود خلال عملية كسوف الشمس يتم باستخدام ميكانيكا حركة الكواكب والمجرات بالإضافة إلى موقع الأرض بالنسبة للشمس والكواكب الاخرى، وتحديد مسار القمر خلال مروره بين الارض والشمس يلقي بظلاله على جزء معين من سطح الارض. اى ان معرفتنا الاساسية بقوانين الطبيعة البصرية كانت الاساس في تقديم تفسير لظاهرة الكسوف. بطبيعة الحال هناك ظواهر أخرى أكثير تعقيدا من الصعب وصفها بالرجوع مباشرة لقوانين طبيعية لتفسيرها، لكن يبدو ان معظم التفسيرات العلمية قد تتفق مع هذا النموذج في تحليل التفسير،ومن هنا هيمبل جادل ان كل التفسيرات الصحيحة والحقيقة في تاريخ العلوم تنطوى دائما على الاشارة إلي القوانين حتى وان لم تكن تبدو كذلك في ظاهرها! .. التفسيرات في العلم والحياة اليومية قد تكون أحداث محددة تفسر الأشياء والظواهر او ظواهر انتظامية عامة. مثلا الأعراض والأحداث الاقتصادية في دولة ما من الممكن تفسيرها نتيجة الظواهر والأحداث السياسية، والاقتصادية وغيرها في المجتمع، ده تفسير باللجوء للظواهر الانتظامية العامة. لكن التفسير أيضا قد يكون من خلال الأنماط Patterns على سبيل المثال هناك اتفاق كبير بين العلماء أن نيوتن فسر قوانين حركة الكواكب لكيبلر من خلال قوانين ميكانيكية أساسية وبعض الفرضيات عن ترتيب الكائنات والكواكب في النظام الشمسي. في كلا الحالتين قانون التغطية لنظرية التفسير بيقول ان التفسيرات من الممكن التعبير عنها من خلال جدليات تبدأ من مقدمات فرضية وتنتهي بنتيجة. بعض الجدليات ستكون صحيحة استنتاجية deductively valid لكن ده غير مطلوب في كل الحالات. النظرية ايضا تسمح ببعض الحالات من الممكن التعبير عنها بصورة استقرائية inductive. بصورة ابسط لو لدينا ظاهرة ما وضعنها في صورة جدلية ضمن فرضيات معطياتها احد القوانين الطبيعية بتقود حتى ولو باحتمالية عالية لنتيجة الجدلية اى الظاهرة، اصبحنا امام تفسير جيد للظاهرة. (كان في عدد كبير من المشاكل والاعتراضات على الفكرة دى لن يتسع المجال للخوض في تفاصيلها هنا لكن الفيلسوف الأمريكي المعاصر ويسلي سالمون Wesley C. Salmon في كتابه المهم أربع قرون من التفسير العلمي Four decades of scientific explanation فسر العديد من التفاصيل لتلك الإشكاليات أنصحك بقرائتة لو كنت مهتم بالتفاصيل الفنية ). على اى حال الفكرة الأساسية بسيطة وهى ان علشان نفسر شئ ما لابد وان نظهر كيف يمكن الوصول لهذا الشئ من خلال جدلية منطقية قائمة على قوانين وفرضيات طبيعية. كي نفسر شئ لابد وان نظهر انه متوقع، وليس وليد الصدفة او الدهشة بناء على معرفتنا بقوانين الطبيعة. في نظرية قانون التغطية لايوجد فرق ما بين التفسير والتنبؤ. كي نتنبأ بظاهرة او شئ ما نضع جدلية منطقية مقدمتها طبيعية وتقود لنتيجتها، كي نظهر أن التنبؤ متوقع، بالرغم من أننا لا نعرف بعد إن كان هذا التنبؤ سيحدث أم لا. وعندما نفسر شئ ما نعرف مسبقا انه حدث بالفعل، باستخدام نفس طريقة التنبؤ نحاول ان نظهر انه كان من الممكن التنبؤ به باستخدام جدلية قائمة على القوانين الطبيعية! .. كل دة جيد، لو كنت متابع المنطق ده معاية من البداية غالبا ما هتكون بتتسائل دلوقتي .. ماهو معيار القوانين الطبيعية؟ .. تساؤل طبيعي ومنطقي .. وفي الواقع، دى كانت إشكالية وموضوع خلاف كبير في الوضعية التجريبية، وحتى بعد سقوط الحركة ظل تحديد مفهوم القوانين الطبيعية مُشكل للعلماء والفلاسفة. لكن طبقا لقرائتى لهمبل قانون الطبيعة في هذا الاطار لم يكن مقصود بة نظريات وافكار ضخمة او معقدة، لكن نوع من الانتظام regularity، او نمط أساسي basic pattern في سير الاحداث.
النموذج الاستنتاجي القانوني Deductive-Nomological
نظرية الاستنتاج القانوني D-N theory او نموذج الاستنتاج القانوني للتفسير D-N model هو الاصطلاح الفلسفي لنظرية التغطية لقانون التفسير covering law theory اللى وضعها همبل، احتواء اسم النظرية على الاستنتاج deductive قد يكون محير للبعض لان النظرية لم تشترط ان الجدليات المستخدمة للتفسير ان تكون استنتاجية قد تكون ايضا استنباطية. زى ما شفنا نموذج الدى ان او نظرية قانون التغطية بتفرض مجموعة اساسية من الشروط لصلاحية التفسير
(1) المُفسِر لابد وان يؤدى منقطيا سواء بصورة أستنتاجية او استنباطية الى المُفسَر.
(2) التفسير لابد وان يكون قائم على قوانين الطبيعة
(3) المُفسَر لابد وان يستخدم الطرق التجريبية في طرحة.
(4) لابد وان تكون الجمل المستخدمة في التفسير صحيحة وحقيقية.
في الحقيقة كان في عدد كبير من الاشكاليات والاعتراضات على الفكرة البسيطة المطروحة في نموذج الدى ان، ومعظمها كان قائم على اظهار ان الشروط اللى وضعها هيمبل في نموجة كانت غير كافية. اى ان الحجة المستخدمة للتفسير قد توفي الشروط الاربع السابقة لكنها مازلت لاتعد تفسير علمي. والبعض الاخر جادل ان بعض الشروط غير مطلوب او ضرورى من الاساس، اى ان هناك تفسيرات علمية صحيحة وجيدة تنقصها بعض شروط هيمبل. على سبيل المثال من الممكن اننا نقول
(1) كل المعادن تنقل الكهرباء
(2) كل ما ينقل الكهرباء يتأثر بالجاذبية
(3) أذن، كل المعادين تتأثر بالجاذبية. هذة الحجة سليمة، وفرضيتها قائمة على قوانين طبيعية عامة، والجمل المستخدمة صحيحة، لكن حقيقة ان المعادن تنقل الكهرباء ليس لها اى علاقة بأنها تقع تحت تأثير الجاذبية! ..
