
Sign up to save your podcasts
Or


تخيلي إنك عالمة فضاء تعملي في برنامج الحكومة الامريكية للبحث عن صور أخرى من الحياة في الفضاء، والدك دائما كان مثلك الاعلى وقدوتك، يمتاز بعقلية علمية تجريبية، لم يقتنع سوى بالادلة العملية والتحليلات المنطقية. وضعك قدمك على طريق العلم والحقيقة قبل ان يرحل عن العالم. عملك اليومي هو البحث في الفضاء باستخدام اللاسلكي عن أى موجات راديو من الكواكب الاخرى تتبع أنماط محددة من الممكن أن تكون مرسلة من كائنات عاقلة أخرى. نشأتك شكلت عقليتك بصورة لا دينية، لا تؤمني بما لا يمكن اثباته من خلال الادلة والتجارب العملية ، رفضتى الايمان بالله، الأرواح، الملائكة، والشياطين .. واى صورة أخرى من الإيمان لا يمكن إثباتها من خلال الأدلة العلمية. قاعدة الأبحاث اللى بتعملى فيها على جزيرة بورتو ريكو، هناك بتجمعك الصداقة بشخصية مختلفة جذريا عنك، لاهوتي وباحث في الانسانيات، اللى بيخبرك أنه عاكف على كتاب عن كيف فقدت البشرية المعنى في حياتها، وانه شديد التعجب بالرغم من التقدم الهائل الذي شهدته البشرية في المعرفة والعلوم الا اننا اصبحنا بعيدين عن بعضنا تربطنا صلات أضعف من التي ربطت أجدادنا ومازلنا تائهين في بحثنا عن الحقيقة والمعنى في حياتنا. ويخبرك أيضا أنه لم يكن مؤمنا طوال حياته، لكنه مر بتجربة غيرت مفهومة للحياة. بيصف تجربته بأنه شعر فيها بالانتماء، بالحب الغير مشروط من الله، وللمرة الأولى في حياتة شعر أنه غير خائف أو وحيد! .. بتردى عليا “مش من الجائز أنك مررت بتلك التجربة ببساطة لأن جزء نفسي داخلك أرادها؟” .. هيرد عليكى .. بانه شخص عقلاني، لكن تجربتة تخطت حدود العقلانية و المنطق. وللمرة الأولى رأى أن العقل بالرغم من أنه نعمة كبيرة للبشر إلا أنه مازال محدود وليس الطريقة الوحيدة لفهم الكون وكان عاجز عن تفسير تجربته التى بدت حقيقية تماما بالنسبة له. تخبرية بالرغم من وصفة الصوفي لتجربته، الا انك غير قادرة على تصديقه دون ان يقدم ادلة مادية لدعم تجربته. تمر الشهور وما زالت تبحثى عن الاشارات في الفضاء، الى ان تكتشفي انتى وفريقك البحثى إشارة من نجم فيجا المجاور، الاشارة عبارة عن متسلسلة من الأعداد الأولية prime numbers الظاهرة التي لا يمكن تفسيرها بشريا حتى الان، ده بيكون دليل بالنسبة لك على ان هناك كائنات عاقلة تحاول الاتصال بالبشر من نجم فيجا. الامر بيتطور سريعا ويتحول لقضية أمن قومى، بيجتمع مجلس الدولة في محاولة لتحديد الخطوات التالية. بتقومى انتى وفريقه البحثي بتحليل الرسالة المستقبلة قبل أن تكتشفي أنها تحتوي على 63 ألف صفحة من البيانات العسير تفسيرها، المشروع بيتم وضعة تحت اقصى درجات السرية، ويتم جمع فريق من علماء فك الشفرة والرياضيين لمحاولة فهم البيانات المدمجة في الرسالة. أخيرا بيتم فهم مضمون الرسالة اللى يبدو انها دليل تعليمات لبناء آلة من نوع ما .. انتى وفريقك البحثى بتخبرى مركز الامن القومى ان غالبا الكائنات الفضائية أرسلت تعليمات بناء آلة انتقال متطورة حتى يتمكن البشر من بناء وسيلة انتقال تمكنهم من الانتقال الى الفضاء للقاء الكائنات الفضائية في نجمهم. دول العالم بتساهم في جمع المصادر والعقول البشرية لبناء تلك الالة المتقدمة، تحضيرا لاول اتصال مع الكائنات الفضائية. القلق حيال تلك الالة انها مبرمجة بصورة ما لعملية نقل معقدة لمكان مجهول لفرد واحد .. بعد مباحثات بين أعضاء مجلس الأمن القومي يتم اختيارك كأفضل ممثل للبشرية للذهاب على متن الآلة في تلك الرحلة مجهولة المصير! .. في اليوم المحدد للرحلة بتدخلى كابينة المركبة بعد أن تودعي طاقم العمل الذي سيكون على اتصال بيكى طوال الرحلة. بتبدأ المركبة في الدوران بسرعة عالية، من داخل المركبة بتشعرى بسرعة دورانها قبل أن ترى من خلال نافذتها المركبة تسقط في حلقات تتحرك بشكل لولبي، بتوصفي شكل المسار الحلزوني الذي تنزلق بداخلة المركبة من خلال الصوت لفريق العمل .. بتقولى انه يبدو كثقب دودى wormhole سينقلك لبعد أخر. لكنك لايوجد أي تعليق من فريقك، يبدو ان الاتصال انقطع معهم. تزداد سرعة المركبة قبل أن تسقط في فضاء جديد لم تريه من قبلة به أربع نجوم ساطعة كالشمس يبدو انك في مجرة نجم فيجا. تقتربي من النافذة بترى نجوم قريبة بديعة، لم ترها عين بشرية من قبل، بتفقدى شعورك وتنساب دموعك قبل أن تفقدى الوعى تحت وطأة الضغط الشديد. بتفتحى عينك لتجدى نفسك على شاطئ بحر يبدو كالشاطئ فلوريدا اللى نشأتي فيها، لكنه اجمل مئات المرات، بتنهضى عند حركتك بتلاحظى ان كل حركة بتصدريها تحرك جزيئات الهواء من حولك ويمكنك رؤيتها! .. من بعيد تشاهدى صورة مشوشة لكائن ما بيحرك جزيئات الهواء متقدما تجاهك، أخيرا عند وقوفه أمامك بتكتشفى انه والدك المتوفى! .. بتقولى “أبي” .. بيرد وهو بيلمس وجهك “أفتقدتك” .. بتبكي وترتمي في أحضانه، بعد لحظات بتفقي من الحلم الجميل وتقولي له .. “مستحيل، انت متوفي، انتوا حملتوا ذكرياتى لم كنت غائبة عن الوعي، وانت مجرد صورة” .. هيرد “هى دى بنتى ذو العقلية العلمية .. ده صحيح .. احنا اعتقدنا ان دى سيسهل مهمة الاتصال الاول عليكي!” .. بيقولك ان الحضارة الانسانية مثيرة للاهتمام، لأن البشر شغوفين بالبحث عن الحقيقه، وان دى هتكون اول خطوة لأتصالات أخرى متكررة! .. قبل ما يختفي كل شئ في الظلام وبتسمعى ضوضاء عالية وأصوات فريقك البحثى وهما بيخرجك من المركبة .. بعد ما تستردى كامل وعيك تنصدمى لما تكتشفى ان رحلتك كانت مجرد أجزاء من الثانية غيبتى فيها عن الوعي، وأن المركبة لم تغادر القاعدة الارضية بالمرة .. وكل ماحدث، هو عطل ارتفع فيه ضغط المركبة وفقدتى الوعي .. بتخبريهم بتجربتك واتصالك بالكائنات الفضائية، بتحاولي البحث عن الرسائل المسجلة على المركبة، لكن لا أثر لأي شئ .. بتصرى على قصتك .. لكن فريقك البحثي بيقول لك .. انتى بتطلبي منا أن نصدق قصة بدون أدلة مادية، أو معملية .. هل من المفروض اننا نصدقك قصتك بالايمان .. نحن علماء .. التجربة والأدلة المادية هى كل شئ! .. بتقولي .. انا فعلا لا أقدر على تقديم الادلة المادية .. لكنى على يقين من تجربتي، لا أستطيع اثباتها او حتى تفسيرها .. لكن كل ما أعرفه كإنسانة، كل ما أملكه من عقلانية ورشد يخبرنى انها حقيقة! .. أنا مرت بتجربة رائعة، خارجة على حدود العقل، جعلتنى اشعر بضئل حجمنا في الكون، وأننا نتمنى لشئ ما أكبر منا .. اننا لسنا وحدنا في هذا الكون .. شئ خارج على حدود العقل والتجربة!
محاور
مهد المدرسة التجريبية، نشأة التجريبية الاستقرائية، التجريبية الطبيعية والواقعية العلمية، التجريبية الإصلاحية، العلم كهيكل إجتماعي، الهيكل التراكمي للعلم، تحديات المدرسة التجريبية، العُلماء الآليين، مستقبل فلسفة العلم
التطور في قواعد منطق عملية البحث العلمي وعقلانية المعرفة المكتسبة من خلالة لم تكن ابدا عملية مباشرة او حصرية على واحدة من الثقافات، الطريقة العلمية scientific method كانت ومازالت محل جدال ونقاش بين المفكرين، الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ. وجادل فلاسفة وعلماء طبيعيون حول أولية تأسيس منهج أخر للمعرفة العلمية مرات عديدة عبر تاريخ العلم القديم والحديث! .. لكن بغض النظر عن الخلافات حول المنهج، المجتمعات العلمية تقدمت بخطى ثابتة ومحددة عبر التاريخ لتشكل الصورة الحالية لمنهج البحث العلمي الحديث. التفسيرات العقلانية للطبيعة كالطبيعة الذرية لجميع الموجودات ظهرت في الهند القديمة واليونان، في حين رفضت المدرسة المادية الاستدلال inference كمصدر للمعرفة. أرسطو صاغ الطريقة العلمية بشكل محدد للمرة الأولي في اليونان القديمة إلى جانب علم الأحياء التجريبي وعملة الخالد حتى اللحظة في المنطق. ورفض بشكل قاطع إطار استنتاجي deductive بحت قائم على التعميمات من خلال الملاحظة. لكن بعض اهم المناقشات في تاريخ المنهج العلمي دارت حول العقلانية rationalism خصوصا بالصورة التى دعا اليها رينيه ديكارت Descartes وإشكالية الحث او الاستدلال inductivism التى برزت بشكل واضح مع نيوتن والثورة العلمية التالية علية. والجدال الدائر ما بين المدافعين والمناهضين للواقعية العلمية أصبح محورى في اى نقاش حول اى نظرية علمية توسع رقعة أفكارنا إلى عوالم وكائنات لايمكن مُلاحظتها! .. والمذهل أن في واقع الأمر كان هناك عدد من المناقشات الواضحة للطرق والآليات العلمية في سجلات الثقافات الاولي.
مهد المدرسة التجريبية The Cradle of Empiricism
معظم ما يمكن استنتاجه حول طريقة ممارسة العلوم في تلك الفترة نابع من أوصاف عملية البحث في الطبيعة من سجلات تلك الحضارات المبكرة. على سبيل المثال بردية إدوين سميث Edwin Smith papyrus (العائد تاريخها لعام 1600 ق.م وسميت نسبة الى مكتشفها عالم المصريات الأمريكي إدوين سميث) وتعد اول وثيقة طبية في تاريخ البشرية ومن المرجح أنها كتبت بواسطة الطبيب المصرى أمنحوتب. البردية تصف ثماني وأربعين حالة من حالات الجراحة التطبيقية تختلف من كسر في الجمجمة إلى إصابة النخاع الشوكي. وكل حالة من الحالات الواردة فيها مبحوثة بحثاً دقيقاً في نظام منطقي في عناوين مرتبة من تشخيص ابتدائي مؤقت ، وفحص ، وبحث في الأعراض المشتركة بين أمراض مختلفة ، وتشخيص العلة، والاستدلال بأعراضها على عواقبها وطريقة علاجها، ثم تعليقات على سطح المصطلحات العلمية الواردة فيها وشروح لها. ويشير المؤلف في وضوح لا نجد له مثيلا قبل القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن المركز المسيطر على الطرفين السفليين من أطراف الجسم كائن في المخ . ويعتبر المصريون القدماء هم أول من استخدم كلمة الدماغ في كتاباتهم و أول من عرضوا تشريحه. وتكلموا أيضا عن السحايا و السائل الدماغي الشوكي. البردية في الحقيقة تُظهر أوجه تشابه قوية مع الطريقة التجريبية الأساسية في العلوم. وذهب مؤرخ العلوم الطبية الانجليزى المعاصر جيفرى لويد Geoffrey E. R. Lloyd في ورقته البحثية المهمة اللى نشرها سنة 1979 “السحر، العقل، والتجربة: دراسات في أصل وتطور العلوم اليونانية Magic, Reason and Experience: Studies in the Origin and Development of Greek Science” جادل فيها ان تلك البردية كان لها عظيم الاثر في صياغة وتشكيل المنهج التجريبي العلمي في اليونان القديمة. أيضا بردية إبيرس Ebers Papyrus (أول بردية كتبت في تاريخ البشرية) وهى احدى البرديات الطبية المصرية التى اعتنت بمعرفة الاعشاب ويعود تاريخها الى 1550 ق.م اللى بدا المنهج التجريبي واضح بشدة في نصوصها.
بحلول منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين Mesopotamia، تطور علم الفلك البابلي Babylonian astronomy اللى بيعد اول الامثلة المعروفة في تاريخ البشرية لعلم الفلك. ووفقا لمؤرخ العلوم والرياضيات الدينماركي آسغر آبو Asger Aaboe في ورقتة البحثية اللى نشرها سنة 1974 “علم الفلك في العصور القديمة Scientific Astronomy in Antiquity” جميع صور علم الفلك اللاحقة سواء في العالم القديم، الهند، العالم الإسلامي، او الغرب هي مجرد جهود أكثر تخصصا قائمة على علم الفلك البابلي بشكل واضح في طرق تحديد مواقع الأجرام وحساب حركاتها. المصريين والبابليين الاوائل طوروا كثير من المعرفة والقواعد الاساسية للرياضيات المستخدمة في جميع العمليات المعرفية المرتبطة بدراسة السماء والنجوم وكذلك الطب، ووضعوا قوائم مختلفة لتصنيف دراستهم، ونتائج ابحاثهم، في حين ان البابليين على وجه الخصوص انخرطوا في الأشكال الاولي من العلوم الرياضية التجريبية في محاولتهم المبكرة لوصف الظواهر الطبيعية رياضيا. لكنهم افتقروا بشكل كبير للطرق العقلانية لفهم الانماط في الطبيعة. الفلاسفة اليونان القدماء شاركوا في الأشكال المبكرة لما يُعرف اليوم بالعلوم النظرية العقلانية، التى ادت الى انتقال نحو فهم أكثر عقلانية للطبيعة، الأمر الذي بدأ في أقل تقديراتنا ما بين 480-650 ق.م. الباحث الفينيقى تاليس Thales أول فيلسوف معروف استخدم التفسيرات الطبيعة الخالصة لتفسير الظواهر الطبيعية، معلنا أن كل حدث له سبب طبيعي، وبهذا يعد رائد المدرسة الطبيعية الاول، بالرغم من تناقل اقوال عنة تشير لاعتقادة في موجودات فوق الطبيعة مثلا في قولة “كل الأشياء مليئة بالآلهة”. ليوسيبوس Leucippus و Democritus من بعدة واصلوا المسار من خلال تطوير النظرية الذرية atomism وجادلوا ان كل الموجودات تتكون من عناصر دقيقة غير قابلة للتجزئة تسمى الذرات. نفس الافكار ظهرت بشكل مستقل بين فلاسفة الهند القديمة في مدارس نايا Nyaya، وفيسيسكا Vaisesika والبوذية Buddhist. وتكونت مدارس معرفية مادية شديدة التشكك في أن الادراك والحواس اساس المعرفة الحقيقية، وان الحقيقة المستدل عليها في الطبيعة دائما ما ستكون محل شك. وقرب منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، كانت هناك بالفعل بعض مكونات التقاليد العلمية راسخة، حتى قبل أفلاطون أحد المؤسسين للتقليد العلمي بفضل مساهمته في تطوير المنطق الاستنتاجي deductive reasoning، أرسطو نقل عن معلمة أفلاطون تدريسة الحساب، علم الفلك، والهندسة. وتحررت الأفكار الفلسفية في هذا الوقت من قيوم الظواهر اليومية والحس السليم.
طريقة أرسطو الاستدلالية الاستقرائية inductive-deductive استخدمت الاستدلال من المُلاحظات لأستنباط مبادئ عامة، والاستنتاج من تلك المبادئ للتحقق من المزيد من الملاحظات، ومزيد من دورات الحث والاستنباط لمواصلة تقدم المعرفة. الأورغانون The Organon هى مجموعة كتب أرسطو في المنطق، أورغانون مصطلح إغريقي يعني الآلة. أتباع أرسطو اطلقوا عليها هذا الاسم لان أرسطو أعتقد أن المنطق هو آلة العلم ووسيلته للوصول إلى الحقيقة. ما بين الأورغانون وكتاب الميتافيزيقا Metaphysics أرسطو قدم ما يمكن أن يسمى بالطريقة العلمية، وقدم بوضوح أحد أهم مكونات التقليد العلمي – التجريبية empiricism – اللى جادل في طرحها أن يمكن معرفة الحقائق الكونية من خلال عملية الحث أو الاستدلال induction. بصورة ما أرسطو حاول التوفيق ما بين الأفكار التجريدية والمُلاحظة في الطبيعية، من المهم اني اؤكد لك ان من الخطأ الاعتقاد ان العلوم الارسطية كانت تجريبية، في الواقع أرسطو لم يقبل المعرفة المكتسبة عن طريق الاستقراء كمعرفة علمية حقيقية. ومع ذلك عملية الاستقراء بالنسبة له كانت تمهيد ضروري للعمل في مجال البحث العلمي لانها توفر المبادئ الاساسية اللازمة للعمل العلمي. واعتبر ان عمل الفيلسوف الطبيعي هو إظهار الحقائق العلمية واكتشاف أسبابها، وبالرغم من ان الاستدلال كان عملية كافية لاكتشاف الكون من خلال التعميم، إلا أنه كان غير كافي لتفسير الأسباب وراء تلك الظواهر! .. أرسطو استخدم الاستنتاج المنطقي deductive reasoning لحل تلك الاشكالية وطرح هذا الاستنتاج المنطقي في صورة أصبحت معروفة في المنطق بالقياس syllogisms. من خلال القياس يمكن للعلماء أن يستنتجوا حقائق عالمية جديدة من الحقائق التي تم تأسيسها بالفعل. أرسطو طور مقاربة معيارية كاملة للبحث العلمي قائمة على القياس المنطقي، الصعوبة في طرحه كانت في إظهار أن الحقائق المشتقة قائمة على فرضيات أساسية قوية وثابتة. لكن في واقع الأمر مازال هناك خلاف حول مدى تجريبية طريقة أرسطو، بالتحديد يبدو انه اعتبر الإدراك الحسي وسيلة للمعرفة من خلال الحدس، وقصر أبحاثه في التاريخ الطبيعي على بنية الطبيعة. وحسب ما توصل الى علمنا أرسطو لم يجرى اى تجارب علمية بالمعنى الحديث للعلوم التجريبية اليوم. لكن بصياغته للبنات الأساسية للعقلانية العلمية أرسطو إلى حد ما أقرب من سابقيه الى العلوم التجريبية.
نشأة التجريبية الاستقرائية Emergence of Inductive Empiricism
خلال العصور الوسطى بدأت معالجة القضايا التى أصبحت لاحقا تعرف بمشاكل العلوم. وكان هناك تركيز كبير على الجمع ما بين النظرية والممارسة العملية في العالم الإسلامي، مقارنة بما كان عليه الحال في العصور الكلاسيكية السابقة عليه، وكان من الشائع جدا في العصر الذهبي للإمبراطورية الإسلامية أن الدارسين للعلم ان يكونوا أيضا من أهل الحرفة والصنعة. الأمر الخارج على المألوف في العالم القديم. العلماء في الدولة الاسلامية غالبا كانوا محترفين في صناعة الأدوات ، الأمر الذى زاد من قدراتهم على على استخدام تلك الأدوات في المُلاحظة والقياس. واستخدم العلماء المسلمين التجربة والقياس الكمي للتفضيل ما بين النظريات المتنافسة ووضعها في إطار تجريبي عام كما كان واضح في أعمال جابر بن حيان Jābir ibn Hayyān الكندي Alkindus. وهكذا تدريجيا بحلول القرن الحادى عشر ظهرت العديد من الأساليب العلمية من العالم الإسلامي في العصور الوسطى والتى أكدت جميعها على التجريب والقياس الكمي بدرجات متفاوتة. في الحقيقة الأمثلة كثيرة ومتعددة على تجريبية العلماء المسلمين في العصر الذهبي ومن صعب حتى عدها سريعا، لكن على سبيل المثال أحد الامثلة المُهمة هو كتاب المناظر المكون من سبع مُجلدات في مجال البصريات، الفيزياء والرياضيات الذي ألفه العلامة العالم المصرى الحسن ابن الهيثم في مصر وهو تحت الإقامة الجبرية بين عامي 1011 و 1021 والذى يعد علامة فارقة في تاريخ تطور علم البصريات.و وضع أسس البصريات الفيزيائية الحديثة بعد أن غير جذرياً طريقة فهم الضوء ورؤية الأشياء وفي العلم بشكل عام وُضِعت مقدمة في المنهج العلمي التجريبي كنتيجة لذلك. وُصِف ابن الهيثم “بأبي الفيزياء الحديثة” و”رائد المنهج العلمي الحديث” ومؤسس “الفيزياء التجريبية”، ووصفة البعض بـ”العالم الأول” للأسباب التالية: صُنف هذا مع كتاب إسحاق نيوتن فلسفة المبادئ الرياضية الطبيعية كأكثر الكُتب تأثيراً في علم الفيزياء وأكبر عامل في تطوير علم البصريات والإدراك البصري. ابن الهيثم جمع في كتابه بين الملاحظات، التجارب، والحجج المنطقية لدعم نظريته في التطفل في الرؤية intromission theory of vision، التي جادل فيها أن أشعة الضوء تنبعث من الأشياء وليس من العيون. واستخدم حججا تجريبية ومنطقية لإظهار أن نظرية الانبعاث القديمة للرؤية التى دعمها كل من بطليموس Ptolemy و إقليدس Euclid والتى جادلا فيها أن أشعة الأبصار تنبعث من العين. وكذلك طرح تجارب عملية ومنطقية لدحض نظرية الانخراط القديمة التى دعمها أرسطو Aristotle ورأى فيها أن الاشياء ينبعث منها جزيئات مادية دقيقة جدا تتجة الى العين تسبب الرؤية. الادلة التجريبية التي طرحها ابن الهيثم في كتابه للبصريات دعمت جميع أطروحاته النظرية، وأسست لنظرياتة عن الرؤية، الضوء، واللون. وفي الحقيقة ابن الهيثم نظر الى دراساته العلمية على أنها بحث عن الحقيقة، فالحقيقة مطلوبة فقط لذاتها! .. ابن الهيثم خمن في أعماله بأن الضوء ينتقل عبر أجسام شفافة في خطوط مستقيمة فقط، وتمكن من تأكيد تلك الفرضية بعد سنوات مضنية من البحث التجريبي. وكتب ان حال إجراء تجربة يلاحظ فيها دخول الضوء من خلال ثقب الى غرفة مظلمة سيكون مسار الضوء مستقيما كما يبدو واضحا في انعكاسه على الغبار الذي يملأ الهواء. وقام بإجراء تجربة بوضع عصا مستقيمة وخيط مستقيم مشدود بجوار شعاع الضوء لإثبات فرضية. كما استخدم ابن الهيثم الشك العلمي وأكد على الدور الجوهري الذي تقوم به التجربة في التوصل للحقيقة. وشرح دور الاستنباط induction في عملية القياس المنطقي syllogism. وانتقد أرسطو لانة لم يساهم في طريقة الاستنباط المنطقي التى رأى ابن الهيثم انها متفوقة على طريقة القياس المنطقي التى أسهب أرسطو تفصيلها والاعتماد عليها. واعتبر ان الاستدلال هو شرط أساسي في عملية البحث العلمي الحقيقي. أيضا لو دققت النظر في ثنايا كتاب المناظر لابن الهيثم ستجد بدايات مبكرة لفكرة شفرة أوكام Occam’s razor قبل أوكان بقرون. على سبيل المثال بعد إثباته أن الضوء يتولد عن الأشياء المضيئة وينبعث منها أو ينعكس في العينين، يجادل ابن الهيثم ان فكرة انبعاث الاشعة البصرية من العين تصبح فكرة زائدة عن حاجة التفسير ولا فائدة منها! … بعض مؤرخي العلم ذهب أيضا الى أن ابن الهيثم قد يعد أول أوائل علماء الوضعية positivism في تاريخ البشرية، لانة جادل بوضوح في المناظر بأننا معرفتنا الحق لايمكن ان تتخطى حدود تجربتنا ولا يمكن أن نقيمها فقط على المفاهيم والمبادئ النظرية عندما نحاول فهم الظواهر الطبيعية، والرياضيات هى عمود العقل في صياغة المُلاحظة والتجربة. وفي الحقيقة ابن الهيثم كان أحد العلماء المسلمين القلائل الذي طبق مبادئه الفلسفية على عملة العملي. فبعد افتراضه أن الضوء هو مادة توقف عن طرح نظريات أو مناقشات متعمقة في طبيعته لان الادوات التجريبية لم تتوفر في عصره لهذا البحث، بل حصر تحقيقاته في حركة الضوء وانتشاره، وأخذ في الاعتبار فقط خصائص الضوء التي يمكن دراستها بالهندسة والتحقق منها بالتجربة!
مثال أخر مضئ من العصر الذهبي للدولة الإسلامية في القرون الوسطى، هو العالم الفارسي أبو ريحان البيروني Abū Rayhān al-Bīrūnī الذى طور أساليب علمية مبكرة للبحث العلمي في مجالات علمية مختلفة ما بين سنة 1020 و 1030. على سبيل المثال لا الحصر أطروحاته حول علم المعادن في كتابه الخالد الجماهر في معرفة الجواهر. والبيروني يعد أدق العلماء التجريبيين التي عرفتها الانسانية. وطور طريقة تجريبية مبكرة في علم الميكانيكا. وفي الحقيقة أساليب البيروني تشبة المنهج العلمي الحديث بطريقة ملفتة للنظر، خصوصا في تأكيده على ضرورة التجريب المتكرر، واهتمامه الشديد بمنع الأخطاء المنهجية والتحيز عن المُلاحظة مثل الأخطاء الناجمة عن استخدام أدوات صغيرة والأخطاء البشرية المُرتكبة عند المُلاحظة. وجادل أن لو كان من الجائز أن تتسبب الأدوات في حدوث أخطاء بسبب عيوب فنية أو أخطاء صناعية إذن لابد من أخذ ملاحظات وقرائات متعددة وتحليلها نوعيا وعلى هذا الاساس نصل لقيمة فردية منطقية للثابت المطلوب. في الحقيقة البيروني كان نموذج حي لعقلية العالم الحديث عامل ومنتج في العصور الوسطى، وعدة الكثير من الدارسين العرب والغربيين كأعظم العقول العلمية التى عرفها التاريخ كما أشار المستشرق الألماني إدوارد ساخو Eduard Sachau 1887. وذهبت د. يمنى طريف الخولي في كتابها المُهم “بحوث في تاريخ العلوم عند العرب” إلى أن البيروني قد وضع يده على مفتاح العلم … “فالمنهج هو دماء حياة العلم والقوة المثمرة الوَلود إياه. النظريات قد يرسو بها المطاف في متاحف التاريخ. أما المنهج — أسلوب البحث المنضبط حين يتبلور — فإن تطبيقه يؤدي إلى النتائج تلو النتائج فيُصَحِّح بعضُها بعضًا ويفوق سابقَها لاحقُها، ليذوي هذا السابق، ومع توالي الممارَسات المنهجية يُصْبِح هذا اللاحق بدوره سابقًا يومًا ما، وهكذا دواليك … “
وأخيرا الشيخ الرئيس ابن سينا Avicenna (Ibn Sina) في عملة الخالد كتاب الشفاء الذي نشره سنة 1027 ناقش فلسفة العلوم ووصف طريقة مبكرة للبحث العلمي. ويمكن من أهم النقاط التي ركز عليها ابن سينا في بحثة هو الاجراءات المناسبة للبحث العلمي وكيف يكتسب المرء المبادئ الأولى للعلم؟ .. وتسائل كيف يمكن للعالم أن يجد البديهيات الأولية أو فرضيات العلم الاستنتاجى دون استنباطها من بعض المبادئ الأساسية؟! .. وفسر أن عند أدراك الفرد لأن العلاقة بين المصطلحات قد تتيح يقين مطلق للمعرفة. وأضاف طريقيتين أخريين لإيجاد المبادئ أو البديهيات الاولي، الاولي هي الطريقة الأرسطية للاستقراء induction والطريقة الحديثة هي الفحص والتجريب. وأنتقد ابن سينا الاستقراء الأرسطي بحجة انه لا يؤدى إلى المطلق والكوني. ودعا الى طريقة التجريب كوسيلة البحث العلمي الحق! .. وفي كتابه السابق القانون في الطب نشرة سنة 1025 كان ابن سينا أول من وصف أسس الاتفاق والاختلاف التي تعد ضرورية للمنطق الاستقرائي والطريقة العلمية.على العكس عن الطريقة العلمية لمُعاصرة البيروني الذي رأى أن الثوابت من الممكن الحصول عليها من خلال العمل العلمي التجريبي فقط، وان النظريات يمكن صياغتها بعد الاكتشافات فقط .. ابن سينا وضع إطار عمل علمي فيه الاسئلة العامة والكونية جاءت في المقام الأول وقادت العمل التجريبي في المقام الأول! ونظرا للفرق الجوهري في طريقة البحث العلمي فيما بينهم أشار البيروني إلى نفسة كعالم رياضيات وابن سينا كفيلسوف خلال أحد المراسلات بين هلالين الحادة والعنيفة في بعض الاحيان التى دارت بينهم لفترة من الزمن، تفاعل فيها البيروني مع عقلية الشيخ الرئيس الموسوعية حتى عزف ابن سينا عن مُواصلتة، لكن هذة قصة لمرة أخرى.
التجريبية الطبيعية والواقعية العلمية Naturalistic Empiricism and Scientific Realism
في جولتنا الفلسفية عبر دروب فلسفة العلم مررنا بقرن من الزمان تقريبا من المفكرين، والعلماء، المدارس، و العديد الأفكار الفلسفية. لكن هناك 3 أفكار رئيسية خيمت على رحلتنا. التجريبية empiricism، الطبيعية Naturalism، والواقعية العلمية Scientific Realism. وكما رأينا الصور الثلاث لها ما لها وعليها ما عليها، من المؤيدين، الداعمين، المراقبين، والناقدين. وكلا منها بدأ بطرح ادعاء قوى انها قادرة على طرح تفسير كامل لتفسير الطبيعة والواقع في مجملة.لكننا لم ندرس إمكانية طرح تكاملى ما بين الأفكار الثلاثة! .. لكن كيف من الممكن وضع تلك النظريات الثلاثة في تكاملية في حين أن بعضها ان لم تكن كلها تتضارب في كثير من جوانبها مع بعضها البعض. المدرسة التجريبية تاريخيا ادعت أن مصدر المعرفة الوحيد عن العالم والوجود هو التجربة. أما المدرسة الطبيعية ادعت ان الامل الوحيد لحل الإشكاليات الفلسفية بما في ذلك المشكلة المعرفية هو من خلال وضعها في إطار علمي طبيعي. أما الواقعية العلمية ادعت أن العلم قادر على وصف هيكل وبنية الواقع بما في ذلك التركيبات الخفية الغير مُدركة بالحواس. ياترى فين المشكلة في وضع تلك الأفكار الثلاثة في صورة نظرية واحدة لتفسير الواقع؟! .. في غالب الاشكالية قابع على جانب المدرسة التجريبية. زى ما شفنا في حلقة (إشكالية المنطق و التجريبية) الإشكالية الكبرى اللى واجهت التجريبية هو أن كل محاولات تفسير الواقع فقط من خلال التجربة قابلتها صعوبات وتبعيات كان من الصعب التعامل معها. الصورة التقليدية للمدرسة التجريبية بشكل خاطئ تصورت ان العقل حبيس خلف حجاب الافكار والاحاسيس، إن كانت التجربة الحسية هى كل نملك للوصول للواقع. كيف من الممكن أن نكشف الأفكار الخادعة المُكونة في عقولنا عن الواقع. في أقصى الصور تطرفا من المدرسة التجريبية أُعتقد ان اى شئ خارج نطاق التجربة الإنسانية غير مطروح بالمرة كمصدر للمعرفة. لكن حتى في الصور الاكثر اعتدالا من الصعب تفسير كيف من الممكن أن تدعم المدرسة التجريبية نظرية علمية قائمة على وجود تركيبات أو كائنات غير مُدركة بالتجربة. وبالتالي الصورة العامة للمدرسة أصبحت أن العلم مهتم فقط بملاحظة الأنماط المُلاحظة بالتجربة. وفي العقود الاخيرة هناك حالة من الاحتدام اشتعلت ما بين أتباع المدرسة التجريبية والواقعية العلمية معروفة في أدبيات فلسفة العلم ب ” نقص إثبات النظرية بالدليل the underdetermination of theory by evidence” التجريبيون بيجادلوا ان دائما ما سيكون هناك عدد من النظريات البديلة متوافقة مع الادلة المطروحة على صحة نظرية ما. وبالتالي لن يكون لدينا ابدا ارضية تجريبية لتفضيل نظرية ما على أخرى واعتبارها انها تمثيل حقيقي للواقع. وان لم يكن لدينا ارضية تجريبية لتبرير لماذا نظرية ما هى الادق والاصح في تمثيل الواقع بالتالي لايوجد لدينا ارضية بالمرة! .. المدرسة التجريبية أيضا ليست على وفاق مع المدرسة الطبيعية، بالنسبة لكثير من التجريبيون بما اننا قادرين فقط على الوصول لأفكارنا وتجاربنا الفردية إذن لابد وأن تكون تلك نقطة البداية عند تكوين اى نظرية فلسفية للمعرفة. لكن الطبيعيين يجادلوا ان دى فكرة غير جيدة. هذا بالإضافة لان فلاسفة الطبيعية جادلوا أن الأفكار التجريبية ماهي الا مجموعة من التخاريف لان بالنظر لطريقة عمل العلم في الواقع من غير الممكن الاعتماد على التجربة فقط للفصل ما بين الأفكار والنظريات العلمية، ده غير ان التجربة ليست عامل مُحايد من وجهة نظرهم زى ما شفنا في جدلية المُلاحظة المُحملة بالنظرية theory-ladenness of observation (أرجع لحلقة إشكالية العلم). وأخيرا بالرغم من أن العلاقة أفضل كثيرا ما بين المدرسة الطبيعية والواقعية العلمية، كما توقعت. لان من غير المنطقي ان تكون رؤيتك طبيعية للوجود والواقع ولا تعتنق رؤية علمية لتفسيرة أفضل الطرق البشرية لمعرفة الطبيعة والواقع. الا ان هناك بعض الأصوات داخل عباءة المدرسة الطبيعية تدعو لهجر الخرافة الداعية ان العلم على صلة مباشرة بالواقع!
التجريبية الإصلاحية Reformed Empiricism
التجريبيون زى ما شفنا بيتعاملوا مع العقل على أنه محجوز خلف حجاب الأفكار في وصوله لحقيقة العالم. الاحاسيس، والمشاعر، والأفكار بتمنع العقل من الوصول لحقيقة العالم وبدلا من هذا تخلق صورة افتراضية. لكن هناك عدد من الفلاسفة الان بيعتقد ان تلك الصورة غير دقيقة، ومن السهل ان نقع في فخها عند التفكير بشكل عام في دور التجربة تشكيل معتقداتنا، أو بشكل محدد حول دورها في العلم. والفكرة دى من السهل تتبعها في فلسفة العلم، فيها الواقع ذو وجهين، وجهة التجربة وعالم المحسوسات، و الوجهة النظرى الغامض البعيد عن المحسوسات. كيف اذن من الممكن ان نحدد دور التجربة في العلم، ان كان هناك وجهة غير محسوس او قابل للاكتشاف من خلال التجربة. في الرؤية الطبيعية، البشر كائنات بيولوجية في عالم فيزيائى تطورنا كي تتعامل معة. كل صور الحياة البشرية بما في ذلك الصور الاجتماعية المعقدة والمتشابكة منها قائمة على درجة ثابتة من التفاعل السببي مع البيئة المحيطة بنا. سواء من الآليات الابصار، للسمع، للحس،الخ من الآليات اللى بنعتمد عليها لتنظيم عملية التعامل مع الطبيعة. الآليات دى بتستجيب لصور مختلفة ومتعددة من المحفزات اللى بتسببها الأشياء، الكائنات، والأحداث في الطبيعة. داخليا من المستحيل اننا نقدر نصل لليقين في المعرفة المكتسبة عن طريق حواسنا، لكن من الممكن اننا نضع تصور لكيفية عمل تلك الاليات وكيف تساعدنا في الوصول لصورة من المعرفة عن الواقع. حتى الان الفرضية ليس لها علاقة بالعلم او حتى البشر بشكل محدد، الادعاء عام بالنسبة لجميع الحيوانات بل صور الحياة بشكل عام، انها بتستخدم الاليات البصرية للتكيف مع البيئية المحيطة. لكن الفكرة البسيطة والبديهية دى قد تكون كافية لتجنب إشكالية الوصول لحقيقة العالم. من الجائز ان لابد لنا ان نتجتنب رؤية العالم كصورة مزدوجة من المحسوسات والمجردات! .. آليات الاحساس بتعطينا جسر للتفاعل مع الواقع، وصولنا للواقع من خلال الافكار والنظريات في واقع الامر هو نوع من التفاعلات السببية المركبة والمعقدة مع الواقع. ومع تطور اليات تفاعلنا مع الواقع من خلال التطور التقني والعلمي يتزداد قدرتنا على الاتصال بالواقع والمعرفة اللى بنكتسبها رقعتها تتسع، وبالتالي اجزاء من الواقع والطبيعة في وقت ما ستكون قدرتنا على الوصول لها محدودة وبالتالي الاستنباط الغير مباشر هو احد افضل السبل لوصفها والتعامل معها حتى تطور الاليات ادراكنا. يعنى مثلا الجراثيم في وقت ما كانت نظرية تقع تحت الجانب الغير مُدرك او المجرد في معرفتنا عن الواقع، لكنا مع تطور اليات الادراك اصبحت تلك المعرفة مدركة وانتقلت للجانب المدرك او الحسى من المعرفة البشرية.
فكر مرة تانية في إشكالية ” نقص اثبات النظرية بالدليل the underdetermination of theory by evidence”، التجريبيين كانوا دائما في قلق من فكرة أن دائما ما ستكون هناك نظرية اخرى بديلة منافسة تصف المُلاحظات في الطبيعة وبالتالي دائما ما سيكون هناك نقص إثبات. لو القلق ده مُبرر، كيف من الممكن ان يكون عندنا امل في الوصول لمعرفة حقيقة للأجزاء الغير مُلاحظة من الواقع؟ .. نفس المشكلة قائمة مع الكائنات القابلة للمُلاحظة، آليات الاحساس لدينا هي الاساس في صنع الأحكام المعرفية حول الأشياء في الطبيعة بل والواقع نفسة بالرغم من أن تلك الآليات تتأثر فقط بالمُحفزات المُباشرة كالصوت والضوء مثلا. من حيث المبدأ دائما ما سيكون هناك، تصورات بديلة للكائنات والأشياء في الواقع بالرغم من تلقيها من خلال نفس المُحفزات، اى ان نقص الإثبات دائما ما سيكون موجود. وبالرغم من هذا سنكون دائما قادرين على صنع حكم حول طبيعة الواقع وحقيقته من خلال تلك الآليات! .. وبدراسة آليات الإدراك الحسي بشكل علمى كلما تطورت التقنيات والآليات العلمية، من الممكن أن تتأكد من درجة الموثوقية في الأحكام الصادرة عن تلك الآليات. نفس الفكرة من الممكن تطبيقها على الاستدلال وآليات صنع النماذج في العلم نفسه. بداية بالتساؤل ماهى درجة الثقة في المعرفة التى من الممكن تحقيقها، باستخدام الآليات المختلفة للاستدلال وصنع النماذج.التركيبات، والكائنات المستنبطة التي لا يمكن الوصول اليها الا من خلال بناء النماذج التخمينية، مع مرور الوقت يصبح من الممكن التوصل اليها ودراستها تصبح روتينية. على سبيل المثال التركيبات الجينية للكائنات الحية، ظلت لفترة طويلة رهينة النماذج التخمينية النظرية، وكان من غير الممكن الوصول اليها او إدراكها بالحواس، لكن مؤخرا من خلال تقنيات تسلسل الحمض النووى DNA sequencing technologies اصبح من الممكن إدراكها وأصبحت دراستها روتينية في العلم. التغير الدائم لتلك الحدود ما بين ما يمكن ادراكة وما لايمكن ادراكة، من الممكن النظر الية كآلية تقييم لأداء العملية العلمية وادواتها بشكل عام. لان من الممكن ان نعود للنماذج التى تم تطوريها عندما كانت تلك الكائنات غير مدركة ونعيد تقيمها، وبشكل عام تحديد المبادئ التى قادتنا لنماذج جيدة وتجنب الطرق والاليات التى قادت لنماذج غير جيدة او لم تنجح في وصف الواقع بدقة. مثلا مبدأ تفضيل النظريات الابسط، هل فعلا يقود الى خيارات جيدة تصف الواقع بدقة كما يدعى غالب الفلاسفة والعلماء؟ .. القاعدة التى ستقوم عليها عملية تقييم الاليات والطرق بالضرورة ستكون قائمة على دراسة وفهم تاريخ العلم. لان من خلال تلك الدراسة نستطيع تأمل عمل الطرق والمبادئ المختلفة ونتائج اعتناق العلماء والهيئات البحثية لها. الامر اللى اتمنى ان يكون كان واضح بالنسبة لك من خلال حلقات فلسفة العلم، تقريبا بدون إستثناء كل الأفكار والنظريات الفلسفية حول العلم وطريقة عملة وآلياته زى بوبر وكوهن، قائمة على دراسة تاريخ العلم نفسه.