نوع أخر من الإشكاليات بينتدرج تحت بند السبق Pre-emption عندما يحدث شئ ما كان مقرر ان يحدث مبكرا عن توقيتة لأسباب اخرى مثلا (1) كل من يعضة نوع معين من الثعابين الاستوائية يقتلة سمها في غضون 24 ساعة (2) مريم عضها ثعبان استوائى (3) بالتالي، ماتت مريم في خلال 24 ساعة. بكل تأكيد الفرضية الأولى قانون طبيعى، والجملة الثانية حقيقية لان مريم فعلا عضها ثعبان، وماتت في خلال 24 ساعة .. لكنها في الحقيقة ماتت بسبب تصادم سيارة الإسعاف اللى كانت بنقلها للمستشفي للايقاف مفعول السم. كل شروط قانون التغطية موجودة لكن الجدلية لا تقدم تفسير. النوع الثالث من الاشكاليات معروف بزيادة عدد المحددات Overdetermination اللى بيحدث عند تواجد اكثر من مسبب للحدث لكن كل واحد منهم كافي بمفرده لإحداث التأثير. مثلا
(1) كل البشر لابد وأن تتزوج كي تصبح قادرة على الحمل
بكل تأكيد هناك زيادة في عدد المحددات لان عدم القدرة على الحمل محدد بأكثر من سبب التزواج، النوع، القدرة على الحمل، الخ. الحجة يتوافر فيها كل شروط نموذج الدى ان لكنها غير قادرة على تفسير الظاهرة. لكن أكثر الاعتراضات قوة كانت إشكالية معروفة بمشكلة عدم التماثل asymmetry problem .. العديد من القوانين العلمية تتواجد بجانب بعضها البعض في الواقع وتأثر على الاحتمالات اللى من الممكن ان تتحق في اى لحظة من الزمن. مثلا قوانين الغاز تقيد قيم الضغط، حجم ودرجة حرارة الغاز عند أى لحظة من الوقت. المشكلة اننا لما بنتعامل مع هذة المجموعة من القوانين لان بتظهر حالات يبدو فيها أن ظاهرتين يفسر بعضهما البعض. يعني مثلا تخيل ان هناك قانون بيقول ان كل الحيوانات لديها قلب أيضا لديها كبد، وكل الحيوانات اللى لديها كبد ايضا لديها قلب. إذن بالملاحظة بعض الحيوانات لديها قلب نقدر نفسر أن لديها كبد ونفس الحيوانات اللى لديها كبد نقد نفسر لديها قلب. أكيد شايف المشكلة كلا التفسيرين بيعتمد على الآخر في حلقة متصلة وبالتالي لا يمكن أن يكون التفسيرين صحيحين.أحد أهم الأمثلة المستخدمة في توضيح الإشكالية في الأدبيات الفلسفية مثال سارية العلم والظل. تخيل أن هناك سارية علم ظلها بجوارها في نهار يوم مشمس. من الممكن أن تسائل لماذا طول الظل س من المترات؟ .. طبقا لقانون التغطية أو نموذج الدى ان، من الممكن أن نقدم تفسير جيد لطول الظل باستنتاجه من ارتفاع السارية، موضع الشمس، قوانين الرؤية، وبعد الحسابات والقوانين الهندسية الاساسية. وبالتالي من الممكن أن نظهر لماذا كان هذا الطول للظل من الممكن التنبؤ به بناء على القوانين والظروف الطبيعية. وبالتالي الجدلية التفسيرية ستكون صحيحة استنتاجيا، حتى الآن كل شئ متسق! .. الاشكالية اننا قادرين على تقديم جدلية اخرى ايضا صحيحة في الاتجاة المعاكس، جدلية قادرة على استنباط ارتفاع السارية بناء على طول الظل، موضوع الشمس، وبعض القوانين الهندسية الأساسية.وستكون ايضا جدلية صحيحة استنتاجيا. اى اننا قادرين على استنتاج معلومات عن احد الكائنين بناء على وجود الاخر! .. لكننا غير قادرين على تقديم تفسير جيد ومقبول في كلا الاتجاهين بالرغم من ان نظرية التغطية بتقر بهذا! .. من المنطقي والبديهي اننا نفسر طول الظل من خلال أرتفاع السارية وموضع الشمس، لكن مش من البديهي تفسير أرتفاع السارية من خلال ظلها و موضوع الشمس لانه بينطوى على ان السارية بتغير ارتفاعها كي يتناسب مع طول ظلها! اى انها المُسبَب وليس المُسبِب! … الفكرة الغريبة بكل تأكيد. اى ان التفسير يحتوى على نوع من الاتجاه، بعض الجدليات من الممكن عكسها وتظل جدليات جيدة، لكن التفسيرات لا يمكن عكسها بنفس الطريقة (إلا في بعض الحالات الخاصة). وبالتالي ليست كل الفرضيات الجيدة القائمة على قوانين طبيعة تعد أرضية لتفسيرات جيدة!
أطروحة الهوية البُنيوية The Thesis of Structural Identity
هيمبل دعى الى أطروحة اصبحت معروفة بالهوية البُنيوية structural identity اللى وفقا لها التفسيرات Explanations والتنبؤات Predictions لهما نفس البُنية. فهي جدليات فرضيتها تُقر بقوانين الطبيعة والشروط المبدئية، الفرق الوحيد بينهم هو ان في حالة التفسيرات نكون على دراية فعلا بالنتيجة النهائية اما في حالة التنبؤات النتيجة النهائية تكون مجهولة. فمثلا الفيزياء النيوتونية تنبأت بعودة مذنب هالي Halley’s comet في ديسمبر عام 1758 وبمجرد مُلاحظة الحدث تحولت الحجة من كونها تنبأ وأصبحت تفسير… مثال سارية العلم والظل بيوضح لنا الاشكالية الكبيرة اللى بيقع فيها نموذج الدى إن، لانه بيعامل التفسير بنفس الصورة اللى بيتعامل بيها مع التنبؤ. الفرق الوحيد المعرفة المتاحة وقت وضع التفسير. لكن ده بكل تأكيد خاطئ! .. لان هناك حالات عديدة فيها ملاحظة ظاهرة يسمح لنا بملاحظة ظاهرة أخرى بدون ان تفسر الاولي الثانية. مثلا تحرك مؤشر في مقياس سرعة يسمح لنا بالتنبؤ بحدوث عاصفة لكنه لايفسرها، أو طول الظل يسمح لنا بالتنبؤ بأرتفاع السارية لكنه لايفسرة، ومعرفة مدة تذبذب البندول يمكننا من حساب طوله لكن لايفسر سبب تذبذبة، وغيرها من الامثلة، في كل الحالات دى التفسير له اتجاه واحد. على سبيل المثال، فكر في الأعراض المرضية، من الممكن استخدامها للتنبؤ، لكن لا يمكن استخدامها للتفسير، لكن الأعراض عادة ما يمكن وضعها في جدليات منطقية جيدة وصحيحة مع قوانين طبيعية لإظهار أن شئ ما كان من الممكن توقعه. لو كنت مثلا على دراية بأن مرض س أعراضه ص، يمكنك استنباط ص من س وفي بعض الأحيان يمكنك صناعة تنبؤات من المرض س للأعراض ص. لكن لا يمكن تفسير المرض من خلال الأعراض. التفسير له اتجاه واحد فقط من س الى ص اى من المرض الى الاعراض، المرض المُسبِب والأعراض المُسبَب! .. مهما كان عدد حالات الاستنتاج اللى من الممكن وضعها في الاتجاه المعاكس. ده غير ان يبدو أن من الممكن طرح تفسير جيد لعرض ما ص1 من خلال المرض س حتى وان كان ص1 ليس احد الاعراض الدائمة ل س ( أي ان العرض ص1 لا يصيب كل المرضى ب س). دى إشكالية أخرى بتواجهة نظرية التغطية وكتب الفلسفة عادة ما بتحتوى على أمثلة ونماذج غير سارة لأعراض غير دائمة لمرض الزهري syphilis. ده غير ان هناك تفسيرات عديدة صحيحة وجيدة لا يمكن وضعها في صورة تنبؤات، مثلا نظرية التطور تفسر الظواهر لكنها في العادة غير قادرة على وضع تنبؤات محددة لأن التغير من خلال عملية التطور عرضة للطفرات العشوائية تحت ظروف وشروط بيئية. والتفسيرات الاحتمالية في العلوم المختلفة بتقدم عائلة أخرى من النماذج التفسيرية حيث يفترق التفسير والتنبؤ! .. لما احتمالية أن المُفسِر لا يُفسر المُفسَر تكون قليلة لا يمكن أن نتنبأ أن المُفسَر سيكون غالب الحدوث، الا انه لو حدث وقتها نقدر نستخدم حجة التنبؤ ضعيفة الاحتمال السابقة لتفسيرة! … وبالتالي يصبح نموذج دى ان للتفسير عديم القيمة في حالة القوانين الاحصائية والاحتمالية المستخدمة في التفسير. تقريبا العلوم الاجتماعية social sciences تقريبا احتمالية probabilistic في كل قوانينها! .. مثلا طبقا لقوانين علم الاجتماع المجتمعات البشرية المنخفض فيها دخل الفرد يزداد فيها معدل الوفيات! … الغريب في الامر ان همبل في كتابه “جوانب التفسير العلمي Aspects of Scientific Explanation and Other Essays” اللى نشرة سنة 1965 كان رده ان ده امر مقبول، وتوقعة، وتجاهله .. اى انه قبل ان نظريته بتقدم تفسيرات في اتجاهين في حالات يبدو أن التفسير لايصلح فيها إلا في اتجاه واحد. وجادل ان لابد اذن وان التفسير يصلح في الاتجاهين. الرد ده قد يصلح في بعض الحالات العلمية، هناك العديد من الحالات في الفيزياء الطبيعية من الصعب تحديد اتجاه التفسير. لكن في حالات اخرى عديدة اتجاه التفسير واضح، زى ما شفنا في مثال سارية العلم وظلها، هذا الرد غريب في تلك الحالة وغير مقبول! .. هناك العديد من الاعتراضات والجدليات الاخرى ضد نظرية التغطية لكن مشكلة عدم التماثل كافية لإظهار ضعف النظرية وضرورة استبدالها بنظرية أخرى للتفسير.