لكن ياترى ما هو الأمر المميز في العلم نفسه؟ .. البشر في مجموعها تشترك في نفس وسائل الاتصال بالواقع كنتيجة طبيعية لاشتراكها في نفس الطبيعة البيولوجية لكن بالرغم من هذا هناك فروق جذرية في كيفية البحث عن حقيقة الواقع وطبيعتة ما بين الافراد بل وحتى الجماعات البشرية المختلفة. بالرغم من أن كل البشر تتشارك في نفس آليات التفكير (المخ)، وآليات الادراك (السمع، الشم،الابصار، الخ)، الا ان هذا لا يمنع اختلافهم جوهريا في تكوين معرفتهم حول العالم. أحد المناطق الأساسية في الاختلاف هي الأفكار الكبرى، النظريات الكبرى، والفرضيات التفسيرية للعالم!، على العكس مثلا من الطريقة اللى بيتعاملوا بها في حياتهم اليومية! .. من الجائز أن التركيب البيولوجي المُشترك ما بين البشر بيدفعها ان تكون عملية وبراجماتية في تأمين الاحتياجات الأساسية المسكن، الشراب، الطعام، الخ. لكنة هذا التركيب غير ناجح في وجود نظريات تفسيرية مشتركة حول موقعنا في الوجود. احد الرؤى الاختزالية التبسيطية للعلم التى اعتقد انها ناجحة الى حد كبير في فهمة، هو النظر إليه كإستراتيجية strategy .. تحت هذا المفهوم العلم هو استراتيجية لعرض الافكار والاشكاليات النظرية الوجودية الكبرى على آلية اختبار من خلال المُلاحظة والتجربة. تلك الآلية ليست مفروضة علينا بالطبيعة البشرية كالاليات البيولوجية، زى اللغة، أو قواعد المنطق الأساسية، او حتى قوانين الفيزياء الطبيعية. لكنها إستراتيجية اختيارية. الأفراد، الجماعات، الثقافات، والشعوب المختلفة تلجأ لها في محاولة للوصول الى اتفاق حول الأفكار والنظريات الكبرى. تلك الإستراتيجية العلمية تتمثل في تفسير الأفكار ، ودمجها في الأطر المحيطة (البشرية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الخ) ، وتطويرها ، بحيث يتم البحث عن التجربة حتى في حالة الفرضيات الأكثر عمومية وطموحًا حول الكون. وجهة النظر العلمية هذه هي نوع من التجريبية. لو فاكر في الحلقة الاولي من سلسلة فلسفة العلم (إرجع لحلقة إشكالية العلم) .. طرحت عليك تعدد إستخدام وتفسير مُصطلح “العلم” .. هناك صور متشعبة ومتعددة لمصطلح العلم بمفهومه الضيق والواسع.من الممكن رؤية فكرة العلم كإستراتيجية كمفهوم واسع للعلم على النقيض من الطرق المحددة لعمل تلك الاستراتيجيات كمفهوم ضيق للعلم.بشكل عام العلم ماهو الا استراتيجية تقييم الأفكار البشرية الكُبرى من خلال عرضها على التجربة. لكن الثورة العلمية وما تبعها طورت طريقة محددة للقيام لتطبيق الاستراتيجية وتنظيم الجماعات البشرية والهيئات الاجتماعية حولها. مُصطلح العلم قد يستخدم ايضا في مفهومه الضيق للإشارة لتلك المنظومة الاجتماعية social organization. بداية المفهوم الواسع للعلم كإستراتيجية لعرض الأفكار البشرية الكبرى على التجربة، من الممكن لأي شخص بمفردة أن يطبق تلك الاستراتيجية، مثلا قد يقوم الفرد بوضع برنامج خاص محدد لوضع فرضيات معينة في مجال محدد وتقييم تلك الأفكار من خلال الاختبار والمُلاحظة. وقد يدير الفرد حوار خيالي داخلى ما بين مؤيد ومعارض للفرضية. هذا الفرد يرفض الثقة في الحقيقة المنقولة من الآخرين، ويحاول الاقتراب من الحقيقة قدر المُستطاع مُعتمدا فقط على تجربته الخاصة. هذا الفرد يُدرك الواقع من خلال إستراتيجية معرفية قائمة على الفرضية، الاختبار والمُلاحظة .. أو ببساطة إستراتيجية علمية! .. هذة طريقة ممكنة لتطبيق الاستراتيجية العلمية، لكن بدون شك بعيدة كثيرا عما يحدث في الواقع. الواقع الذى تم صياغته وتشكيله بعد الثورة العلمية الحديثة وما تبعها في نهايات القرن السادس عشر. لو هدفنا هو فهم تلك الاستراتيجية، بالتالى لابد لنا من التركيز على تطور وتركيب المنظومة الاجتماعية لتطبيق تلك الاستراتيجية العلمية.
الهيكل الاجتماعي للعلم The Social Structure of Science
السمات المميزة للعلم كهيكل إجتماعى من الممكن فهمها من خلال بُعدين أساسين. الأول زمني حول منظومة العمل في توقيت معين، العلم طور نظامًا للمكافآت وثقافة داخلية تولد مزيجًا فعالًا من المنافسة والتعاون، وتقسيمًا مفيدًا للعمل العلمي عبر الطرق والأجزاء المختلفة لحل مشكلة ما. العلم من الممكن رؤيته بمفهومه الضيق كهيكل اجتماعي فعال قادر على تنظيم طاقات الأفراد المختلفين للعمل بشكل فعال للأجابة على التساؤلات الكبرى. البُعد الثاني يتعلق بعملية نقل الافكار ما بين الأجيال المختلفة العاملة تحت هيكل المنظومة العلمية. السمة الجوهرية والواضحة جدا في هذا البعد هو أن العمل العلمي تراكمي cumulative. كل جيل يبنى على عمل الأجيال السابقة. إسحاق نيوتن وصف الأمر مرة ببلاغة قائلا إن العاملين في الحقل العلمي الآن واقفين على أكتاف العلماء السابقين. كى تعمل تلك المنظومة بسلاسة وكفائة لابد من وجود طريقة موثوقة لنقل الأفكار عبر الأجيال بالإضافة لمنظومة مكافأة تجعل من المُجزى للعلماء ان يُكملوا عمل السابقين عليهم. داخل هذا الهيكل الاجتماعي للعلم، الحوار ما بين المؤيدين والمعارضين لفرضية ما يصبح ممكن وحقيقى وليس خيالا كما في حالة تطبيق الفرد لإستراتيجية العلم. والمنظومة العلمية وضعت طرق وآليات اجتماعية من الممكن أن نثق في الاعتماد عليها للتأكيد من الفرضيات ورفض الأفكار الغير علمية. وبالتالي بالاضافة لطريقة عمل العلم التخمينية في وضع الفرضيات يصاحبها آلية تصحيح وتقييم داخلية. من خلال تلك الآليات من الممكن لاى فرد، حتى المتشككين في العلم، هدفه، وآلياته نفسها من العمل داخل المنظومة بمرونة تامة طالما قبلوا العمل تحت تلك القواعد. الأمر اللى قد يفسر مثلا عمل بعض العلماء ذوي المعتقدات الدينية التى قد يتضارب بعضها مع بعض النظريات العلمية داخل تلك المنظومة، بل ويحققون نجاحات داخل منظومة العلم بسبب قواعدها وهيكلها الاجتماعي. المنظومة الاجتماعية للعلم، أظهرت اتزانات استثنائية أدت لتميزها ونجاحها . أولها الاتزان ما بين المنافسة ما بين المنافسة competition والتعاون cooperation. اتزان آخر ما بين النقد criticism والثقة trust الأمر الذى كان جلي الوضوح في أعمال توماس كوهن حول تحول النماذج الفكرية، اللى اعتقد بوجود علاقة فعالة فريدة من نوعها ما بين النقد والثقة في العلم. فكرة “الاتزان” ودلالاتها قد يتشكك فية البعض، بل وقد يدفع البعض للشك في المنظومة في مجملها. وصف هذا الاتزان ما بين المنافسة والتعاون، النقد والثقة بالاستثنائية يضفي نوع من التوقير لهذا الاتزان. لكن لماذا نحن على يقين من أن الحالة الراهنة جيدة؟ كيف نعرف أننا لا نستطيع أن نحسن أداءنا من خلال تغيير التنظيم الاجتماعي للعلوم؟ .. لكن كما رأينا الفيلسوف الاسترالي بول فيربيند Feyerabend أعتقد ان العلم فقد هذا الاتزان في العقود الاخيرة خصوصا الاتزان في العلاقة ما بين التخيلي والحقيقي (أرجع لحلقة ما بعد الثورات العلمية) .. على أى حال بُعدى المنظومة الاجتماعية للعلم من حيث تنظيم العلم زمنيا وعبر الاجيال، كانوا جوهر تمييز المنظومة العلمية، لكن هل كان هناك تحولات معينة أوصلتنا لهذين البعيدين؟ اما انهما تطورا تدريجيا؟ هل تطورا بشكل مستقل؟ او معا؟
الهيكل التراكمي للعلم The Cumulative Structure of Science
الهيكل التراكمي The cumulative structure للعمل العلمي في واقع الأمر قديم في بعض المجالات لكنة حديث العهد في مجالات أخرى. وقد يكتسب ويفقد جزئيا في بعض الأحيان. ثلاثية الفيلسوفان الانجليزيين تولمان و جودفيلد المكونة من ( نسيج السماوات Fabric of the Heavens ، بنية المواد The Architecture of Matter ، واكتشاف الوقت The Discovery of Time) اللى نشروها في الفترة ما بين 1962 و1967 حول تاريخ العلم والأسس والمفاهيم الكامنة وراء الأفكار العلمية وتطورها (ثلاث كتب أنصحك بشدة أن تضعها على قائمة الكتب التي يجب أن تقرأها إن كنت دارس او مهتم بالمجال) .. وصفوا تطور الأفكار حول الكون من العصور القديمة للعصر الحديث كهيكل تراكمي يُكتسب ويُفقد في بعض الأحيان! .. خط بحثي او علمي معين قد يبدأ مع مدرسة فكرية معينة في مدينة معينة أو موقع معين، ثم يتراجع مع الوقت ويختفي ويستبدل بتتابع من أفراد عاملين بشكل مستقل على نفس الأفكار، عادة ما يعيدوا اختراع العجلة مرات ومرات عديدة، لكن تدريجيا هذا النمط الغير منظم من العمل العلمي في العصور القديمة اُستبدل بنمط تراكمي. في الحقيقة الجمعية الملكية في لندن the Royal Society of London في منتصف القرن السابع عشر لعبت دور محوري في تكوين الاتزان ما بين التعاون والمنافسة بخلق ثقافة عمل تحكمها روح النقد العلمي الموضوعي وشبكة ثقة للأفراد المقبول منهم النقد. لو اعتبرنا ثقافة العمل الجديدة دى كانت أساسية وجوهرية للعلم ومنظومته، تصبح المغامرات والشطحات العلمية في بداية الثورة العلمية زى جاليليو قليلة الاهمية من حيث تأثيرها على طريقة عمل منظومة العلم الحديثة! .. الخيمياء alchemy أحد الفروع القديمة للفلسفة الطبيعية نشأت في مصر الرومانية في القرون الأولى ومارست في أوروبا، أفريقيا، وأسيا. الخيمياء كانت سابقة على علم الكيمياء chemistry الحديث. وتأثيرها كان واسع النطاق حتى نهايات القرن السابع عشر. وكانت مزيج من الممارسات العملية قائمة على وصفات مفصلة ومجموعة من النظريات العجيبة التى بدت كالسحر في كثير من الأحيان (مثلا الصخور كانت تنمو كالكائنات الحية، أو التفاعلات الكيميائية كانت تتأثر بالعلاقة بين الكواكب والنجوم، الخ) . الخيمياء كانت تجريبية في كثير من ممارستها، والنتيجة قادت معظم العاملين فيها. لكن عمل الخيميائيين كان مُنظم بطريقة تعارضت مع طريقة عمل منظومة العلم الحديث! .. الخيمياء كانت عادة ما بتتم كطقوس سرية، المعرفة لم تكن مُتاحة بشكل علنى على نطاق واسع، الثقافة الحاكمة كانت مغلقة والتواصل كانت محكوم ومحدد على دائرة معينة. الأمر اللى كان راجع جزئيا للطبيعة الشبة باطنية الغامضة للمجال، وأيضا جزئيا إلى الأمل في الحصول على فوائد مالية ضخمة من خلال إيجاد طريقة لتحويل المعادن الأخرى إلى ذهب. إلى أن قام الفيلسوف الطبيعي، الكيميائي والفيزيائي الأيرلندي روبرت بويل Robert Boyle عضو الجمعية الملكية بلندن وأحد مؤسسي علم الكيمياء الحديث، وأحد أهم رواد التجريبية العلمية الحديثة بطرح طريقة عملة المناقضة والمنافسة للخيمياء والقائمة على التعاون المفتوح، التي أسست بداية ثقافة علمية جديدة تجنب السرية، والدوغمائية المدرسية.
تحديات المدرسة التجريبية Challenges of Empiricism
هل هناك مكان للتجريبية؟ لو فاكر من حلقة هيكل الثورات العلمية. توماس كوهين جادل ان العلم لا يمكن وصفه من خلال اى معادلة تجريبية بالمرة، لأن العلم آلة أكثر تعقيدا من اى صور تخليتها المدرسة التجريبية الكلاسيكية. الافكار التى لم تكن فقط غير واضحة او مكتملة، لكنها أيضا خاطئة. رؤى فلاسفة التجريبية لم تقم على اى صورة قادرة على وصف الاتزان المعقد الموجود في العمل العلمى، خصوصا الاتزان الموجود في المنظومات العملية الاجتماعية. فلاسفة التجريبية قد يتفقوا مع كوهين في هذا التوصيف حول الطبيعة المعقدة للعلم، لكنهم هيجادلوا ان الافكار الاساسية للتجريبية قادرة على توصيف السمات الجوهرية في العملية العلمية. لكن من وجهة نظر كوهين والناقدين للتجريبية، الاطروحة بالكامل قائمة على صورة مبسطة غير واقعية للمعرفة وآليتها. عادة ما بيتم تخليص الفكرة التجريبية في ان “مصدر المعرفة الوحيد هو التجربة” .. لكن ماهو ياترى المقصود بمصدر هنا؟ .. هل هناك مصدر واحد للمعرفة؟ .. ام مصادر متعددة؟.. وهل هناك طريقة واحدة ام عدة طرق للوصول لهذا المصدر؟! .. تخيل ان من الممكن ان نثبت ان العملية العلمية من الممكن تفسيرها من خلال الاتزان ما بين المنافسة والتعاون وما بين النقد والثقة، لو فعلا أصبحت تلك الأطروحة الطريقة التي نفهم بها العلم، هذا الطرح لم يكن اى شئ من قريب أو بعيد تم طرحه داخل إطار المدرسة التجريبية. لكن توصيف طريقة عمل العلم أمر وثيق الارتباط بموضوعية العلم. سؤال هل المعرفة العلمية موضوعية؟ .. محورى فى أى مناقشات فلسفية، أو اجتماعية داخلية العلم. لو فاكر فى الحلقة الأولى من السلسلة جادلت انى هحاول قدر المستطاع تجنب استخدام فكرة الموضوعية لانها غير واضحة أو محددة وفي كثير من الاحيان قد تقود لفهم خاطئ لطبيعة العلم. مثلا في بعض الأحيان عندما يستخدم الناس مصطلح الموضوعية بيكون عندهم فكرة غير واضحة المعالم حول التأثير الجيد والسيئ للمعرفة الموضوعية على معتقداتهم. التأثيرات الموضوعية في مقابل التأثيرات النسبية، حيث الموضوعية أكثر محايدة وتتجنب الانحياز الذاتي تجاة بعض الافكار. من الجائز أن الموضوعية هي مصطلح يستخدم للإشارة إلى مجموعة من المفارقات الغير محددة للتفريق ما بين طريقتين لتشكيل المعتقدات، طريقة بعيدة عن النزعات، الأهواء والميول الذاتية، وطريقة مدفوعة بتلك الرؤية الذاتية. وفي بعض الاحيان الاخرى مصطلح الموضوعية يستخدم للتعبير عن فكرة مختلفة تماما، للإشارة لفكرة ميتافيزيقية. بعض الأشياء لها وجود موضوعي مستقل عن المتلقى في مقابل الوجود النسبي المعتمد على المتلقي. هل الارقام لها وجود موضوعي؟ .. هل القيم الأخلاقية لها وجود موضوعي؟ .. في بعض المناقشات العلمية ، يتم الجمع بين هذه الأفكار المختلفة للموضوعية. يقال إن المعتقدات تتشكل بشكل موضوعي عندما تحدث أو تسترشد بأشياء لها وجود واقعي. يعتبر العلم موضوعيًا إذا كانت عملية يتم فيها التحكم في تغيير المعتقدات والنظريات من خلال الاتصال بأشياء لها وجود واقعي في العالم. فهل العلم موضوعي بهذا المعنى؟ أو بالأحرى ، عندما يعمل العلم بشكل صحيح ، هل هو موضوعي بهذا المعنى؟ هل بنية العلوم هي التي تميل إلى إنتاج الموضوعية؟ .. الرؤية اللى حاولت أقدمها لك من خلال مجموعة حلقات سلسلة فلسفة العلم تجيب على هذه التساؤلات بالإيجاب، واتمنى ان تكون قد وصلت لك تلك الفكرة من خلال الاستماع للسلسلة. لكن ليست هذة الطريقة الصحيحة لطرح الاسئلة. مفهوم الموضوعية غير مفيد هنا. أسئلة خاطئة من نوع، هل يتم تغيير المعتقدات العلمية والنظرية عن طريق أشياء حقيقية ، أم عن طريق عوامل اجتماعية؟ هل الأفكار العلمية هي منتجات العالم الحقيقي ، أم أنها منتجات للإبداع الإنساني؟ هل نحن مسؤولون عما نعرفه ، أم أن العالم مسؤول عن ذلك؟ .. كلها أسئلة تقود لأجابات خاطئة ومشكلة معرفية. لأن المعتقدات العلمية ليست نتاج الذاتية او الطبيعة بشكل مستقل. بل نتاج تفاعل وديناميكية فعالة ما بين الطاقات النفسية، المنظومات الاجتماعية، وبنية وهيكل العالم. العالم لا يفرض المعتقدات علينا ، في العلم أو في أي إطار معرفي آخر. ومع ذلك ، يستجيب العلم لهيكل العالم ، عبر قناة الملاحظة. نفس الفكرة التى يطرحها ناقد التجريبية. لماذا التمسك بالشعارات التجريبية القديمة ، عندما يبدو أنها تطرح القضايا بهذه الطرق التبسيطية والمضللة؟ لماذا لا تحكي القصة بعبارات جديدة تماما؟ هناك ما هو أكثر في العلوم مما كان يحلم به في التقاليد التجريبية القديمة المتعبة. وبعض النظريات الناقدة تتشك في ان البعض مازال متمسك بالافكار التجريبية التقليدية لانها بسيطة ومفيدة في كثير من الأحيان خصوصا في محاولة تفسير العلم للعوام. مثلا عند محاولة تفسير كيف يختلف العلم عن الأصولية الدينية في تفسير الطبيعية؟ .. عند طرح تلك الأسئلة التجريبين قادرين على اعطاء اجابة بسيطة ومرضية. “”العلم مختلف لأنه عملية تتشكل فيها المعتقدات من خلال الملاحظة. يتم تقييم الأفكار ليس من حيث أصولها ، ولكن من حيث كيفية قابليتها للاختبار. لهذا العلم منفتح ، مُعادٍ للسلطوية ، ومرن. ” .. إجابة لطيفة وبسيطة ستلقي فهم واستحسان من العوام. دلوقتى تخيل ان الاجابة السطحية دى تم استبدالها بإجابة أكثر تعقيدا حول الاتزانات المُحكمة ونظام المكافأة، والتغير من خلال العلم الطبيعي وبين الأطر الفكرية المكونة من خلال الثورات العلمية كما طرح كوهين. اعتقد ستتفق معايا ان الاجابة ستكون أقل نجاحا في الاستقبال وإرضاء العامة. اى ان بالرغم من جاذبية البساطة في طرح التجريبين إلا أن الإجابات البسيطة دائما ما تكون غير صحيحة لاختزال انظمة معقدة غير قابلة للاختزال. على أي حال في اعتقادي منظومة العلم الحديث تتطلب استراتيجية عامة وهيكل اجتماعي مُعقد لتنفيذ تلك الاستراتيجية. في تقديري ان صورة معدلة لأطروحة تجريبية طبيعية هي الأقرب والأقدر على وصف الاستراتيجية العلمية الحالية.
العُلماء الآليين Robot Scientist
آدم Adam هو أول نموذج لروبوت لتصميم، تنفيذ، وتفسير التجارب العلمية Robot Scientist وهو أحد أهم التقنيات الاخيرة في مجال روبوتات المختبرات Laboratory robotics. منذ بداية الثمانينات والمختبرات العلمية خصوصا في مجال البيولوجيا والكيمياء بتستخدم صورة أو أخرى من روبوتات المعمل. اللى بتعمل الى جانب العلماء للقيام بإحدى مراحل التجربة العلمية مثل تحضير العينات أو معالجتها. على سبيل المثال شركات صناعة الدواء بتستخدم روبوتات لنقل العينات البيولوجية والكيميائية لتوليف مركبات كيميائية جديدة أو لأختبار قيم معينة لمركبات جديدة بدقة عالية. هذا النوع من العمليات المخبرية كانت مناسبة جدا لعمل الروبوت، لانها متكررة وتحتاج لدقة عالية، مثل انتقاء العينات، معالجتها، تغير تركيبها من خلال التبريد، التكثيف، الخلط، والتعريض للحرارة. لكن آدم كان نقلة علمية وتقنية نوعية، الفريق البحثي المكون من مجموعة من علماء البيولوجي، علماء الذكاء الاصطناعي، وعلوم الكمبيوتر مثل روس كينج Ross King، ستيفين موجليتون Stephen Muggleton، دوجلاس كيل Douglas Kell ، ستيف أوليفر Steve Oliver طور النموذج الأول لآدم سنة 2010، الذي كان قادرا على إجراء تجارب علمية بشكل مستقل لاختبار فرضية وتفسير نتائج التجربة بدون اى إرشاد من العلماء البشر. آدم أمتاز بمجموعة من القدرات الفذة لوضع كوين فرضيات لتفسير المُلاحظات، اقتراح تجارب لاختبار تلك الفرضيات، القيام بإجراء التجارب بنفسه أو من خلال التنسيق مع الروبوتات المخبرية الاخرى، تفسير نتائج التجارب، تكرار هذة العملية مرارا حتى يتوصل الى نتيجة. دقة آدم وآليته في إجراء التجارب لم تكن السبب في إبهار مبتكرية قبل المجتمع العلمي، لان تلك هى السمات الاساسية لاى منظومة آلية عاملة داخل المختبرات، لكن القدرة على طرح الفرضيات العلمية والمنطقية بيتطلب درجة عالية من إدراك المنطق الشرطى ومنطق الاحتمالات المُغايرة، اى ماذا لو كانت الواقع على على تلك الصورة … آدم سرعان ما أبهر مصممية بحل لغز التوارث والجينات في الخميرة yeast genetics الذى حير العلماء والباحثين لعقود طويلة! الخميرة تحتوى على بروتينات تسمى الإنزيمات اللازمة لتحفيز العديد من التفاعلات الكيميائية الضرورية لآلية الحياة، هذة الانزيمات مشفرة في الحامض النووى للخميرة، لكن كان من العسير على العلماء ربط الإنزيمات بجينات محددة! د. كينج وزملاؤه أعطوا آدم قاعدة بيانات تحتوى على معلومات عن الأنزيمات والمواد الكيميائية وعينات من الخميرة اللازمة لإجراء التجارب، بعد جولات متعددة من التجارب والتحليلات، آدم وجد جينات الخميرة المسؤولة عن تشفير الانزيمات بشكل مستقل تماما، وقام العلماء بإجراء تجارب لأختبار النتيجة التى توصل إليها آدم التي ثبت بالفعل صحتها! .. تخيل عالم فية المعامل مليئة بمئات من الروبوت الشبيهة بآدم! … وقتها قد تخطوا البشرية خطوات سريعة تجاه أكتشاف حقيقة الطبيعة وحل لغزها خاصة ان كانت الفلسفة الطبيعية على حق في المقام الأول، وكل شئ يمكن تفسيره من خلال المادة وآليتها. الميكنة الآلية Automation لمهام البشر هو الهدف الطبيعي للروبوتات. وفي العقدين الأخيرين الميكنة تطورت بصورة مضطردة في العديد من المجالات، العلم لم يكن بعيدا عن هذا التطور، وهناك صور عديدة من الميكنة بداية من البرمجيات المستقلة التى يعتمد عليها الفيزيائيين بشكل يومي للتعامل مع مليارات من البيانات، تفسيرها و استنتاج قوانين عامة منها. ومع تطور مجال الذكاء الاصطناعي دخلت الروبوتات في مجالات عديدة بتطلب قدر عالي من الدقة والمهارة لاجراء الابحاث مثل الطب. في مقال رائع بعنوان ” الميكنة في العلم The Automation of Science” نشر سنة 2009 في مجلة العلم الأمريكية. د. روس كينج Ross D. King عالم الذكاء الاصطناعي و أحد مطوري آدم، قال ان آدم هو الرفيق المثالي للعمل بجانب البشر في المختبرات العلمية، على العكس من العلماء لا يتعب أو يفقد التركيز أثناء اداء مهام متكررة، وهو ليس مجرد خادم آلي غير قادر على طرح الفرضيات البديلة أو تفسير نتائج التجارب. على الرغم أن آدم لايزال نموذجاََ أوليا، إلا ان د. كينج وفريقه البحثي يعتقدوا ان النموذج الثاني لهم (أطلقوا علية أسم حواء Eve) سيكون أكثر كفاءة، دقة، وقدرة على إجراء التجارب العلمية .. وسيساعد العلماء في البحث عن عقاقير جديدة لمكافحة أمراض مثل الملاريا والبلهارسيا في وقت وتكلفة أقل. البحث مازال في بداياته والأمر قد يستغرق سنوات طويلة وأموال طائلة قبل أن نصل إلى منظومة آلية كاملة استبدال معظم العلماء اليوم، إلا أن العائد على البشرية ضخم ويصعب حتى تصوره. بداية من اكتشاف عقارات وعلاج للأمراض في غضون أيام بدلا من سنوات وعقود، مرورا بإرسال العُلماء الآليين إلى الفضاء والبيئات التي يتعذر على البشر الوصول إليها، حتى اكتشاف سر الكون ونشأته، بل وإنقاذ الحياة نفسها في يوم من الايام! .. لكن كي ينجح البشر في ميكنة العلم لابد أولا من فهم آليتة ووصف سر نجاحة بدقة كي نكون قادرين على برمجتها في الروبوتات، وهذا يبدأ فقط في فلسفة العلم.
مستقبل فلسفة العلم The Future of Philosophy of Science
ما هي القضايا الاساسية في مستقبل فلسفة العلم القريب؟ .. ماذا يجب أن يركز فلاسفة العلم طاقتهم حوله؟ .. بكل تأكيد إشكاليات طبيعة العلم، الاستراتيجية العامة لعمل العلم، وهيكل مجتمعاته العلمية كلها قضايا تستحق البحث الجاد. لكني سأختم السلسلة بطرح ثلاث قضايا أساسية محور تركيز كبير في العقد الأخير داخل رواقات فلسفة العلم. الأولى شديدة الارتباط بفكرة التحولات العلمية اللى طرحناها في حلقة “هيكل الثورات العلمية” .. ما هو الدور الذي تلعبه الأطر والنماذج والتراكيب المماثلة في فهمنا للنظرية في العلوم؟ هل يجب أن نتبع كون وكارناب في التمييز الحاد بين “مستويين” من التغيير داخل العلم؟ أم أن هذه صورة خادعة تخلق مشاكل بدلاً من طرح حلول؟. الإشكالية الثانية متعلقة بنظام المكافآت في العلوم ، والعلاقات بين الأهداف على مستوى الفرد والأهداف المجتمعية. حتى الآن الآراء الفلسفية حول هذا الموضوع تميل إلى تعميم الكثير ، وافترضت أن الفئة الأعظم من العلماء لديهم مجموعة مماثلة من الدوافع. بُناء على المُدخلات من علم اجتماع العلوم ، لكن القصة ينبغي أن تكون أكثر تفصيلاً. ما الاختلافات الموجودة بين الحقول المختلفة والثقافات الفرعية المختلفة في العلوم ، على سبيل المثال؟ هل الدوافع والغايات واحدة بين الأفراد؟ .. ما هو تأثير المؤسسات الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية على دوافع وأهداف الأفراد؟ .. ماهى العلاقة بين المنافسة والتعاون في العلوم؟ .. وغيرها من الاسئلة التى مازالت بلا إجابة مقنعة. وأخيرا الإشكالية الثالثة، هى العلاقة الغير واضحة ما بين النظريات العلمية والطبيعية، وتأثير اللغة على صياغة المعرفة العلمية، مثلا مفهوم الحقيقة ودورها المحوري في المعرفة العلمية! .. أو فكرة نماذج Models تجريد الواقع النظرية. حتى الان لا توجد نظرية فلسفية جيدة لتفسير تلك التمثيلات اللغوية وعلاقتها بالعلم. وهناك مساحة كبيرة من عدم اليقين والجدل داخل هذه المنطقة من فلسفة العلم. لكن بالرغم من هذا، من المؤكد أن بمقدورنا رؤية التقدم الذي تم إحرازه داخل فلسفة العلم في العقود الأخيرة. على سبيل المثال لا الحصر فكرة أن العلم مهتم فقط بوصف أنماط التجارب في الطبيعة تم تقريبا التخلي عنها وهجرها تماما. الواقعية العلمية Scientific realism تم تطويرها وتوصيفها من خلال نظريات أكثر تعقيدا. ودراسة اللغة وتأثيرها قلت بشكل ملحوظ داخل فلسفة العلم، وازداد التركيز بشكل واضح على النظريات حول بناء النماذج التجريدية كلبنة أساسية في منظومة العلم الحديث. نظريات الاختبار والدليل تم صياغتها بصورة أكثر وضوحا مقارنة بالنصف الأول من القرن العشرين. و فكرة النظر عن كثب في العلاقة بين هيكل المكافآت في العلوم والقضايا المعرفية محل الدراسة شهدت تقدم ملحوظ مؤخرا . هناك الكثير من التقدم بكل تأكيد، لكن مازال هناك الكثير!
القصة التى بدأنا بها مقتبسة بتصرف عن قصة الفيلم الأمريكي “الاتصال Contact” الذي أخرجه المخرج الامريكي روبرت زيماكس Robert Zemeckis عام 1997 وقامت ببطولته الممثلة الأمريكية جودي فوستر Jodie Foster. الفيلم مستوحى من رواية بنفس العنوان نشرت سنة 1985 للفلكي الأمريكي الباز كارل ساجان Carl Sagan (الذي كان من أبرز المساهمين في تبسيط علوم الفلك والفيزياء الفلكية وغيرها من العلوم الطبيعية في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان له دور رائد في تعزيز البحث عن المخلوقات الذكية خارج الكرة الأرضية.) .. من خلال قصة الفيلم حاولت أنقل لك صورة لصورة العلم قائم فقط على الادلة والتجربة. المدرسة التجريبية الطبيعية لاتقبل بأى صورة أخرى من الحقيقة إلا ان كانت مدعومة بمُلاحظة مادية او تجربة معملية قائمة على الأدلة والمنطق. لكن في بعض الاحيان قد نمر بالتجربة لكن نكون غير قادرين على تقديم الادلة والبراهين المادية، وقتها نعبر الخط الرفيع بين المعرفة والإيمان … ويعود سؤال البشرية الأزلي يطرق أبوابنا … أين الحقيقة؟!
فلسفة العلم .. هي أحد فروع الفلسفة الحديثة تهتم في الأساس بأسس وطرق وآثار العلوم. وأحد أهم الأسئلة والقضايا التي تطرحها هى لماذا يجب أن نثق في المعرفة العلمية؟ .. وعلى أى أساس تُبنى؟ .. ما هي طبيعة العلم وآلياته؟ .. والغرض النهائي من بحثه؟ … المواضيع التى تتقاطع بالضرورة مع فلسفة ما وراء الطبيعة، علم الوجود ، وفلسفة المعرفة. مواضيع فلسفة العلم تبقي وجودية طبيعية وتبتعد عن أسئلة القيمة والأخلاق التي أصبحت محل دراسة مجالات فكرية أو فلسفية أخرى. في حين أن الفكر الفلسفي المتعلق بالعلوم يعود إلى الحضارات المبكرة حتى قبل اليونانية، إلا أن فلسفة العلم ظهرت كمنظومة فكرية مستقلة ومتفردة داخل الفلسفة فقط في القرن العشرين في أعقاب حركة الوضعية المنطقية، التى حاولت صياغة معيار تقييم قائم على المنطق لتفريق العلم الحقيقي من الزائف. الى ان انتقل كارل بوبر من الوضعية الى وضع مجموعة حديثة من معايير المنهجية العلمية قائمة على قابلية الدحض والتخمين. وكتاب توماس كوهن بُنية الثورات العلمية كان النقلة التالية لتشكيل إطار العمل الفكري للعمل ومجتمعاتة! مُتحديا الرؤية الشائعة للعلم كمنظومة تراكمية للعلم ثابتة للتجربة المنهجية وبدلا من ذلك جادل أن التغيير في العلم مرتبط بالنماذج والثورات العلمية وتحولاتها الحاكمة للثقافة والتيار العلمي العام السائد داخل مجال بحثي معين. بعد طرح الثورات العلمية ظهر حركة ما بعد الثورات التي نادت بعبثية فكرة الطريقة العلمية زى ما طرح بول فيرابند، الذي دعى للسماح بكل صور البحث العلمي بما في ذلك المقاربات الغير طبيعية . وأخيرا ظهرت التيارات المُنادية بدراسة العلم من منظور اجتماعي كإستراتيجية بحث عن الحقيقة من خلال ضوابط وقواعد هيكل المُجتمعات العلمية. فلسفة العلم موضوع يهم كلا من الفلاسفة والعلماء! وبالتالى الفلسفة بتتعامل مع أسئلة العلم لم يتعامل معها بعد، او من الجائز لن يتعامل معها أبدا، والسؤال الاهم لماذا لا يستطيع العلم التعامل مع تلك الأسئلة؟! ..وجود اسئلة لا يستطيع العلم التعامل معها فى حد ذاته سؤال فلسفي! … الأمر الذي يجعل الفلسفة دراسة لا يمكن للعلماء الجادين تجنبها! مهمة فلسفة العلم الاساسية هى تحليل آليات وطرق عمل العلوم المختلفة، السؤال المهم قد يصبح لماذا تقع مهمة الاجابة على هذا التساؤل على عاتق الفلاسفة؟! بدلا من العلماء؟ … سؤال مهم، وأحد أهم جوانب الإجابة عليه، هو أن الفلسفة مؤهلة بأدوات البحث عن الحقيقة المنطقية والعقلانية التي تجعلها الطريقة المثلى للإجابة على هذا السؤال.
ودلوقتى .. فكر فى النظريات والتجارب العلمية اللى تعرض لها طوال حياتك؟ .. هل النظريات العلمية هي انعكاس حقيقي للواقع؟ .. أم أنها منتجات الإبداع الإنساني؟ .. هل نحن مسؤولون عما نعرفه اليوم؟ .. أم أن التجربة هي مصدر المعرفة الوحيد؟ .. ياترى ماهو سر نجاح العلم كإستراتيجية بحث عن الحقيقة؟ .. وهل يمكن وصف تلك الاستراتيجية بمعزل عن هيكلها الاجتماعي؟ … فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP55/EP55_2019_12_14.mp3
في الحلقات الجاية .. هنترك العلم وفلسفته ونعود لرحاب الفلسفة الواسع ومواضيعها المثيرة للعقول .. المواضيع متعددة وغنية بالمشاكل العقلية والقضايا الفكرية اللى قضت البشرية أجيال وقرون في البحث بين طياتها .. يمكن نتكلم عن المنطق .. الوجودية .. الصوفية .. أو حتى من الجائز معنى الحياة!
من دلوقتى للحلقة الجاية ..