النظرية السببية للتفسير Causal Theory of Explanation
في إشكالية عدم التماثل المطروحة على نظرية الاستنتاج القانوني، التفسير العامل في اتجاهين كانت فكرة غير بديهية، لأن طول ظل سارية العلم من الممكن تفسيره بارتفاع العلم لأن هناك تفاعل فيزيائي ما بين ضوء الشمس والسارية سبب حدوث الظل. اى ان هناك اتجاه سببي للتفسير، وبالتالي من الممكن أن نستنتج بناء على تلك الحالة أن كي نفسر شئ هو أن نصف سببة. لماذا انقرضت الديناصورات منذ 65 مليون سنة؟ .. المطلوب هنا هو معلومات تصف السبب الذي أدى للانقراض! .. عارف انك مستغرب انى بطرح الجملة دى من الأساس .. فكرة يبدو أنها بديهية جدا ومش محتاجة تفسير! … لكن في الحقيقة الفكرة البديهية دى لم يتم قبولها بالاجماع في الاوساط الفلسفية والعلمية، لانها اثارت اشكاليات فلسفية وعقلية اخرى. أولها ماهي السببية causation؟ .. استخدمنا بثقة فكرة السبب او السببية لتفسير العلاقة بين سارية العلم وظلة، لكن فكر السببية والسبب محل خلاف كبير في الفلسفة (ارجع لحلقة إشكالية السببية) .. بالنسبة للعديد من الفلاسفة وعلى رأسهم حُجة الإسلام الامام الغزالي السببية فكرة ميتافيزيقية مشكوك في أمرها، ومن الافضل ان نتجنبها عند محاولتنا لدراسة وفهم الظواهر الطبيعية ( اسباب الإمام الغزالي لتجنب الفكرة السببية كانت لاهوتية وليست علمية في الأساس – أرجع لحلقة إشكالية الوجود في الفلسفة الاسلامية). هذا الشك كان ومازال شائع جدا في الدوائر التجريبية، وقائم في الفلسفة الغربية في الأساس على أفكار ديفيد هيوم، اللى رأى ان السببية فرضية تدعى ان هناك علاقة خفية بين الأشياء، علاقة غير قابلة للملاحظة لكنها أساسية وجوهرية في عمل الكون والطبيعة! .. لكن زى ما شفنا في الحلقات السابقة سعي التجريبين الدائم كان محاولة فهم العلم بدون أفتراض ان هناك اى صلات او سمات خفية في الكون. لكن مع ظهور الواقعية العلمية في منتصف القرن العشرين القلق ده بدأ يقل تدريجيا. لكن معظم العلماء سيكونوا في حالة رضا عقلي ان وصل العلم في يوم من الايام لوصف العالم من خلال مكونات وعلاقات فيزيائية تماما دون الاعتماد على شئ خفي او غير محدد زى فكرة السببية. على اى حال في نهاية القرن العشرين، الطرح الأساسي في فلسفة العلم لفكرة التفسير كان ان لتفسير اى شئ هو إعطاء معلومات عن كيف تم تسبيب هذا الشئ. إذن لو الاسباب والمسببات لا يمكن اختزالها لقوانين تنظيمية في الطبيعة، ماهى طبيعتها على وجهة التحديد؟ .. ده بالاضافة لان هناك حالات فيها قانون يفسر قانون آخر دون أي ذكر للسببية بالمرة مثلا تفسير قوانين كيبلر لقوانين نيوتن للجاذبية التي لم تذكر اى شئ عن الأسباب المُسببة لظاهرة الجاذبية! بعض الصور المعقدة لنفس الفكرة قائمة على نظرية الاحتمالات الرياضية probability theory لتفسير العلاقة السببية بين الأشياء والظواهر. قد يبدو في البداية أن تطبيق فكرة التفسير مهم في الأساس لظواهر زى انقراض الديناصورات، أو ظل سارية العلم. لكن في الحقيقة التفسير مهم أيضا عند محاولة فهم الأنماط. مثلا قد نتسائل لماذا تزداد العيوب الخلقية في المواليد عند زواج الأقارب؟ .. التفسير في تلك الحالة سيقدم عملية سببية عامة وراء الظاهرة. لكن ادعاء ان السببية هى جوهر فكرة التفسير لا يحل كل الإشكاليات المتعلقة بفكرة السببية. مثلا لابد وان نحدد نوع المعلومات المطلوبة توافرها في السبب كي يساعد في علمية التفسير. الفيلسوف الامريكي المعاصر بيتر ريلتون Peter Railton في ورقة بحثية بعنوان الاحتمالية، التفسير والمعلومات Probability, Explanation, and Information نشرها سنة 1981 طرح طريقة للتفكير في الموقف عن طريق تخيل تفسير مثالي بيحتوى على متسلسلة الأسباب الكاملة في تاريخ حدث ما لتفسيرة، لا احد يريد ان يفسر كل ظاهرة بقص تاريخها السببي الكامل، وفي نفس الوقت لا نريد تفسير الظاهرة بدون معرفة متسلسلة السببية الكاملة ورائها. عند تفسير أي ظاهرة أجزاء من متسلسلة تاريخها السببي ستكون مهمة ولها علاقة مباشرة، وعادة ما بنكون قادرين على معرفة ووصف تلك الأجزاء المهمة في البُنية السببية لمعظم الظواهر. وبالتالي يصبح كل المطلوب في الأسباب المفسرة لظاهرة ما هو الأجزاء المهمة والمتعلقة بشكل مباشر بالظاهرة.