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك:
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
https://goo.gl/GeKj3K
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
https://goo.gl/RRfoqg
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
https://goo.gl/DfrzG4
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
https://goo.gl/c2eosa
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
https://goo.gl/Dc53as
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
https://goo.gl/5khso5
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
https://goo.gl/BwQf5o
Scientific Realism الواقعية العلمية
https://stanford.io/2RKYOkC
http://bit.ly/2Pxv1uB
Empiricism التجريبية
http://bit.ly/2PRKvKG
Naturalism الطبيعية
http://bit.ly/2RPy84h
Edwin Smith papyrus بردية إدوين سميث
http://bit.ly/38ENgaz
Ebers Papyrus بردية إبيرس
http://bit.ly/38yA1Z7
Scientific Astronomy in Antiquity علم الفلك في العصور القديمة
http://bit.ly/38CbMJq
The Organon الأورغانون
http://bit.ly/2RRVoi1
Jābir ibn Hayyān جابر بن حيان
http://bit.ly/2LVPhFP
Ibn al-Haytham الحسن ابن الهيثم
http://bit.ly/2RYVPax
كتاب المناظر
http://bit.ly/2LUz3N6
Abū Rayhān al-Bīrūnī أبو ريحان البيروني
http://bit.ly/36BUvhQ
بحوث في تاريخ العلوم عند العرب
http://bit.ly/2srmfHb
Avicenna ابن سينا
http://bit.ly/2PNon3Q
underdetermination نقص إثبات
http://bit.ly/2KPemTE
theory-ladenness of observation المُلاحظة المُحملة بالنظرية
http://bit.ly/2Pxv4Xj
The Social Structure of Science الهيكل الاجتماعي للعلم
https://stanford.io/2rD8XHB
Royal Society of London الجمعية الملكية في لندن
http://bit.ly/2PPutAI
alchemy الخيمياء
http://bit.ly/2LWPAjD
Robot Scientist العُلماء الآليين
http://bit.ly/2PRLOt4
The Automation of Science الميكنة في العلم
http://bit.ly/2YMsYrj
Contact الأتصال
http://bit.ly/36Aw0kT
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Alan Silvestri Contact – Awful Waste Of Space
http://bit.ly/36yjrqn
Alan Silvestri Contact – The Primer
http://bit.ly/2RSM11J
Alan Silvestri Contact – Small Moves
http://bit.ly/36zpkDD
myuu – Nebula
http://bit.ly/2tjeDqA
Desert Sphinx
http://bit.ly/36zvDXW
Arabian winds
http://bit.ly/38J7sZ9
Saïd Chraïbi – Andaloussiyyat
http://bit.ly/38GQ0UM
myuu – Bittersweet
http://bit.ly/36EM1GL
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Look Out
http://bit.ly/2RPxxQ5
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Identity Crisis
http://bit.ly/2rMp5qa
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
By Ahmed Elmalt4.8
5252 ratings
تخيلي إنك عالمة فضاء تعملي في برنامج الحكومة الامريكية للبحث عن صور أخرى من الحياة في الفضاء، والدك دائما كان مثلك الاعلى وقدوتك، يمتاز بعقلية علمية تجريبية، لم يقتنع سوى بالادلة العملية والتحليلات المنطقية. وضعك قدمك على طريق العلم والحقيقة قبل ان يرحل عن العالم. عملك اليومي هو البحث في الفضاء باستخدام اللاسلكي عن أى موجات راديو من الكواكب الاخرى تتبع أنماط محددة من الممكن أن تكون مرسلة من كائنات عاقلة أخرى. نشأتك شكلت عقليتك بصورة لا دينية، لا تؤمني بما لا يمكن اثباته من خلال الادلة والتجارب العملية ، رفضتى الايمان بالله، الأرواح، الملائكة، والشياطين .. واى صورة أخرى من الإيمان لا يمكن إثباتها من خلال الأدلة العلمية. قاعدة الأبحاث اللى بتعملى فيها على جزيرة بورتو ريكو، هناك بتجمعك الصداقة بشخصية مختلفة جذريا عنك، لاهوتي وباحث في الانسانيات، اللى بيخبرك أنه عاكف على كتاب عن كيف فقدت البشرية المعنى في حياتها، وانه شديد التعجب بالرغم من التقدم الهائل الذي شهدته البشرية في المعرفة والعلوم الا اننا اصبحنا بعيدين عن بعضنا تربطنا صلات أضعف من التي ربطت أجدادنا ومازلنا تائهين في بحثنا عن الحقيقة والمعنى في حياتنا. ويخبرك أيضا أنه لم يكن مؤمنا طوال حياته، لكنه مر بتجربة غيرت مفهومة للحياة. بيصف تجربته بأنه شعر فيها بالانتماء، بالحب الغير مشروط من الله، وللمرة الأولى في حياتة شعر أنه غير خائف أو وحيد! .. بتردى عليا “مش من الجائز أنك مررت بتلك التجربة ببساطة لأن جزء نفسي داخلك أرادها؟” .. هيرد عليكى .. بانه شخص عقلاني، لكن تجربتة تخطت حدود العقلانية و المنطق. وللمرة الأولى رأى أن العقل بالرغم من أنه نعمة كبيرة للبشر إلا أنه مازال محدود وليس الطريقة الوحيدة لفهم الكون وكان عاجز عن تفسير تجربته التى بدت حقيقية تماما بالنسبة له. تخبرية بالرغم من وصفة الصوفي لتجربته، الا انك غير قادرة على تصديقه دون ان يقدم ادلة مادية لدعم تجربته. تمر الشهور وما زالت تبحثى عن الاشارات في الفضاء، الى ان تكتشفي انتى وفريقك البحثى إشارة من نجم فيجا المجاور، الاشارة عبارة عن متسلسلة من الأعداد الأولية prime numbers الظاهرة التي لا يمكن تفسيرها بشريا حتى الان، ده بيكون دليل بالنسبة لك على ان هناك كائنات عاقلة تحاول الاتصال بالبشر من نجم فيجا. الامر بيتطور سريعا ويتحول لقضية أمن قومى، بيجتمع مجلس الدولة في محاولة لتحديد الخطوات التالية. بتقومى انتى وفريقه البحثي بتحليل الرسالة المستقبلة قبل أن تكتشفي أنها تحتوي على 63 ألف صفحة من البيانات العسير تفسيرها، المشروع بيتم وضعة تحت اقصى درجات السرية، ويتم جمع فريق من علماء فك الشفرة والرياضيين لمحاولة فهم البيانات المدمجة في الرسالة. أخيرا بيتم فهم مضمون الرسالة اللى يبدو انها دليل تعليمات لبناء آلة من نوع ما .. انتى وفريقك البحثى بتخبرى مركز الامن القومى ان غالبا الكائنات الفضائية أرسلت تعليمات بناء آلة انتقال متطورة حتى يتمكن البشر من بناء وسيلة انتقال تمكنهم من الانتقال الى الفضاء للقاء الكائنات الفضائية في نجمهم. دول العالم بتساهم في جمع المصادر والعقول البشرية لبناء تلك الالة المتقدمة، تحضيرا لاول اتصال مع الكائنات الفضائية. القلق حيال تلك الالة انها مبرمجة بصورة ما لعملية نقل معقدة لمكان مجهول لفرد واحد .. بعد مباحثات بين أعضاء مجلس الأمن القومي يتم اختيارك كأفضل ممثل للبشرية للذهاب على متن الآلة في تلك الرحلة مجهولة المصير! .. في اليوم المحدد للرحلة بتدخلى كابينة المركبة بعد أن تودعي طاقم العمل الذي سيكون على اتصال بيكى طوال الرحلة. بتبدأ المركبة في الدوران بسرعة عالية، من داخل المركبة بتشعرى بسرعة دورانها قبل أن ترى من خلال نافذتها المركبة تسقط في حلقات تتحرك بشكل لولبي، بتوصفي شكل المسار الحلزوني الذي تنزلق بداخلة المركبة من خلال الصوت لفريق العمل .. بتقولى انه يبدو كثقب دودى wormhole سينقلك لبعد أخر. لكنك لايوجد أي تعليق من فريقك، يبدو ان الاتصال انقطع معهم. تزداد سرعة المركبة قبل أن تسقط في فضاء جديد لم تريه من قبلة به أربع نجوم ساطعة كالشمس يبدو انك في مجرة نجم فيجا. تقتربي من النافذة بترى نجوم قريبة بديعة، لم ترها عين بشرية من قبل، بتفقدى شعورك وتنساب دموعك قبل أن تفقدى الوعى تحت وطأة الضغط الشديد. بتفتحى عينك لتجدى نفسك على شاطئ بحر يبدو كالشاطئ فلوريدا اللى نشأتي فيها، لكنه اجمل مئات المرات، بتنهضى عند حركتك بتلاحظى ان كل حركة بتصدريها تحرك جزيئات الهواء من حولك ويمكنك رؤيتها! .. من بعيد تشاهدى صورة مشوشة لكائن ما بيحرك جزيئات الهواء متقدما تجاهك، أخيرا عند وقوفه أمامك بتكتشفى انه والدك المتوفى! .. بتقولى “أبي” .. بيرد وهو بيلمس وجهك “أفتقدتك” .. بتبكي وترتمي في أحضانه، بعد لحظات بتفقي من الحلم الجميل وتقولي له .. “مستحيل، انت متوفي، انتوا حملتوا ذكرياتى لم كنت غائبة عن الوعي، وانت مجرد صورة” .. هيرد “هى دى بنتى ذو العقلية العلمية .. ده صحيح .. احنا اعتقدنا ان دى سيسهل مهمة الاتصال الاول عليكي!” .. بيقولك ان الحضارة الانسانية مثيرة للاهتمام، لأن البشر شغوفين بالبحث عن الحقيقه، وان دى هتكون اول خطوة لأتصالات أخرى متكررة! .. قبل ما يختفي كل شئ في الظلام وبتسمعى ضوضاء عالية وأصوات فريقك البحثى وهما بيخرجك من المركبة .. بعد ما تستردى كامل وعيك تنصدمى لما تكتشفى ان رحلتك كانت مجرد أجزاء من الثانية غيبتى فيها عن الوعي، وأن المركبة لم تغادر القاعدة الارضية بالمرة .. وكل ماحدث، هو عطل ارتفع فيه ضغط المركبة وفقدتى الوعي .. بتخبريهم بتجربتك واتصالك بالكائنات الفضائية، بتحاولي البحث عن الرسائل المسجلة على المركبة، لكن لا أثر لأي شئ .. بتصرى على قصتك .. لكن فريقك البحثي بيقول لك .. انتى بتطلبي منا أن نصدق قصة بدون أدلة مادية، أو معملية .. هل من المفروض اننا نصدقك قصتك بالايمان .. نحن علماء .. التجربة والأدلة المادية هى كل شئ! .. بتقولي .. انا فعلا لا أقدر على تقديم الادلة المادية .. لكنى على يقين من تجربتي، لا أستطيع اثباتها او حتى تفسيرها .. لكن كل ما أعرفه كإنسانة، كل ما أملكه من عقلانية ورشد يخبرنى انها حقيقة! .. أنا مرت بتجربة رائعة، خارجة على حدود العقل، جعلتنى اشعر بضئل حجمنا في الكون، وأننا نتمنى لشئ ما أكبر منا .. اننا لسنا وحدنا في هذا الكون .. شئ خارج على حدود العقل والتجربة!
محاور
مهد المدرسة التجريبية، نشأة التجريبية الاستقرائية، التجريبية الطبيعية والواقعية العلمية، التجريبية الإصلاحية، العلم كهيكل إجتماعي، الهيكل التراكمي للعلم، تحديات المدرسة التجريبية، العُلماء الآليين، مستقبل فلسفة العلم
التطور في قواعد منطق عملية البحث العلمي وعقلانية المعرفة المكتسبة من خلالة لم تكن ابدا عملية مباشرة او حصرية على واحدة من الثقافات، الطريقة العلمية scientific method كانت ومازالت محل جدال ونقاش بين المفكرين، الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ. وجادل فلاسفة وعلماء طبيعيون حول أولية تأسيس منهج أخر للمعرفة العلمية مرات عديدة عبر تاريخ العلم القديم والحديث! .. لكن بغض النظر عن الخلافات حول المنهج، المجتمعات العلمية تقدمت بخطى ثابتة ومحددة عبر التاريخ لتشكل الصورة الحالية لمنهج البحث العلمي الحديث. التفسيرات العقلانية للطبيعة كالطبيعة الذرية لجميع الموجودات ظهرت في الهند القديمة واليونان، في حين رفضت المدرسة المادية الاستدلال inference كمصدر للمعرفة. أرسطو صاغ الطريقة العلمية بشكل محدد للمرة الأولي في اليونان القديمة إلى جانب علم الأحياء التجريبي وعملة الخالد حتى اللحظة في المنطق. ورفض بشكل قاطع إطار استنتاجي deductive بحت قائم على التعميمات من خلال الملاحظة. لكن بعض اهم المناقشات في تاريخ المنهج العلمي دارت حول العقلانية rationalism خصوصا بالصورة التى دعا اليها رينيه ديكارت Descartes وإشكالية الحث او الاستدلال inductivism التى برزت بشكل واضح مع نيوتن والثورة العلمية التالية علية. والجدال الدائر ما بين المدافعين والمناهضين للواقعية العلمية أصبح محورى في اى نقاش حول اى نظرية علمية توسع رقعة أفكارنا إلى عوالم وكائنات لايمكن مُلاحظتها! .. والمذهل أن في واقع الأمر كان هناك عدد من المناقشات الواضحة للطرق والآليات العلمية في سجلات الثقافات الاولي.
مهد المدرسة التجريبية The Cradle of Empiricism
معظم ما يمكن استنتاجه حول طريقة ممارسة العلوم في تلك الفترة نابع من أوصاف عملية البحث في الطبيعة من سجلات تلك الحضارات المبكرة. على سبيل المثال بردية إدوين سميث Edwin Smith papyrus (العائد تاريخها لعام 1600 ق.م وسميت نسبة الى مكتشفها عالم المصريات الأمريكي إدوين سميث) وتعد اول وثيقة طبية في تاريخ البشرية ومن المرجح أنها كتبت بواسطة الطبيب المصرى أمنحوتب. البردية تصف ثماني وأربعين حالة من حالات الجراحة التطبيقية تختلف من كسر في الجمجمة إلى إصابة النخاع الشوكي. وكل حالة من الحالات الواردة فيها مبحوثة بحثاً دقيقاً في نظام منطقي في عناوين مرتبة من تشخيص ابتدائي مؤقت ، وفحص ، وبحث في الأعراض المشتركة بين أمراض مختلفة ، وتشخيص العلة، والاستدلال بأعراضها على عواقبها وطريقة علاجها، ثم تعليقات على سطح المصطلحات العلمية الواردة فيها وشروح لها. ويشير المؤلف في وضوح لا نجد له مثيلا قبل القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن المركز المسيطر على الطرفين السفليين من أطراف الجسم كائن في المخ . ويعتبر المصريون القدماء هم أول من استخدم كلمة الدماغ في كتاباتهم و أول من عرضوا تشريحه. وتكلموا أيضا عن السحايا و السائل الدماغي الشوكي. البردية في الحقيقة تُظهر أوجه تشابه قوية مع الطريقة التجريبية الأساسية في العلوم. وذهب مؤرخ العلوم الطبية الانجليزى المعاصر جيفرى لويد Geoffrey E. R. Lloyd في ورقته البحثية المهمة اللى نشرها سنة 1979 “السحر، العقل، والتجربة: دراسات في أصل وتطور العلوم اليونانية Magic, Reason and Experience: Studies in the Origin and Development of Greek Science” جادل فيها ان تلك البردية كان لها عظيم الاثر في صياغة وتشكيل المنهج التجريبي العلمي في اليونان القديمة. أيضا بردية إبيرس Ebers Papyrus (أول بردية كتبت في تاريخ البشرية) وهى احدى البرديات الطبية المصرية التى اعتنت بمعرفة الاعشاب ويعود تاريخها الى 1550 ق.م اللى بدا المنهج التجريبي واضح بشدة في نصوصها.
بحلول منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين Mesopotamia، تطور علم الفلك البابلي Babylonian astronomy اللى بيعد اول الامثلة المعروفة في تاريخ البشرية لعلم الفلك. ووفقا لمؤرخ العلوم والرياضيات الدينماركي آسغر آبو Asger Aaboe في ورقتة البحثية اللى نشرها سنة 1974 “علم الفلك في العصور القديمة Scientific Astronomy in Antiquity” جميع صور علم الفلك اللاحقة سواء في العالم القديم، الهند، العالم الإسلامي، او الغرب هي مجرد جهود أكثر تخصصا قائمة على علم الفلك البابلي بشكل واضح في طرق تحديد مواقع الأجرام وحساب حركاتها. المصريين والبابليين الاوائل طوروا كثير من المعرفة والقواعد الاساسية للرياضيات المستخدمة في جميع العمليات المعرفية المرتبطة بدراسة السماء والنجوم وكذلك الطب، ووضعوا قوائم مختلفة لتصنيف دراستهم، ونتائج ابحاثهم، في حين ان البابليين على وجه الخصوص انخرطوا في الأشكال الاولي من العلوم الرياضية التجريبية في محاولتهم المبكرة لوصف الظواهر الطبيعية رياضيا. لكنهم افتقروا بشكل كبير للطرق العقلانية لفهم الانماط في الطبيعة. الفلاسفة اليونان القدماء شاركوا في الأشكال المبكرة لما يُعرف اليوم بالعلوم النظرية العقلانية، التى ادت الى انتقال نحو فهم أكثر عقلانية للطبيعة، الأمر الذي بدأ في أقل تقديراتنا ما بين 480-650 ق.م. الباحث الفينيقى تاليس Thales أول فيلسوف معروف استخدم التفسيرات الطبيعة الخالصة لتفسير الظواهر الطبيعية، معلنا أن كل حدث له سبب طبيعي، وبهذا يعد رائد المدرسة الطبيعية الاول، بالرغم من تناقل اقوال عنة تشير لاعتقادة في موجودات فوق الطبيعة مثلا في قولة “كل الأشياء مليئة بالآلهة”. ليوسيبوس Leucippus و Democritus من بعدة واصلوا المسار من خلال تطوير النظرية الذرية atomism وجادلوا ان كل الموجودات تتكون من عناصر دقيقة غير قابلة للتجزئة تسمى الذرات. نفس الافكار ظهرت بشكل مستقل بين فلاسفة الهند القديمة في مدارس نايا Nyaya، وفيسيسكا Vaisesika والبوذية Buddhist. وتكونت مدارس معرفية مادية شديدة التشكك في أن الادراك والحواس اساس المعرفة الحقيقية، وان الحقيقة المستدل عليها في الطبيعة دائما ما ستكون محل شك. وقرب منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، كانت هناك بالفعل بعض مكونات التقاليد العلمية راسخة، حتى قبل أفلاطون أحد المؤسسين للتقليد العلمي بفضل مساهمته في تطوير المنطق الاستنتاجي deductive reasoning، أرسطو نقل عن معلمة أفلاطون تدريسة الحساب، علم الفلك، والهندسة. وتحررت الأفكار الفلسفية في هذا الوقت من قيوم الظواهر اليومية والحس السليم.
طريقة أرسطو الاستدلالية الاستقرائية inductive-deductive استخدمت الاستدلال من المُلاحظات لأستنباط مبادئ عامة، والاستنتاج من تلك المبادئ للتحقق من المزيد من الملاحظات، ومزيد من دورات الحث والاستنباط لمواصلة تقدم المعرفة. الأورغانون The Organon هى مجموعة كتب أرسطو في المنطق، أورغانون مصطلح إغريقي يعني الآلة. أتباع أرسطو اطلقوا عليها هذا الاسم لان أرسطو أعتقد أن المنطق هو آلة العلم ووسيلته للوصول إلى الحقيقة. ما بين الأورغانون وكتاب الميتافيزيقا Metaphysics أرسطو قدم ما يمكن أن يسمى بالطريقة العلمية، وقدم بوضوح أحد أهم مكونات التقليد العلمي – التجريبية empiricism – اللى جادل في طرحها أن يمكن معرفة الحقائق الكونية من خلال عملية الحث أو الاستدلال induction. بصورة ما أرسطو حاول التوفيق ما بين الأفكار التجريدية والمُلاحظة في الطبيعية، من المهم اني اؤكد لك ان من الخطأ الاعتقاد ان العلوم الارسطية كانت تجريبية، في الواقع أرسطو لم يقبل المعرفة المكتسبة عن طريق الاستقراء كمعرفة علمية حقيقية. ومع ذلك عملية الاستقراء بالنسبة له كانت تمهيد ضروري للعمل في مجال البحث العلمي لانها توفر المبادئ الاساسية اللازمة للعمل العلمي. واعتبر ان عمل الفيلسوف الطبيعي هو إظهار الحقائق العلمية واكتشاف أسبابها، وبالرغم من ان الاستدلال كان عملية كافية لاكتشاف الكون من خلال التعميم، إلا أنه كان غير كافي لتفسير الأسباب وراء تلك الظواهر! .. أرسطو استخدم الاستنتاج المنطقي deductive reasoning لحل تلك الاشكالية وطرح هذا الاستنتاج المنطقي في صورة أصبحت معروفة في المنطق بالقياس syllogisms. من خلال القياس يمكن للعلماء أن يستنتجوا حقائق عالمية جديدة من الحقائق التي تم تأسيسها بالفعل. أرسطو طور مقاربة معيارية كاملة للبحث العلمي قائمة على القياس المنطقي، الصعوبة في طرحه كانت في إظهار أن الحقائق المشتقة قائمة على فرضيات أساسية قوية وثابتة. لكن في واقع الأمر مازال هناك خلاف حول مدى تجريبية طريقة أرسطو، بالتحديد يبدو انه اعتبر الإدراك الحسي وسيلة للمعرفة من خلال الحدس، وقصر أبحاثه في التاريخ الطبيعي على بنية الطبيعة. وحسب ما توصل الى علمنا أرسطو لم يجرى اى تجارب علمية بالمعنى الحديث للعلوم التجريبية اليوم. لكن بصياغته للبنات الأساسية للعقلانية العلمية أرسطو إلى حد ما أقرب من سابقيه الى العلوم التجريبية.
نشأة التجريبية الاستقرائية Emergence of Inductive Empiricism
خلال العصور الوسطى بدأت معالجة القضايا التى أصبحت لاحقا تعرف بمشاكل العلوم. وكان هناك تركيز كبير على الجمع ما بين النظرية والممارسة العملية في العالم الإسلامي، مقارنة بما كان عليه الحال في العصور الكلاسيكية السابقة عليه، وكان من الشائع جدا في العصر الذهبي للإمبراطورية الإسلامية أن الدارسين للعلم ان يكونوا أيضا من أهل الحرفة والصنعة. الأمر الخارج على المألوف في العالم القديم. العلماء في الدولة الاسلامية غالبا كانوا محترفين في صناعة الأدوات ، الأمر الذى زاد من قدراتهم على على استخدام تلك الأدوات في المُلاحظة والقياس. واستخدم العلماء المسلمين التجربة والقياس الكمي للتفضيل ما بين النظريات المتنافسة ووضعها في إطار تجريبي عام كما كان واضح في أعمال جابر بن حيان Jābir ibn Hayyān الكندي Alkindus. وهكذا تدريجيا بحلول القرن الحادى عشر ظهرت العديد من الأساليب العلمية من العالم الإسلامي في العصور الوسطى والتى أكدت جميعها على التجريب والقياس الكمي بدرجات متفاوتة. في الحقيقة الأمثلة كثيرة ومتعددة على تجريبية العلماء المسلمين في العصر الذهبي ومن صعب حتى عدها سريعا، لكن على سبيل المثال أحد الامثلة المُهمة هو كتاب المناظر المكون من سبع مُجلدات في مجال البصريات، الفيزياء والرياضيات الذي ألفه العلامة العالم المصرى الحسن ابن الهيثم في مصر وهو تحت الإقامة الجبرية بين عامي 1011 و 1021 والذى يعد علامة فارقة في تاريخ تطور علم البصريات.و وضع أسس البصريات الفيزيائية الحديثة بعد أن غير جذرياً طريقة فهم الضوء ورؤية الأشياء وفي العلم بشكل عام وُضِعت مقدمة في المنهج العلمي التجريبي كنتيجة لذلك. وُصِف ابن الهيثم “بأبي الفيزياء الحديثة” و”رائد المنهج العلمي الحديث” ومؤسس “الفيزياء التجريبية”، ووصفة البعض بـ”العالم الأول” للأسباب التالية: صُنف هذا مع كتاب إسحاق نيوتن فلسفة المبادئ الرياضية الطبيعية كأكثر الكُتب تأثيراً في علم الفيزياء وأكبر عامل في تطوير علم البصريات والإدراك البصري. ابن الهيثم جمع في كتابه بين الملاحظات، التجارب، والحجج المنطقية لدعم نظريته في التطفل في الرؤية intromission theory of vision، التي جادل فيها أن أشعة الضوء تنبعث من الأشياء وليس من العيون. واستخدم حججا تجريبية ومنطقية لإظهار أن نظرية الانبعاث القديمة للرؤية التى دعمها كل من بطليموس Ptolemy و إقليدس Euclid والتى جادلا فيها أن أشعة الأبصار تنبعث من العين. وكذلك طرح تجارب عملية ومنطقية لدحض نظرية الانخراط القديمة التى دعمها أرسطو Aristotle ورأى فيها أن الاشياء ينبعث منها جزيئات مادية دقيقة جدا تتجة الى العين تسبب الرؤية. الادلة التجريبية التي طرحها ابن الهيثم في كتابه للبصريات دعمت جميع أطروحاته النظرية، وأسست لنظرياتة عن الرؤية، الضوء، واللون. وفي الحقيقة ابن الهيثم نظر الى دراساته العلمية على أنها بحث عن الحقيقة، فالحقيقة مطلوبة فقط لذاتها! .. ابن الهيثم خمن في أعماله بأن الضوء ينتقل عبر أجسام شفافة في خطوط مستقيمة فقط، وتمكن من تأكيد تلك الفرضية بعد سنوات مضنية من البحث التجريبي. وكتب ان حال إجراء تجربة يلاحظ فيها دخول الضوء من خلال ثقب الى غرفة مظلمة سيكون مسار الضوء مستقيما كما يبدو واضحا في انعكاسه على الغبار الذي يملأ الهواء. وقام بإجراء تجربة بوضع عصا مستقيمة وخيط مستقيم مشدود بجوار شعاع الضوء لإثبات فرضية. كما استخدم ابن الهيثم الشك العلمي وأكد على الدور الجوهري الذي تقوم به التجربة في التوصل للحقيقة. وشرح دور الاستنباط induction في عملية القياس المنطقي syllogism. وانتقد أرسطو لانة لم يساهم في طريقة الاستنباط المنطقي التى رأى ابن الهيثم انها متفوقة على طريقة القياس المنطقي التى أسهب أرسطو تفصيلها والاعتماد عليها. واعتبر ان الاستدلال هو شرط أساسي في عملية البحث العلمي الحقيقي. أيضا لو دققت النظر في ثنايا كتاب المناظر لابن الهيثم ستجد بدايات مبكرة لفكرة شفرة أوكام Occam’s razor قبل أوكان بقرون. على سبيل المثال بعد إثباته أن الضوء يتولد عن الأشياء المضيئة وينبعث منها أو ينعكس في العينين، يجادل ابن الهيثم ان فكرة انبعاث الاشعة البصرية من العين تصبح فكرة زائدة عن حاجة التفسير ولا فائدة منها! … بعض مؤرخي العلم ذهب أيضا الى أن ابن الهيثم قد يعد أول أوائل علماء الوضعية positivism في تاريخ البشرية، لانة جادل بوضوح في المناظر بأننا معرفتنا الحق لايمكن ان تتخطى حدود تجربتنا ولا يمكن أن نقيمها فقط على المفاهيم والمبادئ النظرية عندما نحاول فهم الظواهر الطبيعية، والرياضيات هى عمود العقل في صياغة المُلاحظة والتجربة. وفي الحقيقة ابن الهيثم كان أحد العلماء المسلمين القلائل الذي طبق مبادئه الفلسفية على عملة العملي. فبعد افتراضه أن الضوء هو مادة توقف عن طرح نظريات أو مناقشات متعمقة في طبيعته لان الادوات التجريبية لم تتوفر في عصره لهذا البحث، بل حصر تحقيقاته في حركة الضوء وانتشاره، وأخذ في الاعتبار فقط خصائص الضوء التي يمكن دراستها بالهندسة والتحقق منها بالتجربة!
مثال أخر مضئ من العصر الذهبي للدولة الإسلامية في القرون الوسطى، هو العالم الفارسي أبو ريحان البيروني Abū Rayhān al-Bīrūnī الذى طور أساليب علمية مبكرة للبحث العلمي في مجالات علمية مختلفة ما بين سنة 1020 و 1030. على سبيل المثال لا الحصر أطروحاته حول علم المعادن في كتابه الخالد الجماهر في معرفة الجواهر. والبيروني يعد أدق العلماء التجريبيين التي عرفتها الانسانية. وطور طريقة تجريبية مبكرة في علم الميكانيكا. وفي الحقيقة أساليب البيروني تشبة المنهج العلمي الحديث بطريقة ملفتة للنظر، خصوصا في تأكيده على ضرورة التجريب المتكرر، واهتمامه الشديد بمنع الأخطاء المنهجية والتحيز عن المُلاحظة مثل الأخطاء الناجمة عن استخدام أدوات صغيرة والأخطاء البشرية المُرتكبة عند المُلاحظة. وجادل أن لو كان من الجائز أن تتسبب الأدوات في حدوث أخطاء بسبب عيوب فنية أو أخطاء صناعية إذن لابد من أخذ ملاحظات وقرائات متعددة وتحليلها نوعيا وعلى هذا الاساس نصل لقيمة فردية منطقية للثابت المطلوب. في الحقيقة البيروني كان نموذج حي لعقلية العالم الحديث عامل ومنتج في العصور الوسطى، وعدة الكثير من الدارسين العرب والغربيين كأعظم العقول العلمية التى عرفها التاريخ كما أشار المستشرق الألماني إدوارد ساخو Eduard Sachau 1887. وذهبت د. يمنى طريف الخولي في كتابها المُهم “بحوث في تاريخ العلوم عند العرب” إلى أن البيروني قد وضع يده على مفتاح العلم … “فالمنهج هو دماء حياة العلم والقوة المثمرة الوَلود إياه. النظريات قد يرسو بها المطاف في متاحف التاريخ. أما المنهج — أسلوب البحث المنضبط حين يتبلور — فإن تطبيقه يؤدي إلى النتائج تلو النتائج فيُصَحِّح بعضُها بعضًا ويفوق سابقَها لاحقُها، ليذوي هذا السابق، ومع توالي الممارَسات المنهجية يُصْبِح هذا اللاحق بدوره سابقًا يومًا ما، وهكذا دواليك … “
وأخيرا الشيخ الرئيس ابن سينا Avicenna (Ibn Sina) في عملة الخالد كتاب الشفاء الذي نشره سنة 1027 ناقش فلسفة العلوم ووصف طريقة مبكرة للبحث العلمي. ويمكن من أهم النقاط التي ركز عليها ابن سينا في بحثة هو الاجراءات المناسبة للبحث العلمي وكيف يكتسب المرء المبادئ الأولى للعلم؟ .. وتسائل كيف يمكن للعالم أن يجد البديهيات الأولية أو فرضيات العلم الاستنتاجى دون استنباطها من بعض المبادئ الأساسية؟! .. وفسر أن عند أدراك الفرد لأن العلاقة بين المصطلحات قد تتيح يقين مطلق للمعرفة. وأضاف طريقيتين أخريين لإيجاد المبادئ أو البديهيات الاولي، الاولي هي الطريقة الأرسطية للاستقراء induction والطريقة الحديثة هي الفحص والتجريب. وأنتقد ابن سينا الاستقراء الأرسطي بحجة انه لا يؤدى إلى المطلق والكوني. ودعا الى طريقة التجريب كوسيلة البحث العلمي الحق! .. وفي كتابه السابق القانون في الطب نشرة سنة 1025 كان ابن سينا أول من وصف أسس الاتفاق والاختلاف التي تعد ضرورية للمنطق الاستقرائي والطريقة العلمية.على العكس عن الطريقة العلمية لمُعاصرة البيروني الذي رأى أن الثوابت من الممكن الحصول عليها من خلال العمل العلمي التجريبي فقط، وان النظريات يمكن صياغتها بعد الاكتشافات فقط .. ابن سينا وضع إطار عمل علمي فيه الاسئلة العامة والكونية جاءت في المقام الأول وقادت العمل التجريبي في المقام الأول! ونظرا للفرق الجوهري في طريقة البحث العلمي فيما بينهم أشار البيروني إلى نفسة كعالم رياضيات وابن سينا كفيلسوف خلال أحد المراسلات بين هلالين الحادة والعنيفة في بعض الاحيان التى دارت بينهم لفترة من الزمن، تفاعل فيها البيروني مع عقلية الشيخ الرئيس الموسوعية حتى عزف ابن سينا عن مُواصلتة، لكن هذة قصة لمرة أخرى.
التجريبية الطبيعية والواقعية العلمية Naturalistic Empiricism and Scientific Realism
في جولتنا الفلسفية عبر دروب فلسفة العلم مررنا بقرن من الزمان تقريبا من المفكرين، والعلماء، المدارس، و العديد الأفكار الفلسفية. لكن هناك 3 أفكار رئيسية خيمت على رحلتنا. التجريبية empiricism، الطبيعية Naturalism، والواقعية العلمية Scientific Realism. وكما رأينا الصور الثلاث لها ما لها وعليها ما عليها، من المؤيدين، الداعمين، المراقبين، والناقدين. وكلا منها بدأ بطرح ادعاء قوى انها قادرة على طرح تفسير كامل لتفسير الطبيعة والواقع في مجملة.لكننا لم ندرس إمكانية طرح تكاملى ما بين الأفكار الثلاثة! .. لكن كيف من الممكن وضع تلك النظريات الثلاثة في تكاملية في حين أن بعضها ان لم تكن كلها تتضارب في كثير من جوانبها مع بعضها البعض. المدرسة التجريبية تاريخيا ادعت أن مصدر المعرفة الوحيد عن العالم والوجود هو التجربة. أما المدرسة الطبيعية ادعت ان الامل الوحيد لحل الإشكاليات الفلسفية بما في ذلك المشكلة المعرفية هو من خلال وضعها في إطار علمي طبيعي. أما الواقعية العلمية ادعت أن العلم قادر على وصف هيكل وبنية الواقع بما في ذلك التركيبات الخفية الغير مُدركة بالحواس. ياترى فين المشكلة في وضع تلك الأفكار الثلاثة في صورة نظرية واحدة لتفسير الواقع؟! .. في غالب الاشكالية قابع على جانب المدرسة التجريبية. زى ما شفنا في حلقة (إشكالية المنطق و التجريبية) الإشكالية الكبرى اللى واجهت التجريبية هو أن كل محاولات تفسير الواقع فقط من خلال التجربة قابلتها صعوبات وتبعيات كان من الصعب التعامل معها. الصورة التقليدية للمدرسة التجريبية بشكل خاطئ تصورت ان العقل حبيس خلف حجاب الافكار والاحاسيس، إن كانت التجربة الحسية هى كل نملك للوصول للواقع. كيف من الممكن أن نكشف الأفكار الخادعة المُكونة في عقولنا عن الواقع. في أقصى الصور تطرفا من المدرسة التجريبية أُعتقد ان اى شئ خارج نطاق التجربة الإنسانية غير مطروح بالمرة كمصدر للمعرفة. لكن حتى في الصور الاكثر اعتدالا من الصعب تفسير كيف من الممكن أن تدعم المدرسة التجريبية نظرية علمية قائمة على وجود تركيبات أو كائنات غير مُدركة بالتجربة. وبالتالي الصورة العامة للمدرسة أصبحت أن العلم مهتم فقط بملاحظة الأنماط المُلاحظة بالتجربة. وفي العقود الاخيرة هناك حالة من الاحتدام اشتعلت ما بين أتباع المدرسة التجريبية والواقعية العلمية معروفة في أدبيات فلسفة العلم ب ” نقص إثبات النظرية بالدليل the underdetermination of theory by evidence” التجريبيون بيجادلوا ان دائما ما سيكون هناك عدد من النظريات البديلة متوافقة مع الادلة المطروحة على صحة نظرية ما. وبالتالي لن يكون لدينا ابدا ارضية تجريبية لتفضيل نظرية ما على أخرى واعتبارها انها تمثيل حقيقي للواقع. وان لم يكن لدينا ارضية تجريبية لتبرير لماذا نظرية ما هى الادق والاصح في تمثيل الواقع بالتالي لايوجد لدينا ارضية بالمرة! .. المدرسة التجريبية أيضا ليست على وفاق مع المدرسة الطبيعية، بالنسبة لكثير من التجريبيون بما اننا قادرين فقط على الوصول لأفكارنا وتجاربنا الفردية إذن لابد وأن تكون تلك نقطة البداية عند تكوين اى نظرية فلسفية للمعرفة. لكن الطبيعيين يجادلوا ان دى فكرة غير جيدة. هذا بالإضافة لان فلاسفة الطبيعية جادلوا أن الأفكار التجريبية ماهي الا مجموعة من التخاريف لان بالنظر لطريقة عمل العلم في الواقع من غير الممكن الاعتماد على التجربة فقط للفصل ما بين الأفكار والنظريات العلمية، ده غير ان التجربة ليست عامل مُحايد من وجهة نظرهم زى ما شفنا في جدلية المُلاحظة المُحملة بالنظرية theory-ladenness of observation (أرجع لحلقة إشكالية العلم). وأخيرا بالرغم من أن العلاقة أفضل كثيرا ما بين المدرسة الطبيعية والواقعية العلمية، كما توقعت. لان من غير المنطقي ان تكون رؤيتك طبيعية للوجود والواقع ولا تعتنق رؤية علمية لتفسيرة أفضل الطرق البشرية لمعرفة الطبيعة والواقع. الا ان هناك بعض الأصوات داخل عباءة المدرسة الطبيعية تدعو لهجر الخرافة الداعية ان العلم على صلة مباشرة بالواقع!
التجريبية الإصلاحية Reformed Empiricism
التجريبيون زى ما شفنا بيتعاملوا مع العقل على أنه محجوز خلف حجاب الأفكار في وصوله لحقيقة العالم. الاحاسيس، والمشاعر، والأفكار بتمنع العقل من الوصول لحقيقة العالم وبدلا من هذا تخلق صورة افتراضية. لكن هناك عدد من الفلاسفة الان بيعتقد ان تلك الصورة غير دقيقة، ومن السهل ان نقع في فخها عند التفكير بشكل عام في دور التجربة تشكيل معتقداتنا، أو بشكل محدد حول دورها في العلم. والفكرة دى من السهل تتبعها في فلسفة العلم، فيها الواقع ذو وجهين، وجهة التجربة وعالم المحسوسات، و الوجهة النظرى الغامض البعيد عن المحسوسات. كيف اذن من الممكن ان نحدد دور التجربة في العلم، ان كان هناك وجهة غير محسوس او قابل للاكتشاف من خلال التجربة. في الرؤية الطبيعية، البشر كائنات بيولوجية في عالم فيزيائى تطورنا كي تتعامل معة. كل صور الحياة البشرية بما في ذلك الصور الاجتماعية المعقدة والمتشابكة منها قائمة على درجة ثابتة من التفاعل السببي مع البيئة المحيطة بنا. سواء من الآليات الابصار، للسمع، للحس،الخ من الآليات اللى بنعتمد عليها لتنظيم عملية التعامل مع الطبيعة. الآليات دى بتستجيب لصور مختلفة ومتعددة من المحفزات اللى بتسببها الأشياء، الكائنات، والأحداث في الطبيعة. داخليا من المستحيل اننا نقدر نصل لليقين في المعرفة المكتسبة عن طريق حواسنا، لكن من الممكن اننا نضع تصور لكيفية عمل تلك الاليات وكيف تساعدنا في الوصول لصورة من المعرفة عن الواقع. حتى الان الفرضية ليس لها علاقة بالعلم او حتى البشر بشكل محدد، الادعاء عام بالنسبة لجميع الحيوانات بل صور الحياة بشكل عام، انها بتستخدم الاليات البصرية للتكيف مع البيئية المحيطة. لكن الفكرة البسيطة والبديهية دى قد تكون كافية لتجنب إشكالية الوصول لحقيقة العالم. من الجائز ان لابد لنا ان نتجتنب رؤية العالم كصورة مزدوجة من المحسوسات والمجردات! .. آليات الاحساس بتعطينا جسر للتفاعل مع الواقع، وصولنا للواقع من خلال الافكار والنظريات في واقع الامر هو نوع من التفاعلات السببية المركبة والمعقدة مع الواقع. ومع تطور اليات تفاعلنا مع الواقع من خلال التطور التقني والعلمي يتزداد قدرتنا على الاتصال بالواقع والمعرفة اللى بنكتسبها رقعتها تتسع، وبالتالي اجزاء من الواقع والطبيعة في وقت ما ستكون قدرتنا على الوصول لها محدودة وبالتالي الاستنباط الغير مباشر هو احد افضل السبل لوصفها والتعامل معها حتى تطور الاليات ادراكنا. يعنى مثلا الجراثيم في وقت ما كانت نظرية تقع تحت الجانب الغير مُدرك او المجرد في معرفتنا عن الواقع، لكنا مع تطور اليات الادراك اصبحت تلك المعرفة مدركة وانتقلت للجانب المدرك او الحسى من المعرفة البشرية.
فكر مرة تانية في إشكالية ” نقص اثبات النظرية بالدليل the underdetermination of theory by evidence”، التجريبيين كانوا دائما في قلق من فكرة أن دائما ما ستكون هناك نظرية اخرى بديلة منافسة تصف المُلاحظات في الطبيعة وبالتالي دائما ما سيكون هناك نقص إثبات. لو القلق ده مُبرر، كيف من الممكن ان يكون عندنا امل في الوصول لمعرفة حقيقة للأجزاء الغير مُلاحظة من الواقع؟ .. نفس المشكلة قائمة مع الكائنات القابلة للمُلاحظة، آليات الاحساس لدينا هي الاساس في صنع الأحكام المعرفية حول الأشياء في الطبيعة بل والواقع نفسة بالرغم من أن تلك الآليات تتأثر فقط بالمُحفزات المُباشرة كالصوت والضوء مثلا. من حيث المبدأ دائما ما سيكون هناك، تصورات بديلة للكائنات والأشياء في الواقع بالرغم من تلقيها من خلال نفس المُحفزات، اى ان نقص الإثبات دائما ما سيكون موجود. وبالرغم من هذا سنكون دائما قادرين على صنع حكم حول طبيعة الواقع وحقيقته من خلال تلك الآليات! .. وبدراسة آليات الإدراك الحسي بشكل علمى كلما تطورت التقنيات والآليات العلمية، من الممكن أن تتأكد من درجة الموثوقية في الأحكام الصادرة عن تلك الآليات. نفس الفكرة من الممكن تطبيقها على الاستدلال وآليات صنع النماذج في العلم نفسه. بداية بالتساؤل ماهى درجة الثقة في المعرفة التى من الممكن تحقيقها، باستخدام الآليات المختلفة للاستدلال وصنع النماذج.التركيبات، والكائنات المستنبطة التي لا يمكن الوصول اليها الا من خلال بناء النماذج التخمينية، مع مرور الوقت يصبح من الممكن التوصل اليها ودراستها تصبح روتينية. على سبيل المثال التركيبات الجينية للكائنات الحية، ظلت لفترة طويلة رهينة النماذج التخمينية النظرية، وكان من غير الممكن الوصول اليها او إدراكها بالحواس، لكن مؤخرا من خلال تقنيات تسلسل الحمض النووى DNA sequencing technologies اصبح من الممكن إدراكها وأصبحت دراستها روتينية في العلم. التغير الدائم لتلك الحدود ما بين ما يمكن ادراكة وما لايمكن ادراكة، من الممكن النظر الية كآلية تقييم لأداء العملية العلمية وادواتها بشكل عام. لان من الممكن ان نعود للنماذج التى تم تطوريها عندما كانت تلك الكائنات غير مدركة ونعيد تقيمها، وبشكل عام تحديد المبادئ التى قادتنا لنماذج جيدة وتجنب الطرق والاليات التى قادت لنماذج غير جيدة او لم تنجح في وصف الواقع بدقة. مثلا مبدأ تفضيل النظريات الابسط، هل فعلا يقود الى خيارات جيدة تصف الواقع بدقة كما يدعى غالب الفلاسفة والعلماء؟ .. القاعدة التى ستقوم عليها عملية تقييم الاليات والطرق بالضرورة ستكون قائمة على دراسة وفهم تاريخ العلم. لان من خلال تلك الدراسة نستطيع تأمل عمل الطرق والمبادئ المختلفة ونتائج اعتناق العلماء والهيئات البحثية لها. الامر اللى اتمنى ان يكون كان واضح بالنسبة لك من خلال حلقات فلسفة العلم، تقريبا بدون إستثناء كل الأفكار والنظريات الفلسفية حول العلم وطريقة عملة وآلياته زى بوبر وكوهن، قائمة على دراسة تاريخ العلم نفسه.