النظرية التوحيدية للتفسير Unification Theory of Explanation
طريقة أخرى بديلة لتحلي التفسير من خلال السببية ظهر في الفترة اللاحقة على انهيار نظرية التغطية covering law theory. الفكرة وطورها الفيلسوف الأمريكي المعاصر مايكل فريدمان Michael Friedman في ورقة بحثية بعنوان “التفسير والفهم العلمي Explanation and Scientific Understanding” نشرها سنة 1971 وورقة بحثية نشرها الفيلسوف الأمريكي المعاصر فيليب كيتشر Philip Kitcher بعنوان “النظريات والتغير العلمي Theories, Theorists, and Theoretical Change” نشرها سنة 1978 واللى جادلوا أن التفسير لابد من تحليلها من خلال فكرة التوحيد Unification. وكيتشر جادل أن فكرة التوحيد كانت نظرية غير رسمية في نظرية التفسير داخل عباءة مدرسة الوضعانية التجريبية على عكس نظرية التغطية التي ناقشناها في البداية. وجادلوا ان النظرية الغير رسمية دى كانت افضل بكثير من الرؤية الرسمية. الفكرة ببساطة هو ان علشان نقدر نظهر ان هناك صلة ما او علاقة ما بين أحداث معينة وقانون عام لابد وأن نستخدم صورة ما من التوحيد، وبالتالي لماذا لا نطرح نظرية للتوحيد في العلم غير مرتبطة بفكرة اشتقاق الظواهر من القوانين؟ .. نظرية التوحيد، بتجادل أن التفسير في العلم هو مسألة ربط مجموعة متنوعة من الحقائق بإدراجها تحت مجموعة من الأنماط والمبادئ الاساسية. العلم في حالة سعي دائمة لتقليل عدد الاشياء والظواهر التى لابد وان نقبلها كمبادئ أساسية. ودائما ما نحاول تطوير خطط تفسيرية explanatory schemata عامة من الممكن تطبيقها على نطاق واسع، في معظم الاحيان يسعي العلماء تعميم هذة الخطط التفسيرة ليس فقط داخل نطاق الاطار العلمي الواحد لكن حتى يتعدى الحدود بين المجالات العلمية المختلفة. الفرضية دى بكل تأكيد معقولة خصوصا لو وضعناها في اطار سلوك وطريقة عمل العلماء. “وجدتها” في العلم على العكس من التصور التقليدي في الافلام والقصص قليلة الارتباط باكتشاف ظاهرة جديدة فريدة من نوعها، لكن بادراك ان ظاهرة ما تبدو غريبة وشاذة مجرد حالة اخرى من حالة اكثر عموما او قانون كوني. كيتشر جادل ان اشهر اكتشافات ونظريات العلم كانت جذابة للعلماء بالرغم من انها لم تصنع اى نوع من التنبؤات الجديدة على الاقل في بدايتها، مثلا نظرية التطور لدارون، وأعمال نيوتن اللاحقة على طبيعة المادة، لكنها كانت جذابة لانها وعدت بتفسير الكثير من الظواهر بمجموعة عامة بسيطة من القوانين. كيتشر في ورقة بحثية لاحقة نشرها سنة 1989 بعنوان “التوحيد التفسيري والبُنية السببية للعالم Explanatory Unification and the Causal Structure of the World” جادل ان السبب الاخر لتطوير رؤية توحيدية هو عدم الثقة في فكرة السببية. وحاول لسنوات عديدة تطوير طريقة تفسيرية كاملة قائمة على التوحيد تتجنب فكرة السببية بالكامل. معيار القياس كان مثال الظل وسارية العلم او مشكلة عدم التماثل. او مشكلة إتجاة التفسير .. من يفسر من ؟ السارية ام الظل؟ .. كيتشر جادل اننا عادة ما نضع اشكالية عدم التماثل في صورة سببية ماهو الا مجرد ملخص عام لعدم التماثل لحالات بسيطة من التوحيد. اذن اصبحنا امام بديلين لنظرية التغطية، النظرية السببية ونظرية التوحيد. وعادة ما تم التعامل معاهم على انهم صور منافسة لنظرية التغطية. ايهما اذن الاقدر على التفسير .. السببية ام التوحيد؟ .. لكن في الحقيقة احنا غير مضطرين للاختيار بين النظريتين .. في غالب الوقت لتفسير ظاهرة ما لابد وان نصف التاريخ السببي او السلسلة السببية التى قادت لتلك الظاهرة. لكن هذا ليس دائما صحيح في بعض الحالات من الممكن وجود علاقات تفسيرية ما بين الأنماط والقوانين والمبادئ، حتى عند وجود صعوبة في صياغة لغة سببية من الممكن تطبيقها على الظاهرة. عادة الحالات دى تنطوي على التوحيد. لكن لايوجد ما يمنع ان نستخدم مجموعة من الأفكار المختلفة لوصف العلاقات التفسيرية. مؤخرا في فلسفة العلم الفكرة دى أصبحت شائعة على سبيل المثال الفيلسوف الأمريكي المعاصر ويسلى سالمون Wesley Salmon لسنوات عديدة كان من أهم المدافعين عن فكرة ان السببية هى الطريقة الأساسية للتفسير. لكن بمرور الوقت أقر أن التوحيد أيضا جزء من عملية التفسير. وجادل في بعض الاوقات ان السببية والتوحيد وجهين لعملة تفسيرة واحدة وفي أحيان أخرى أنهم قابلين للتطبيق حسب الظاهرة محل التفسير. وكيتشر على الجانب الاخر حاول تجنب السببية بالكامل والاعتماد على التوحيد لتفسير الظواهر، لكنه في السنوات الاخيرة تراجع عن تلك الفكرة وبدأ يعتنق رؤية تكاملية تجمع ما بين السببية والتوحيد.