لكن ياترى ما هو الأمر المميز في العلم نفسه؟ .. البشر في مجموعها تشترك في نفس وسائل الاتصال بالواقع كنتيجة طبيعية لاشتراكها في نفس الطبيعة البيولوجية لكن بالرغم من هذا هناك فروق جذرية في كيفية البحث عن حقيقة الواقع وطبيعتة ما بين الافراد بل وحتى الجماعات البشرية المختلفة. بالرغم من أن كل البشر تتشارك في نفس آليات التفكير (المخ)، وآليات الادراك (السمع، الشم،الابصار، الخ)، الا ان هذا لا يمنع اختلافهم جوهريا في تكوين معرفتهم حول العالم. أحد المناطق الأساسية في الاختلاف هي الأفكار الكبرى، النظريات الكبرى، والفرضيات التفسيرية للعالم!، على العكس مثلا من الطريقة اللى بيتعاملوا بها في حياتهم اليومية! .. من الجائز أن التركيب البيولوجي المُشترك ما بين البشر بيدفعها ان تكون عملية وبراجماتية في تأمين الاحتياجات الأساسية المسكن، الشراب، الطعام، الخ. لكنة هذا التركيب غير ناجح في وجود نظريات تفسيرية مشتركة حول موقعنا في الوجود. احد الرؤى الاختزالية التبسيطية للعلم التى اعتقد انها ناجحة الى حد كبير في فهمة، هو النظر إليه كإستراتيجية strategy .. تحت هذا المفهوم العلم هو استراتيجية لعرض الافكار والاشكاليات النظرية الوجودية الكبرى على آلية اختبار من خلال المُلاحظة والتجربة. تلك الآلية ليست مفروضة علينا بالطبيعة البشرية كالاليات البيولوجية، زى اللغة، أو قواعد المنطق الأساسية، او حتى قوانين الفيزياء الطبيعية. لكنها إستراتيجية اختيارية. الأفراد، الجماعات، الثقافات، والشعوب المختلفة تلجأ لها في محاولة للوصول الى اتفاق حول الأفكار والنظريات الكبرى. تلك الإستراتيجية العلمية تتمثل في تفسير الأفكار ، ودمجها في الأطر المحيطة (البشرية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الخ) ، وتطويرها ، بحيث يتم البحث عن التجربة حتى في حالة الفرضيات الأكثر عمومية وطموحًا حول الكون. وجهة النظر العلمية هذه هي نوع من التجريبية. لو فاكر في الحلقة الاولي من سلسلة فلسفة العلم (إرجع لحلقة إشكالية العلم) .. طرحت عليك تعدد إستخدام وتفسير مُصطلح “العلم” .. هناك صور متشعبة ومتعددة لمصطلح العلم بمفهومه الضيق والواسع.من الممكن رؤية فكرة العلم كإستراتيجية كمفهوم واسع للعلم على النقيض من الطرق المحددة لعمل تلك الاستراتيجيات كمفهوم ضيق للعلم.بشكل عام العلم ماهو الا استراتيجية تقييم الأفكار البشرية الكُبرى من خلال عرضها على التجربة. لكن الثورة العلمية وما تبعها طورت طريقة محددة للقيام لتطبيق الاستراتيجية وتنظيم الجماعات البشرية والهيئات الاجتماعية حولها. مُصطلح العلم قد يستخدم ايضا في مفهومه الضيق للإشارة لتلك المنظومة الاجتماعية social organization. بداية المفهوم الواسع للعلم كإستراتيجية لعرض الأفكار البشرية الكبرى على التجربة، من الممكن لأي شخص بمفردة أن يطبق تلك الاستراتيجية، مثلا قد يقوم الفرد بوضع برنامج خاص محدد لوضع فرضيات معينة في مجال محدد وتقييم تلك الأفكار من خلال الاختبار والمُلاحظة. وقد يدير الفرد حوار خيالي داخلى ما بين مؤيد ومعارض للفرضية. هذا الفرد يرفض الثقة في الحقيقة المنقولة من الآخرين، ويحاول الاقتراب من الحقيقة قدر المُستطاع مُعتمدا فقط على تجربته الخاصة. هذا الفرد يُدرك الواقع من خلال إستراتيجية معرفية قائمة على الفرضية، الاختبار والمُلاحظة .. أو ببساطة إستراتيجية علمية! .. هذة طريقة ممكنة لتطبيق الاستراتيجية العلمية، لكن بدون شك بعيدة كثيرا عما يحدث في الواقع. الواقع الذى تم صياغته وتشكيله بعد الثورة العلمية الحديثة وما تبعها في نهايات القرن السادس عشر. لو هدفنا هو فهم تلك الاستراتيجية، بالتالى لابد لنا من التركيز على تطور وتركيب المنظومة الاجتماعية لتطبيق تلك الاستراتيجية العلمية.
الهيكل الاجتماعي للعلم The Social Structure of Science
السمات المميزة للعلم كهيكل إجتماعى من الممكن فهمها من خلال بُعدين أساسين. الأول زمني حول منظومة العمل في توقيت معين، العلم طور نظامًا للمكافآت وثقافة داخلية تولد مزيجًا فعالًا من المنافسة والتعاون، وتقسيمًا مفيدًا للعمل العلمي عبر الطرق والأجزاء المختلفة لحل مشكلة ما. العلم من الممكن رؤيته بمفهومه الضيق كهيكل اجتماعي فعال قادر على تنظيم طاقات الأفراد المختلفين للعمل بشكل فعال للأجابة على التساؤلات الكبرى. البُعد الثاني يتعلق بعملية نقل الافكار ما بين الأجيال المختلفة العاملة تحت هيكل المنظومة العلمية. السمة الجوهرية والواضحة جدا في هذا البعد هو أن العمل العلمي تراكمي cumulative. كل جيل يبنى على عمل الأجيال السابقة. إسحاق نيوتن وصف الأمر مرة ببلاغة قائلا إن العاملين في الحقل العلمي الآن واقفين على أكتاف العلماء السابقين. كى تعمل تلك المنظومة بسلاسة وكفائة لابد من وجود طريقة موثوقة لنقل الأفكار عبر الأجيال بالإضافة لمنظومة مكافأة تجعل من المُجزى للعلماء ان يُكملوا عمل السابقين عليهم. داخل هذا الهيكل الاجتماعي للعلم، الحوار ما بين المؤيدين والمعارضين لفرضية ما يصبح ممكن وحقيقى وليس خيالا كما في حالة تطبيق الفرد لإستراتيجية العلم. والمنظومة العلمية وضعت طرق وآليات اجتماعية من الممكن أن نثق في الاعتماد عليها للتأكيد من الفرضيات ورفض الأفكار الغير علمية. وبالتالي بالاضافة لطريقة عمل العلم التخمينية في وضع الفرضيات يصاحبها آلية تصحيح وتقييم داخلية. من خلال تلك الآليات من الممكن لاى فرد، حتى المتشككين في العلم، هدفه، وآلياته نفسها من العمل داخل المنظومة بمرونة تامة طالما قبلوا العمل تحت تلك القواعد. الأمر اللى قد يفسر مثلا عمل بعض العلماء ذوي المعتقدات الدينية التى قد يتضارب بعضها مع بعض النظريات العلمية داخل تلك المنظومة، بل ويحققون نجاحات داخل منظومة العلم بسبب قواعدها وهيكلها الاجتماعي. المنظومة الاجتماعية للعلم، أظهرت اتزانات استثنائية أدت لتميزها ونجاحها . أولها الاتزان ما بين المنافسة ما بين المنافسة competition والتعاون cooperation. اتزان آخر ما بين النقد criticism والثقة trust الأمر الذى كان جلي الوضوح في أعمال توماس كوهن حول تحول النماذج الفكرية، اللى اعتقد بوجود علاقة فعالة فريدة من نوعها ما بين النقد والثقة في العلم. فكرة “الاتزان” ودلالاتها قد يتشكك فية البعض، بل وقد يدفع البعض للشك في المنظومة في مجملها. وصف هذا الاتزان ما بين المنافسة والتعاون، النقد والثقة بالاستثنائية يضفي نوع من التوقير لهذا الاتزان. لكن لماذا نحن على يقين من أن الحالة الراهنة جيدة؟ كيف نعرف أننا لا نستطيع أن نحسن أداءنا من خلال تغيير التنظيم الاجتماعي للعلوم؟ .. لكن كما رأينا الفيلسوف الاسترالي بول فيربيند Feyerabend أعتقد ان العلم فقد هذا الاتزان في العقود الاخيرة خصوصا الاتزان في العلاقة ما بين التخيلي والحقيقي (أرجع لحلقة ما بعد الثورات العلمية) .. على أى حال بُعدى المنظومة الاجتماعية للعلم من حيث تنظيم العلم زمنيا وعبر الاجيال، كانوا جوهر تمييز المنظومة العلمية، لكن هل كان هناك تحولات معينة أوصلتنا لهذين البعيدين؟ اما انهما تطورا تدريجيا؟ هل تطورا بشكل مستقل؟ او معا؟
الهيكل التراكمي للعلم The Cumulative Structure of Science
الهيكل التراكمي The cumulative structure للعمل العلمي في واقع الأمر قديم في بعض المجالات لكنة حديث العهد في مجالات أخرى. وقد يكتسب ويفقد جزئيا في بعض الأحيان. ثلاثية الفيلسوفان الانجليزيين تولمان و جودفيلد المكونة من ( نسيج السماوات Fabric of the Heavens ، بنية المواد The Architecture of Matter ، واكتشاف الوقت The Discovery of Time) اللى نشروها في الفترة ما بين 1962 و1967 حول تاريخ العلم والأسس والمفاهيم الكامنة وراء الأفكار العلمية وتطورها (ثلاث كتب أنصحك بشدة أن تضعها على قائمة الكتب التي يجب أن تقرأها إن كنت دارس او مهتم بالمجال) .. وصفوا تطور الأفكار حول الكون من العصور القديمة للعصر الحديث كهيكل تراكمي يُكتسب ويُفقد في بعض الأحيان! .. خط بحثي او علمي معين قد يبدأ مع مدرسة فكرية معينة في مدينة معينة أو موقع معين، ثم يتراجع مع الوقت ويختفي ويستبدل بتتابع من أفراد عاملين بشكل مستقل على نفس الأفكار، عادة ما يعيدوا اختراع العجلة مرات ومرات عديدة، لكن تدريجيا هذا النمط الغير منظم من العمل العلمي في العصور القديمة اُستبدل بنمط تراكمي. في الحقيقة الجمعية الملكية في لندن the Royal Society of London في منتصف القرن السابع عشر لعبت دور محوري في تكوين الاتزان ما بين التعاون والمنافسة بخلق ثقافة عمل تحكمها روح النقد العلمي الموضوعي وشبكة ثقة للأفراد المقبول منهم النقد. لو اعتبرنا ثقافة العمل الجديدة دى كانت أساسية وجوهرية للعلم ومنظومته، تصبح المغامرات والشطحات العلمية في بداية الثورة العلمية زى جاليليو قليلة الاهمية من حيث تأثيرها على طريقة عمل منظومة العلم الحديثة! .. الخيمياء alchemy أحد الفروع القديمة للفلسفة الطبيعية نشأت في مصر الرومانية في القرون الأولى ومارست في أوروبا، أفريقيا، وأسيا. الخيمياء كانت سابقة على علم الكيمياء chemistry الحديث. وتأثيرها كان واسع النطاق حتى نهايات القرن السابع عشر. وكانت مزيج من الممارسات العملية قائمة على وصفات مفصلة ومجموعة من النظريات العجيبة التى بدت كالسحر في كثير من الأحيان (مثلا الصخور كانت تنمو كالكائنات الحية، أو التفاعلات الكيميائية كانت تتأثر بالعلاقة بين الكواكب والنجوم، الخ) . الخيمياء كانت تجريبية في كثير من ممارستها، والنتيجة قادت معظم العاملين فيها. لكن عمل الخيميائيين كان مُنظم بطريقة تعارضت مع طريقة عمل منظومة العلم الحديث! .. الخيمياء كانت عادة ما بتتم كطقوس سرية، المعرفة لم تكن مُتاحة بشكل علنى على نطاق واسع، الثقافة الحاكمة كانت مغلقة والتواصل كانت محكوم ومحدد على دائرة معينة. الأمر اللى كان راجع جزئيا للطبيعة الشبة باطنية الغامضة للمجال، وأيضا جزئيا إلى الأمل في الحصول على فوائد مالية ضخمة من خلال إيجاد طريقة لتحويل المعادن الأخرى إلى ذهب. إلى أن قام الفيلسوف الطبيعي، الكيميائي والفيزيائي الأيرلندي روبرت بويل Robert Boyle عضو الجمعية الملكية بلندن وأحد مؤسسي علم الكيمياء الحديث، وأحد أهم رواد التجريبية العلمية الحديثة بطرح طريقة عملة المناقضة والمنافسة للخيمياء والقائمة على التعاون المفتوح، التي أسست بداية ثقافة علمية جديدة تجنب السرية، والدوغمائية المدرسية.
تحديات المدرسة التجريبية Challenges of Empiricism
هل هناك مكان للتجريبية؟ لو فاكر من حلقة هيكل الثورات العلمية. توماس كوهين جادل ان العلم لا يمكن وصفه من خلال اى معادلة تجريبية بالمرة، لأن العلم آلة أكثر تعقيدا من اى صور تخليتها المدرسة التجريبية الكلاسيكية. الافكار التى لم تكن فقط غير واضحة او مكتملة، لكنها أيضا خاطئة. رؤى فلاسفة التجريبية لم تقم على اى صورة قادرة على وصف الاتزان المعقد الموجود في العمل العلمى، خصوصا الاتزان الموجود في المنظومات العملية الاجتماعية. فلاسفة التجريبية قد يتفقوا مع كوهين في هذا التوصيف حول الطبيعة المعقدة للعلم، لكنهم هيجادلوا ان الافكار الاساسية للتجريبية قادرة على توصيف السمات الجوهرية في العملية العلمية. لكن من وجهة نظر كوهين والناقدين للتجريبية، الاطروحة بالكامل قائمة على صورة مبسطة غير واقعية للمعرفة وآليتها. عادة ما بيتم تخليص الفكرة التجريبية في ان “مصدر المعرفة الوحيد هو التجربة” .. لكن ماهو ياترى المقصود بمصدر هنا؟ .. هل هناك مصدر واحد للمعرفة؟ .. ام مصادر متعددة؟.. وهل هناك طريقة واحدة ام عدة طرق للوصول لهذا المصدر؟! .. تخيل ان من الممكن ان نثبت ان العملية العلمية من الممكن تفسيرها من خلال الاتزان ما بين المنافسة والتعاون وما بين النقد والثقة، لو فعلا أصبحت تلك الأطروحة الطريقة التي نفهم بها العلم، هذا الطرح لم يكن اى شئ من قريب أو بعيد تم طرحه داخل إطار المدرسة التجريبية. لكن توصيف طريقة عمل العلم أمر وثيق الارتباط بموضوعية العلم. سؤال هل المعرفة العلمية موضوعية؟ .. محورى فى أى مناقشات فلسفية، أو اجتماعية داخلية العلم. لو فاكر فى الحلقة الأولى من السلسلة جادلت انى هحاول قدر المستطاع تجنب استخدام فكرة الموضوعية لانها غير واضحة أو محددة وفي كثير من الاحيان قد تقود لفهم خاطئ لطبيعة العلم. مثلا في بعض الأحيان عندما يستخدم الناس مصطلح الموضوعية بيكون عندهم فكرة غير واضحة المعالم حول التأثير الجيد والسيئ للمعرفة الموضوعية على معتقداتهم. التأثيرات الموضوعية في مقابل التأثيرات النسبية، حيث الموضوعية أكثر محايدة وتتجنب الانحياز الذاتي تجاة بعض الافكار. من الجائز أن الموضوعية هي مصطلح يستخدم للإشارة إلى مجموعة من المفارقات الغير محددة للتفريق ما بين طريقتين لتشكيل المعتقدات، طريقة بعيدة عن النزعات، الأهواء والميول الذاتية، وطريقة مدفوعة بتلك الرؤية الذاتية. وفي بعض الاحيان الاخرى مصطلح الموضوعية يستخدم للتعبير عن فكرة مختلفة تماما، للإشارة لفكرة ميتافيزيقية. بعض الأشياء لها وجود موضوعي مستقل عن المتلقى في مقابل الوجود النسبي المعتمد على المتلقي. هل الارقام لها وجود موضوعي؟ .. هل القيم الأخلاقية لها وجود موضوعي؟ .. في بعض المناقشات العلمية ، يتم الجمع بين هذه الأفكار المختلفة للموضوعية. يقال إن المعتقدات تتشكل بشكل موضوعي عندما تحدث أو تسترشد بأشياء لها وجود واقعي. يعتبر العلم موضوعيًا إذا كانت عملية يتم فيها التحكم في تغيير المعتقدات والنظريات من خلال الاتصال بأشياء لها وجود واقعي في العالم. فهل العلم موضوعي بهذا المعنى؟ أو بالأحرى ، عندما يعمل العلم بشكل صحيح ، هل هو موضوعي بهذا المعنى؟ هل بنية العلوم هي التي تميل إلى إنتاج الموضوعية؟ .. الرؤية اللى حاولت أقدمها لك من خلال مجموعة حلقات سلسلة فلسفة العلم تجيب على هذه التساؤلات بالإيجاب، واتمنى ان تكون قد وصلت لك تلك الفكرة من خلال الاستماع للسلسلة. لكن ليست هذة الطريقة الصحيحة لطرح الاسئلة. مفهوم الموضوعية غير مفيد هنا. أسئلة خاطئة من نوع، هل يتم تغيير المعتقدات العلمية والنظرية عن طريق أشياء حقيقية ، أم عن طريق عوامل اجتماعية؟ هل الأفكار العلمية هي منتجات العالم الحقيقي ، أم أنها منتجات للإبداع الإنساني؟ هل نحن مسؤولون عما نعرفه ، أم أن العالم مسؤول عن ذلك؟ .. كلها أسئلة تقود لأجابات خاطئة ومشكلة معرفية. لأن المعتقدات العلمية ليست نتاج الذاتية او الطبيعة بشكل مستقل. بل نتاج تفاعل وديناميكية فعالة ما بين الطاقات النفسية، المنظومات الاجتماعية، وبنية وهيكل العالم. العالم لا يفرض المعتقدات علينا ، في العلم أو في أي إطار معرفي آخر. ومع ذلك ، يستجيب العلم لهيكل العالم ، عبر قناة الملاحظة. نفس الفكرة التى يطرحها ناقد التجريبية. لماذا التمسك بالشعارات التجريبية القديمة ، عندما يبدو أنها تطرح القضايا بهذه الطرق التبسيطية والمضللة؟ لماذا لا تحكي القصة بعبارات جديدة تماما؟ هناك ما هو أكثر في العلوم مما كان يحلم به في التقاليد التجريبية القديمة المتعبة. وبعض النظريات الناقدة تتشك في ان البعض مازال متمسك بالافكار التجريبية التقليدية لانها بسيطة ومفيدة في كثير من الأحيان خصوصا في محاولة تفسير العلم للعوام. مثلا عند محاولة تفسير كيف يختلف العلم عن الأصولية الدينية في تفسير الطبيعية؟ .. عند طرح تلك الأسئلة التجريبين قادرين على اعطاء اجابة بسيطة ومرضية. “”العلم مختلف لأنه عملية تتشكل فيها المعتقدات من خلال الملاحظة. يتم تقييم الأفكار ليس من حيث أصولها ، ولكن من حيث كيفية قابليتها للاختبار. لهذا العلم منفتح ، مُعادٍ للسلطوية ، ومرن. ” .. إجابة لطيفة وبسيطة ستلقي فهم واستحسان من العوام. دلوقتى تخيل ان الاجابة السطحية دى تم استبدالها بإجابة أكثر تعقيدا حول الاتزانات المُحكمة ونظام المكافأة، والتغير من خلال العلم الطبيعي وبين الأطر الفكرية المكونة من خلال الثورات العلمية كما طرح كوهين. اعتقد ستتفق معايا ان الاجابة ستكون أقل نجاحا في الاستقبال وإرضاء العامة. اى ان بالرغم من جاذبية البساطة في طرح التجريبين إلا أن الإجابات البسيطة دائما ما تكون غير صحيحة لاختزال انظمة معقدة غير قابلة للاختزال. على أي حال في اعتقادي منظومة العلم الحديث تتطلب استراتيجية عامة وهيكل اجتماعي مُعقد لتنفيذ تلك الاستراتيجية. في تقديري ان صورة معدلة لأطروحة تجريبية طبيعية هي الأقرب والأقدر على وصف الاستراتيجية العلمية الحالية.
العُلماء الآليين Robot Scientist
آدم Adam هو أول نموذج لروبوت لتصميم، تنفيذ، وتفسير التجارب العلمية Robot Scientist وهو أحد أهم التقنيات الاخيرة في مجال روبوتات المختبرات Laboratory robotics. منذ بداية الثمانينات والمختبرات العلمية خصوصا في مجال البيولوجيا والكيمياء بتستخدم صورة أو أخرى من روبوتات المعمل. اللى بتعمل الى جانب العلماء للقيام بإحدى مراحل التجربة العلمية مثل تحضير العينات أو معالجتها. على سبيل المثال شركات صناعة الدواء بتستخدم روبوتات لنقل العينات البيولوجية والكيميائية لتوليف مركبات كيميائية جديدة أو لأختبار قيم معينة لمركبات جديدة بدقة عالية. هذا النوع من العمليات المخبرية كانت مناسبة جدا لعمل الروبوت، لانها متكررة وتحتاج لدقة عالية، مثل انتقاء العينات، معالجتها، تغير تركيبها من خلال التبريد، التكثيف، الخلط، والتعريض للحرارة. لكن آدم كان نقلة علمية وتقنية نوعية، الفريق البحثي المكون من مجموعة من علماء البيولوجي، علماء الذكاء الاصطناعي، وعلوم الكمبيوتر مثل روس كينج Ross King، ستيفين موجليتون Stephen Muggleton، دوجلاس كيل Douglas Kell ، ستيف أوليفر Steve Oliver طور النموذج الأول لآدم سنة 2010، الذي كان قادرا على إجراء تجارب علمية بشكل مستقل لاختبار فرضية وتفسير نتائج التجربة بدون اى إرشاد من العلماء البشر. آدم أمتاز بمجموعة من القدرات الفذة لوضع كوين فرضيات لتفسير المُلاحظات، اقتراح تجارب لاختبار تلك الفرضيات، القيام بإجراء التجارب بنفسه أو من خلال التنسيق مع الروبوتات المخبرية الاخرى، تفسير نتائج التجارب، تكرار هذة العملية مرارا حتى يتوصل الى نتيجة. دقة آدم وآليته في إجراء التجارب لم تكن السبب في إبهار مبتكرية قبل المجتمع العلمي، لان تلك هى السمات الاساسية لاى منظومة آلية عاملة داخل المختبرات، لكن القدرة على طرح الفرضيات العلمية والمنطقية بيتطلب درجة عالية من إدراك المنطق الشرطى ومنطق الاحتمالات المُغايرة، اى ماذا لو كانت الواقع على على تلك الصورة … آدم سرعان ما أبهر مصممية بحل لغز التوارث والجينات في الخميرة yeast genetics الذى حير العلماء والباحثين لعقود طويلة! الخميرة تحتوى على بروتينات تسمى الإنزيمات اللازمة لتحفيز العديد من التفاعلات الكيميائية الضرورية لآلية الحياة، هذة الانزيمات مشفرة في الحامض النووى للخميرة، لكن كان من العسير على العلماء ربط الإنزيمات بجينات محددة! د. كينج وزملاؤه أعطوا آدم قاعدة بيانات تحتوى على معلومات عن الأنزيمات والمواد الكيميائية وعينات من الخميرة اللازمة لإجراء التجارب، بعد جولات متعددة من التجارب والتحليلات، آدم وجد جينات الخميرة المسؤولة عن تشفير الانزيمات بشكل مستقل تماما، وقام العلماء بإجراء تجارب لأختبار النتيجة التى توصل إليها آدم التي ثبت بالفعل صحتها! .. تخيل عالم فية المعامل مليئة بمئات من الروبوت الشبيهة بآدم! … وقتها قد تخطوا البشرية خطوات سريعة تجاه أكتشاف حقيقة الطبيعة وحل لغزها خاصة ان كانت الفلسفة الطبيعية على حق في المقام الأول، وكل شئ يمكن تفسيره من خلال المادة وآليتها. الميكنة الآلية Automation لمهام البشر هو الهدف الطبيعي للروبوتات. وفي العقدين الأخيرين الميكنة تطورت بصورة مضطردة في العديد من المجالات، العلم لم يكن بعيدا عن هذا التطور، وهناك صور عديدة من الميكنة بداية من البرمجيات المستقلة التى يعتمد عليها الفيزيائيين بشكل يومي للتعامل مع مليارات من البيانات، تفسيرها و استنتاج قوانين عامة منها. ومع تطور مجال الذكاء الاصطناعي دخلت الروبوتات في مجالات عديدة بتطلب قدر عالي من الدقة والمهارة لاجراء الابحاث مثل الطب. في مقال رائع بعنوان ” الميكنة في العلم The Automation of Science” نشر سنة 2009 في مجلة العلم الأمريكية. د. روس كينج Ross D. King عالم الذكاء الاصطناعي و أحد مطوري آدم، قال ان آدم هو الرفيق المثالي للعمل بجانب البشر في المختبرات العلمية، على العكس من العلماء لا يتعب أو يفقد التركيز أثناء اداء مهام متكررة، وهو ليس مجرد خادم آلي غير قادر على طرح الفرضيات البديلة أو تفسير نتائج التجارب. على الرغم أن آدم لايزال نموذجاََ أوليا، إلا ان د. كينج وفريقه البحثي يعتقدوا ان النموذج الثاني لهم (أطلقوا علية أسم حواء Eve) سيكون أكثر كفاءة، دقة، وقدرة على إجراء التجارب العلمية .. وسيساعد العلماء في البحث عن عقاقير جديدة لمكافحة أمراض مثل الملاريا والبلهارسيا في وقت وتكلفة أقل. البحث مازال في بداياته والأمر قد يستغرق سنوات طويلة وأموال طائلة قبل أن نصل إلى منظومة آلية كاملة استبدال معظم العلماء اليوم، إلا أن العائد على البشرية ضخم ويصعب حتى تصوره. بداية من اكتشاف عقارات وعلاج للأمراض في غضون أيام بدلا من سنوات وعقود، مرورا بإرسال العُلماء الآليين إلى الفضاء والبيئات التي يتعذر على البشر الوصول إليها، حتى اكتشاف سر الكون ونشأته، بل وإنقاذ الحياة نفسها في يوم من الايام! .. لكن كي ينجح البشر في ميكنة العلم لابد أولا من فهم آليتة ووصف سر نجاحة بدقة كي نكون قادرين على برمجتها في الروبوتات، وهذا يبدأ فقط في فلسفة العلم.
مستقبل فلسفة العلم The Future of Philosophy of Science
ما هي القضايا الاساسية في مستقبل فلسفة العلم القريب؟ .. ماذا يجب أن يركز فلاسفة العلم طاقتهم حوله؟ .. بكل تأكيد إشكاليات طبيعة العلم، الاستراتيجية العامة لعمل العلم، وهيكل مجتمعاته العلمية كلها قضايا تستحق البحث الجاد. لكني سأختم السلسلة بطرح ثلاث قضايا أساسية محور تركيز كبير في العقد الأخير داخل رواقات فلسفة العلم. الأولى شديدة الارتباط بفكرة التحولات العلمية اللى طرحناها في حلقة “هيكل الثورات العلمية” .. ما هو الدور الذي تلعبه الأطر والنماذج والتراكيب المماثلة في فهمنا للنظرية في العلوم؟ هل يجب أن نتبع كون وكارناب في التمييز الحاد بين “مستويين” من التغيير داخل العلم؟ أم أن هذه صورة خادعة تخلق مشاكل بدلاً من طرح حلول؟. الإشكالية الثانية متعلقة بنظام المكافآت في العلوم ، والعلاقات بين الأهداف على مستوى الفرد والأهداف المجتمعية. حتى الآن الآراء الفلسفية حول هذا الموضوع تميل إلى تعميم الكثير ، وافترضت أن الفئة الأعظم من العلماء لديهم مجموعة مماثلة من الدوافع. بُناء على المُدخلات من علم اجتماع العلوم ، لكن القصة ينبغي أن تكون أكثر تفصيلاً. ما الاختلافات الموجودة بين الحقول المختلفة والثقافات الفرعية المختلفة في العلوم ، على سبيل المثال؟ هل الدوافع والغايات واحدة بين الأفراد؟ .. ما هو تأثير المؤسسات الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية على دوافع وأهداف الأفراد؟ .. ماهى العلاقة بين المنافسة والتعاون في العلوم؟ .. وغيرها من الاسئلة التى مازالت بلا إجابة مقنعة. وأخيرا الإشكالية الثالثة، هى العلاقة الغير واضحة ما بين النظريات العلمية والطبيعية، وتأثير اللغة على صياغة المعرفة العلمية، مثلا مفهوم الحقيقة ودورها المحوري في المعرفة العلمية! .. أو فكرة نماذج Models تجريد الواقع النظرية. حتى الان لا توجد نظرية فلسفية جيدة لتفسير تلك التمثيلات اللغوية وعلاقتها بالعلم. وهناك مساحة كبيرة من عدم اليقين والجدل داخل هذه المنطقة من فلسفة العلم. لكن بالرغم من هذا، من المؤكد أن بمقدورنا رؤية التقدم الذي تم إحرازه داخل فلسفة العلم في العقود الأخيرة. على سبيل المثال لا الحصر فكرة أن العلم مهتم فقط بوصف أنماط التجارب في الطبيعة تم تقريبا التخلي عنها وهجرها تماما. الواقعية العلمية Scientific realism تم تطويرها وتوصيفها من خلال نظريات أكثر تعقيدا. ودراسة اللغة وتأثيرها قلت بشكل ملحوظ داخل فلسفة العلم، وازداد التركيز بشكل واضح على النظريات حول بناء النماذج التجريدية كلبنة أساسية في منظومة العلم الحديث. نظريات الاختبار والدليل تم صياغتها بصورة أكثر وضوحا مقارنة بالنصف الأول من القرن العشرين. و فكرة النظر عن كثب في العلاقة بين هيكل المكافآت في العلوم والقضايا المعرفية محل الدراسة شهدت تقدم ملحوظ مؤخرا . هناك الكثير من التقدم بكل تأكيد، لكن مازال هناك الكثير!
القصة التى بدأنا بها مقتبسة بتصرف عن قصة الفيلم الأمريكي “الاتصال Contact” الذي أخرجه المخرج الامريكي روبرت زيماكس Robert Zemeckis عام 1997 وقامت ببطولته الممثلة الأمريكية جودي فوستر Jodie Foster. الفيلم مستوحى من رواية بنفس العنوان نشرت سنة 1985 للفلكي الأمريكي الباز كارل ساجان Carl Sagan (الذي كان من أبرز المساهمين في تبسيط علوم الفلك والفيزياء الفلكية وغيرها من العلوم الطبيعية في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان له دور رائد في تعزيز البحث عن المخلوقات الذكية خارج الكرة الأرضية.) .. من خلال قصة الفيلم حاولت أنقل لك صورة لصورة العلم قائم فقط على الادلة والتجربة. المدرسة التجريبية الطبيعية لاتقبل بأى صورة أخرى من الحقيقة إلا ان كانت مدعومة بمُلاحظة مادية او تجربة معملية قائمة على الأدلة والمنطق. لكن في بعض الاحيان قد نمر بالتجربة لكن نكون غير قادرين على تقديم الادلة والبراهين المادية، وقتها نعبر الخط الرفيع بين المعرفة والإيمان … ويعود سؤال البشرية الأزلي يطرق أبوابنا … أين الحقيقة؟!
فلسفة العلم .. هي أحد فروع الفلسفة الحديثة تهتم في الأساس بأسس وطرق وآثار العلوم. وأحد أهم الأسئلة والقضايا التي تطرحها هى لماذا يجب أن نثق في المعرفة العلمية؟ .. وعلى أى أساس تُبنى؟ .. ما هي طبيعة العلم وآلياته؟ .. والغرض النهائي من بحثه؟ … المواضيع التى تتقاطع بالضرورة مع فلسفة ما وراء الطبيعة، علم الوجود ، وفلسفة المعرفة. مواضيع فلسفة العلم تبقي وجودية طبيعية وتبتعد عن أسئلة القيمة والأخلاق التي أصبحت محل دراسة مجالات فكرية أو فلسفية أخرى. في حين أن الفكر الفلسفي المتعلق بالعلوم يعود إلى الحضارات المبكرة حتى قبل اليونانية، إلا أن فلسفة العلم ظهرت كمنظومة فكرية مستقلة ومتفردة داخل الفلسفة فقط في القرن العشرين في أعقاب حركة الوضعية المنطقية، التى حاولت صياغة معيار تقييم قائم على المنطق لتفريق العلم الحقيقي من الزائف. الى ان انتقل كارل بوبر من الوضعية الى وضع مجموعة حديثة من معايير المنهجية العلمية قائمة على قابلية الدحض والتخمين. وكتاب توماس كوهن بُنية الثورات العلمية كان النقلة التالية لتشكيل إطار العمل الفكري للعمل ومجتمعاتة! مُتحديا الرؤية الشائعة للعلم كمنظومة تراكمية للعلم ثابتة للتجربة المنهجية وبدلا من ذلك جادل أن التغيير في العلم مرتبط بالنماذج والثورات العلمية وتحولاتها الحاكمة للثقافة والتيار العلمي العام السائد داخل مجال بحثي معين. بعد طرح الثورات العلمية ظهر حركة ما بعد الثورات التي نادت بعبثية فكرة الطريقة العلمية زى ما طرح بول فيرابند، الذي دعى للسماح بكل صور البحث العلمي بما في ذلك المقاربات الغير طبيعية . وأخيرا ظهرت التيارات المُنادية بدراسة العلم من منظور اجتماعي كإستراتيجية بحث عن الحقيقة من خلال ضوابط وقواعد هيكل المُجتمعات العلمية. فلسفة العلم موضوع يهم كلا من الفلاسفة والعلماء! وبالتالى الفلسفة بتتعامل مع أسئلة العلم لم يتعامل معها بعد، او من الجائز لن يتعامل معها أبدا، والسؤال الاهم لماذا لا يستطيع العلم التعامل مع تلك الأسئلة؟! ..وجود اسئلة لا يستطيع العلم التعامل معها فى حد ذاته سؤال فلسفي! … الأمر الذي يجعل الفلسفة دراسة لا يمكن للعلماء الجادين تجنبها! مهمة فلسفة العلم الاساسية هى تحليل آليات وطرق عمل العلوم المختلفة، السؤال المهم قد يصبح لماذا تقع مهمة الاجابة على هذا التساؤل على عاتق الفلاسفة؟! بدلا من العلماء؟ … سؤال مهم، وأحد أهم جوانب الإجابة عليه، هو أن الفلسفة مؤهلة بأدوات البحث عن الحقيقة المنطقية والعقلانية التي تجعلها الطريقة المثلى للإجابة على هذا السؤال.
ودلوقتى .. فكر فى النظريات والتجارب العلمية اللى تعرض لها طوال حياتك؟ .. هل النظريات العلمية هي انعكاس حقيقي للواقع؟ .. أم أنها منتجات الإبداع الإنساني؟ .. هل نحن مسؤولون عما نعرفه اليوم؟ .. أم أن التجربة هي مصدر المعرفة الوحيد؟ .. ياترى ماهو سر نجاح العلم كإستراتيجية بحث عن الحقيقة؟ .. وهل يمكن وصف تلك الاستراتيجية بمعزل عن هيكلها الاجتماعي؟ … فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP55/EP55_2019_12_14.mp3
في الحلقات الجاية .. هنترك العلم وفلسفته ونعود لرحاب الفلسفة الواسع ومواضيعها المثيرة للعقول .. المواضيع متعددة وغنية بالمشاكل العقلية والقضايا الفكرية اللى قضت البشرية أجيال وقرون في البحث بين طياتها .. يمكن نتكلم عن المنطق .. الوجودية .. الصوفية .. أو حتى من الجائز معنى الحياة!
من دلوقتى للحلقة الجاية ..
عيش الحياة بفلسفة
زود معلوماتك:
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
https://goo.gl/GeKj3K
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
https://goo.gl/RRfoqg
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
https://goo.gl/DfrzG4
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
https://goo.gl/c2eosa
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
https://goo.gl/Dc53as
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
https://goo.gl/5khso5
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
https://goo.gl/BwQf5o
Scientific Realism الواقعية العلمية
https://stanford.io/2RKYOkC
http://bit.ly/2Pxv1uB
Empiricism التجريبية
http://bit.ly/2PRKvKG
Naturalism الطبيعية
http://bit.ly/2RPy84h
Edwin Smith papyrus بردية إدوين سميث
http://bit.ly/38ENgaz
Ebers Papyrus بردية إبيرس
http://bit.ly/38yA1Z7
Scientific Astronomy in Antiquity علم الفلك في العصور القديمة
http://bit.ly/38CbMJq
The Organon الأورغانون
http://bit.ly/2RRVoi1
Jābir ibn Hayyān جابر بن حيان
http://bit.ly/2LVPhFP
Ibn al-Haytham الحسن ابن الهيثم
http://bit.ly/2RYVPax
كتاب المناظر
http://bit.ly/2LUz3N6
Abū Rayhān al-Bīrūnī أبو ريحان البيروني
http://bit.ly/36BUvhQ
بحوث في تاريخ العلوم عند العرب
http://bit.ly/2srmfHb
Avicenna ابن سينا
http://bit.ly/2PNon3Q
underdetermination نقص إثبات
http://bit.ly/2KPemTE
theory-ladenness of observation المُلاحظة المُحملة بالنظرية
http://bit.ly/2Pxv4Xj
The Social Structure of Science الهيكل الاجتماعي للعلم
https://stanford.io/2rD8XHB
Royal Society of London الجمعية الملكية في لندن
http://bit.ly/2PPutAI
alchemy الخيمياء
http://bit.ly/2LWPAjD
Robot Scientist العُلماء الآليين
http://bit.ly/2PRLOt4
The Automation of Science الميكنة في العلم
http://bit.ly/2YMsYrj
Contact الأتصال
http://bit.ly/36Aw0kT
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Alan Silvestri Contact – Awful Waste Of Space
http://bit.ly/36yjrqn
Alan Silvestri Contact – The Primer
http://bit.ly/2RSM11J
Alan Silvestri Contact – Small Moves
http://bit.ly/36zpkDD
myuu – Nebula
http://bit.ly/2tjeDqA
Desert Sphinx
http://bit.ly/36zvDXW
Arabian winds
http://bit.ly/38J7sZ9
Saïd Chraïbi – Andaloussiyyat
http://bit.ly/38GQ0UM
myuu – Bittersweet
http://bit.ly/36EM1GL
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Look Out
http://bit.ly/2RPxxQ5
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Identity Crisis
http://bit.ly/2rMp5qa
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa

3,689 Listeners

71 Listeners

22 Listeners

0 Listeners