النظرية التعددية للتفسير Theory of Pluralism for Explanation
الفكرة التعددية pluralism حول فكرة التفسير التي بدأت في الظهور في نهايات القرن العشرين داخل فلسفة العلم قائمة على ان افتراض ان التفسير يتطلب تحليل من خلال علاقة واحدة أو عدد محدد من العلاقات. اة ان العلاقات التفسيرية قد يتم تحليلها من خلال نظرية قانون التغطية covering law theory، أو من خلال النظرية السببية causal theory، أو من خلال نظرية التوحيد unification theory. لكن قد يكون من الخطأ التفكير أن هناك علاقة واحدة او عدد من العلاقات لتفسير العلاقات التفسيرية. الرؤية البديلة هى أن التفسير بيعمل بصور مختلفة في أجزاء مختلفة داخل العلم. وقد يعمل بصور مختلفة داخل نفس المجال العلمي الواحد في أوقات مختلفة. التفسير يستخدم في العلم ويتحقق من خلال تطوير النظريات، لكن ما يتم البحث عنه ليس دائما ثابتا في كل العلوم. ولن يمكن الحصول على التحليل الصحيح لفكرة التفسير من خلال الادعاء بأنه في كل العلوم، لان التفسير الجيد شئ أما ان تتوفر فيه شروط اختبار السببية أو شروط اختبار التوحيد. الصورة التعددية pluralism لتحليل التفسير تترك المجال مفتوح أمام المجالات العلمية المختلفة لتحديد ما يمكن أن يعد تفسير جيد داخل هذا المجال. معيار ما يمكن اعتباره تفسير جيد في الكيمياء لا يعد بالضرورة معيار مقبول للتفسير الجيد في الفيزياء .. اى ان التحليل الصحيح للتفسير في العلم يعتمد على السياق الذي يتم وضع التفسير داخله. في الحقيقة توماس كوهين Thomas Kuhn طرح الرؤية دى في ورقة بحثية بعنوان “مفاهيم السبب في تطور الفيزياء Concepts of Cause in the Development of Physics” نشرها سنة 1977 حول تاريخ الفيزياء ادعى فيها ان النظريات المختلفة او باستخدام اصطلاحه النماذج الفكرية Paradigms المختلفة عادة ما تضع معها المعايير الجيدة لما يمكن ان يعد تفسير جيد. وجادل ان معيار ان علاقة ما من الممكن عدها كعلاقة سببية ايضا تعتمد على النموذج الفكري العاملة بداخله. وبالتالي مفهوم التفسير والسببية بشكل ما يعتمد على المجال العلمي والإطار التاريخي اللى بيتم وضعها بداخله. لدعم هذا الادعاء كون ركز على نظرية نيوتن للجاذبية، النظرية لم تقدم آلية بديهية لتفسير الظاهرة لكن علاقة رياضية فقط .. الامر اللى دفع البعض للتردد في قبول النظرية مبدئيا لكن مع مرور الوقت أصبح معيار التفسير داخل المدرسة النيوتنية هو القانون الرياضي، وان تم تطوير الفرضيات والتفسيرات الحاكمة لظاهرة الجاذبية بناء على ملاحظات بديهية بدون قوانين رياضية سيتم رفضها، وبالتالي معيار التفسير نسبي للنموذج الفكرى الذى يتم التفسير بداخله. لذا بالرغم من ان نظرية قانون التغطية فشلت بكل تأكيد في طرح تحليل صحيح لفكرة التفسير بشكل عام داخل العلم، من الخطأ ان نعتقد ان لاتوجد صور من التفسير ينطبق عليها تحليل نظرية قانون التغطية. هناك بعض التفسيرات على الاقل قريبة مما كان يدور في ذهن همبل، الخطأ هو تعميم نظريته على كل حالات التفسير. يبدو إذن ان فكرة كون أقرب للواقع العملي. الرؤي المختلفة للتفسير ستعتمد على وجهات النظر المختلفة للتفسير والإطار التى وضعت بداخلة، وداخل التقاليد العلمية بشكل عام هناك أسباب جيدة للاعتقاد ان فكرة التفسير تعتمد على رؤية الفرد للعالم. على سبيل المثال بعض المفاهيم المحتملة للتفسير قد تتضمن أخطاء واقعية. مثال بسيط لو ادعى فرد ما ان التفسير الجيد لابد وأن يعتمد دائما على إرادة الله، لكن تم أثبات لاحقا ان لا وجود لكائن خارج على إطار الطبيعة متناهي الوجود او الله. في الحالة دى معيار التفسير لدى الفرد اشتمل على خطأ واقعي في رؤيته الكونية. وبعض الفلاسفة قد يستخدم جدلية مشابهة لفكرة التفسير القائمة على نظرية السببية، قد يجادلون بأن الفكرة التقليدية للعلاقة السببية هي جزء من الميتافزياء الخاطئة. لكن العديد من المعالجات الممكنة لفكرة التفسير لن يتم استبعادها بناء على الأخطاء الواقعية. من المهم جدا هنا أننا نحدد مفهوم التفسير بوضوح لان هناك تعددية حسب المجال في فهم المصطلح. في بعض المجالات العلمية التفسير مقصود بة التفسير التقني للكلمة. وفي بعض الاحيان التفسير رياضي تفسير كم كبير من التنوع من خلال عدد قليل من العوامل. من الممكن ان نقول ان نظرية ما تستوعب النتيجة لكنها غير قادرة على تفسيرها. اى ان النظرية قادرة على اشتقاق النتيجة بطريقة ما غير طبيعية .. رياضية مثلا في تلك الحالة. لكن في بعض الاوقات الاخرى مصطلح التفسير قد يستخدم بطريقة اخرى في العلم خصوصا تحت رؤية الواقعية العلمية، اللى بتشوف ان العلم بيصف العالم كما هو، وفي تلك الحالة التفسير بيكون مجرد وصف لكيفية عمل الأشياء! .. كيف تعمل ظاهرة البناء الضوئى؟ كيف يعمل تناسخ الحمض النووي؟ . .التفسير في تلك الحالات لايتعدى وصف ميكانيكية عمل تلك الظواهر دون اللجوء لوصف كائنات او علاقات أخرى خفية. الفيلسوف فان فراسين van Fraassen في كتابه المهم “الصورة العلمية The Scientific Image” اللى نشرة سنة 1980 أنكر فكرة أن التفسير من الممكن تحليلة من خلال علاقة واحدة أو عدد من العلاقات المحددة واحدة وثابتة لكل المجالات العلمية. وطور فكرة براغماتية لفكرة التفسير، فكرة مشابهة لفكرة كون جادل فيها ان ما يمكن عدة تفسير جيد يتنوع ويتعدد بناء على الإطار أو السياق. لكن فراسين بيجادل أن التفسير لا يوجد داخل اطار العلم بالمرة، وان التفكير العلمي لايحتوي على اى نوع من التقييم للقوى التفسيرية للنظريات المطروحة. لكن التفسير شئ او ظاهرة يقوم بها الافراد عندما يستخدموا النظريات العلمية في محاولة للاجابة على أسئلة خارج سياق النقاش العلمي .. الرؤية دى حول موقع التفسير من العلم .. موقع داخلي ضمني في العلم، وموقع مضاد فيه التفسير خارجي مطروح نسبي بناء على استخدام الأفراد له خارج سياق النقاش العلمي، موضوع جدال ملتهب حاليا في أروقة فلسفة العلم .. لن يتسع المجال للخوض في مناقشة تفاصيلها الآن .. لكني بشكل عام أميل لرؤية التفسير من موضوع خارجي على العلم. على حال نظرية قانون التغطية covering law theory سقطت تماما مع منتصف القرن العشرين، كفرضية ناجحة لتحليل كيفية عمل التفسير داخل العلم، واصبح الاتجاة السائد في فلسفة العلم الان ان لاتوجد طريقة واحدة عامة لتحليل التفسير من خلال نموذج واحد، علاقة واحده، او نمط واحد. في كثير من الاحيان نظرية السببية تفسر التفسير، لكن في أحيان أخرى نظرية التوحيد Unification ربط الحالات المحددة بالقوانين العامة تفسر التفسير. والفكرة العامة هى ان معيار التفسير وطرق تحليلة ترتبط بالسياق والاطار للمجالات العلمية المختلفة!
الاستدلال بأفضل تفسر Inference To The Best Explanation
هى قاعدة تفسيرية احتمالية طبقا لها عند وجود عدد من الفرضيات المتنافسة لتفسير ظاهرة ما. وكلها مقبولة ومناسبة تجريبيا لابد وان نستدل على الحقيقة من خلال الفرضية التي تعطي أفضل تفسير للظاهرة. الفيلسوف الأمريكي المعاصر جيلبرت هيرمن Gilbert Harman أستخدم المصطلح للمرة الأولى في مقال بعنوان “المراجعة الفلسفية Philosophical Review” نشرة سنة 1965، لكن نفس الفكرة معروفة في علم المنطق بالاستدلال الاحتمالي abduction .. من الشائع في الحياة ان نواجة عدد من الفرضيات كلها قابلة لتفسير ظاهرة ما، عادة ما نعتنق الفرضية التى تقدم أفضل تفسير للظاهرة. مثلا لو بتزور صديق لك وضربت جرس الباب ولم يجيب أحد .. هناك مجموعة من الفرضيات قد تفسر الظاهرة
(1) صديقك انتابتة حالة نفسية ويعتقد ان هناك قاتل مأجور يحاول قتلة وبالتالي لايرد فتح الباب
(2) صديقك فقد القدرة على السمع
(3) صديقك بيتظاهر انه ساكن في هذا المنزل لكن في الحقيقة هو ساكن في مكان اخر
(4) صديقك ليس في المنزل الان! ..
في الغالب سنستنتج ان الاجابة الرابعة هى الصحيحة، لانها بتقدم أبسط تفسير مناسب للبيانات والمعتقدات المتاحة لدينا وقت الحدث! .. المدافعون عن فكرة الاستدلال بأفضل تفسير بيجادلوا ان الجدليات الاستقرائية inductive في معظمها تعمل بتلك الطريقة! .. فيلسوف العلم الأمريكي-الهولندي المعاصر باس فان فراسين Bas van Fraassen في كتابة “الصورة العلمية The Scientific Image” اللى نشرة سنة 1980 طرح مثال لتوضيح الفكرة .. لنفترض انى سمعت صوت خدش على جدار المنزل، وطقطقة أقدام صغيرة في منتصف الليل، في الصباح وجدت ان الجبن في المطبخ أختفي .. من المبرر جدا أن أعتقد ان هناك فأر بالمنزل، حتى وإن لم أراة بعيني! .. هذا الاستدلال من الممكن وضعة في تلك البُنية المنطقية .. لو س اذن ص، ص حدث اذن س .. بصورة ابسط لو هناك فأر سيكون هنا خدش، وأصوات خفيفة، ويختفي الجبن .. تم رصد تلك الملاحظات اذن نستدل على وجود فأر .. لكن تأمل المثال التالي. لو كان كأن قط، إذن هذا الكائن من الثدييات، جاك من الثدييات، إذن جاك قط. هذا المثال غير صحيح إستنتاجيا لان من الممكن ان النتيجة تكون خاطئة حتى وإن كانت المعطيات او الفرضيات صحيحة. مثلا في الحالة دى جاك كلب مش قط ( في الحقيقة دى مغالطة مشهور في المنطق بمغالطة تأكيد النتيجة او خطأ العكس affirming the consequent هنفصلها بتوسع في حلقات سلسلة المنطق) .. وبنفس الصور لايوجد أي تناقض لو افترضت ان لايوجد فأر في المنزل بالرغم من الادلة، وبالتالي الاستدلال بأفضل تفسير ايضا غير صحيح أستنتاجيا deductively invalid ! .. بالرغم من النتيجة دى، من الصعب جدا اننا نتخيل الحياة بدون هذا النوع من الاستدلال .. حتى العلم نفسه مليء بالنماذج اللى يبدو ان الاستدلال بأفضل تفسير تم أستخدامة للتفضيل بين الفرضيات والنظريات المطروحة. مثلا نظرية التطور أكثر قدرة على التفسير من التنبؤ زى ما شفنا قبل كدة، او مثلا النظريات عن أصل النجوم او باطن الارض، او الديناصورات .. كيف من الممكن ان نحدد ايها افضل بناء على قوتها التفسيرية بدون مُلاحظة او تجريب تلك الظواهر؟! … لكن علشان نكون محددين لابد وان نضع شروط التفسير الجيد اولا:
(1) الظواهر المفاجأة من الممكن تفسيرها بالفرضية الصحيحة
(2) التنبؤات بالنتائج التجريبية من الفرضية لابد وأن تكون قابلة للتأكيد والاختبار
(3) الفرضيات البسيطة الطبيعية مفضلة
(4) الفرضيات المتوافقة مع وجهات النظر الميتافيزيقية مفضلة
(5) التوحيد والتناسق بين الفرضيات واتساع رقعتها التفسيرية مفضل
(6) التوافق مع باقي النظريات العلمية الاخرى مفضل.
الكثير من العلماء يعتقد ان النظرية الأفضل من الناحية التفسيرية، لابد من تفضيلها على النظريات الاخرى المنافسة، وبالتالي قبولنا لمعقولية الممارسة العلمية يفرض علينا قبول معقولية الاستدلال بأفضل تفسير، لو النظرية موضع البحث أشارت لوجود كائنات غير قابلة للملاحظة قبول صحة النظرية يعنى قبول حقيقة وجود تلك الكائنات، وبالتالي الاستدلال بأفضل تفسير يلزمنا برؤية واقعية Realism للعلم. مثلا وجود حفريات لعظام ضخمة لا تنطبق عليها مواصفات اى حيوانات حية، مع آثار أقدام عملاقة، يفترض وجود ان الديناصورات عاشت على سطح الارض في قديم الازل. أو رصد وتقارير لحالات أختطاف الافراد من قبل كائنات غريبة، مشاهدات لأجسام فضائية UFO sightings اذن فرضية ان هناك كائنات فضائية! .. على أى حال فان فراسين Van Fraassen نقد فكرة الاستدلال بأفضل تفسير في الصورة العلمية .. هعرض لك عليك جدليتين من نقده، الحجة الاولي أردجها تحت أسم الحجة من اللامبالاة The argument from indifference .. الحجة من الممكن عرضها كالاتي، بما ان هناك عدد كبير من النظريات التجريبية الغير متوافقة وجوديا، اذن من غير المعقول او الجائز ان النظرية الصحيحة تقع ما بين مجموعة من النظريات التى لابد وان نختار ما بينها. الحجة بتستخدم فكرة وجود تكافئ تجريبي بين النظريات المتنافسة. وبالتالي النظرية الصحيحة من غير الجائز ان تقع ما بين مجموعة من النظريات الملائمة تجريبيا empirically adequate. الحجة الثانية اللى قدمها فراسين ضد الاستدلال بأفضل تفسير، معروفة بحجة أفضل الفرضيات السيئة. اللى ببساطة جادل فيها ان تفضيل فرضية بين مجموعة من الفرضيات المتنافسة يتضمن على فكرة أن تلك الفرضية قد تكون الافضل ما بين مجموعة سيئة من الفرضيات، اللى قد تكون كلها خاطئة. بصورة أخرى الحجة بتتحدى المدافعين عن الاستدلال بأفضل تفسير ان يظهروا كيف من الممكن ان نتأكد ان اى من الفرضيات الأخرى التي لم نعتقد فيها جيده كالفرضية التي اخترناها. الواقعيين عادة ما بيضطروا لقبول هذا النقد وبيجادلوا ان العلماء بالفعل لديهم أمتياز privilege لتفضيل فرضية على الاخرى، هذا التفضيل ناشئ من خلفيتهم المعرفية. اختيار النظرية يسترشد فيه العلماء بمعرفتهم السابقة بالنظريات العلمية الاخرى، اللى بيحدد مجموعة النظريات والفرضيات التي يتم الاختيار مابينها، وبعد هذه القدرة التفسيرية للفرضية تساعد على اختيار أفضل الفرضيات المتنافسة!
الشك الانتقائي Selective Scepticism
فلاسفة الواقعية جادلوا ان اى شخص بيجادل ضد افكار الواقعية العلمية لابد وانه يحدد معيارة للتفريق ما بين النظريات المنتقاة او اللى بيفضلوها والنظريات الاخرى المتنافسة معها. لو كان المعيار محدود بالخواص التجريبية للنظرية هيكون هناك عدد كبير من النظريات العلمية المتنافسة من الصعب التفضيل ما بينها. مثلا هناك عدد كبير من النظريات يتفق على المُلاحظ الان تجريبيا لكن تختلف حول المستقبل. اذن اذن ماهو معيار الفيلسوف المضاد للواقعية لانتقاء النظرية الأكثر ملائمة تجريبيا. يبدو ان اى اعتبارات يستخدمها هؤلاء الفلاسفة للاستنباط اى النظريات أكثر ملائمة من الناحية التجريبية بالضرورة سيكون غير تجريبي. وبالتالي فلاسفة التجريبية يجادلوا أن اللاواقعيين من أمثال فان فراسين لا يمتلكوا طريقة للفصل ما بين النظريات المتنافسة لأختيار النظرية الملائمة تجريبيا بناء على الادلة المتاحة وبالتالي سيكونوا دائما متشككين حتى في شكهم. اذن من الواضح ان الاشكالية الاساسية في الاستدلال بأفضل تفسير مرتبطة بالواقعية العلمية، ألزمنا بوجود كائنات غير مُلاحظة في الطبيعة تقر بوجودها النظريات العلمية مثلا زى الالكترونات. في مثال فإن فراسين عن الاستدلال على وجود فأر بالمنزل بعد سماع صوت خربشة واختفاء الجبن من المطبخ لاينطوى على اى التزام وجودى جديد لاننا بالفعل نعتقد في وجود الفئران. قد نختلف ان كان الفأر كان في المنزل ام لا نتيجة أستدلالنا، لكننا لن نختلف ان كان هناك وجود للفئران في العالم (على الأقل الأفراد المتزنة عقليا) .. وقد يبدو اذن ان لاتوجد مشكلة في الاستدلال بأفضل تفسير لان غالب الوقت الاستدلال لن يتضمن التزام وجودى لكائنات جديدة. .. ما تستعجلش .. المثال اللى طرحنا منذ قليل مثلا عن ملاحظة حالات أختفاء للأفراد، واجسام فضائية غريبة يلزمنا بالاعتقاد في وجود كائنات جديدة (الكائنات الفضائية)، لكن بالطبع سيكون هناك فرضيات أخرى منافسة لتلك الفرضية ضعيفة ايضا من الناحية التجريبية تفسر حالات الاختفاء دون التزام وجودى بوجود كائنات فضائية! .. في الحالة دى قد نكون مضطرين لقبول البدائل التفسيرية الأخرى لمجرد أنها لاتلزمنا بالاعتقاد في وجود نوع جديد من الكائنات، وفيلسوف التجريبية قد يضيف ان الحالة الوحيدة اللى تعد كدليل على الاعتقاد في وجود كائنات فضائية هو رؤية أحدها بالعين المجرد في ظروف تجريبية غير قابلة للشك. طبعا قد يكون من العجيب مقارنة الكائنات الفضائية بالالكترونات لان الالكترونات من الممكن ملاحظتها الان من خلال أدوات خاصة، لكن الفكرة قائمة في حالة حالات الاستدلال بأفضل تفسير عندما تحتوى على التزام وجودى لكائنات جديدة! .. على اى حال الواقعيين بيجادلوا ان فان فراسين محتاج يطرح قاعدتة للاستدلال الانتقائي للتفضيل ما بين الفرضيات حتى يبرر الكفاية التجريبية empirical adequacy لنظرية ما. أذن لما بنكون أمام مجموعة من الفرضيات المتنافسة حول تفسير ظاهرة ما بنطرح سؤال هل من المعقول ان نعتقد في التفسير المطروح؟ وهل من العقلانية ان نعتقد في وجود التفسير المطروح؟ … فلاسفة الواقعية عادة ما بيعتقدوا ان الاتفاق على أفضل تفسير طالما كانت ملائم لتفسير الظاهرة من غير العقلاني عدم الاعتقاد في هذا التفسير. وعلى الجانب الاخر فلاسفة ضد الواقعية وعلى رأسهم فان فراسين بيجادلوا ان لابد وان لانعتقد في الافكار الواقعية لمجرد تجنب معاناة اللاعقلانية لكن أعتناق أفكارها لانها تقدم كل الاجابات المطلوبة عن أسئلتنا المعرفية. في الحقيقة فان فراسين صاغ أفكارة بوضوح أكثر تحت مفهوم معرفي جديد في كتابة “القوانين والتماثل Laws and Symmetry ” اللى نشرة سنة 1989 وجادل انه يعتقد ان العقلانية rationality مصطلح إيجاز permission وليس مصطلح إلزام obligation. وضرب مثال بالفرق بين القانون البروسي والقانون الانجليزى، الاول يحظر اى شئ غير مسموح به بشكل محدد، في حين ان الثاني يسمح بكل شئ غير محظور بشكل محدد. وجادل ان هناك نوع من التماثل بين الصورتين وفكرة العقلانية. في القانون البروسي العقلانية هى الاعتقاد فقط ما يجبر المرء على تصديقه، أما تحت القانون الانجلزي يتم عقلنة اللاعقلانية، العقلاني هو الاعتقاد في كل شئ الفرد غير مُجبر على الاعتقاد فية. فان فراسين بيعتقد في رؤية القانون الانجليزى المعروفة برؤية الطوعية voluntarism . بكل تأكيد الاستدلال بأفضل تفسير رؤية مهمة وفي الغالب لا يمكن التخلي عنها للتعامل مع الواقع بعملية، ومع ذلك بما ان الاعتقاد المبرر العقلاني سيعتمد على العملية والبراجماتية في التعامل مع الواقع إذن لابد من عدم الاعتماد على الاستدلال بأفضل تفسير كقاعدة للتفسير المنطقي للقضايا مُجبرون على الالتزام بها. بصورة أبسط مشكلة فان فراسين هو أدعاء بعض الواقعين اللى بيدعوا ان الاستدلال بأفضل تفسير هو الطريق للحقيقة! لكن فكرة الاستدلال بأفضل تفسير كأمكانية أو أحتمالية قد تقود للحقيقة ليس بها إشكالية (الرؤية اللى بيعتقد فيها معظم الواقعين على اى حال) .. وبالتالىي نقد فان فراسين يصبح موجهه ضد فهم الاستدلال بأفضل تفسير كقاعدة للأستدلال rule of inference وليست كأحد ممارسات الاستدلال! عندما نتعامل مع كائنات غير قابلة للمُلاحظة لايوجد اى نوع من التأكيد من خلال التجريبة يمكن أستخدامة كدليل على حقيقة التفسير أكثر من الملائمة التجريبية empirical adequacy. لكن الاستدلال بأفضل تفسير يذهب لأبعد من هذا .. وفان فراسين رفض الفكرة الواقعية ليس لانة اعتقد انها غير عقلانية لكن لانه رفض التضخيم في الافكار الميتافيزيقية المصاحبة للواقعية العلمية، والواقعيين لابد وان يرفضوا اى متعقدات من الممكن أن تتخطى ما يمكن تأكيدة بالتجربة، وهذا يضعنا على المسار الصحيح من وجهة نظر فراسين لتجنب أى أفكار ميتافيزيقية. فان فراسين بيقترح ان تكون تجريبي هو ان تعتقد ان التجربة هى فقط المصدر الوحيد للمعلومات عن العالم، لكن الفكرة دى نفسها يبدو انها غير مؤكدة بالتجربة! فان فراسين في ورقة بحثية بعنوان “ضد الواقعية المتعالية Against transcendental empiricism ” نشرها سنة 1994 جادل ان التجريبية لايمكن إختزالها تحت هذا الشعار وأن التجريبية هي في الواقع موقف عام تجاة العالم، او رؤية وجودية.
تجريبية الفطرة السليمة Common Sense Empiricism
الفيلسوف الإنجليزي المعاصر جون ورال John Worrall في ورقة بحثية بعنوان “صورة غير حقيقة An unreal image” نشرها سنة 1984 نقد طرح فان فراسين حول الواقعية العلمية، والتجريبية، وجادل ان بدون قاعدة للاستدلال مثل قاعدة الاستدلال بأفضل تفسير لانها تضعف من عقلانية الواقعية العلمية، اذن لماذا نعتقد فيها. واضاف ان حتى نكون قادرين على فهم العالم من خلال حواسنا، نحن غير مجبرين للأعتقاد في وجود عالم خارجي حقيقي، ومع ذلك هذا هو الموقف العقلاني اللى معظم البشر بتعتقد فية وهو ان هناك وجود حقيقي للعالم الخارجي. لذا كما تزعم الواقعية، فكرة التجريبية البُنائية غير صحيحة، لان الواقعية العلمية ليست أكثر من نظير للواقعية الميتافيزيقية البديهية في إطار الكائنات الغير مُلاحظة. الواقعيين بيجادلوا ان السبب الوحيد لقبولي فكرة الوجود الحقيق المجرد لكوب القهوة اللى أمامي الآن هو التفسير من خلال التشابهات الدائمة persistent similaritie مع تجاربي السابقة لنفس الظاهرة من قبل. وبالتالي اذا انطبقت الجدلية على أكواب القهوة لابد وان تنبطق على الالكترونات، وان كان فان فراسين بيتشكك في وجود الالكترونات لابد وان يتشكك أيضا في وجود اكواب القهوة! .. الاعتقاد في وجود الاشياء التى نتعامل معها بشكل يومي يساعدنا في تفسير الظواهر التى نتعامل معها والا سيصبح العالم بلا تفسير، وبالتالي لماذا لانطبق نفس القواعد على الكائنات الغير قابلة للملاحظة؟ .. ازاى هفسر ظاهرة الدخان المتصاعد فوق فنجان القهوة اللى قدامى، لو لم اكن اعتقد في وجود الفنجان من الاساس؟! .. وبالتالي كثير من الواقعيين بيجادلوا ان فان فراسين لابد وان يتشكك في وجود اى شئ خارج على وجود عقلة حتى الكائنات القابلة للملاحظة لانها كلها مفسرة من خلال الانتظام والتكرارية في التجربة اليومية للأفراد. لكن فان فراسين بيقول ان ليس ضد واقعية البديهة او الفطرة وان ليس لدية شك في وجود فناجين القهوة، الموائد، الأشجار، وكل الكائنات والأشياء القابلة للمُلاحظة. لكن سواء كان موقف فراسين الشك ام لا من الأشياء القابلة للمُلاحظة، موقفه في نظريته المعرفية يجعل الواقعية البديهية تفتقر الى اى مبرر، وبالتالي فان فراسين لابد وان يقدم تفسير. يبدو انه بيعتقد ان واقعية البديهة commonsense realism خالية من المعتقدات الميتافيزيقية. لكن إنكار وجود بيانات الإدراك الحسية sense-data غير كافي لإنشاء رؤية واقعية ميتافيزيقية عن العالم من خلال البديهة او الفطرة على الأقل بنفس الصورة اللى بيعتقد فيها فلاسفة الواقعية البديهية من أمثال ورال. فان فرلاسين اخذ موقف مختلف تماما عن فلاسفة الواقعية، واراد ان يبدأ بحثه المعرفي في داخل إطار العالم الخارجي، بدلا من البدء من محاولة إثبات وجود العالم الخارجي نفسه. بنفس الصورة اللى بيعتنق بها فلاسفة الظاهرية phenomenologists الاعتقاد في وجودهم داخل عالم موجود حقيقي كنقطة انطلاق عامة للبحث في العالم، بدلا من الشك في وجود العالم نفسه، الاشياء اليومية واضحة وبالتالي لايحتاج المرء لصنع استدلالات للإيمان في وجودها. يبدو أن الجدل ما بين الواقعية العلمية وفان فراسين يقودنا مرة اخرى للجدل الفلسفي الميتافيزيقي حول الموجودات وحقيقتها وناقشنها بتفصيل كبير في حلقات سلسلة ماوراء الطبيعة .. أحد النقاشات الفلسفية التي أعطت الفلسفة سمعة غير طيبة بين العوام!
القصة اللى بدأنا بيها مقتبسة بتصرف عن فيلم الخيال العلمي الأمريكي الشهير “لقاءات قريبة من النوع الثالث Close Encounters of the Third Kind” اللى كتبة وأخرجه المخرج الأمريكي الشهير ستيفن سبيلبرغ Steven Spielberg سنة 1977، الفيلم في الحقيقة كان مشروع طويل لسبيلبرغ بدأ في العمل عليه سنة 1973 وبميزانية صغيرة الفيلم حقق نجاح منقطع النظير في الولايات المتحدة وعالميا على المستوى النقدي والجماهيري، وتم ترشيحة لعدد كبير من الجوائز الدولية وسنة 2007 اختارته مكتبة الكونجرس الامريكية كي واحد واحد من أهم الاعمال الفنية والابداعية تأثيرا في الثقافة الغربية وتم حفظه في السجل الوطنى للأفلام National Film Registry. من خلال قصة الفيلم حاولت أرسم لك صورة خيالية لموقف فية الاستدلال بأفضل تفسير قد يقود الأفراد العقلانيين لأستنتاج خاطئ، الضوء الساطع في السماء و الأجسام الطائرة الغريبة في السماء ظواهر من الممكن تفسيرها بأكثر من طريقة، ولو طبقنا قاعدة الاستدلال بأفضل تفسير كما جادل فراسين اللى قبل القاعدة طالما أنها لم تلزمنا بوجود كائنات جديدة، في الحالة دي هنرفض فرضية ان الاجسام دى أطباق طائرة لانها بتلزمنا بالاعتقاد في وجود كائنات خارجية غير قابلة للمُلاحظة على الاقل وقت وضع الفرضية، لكن في الحقيقة بالرغم من أن الاستدلال بأفضل تفسير عملية بديهية وطبيعية بالنسبة للعقل البشرى إلا أنها قد تقود لنتائج غير حقيقية او متسقة مع الواقع في بعض الأحيان!
ودلوقتي .. فكر في النظريات والتطبيقات العلمية اللى بتصيغ واقعك اليومي .. ياترى ايه هو دور العلم في حياتنا؟ … وصف بُنية العالم؟ .. أم أيضا تفسير الواقع؟ … لكن أى تفسير؟ .. الأسباب؟ … ام الغايات؟ … وكيف نفسر طبيعة التفسير؟ … هل هناك فرق بين التفسير والتنبؤ؟ .. وهل فعلا الاستدلال بأفضل تفسير طوق نجاة إشكالية التفسير؟ .. أم أنه مغالطة تُبعدنا عن الحقيقة؟ … فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP53/EP53_2019_07_25.mp3
في الحلقة الجاية .. هنعود للبحث مرة أخرى في أدلة تأكيد ونفي النظريات العلمية .. والطرق الرياضية المبتكرة للاقتراب من الحقيقة العلمية. عن الأدلة … التأكيد … نظرية الاحتمالات .. نظرية الطبيعة الإجرائية .. واحتمال بيشان .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية .. عيش الحياة بفلسفة!
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
الواقعية العلمية Scientific Realism
https://stanford.io/2RKYOkC
إشكالية التأكيد Problem of Confirmation
https://stanford.io/2K5VZqN
إشكالية التفسير Problem of Explanation
https://stanford.io/2KamlYI
الاستدلال الاستقرائي inductive inference
الاستدلال بأفضل تفسير inference to the best explanation
https://stanford.io/2K2Xxlu
Studies in the logic of explanation
Four decades of scientific explanation
نموذج الاستنتاج القانوني للتفسير D-N model
Aspects of Scientific Explanation and Other Essays
Probability, Explanation, and Information
Explanation and Scientific Understanding
Theories, Theorists, and Theoretical Change
Explanatory Unification and the Causal Structure of the World
Against transcendental empiricism
لقاءات قريبة من النوع الثالث Close Encounters of the Third Kind
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
Unicorn Heads – Song of Mirrors
John Williams – Navy Planes
John Williams – Roy’s First Encounter
John Williams – Wild Signals
Brandon Fiechter – Waltz of the Fairies
Derek & Brandon Fiechter – Dark Mystery
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa