
Sign up to save your podcasts
Or


“تحذير .. القصة التالية تحتوي على أوصاف دموية”
تخيلي انك طالبة في الجامعة، تطوعتى للعمل في مركز تنظيم الأسرة في مدينتك. كنتى دائما من المدافعين عن المرأة، وحقها في تقرير مصيرها. قبل سنوات بعد عناء وصراع عدة سنوات في زواج لم ينجح، بعد انتهاء إجراءات الطلاق اكتشفتي انك حامل، لانك كنتى كرهتى اى شئ من الممكن ان يربطك مرة اخرى بزوجك السابق، قررتى انك تتخلصى من الحمل. في اليوم المحدد بتذهبى لعيادة تنظيم الاسرة بعد التشخيص، بتدفعي المبلغ المحدد ويعطوكي حبوب عقار ميفيبريستون Mifepristone .. دواء يعطى عن طريق الفم بغرض اجهاض في العشر اسابيع الاولى. الممرضة بتخبرك وهى بتعد النقود، بعد أخذ الدواء ستشعرى بتقلصات وهناك احتمال حدوث بعض النزف. في نفس الليلة بعد ان اخذتى الدواء بتدخلي في نوبة من الألم والتقلصات الحادة، نزيف مهبلي شديد، وتجلطات دموية، بتفقدى الوعي وسط بركة من الدماء وانتى بتبكي من الآلام. لما تتصلى بالممرضة بتخبرك انى دى كلها أعراض طبيعية ومتوقعة، بتستمر الأعراض لعدة أسابيع قبل أن تتوقف تماما وينتهى هذا الفصل القاسي من حياتك. التجربة القاسية دى في حياتك لم تمنعك من التطوع للعمل في نفس العيادة بعد عدة سنوات. الجملة اللى قالتها لك احد العاملين في العيادة وجعلتك تشعري بان رسالة مركز تنظيم الاسرة يجب ان تكون هدف حياتك هي “مش قادرة أصدق ان مازال هناك أفراد يريدون السيطرة على النساء واخبارهم ماذا يجيب ان يفعلوا” .. لما بتخبريها أن أسرتك مسيحية ضد الإجهاض، بتقول لك أن هدف المركز هو تقليل الاجهاض في المقام الاول من خلال إعطاء وسائل التحكم في الحمل، لكن لو حدث الحمل بالخطأ المركز متواجد لمساعدة النساء الراغبات في إجراء عملية إجهاض آمنة .. أول يوم لكي في مركز تنظيم الاسرة فخورة بمهمتك في مساعدة النساء في تقرير مصيرهم ومستقبلهم. عند وصولك لمكان المركز بتفاجئ بتجمعات من المتظاهرين الغاضبين أمام المبنى الرافضين للاجهاض، حاملين لافتات لصور من الاجنة، وبيهاجموا كل من يدخل او يخرج من المبنى، متطوعة اخرى في المركز بتشرح لك ان وظيفتك هتكون مقابلة النساء على مدخل المركز ومحاولة تهدئتهم و تشتيتهم عن المتظاهرين الغاضبين اللى بيكونوا موجودين هنا كل يوم! .. تصبحي ناجحة في عملك وترقى في المناصب الوظيفية في عيادة تنظيم الأسرة. في يوم بيدعوكي الطبيب للمساعدة في عملية إجهاض بيقوم بها، دى المرة الأولى اللى تدخلي غرفة العمليات مع الطبيب، بيطلب منك انك تساعدية بتسليط جهاز الموجات فوق الصوتية على رحم المرأة، بتظهر صورة الجنين على جهاز الموجات فوق الصوتية، الطبيب يحدد عمره 13 أسبوع، الممرضة الاخرى تثبت المريضة جيدا على الطاولة لانها في حالة فزع وهي تهدئها. الطبيب بيستخدم القسطرة الأنبوبية لسحب الجنين، بتفاجئ لما بتشوفي صورة الجنين على الجهاز بتتحرك بعيدا عن القسطرة! .. بتخبرى الطبيب ان الجنين تحرك، بيرد ان هذا يحدث دائما، لكن في الحقيقة الجهاز العصبي لم يتكون بعد فلا يمكن أن يشعر الجنين باى شئ، بيستمر الطبيب في العملية، ويبدأ بشفط الجنين بالقسطرة، تختفي صورتة من الجهاز امامك، وتمتلئ أنبوبة الجهاز بالدماء، تغرق عينيك الدموع، وتندفعي هاربة من الغرفة! .. التجربة وقعها كان شديد الاثر عليكي، وللمرة الأولى بتشوفي نفسك كقاتلة للأطفال وليست ملاك يساعد النساء في تقرير مصيرهم، تغادرى العيادة الى الابد وتنضمى للمتظاهرين الرافضين لعمليات الاجهاض امام مبنى تنظيم الأسرة.
محاور
بين التحليلي والاصطناعي، الغموض والالتباس، معضلة الكوم، الإبهام والنقصان، التعريفات، المفهوم والدلالة، آليات التعريف الدلالية، آليات التعريف المفهومية، التعريف بالأجناس والفروقات، قواعد وضع التعريف
اللغة متعددة الوظائف في الوجود الإنساني، البعض كالفيلسوف النمساوي لوفيتش فتجنشتين اعتقد ان وظائف اللغة غير محدودة. فكر في بعض وظائف اللغة … وسيلة طرح الأسئلة، القصص، طرح الفرضيات، الغناء، إعطاء الأوامر، التحية، الغزل، الصراع، وغيرها كثير. بالنسبة لبحثنا في المنطق من الممكن تعميم وظائف اللغة في طرحين اساسين
(1) إيصال المعلومات
(2) التعبير عن المشاعر.
التركيب اللغوي لجمل نقل المعلومات تعتمد على مصطلحات لغوية معرفية cognitive meaning في حين إن جمل التعبير عن المشاعر تعتمد على مصطلحات عاطفية emotive meaning . الجمل العاطفية عادة ما تحمل معانية عاطفية لكن ايضا معاني معرفية في نفس الوقت، المنطق وعلمائه منشغلين بالمعرفة البشرية واللغة المستخدمة لإيصال المعلومات، تأكيد ونفي الأطروحات المعرفية، تكوين وتقييم الحُجج، وبالتالي وظيفة نقل المعلومات اللغوية هي محل اهتمام المنطقيين. عند دراسة الجمل العاطفية لابد من التفريق بين المصطلحات المعرفية والمعرفية، لكن الجمل العاطفية أيضا تحمل في طياتها كثير من الأحيان ادعاء قيمة Value Claim أى ادعاء عن الخير، الشر، ما يجب فعله، وماذا لا يجب فعله (إرجع لحلقة القيمة الجوهرية) أى ادعاءات نسبية تعتمد على المنظومة الأخلاقية للمتلقي. ومهمتنا تصبح فصل تلك الادعاءات النسبية من الجمل العاطفية عند دراستها عقلانيا عن المعرفة المطروحة بها. مثلا لو قلت “أنا ضد الحرب كحل للنزاعات الدولية بُناء على معتقداتي الأخلاقية” .. الجملة صحيحة بالنسبة لطرحها، لكنها تطرح حكم أخلاقي للمتحدث عن أخلاقية الحرب كحل للنزاعات. البشر عادة في طرحها للادعاءات ما يميلون لاستخدام الجمل العاطفية اكثر لان المصطلحات المعرفية تحتاج لتركيب لغوى ادق قائم على الحُجج والأدلة، بالاضافة الى ان التعبير العاطفي عادة ما يساعد على الاتصال النفسي مع المتلقي ويدعم في نقل الفكرة بشكل أسرع. فكر مثلا في المرات التى اتفقت فيها مع طرح ما شكل الجمل اللغوية اللى استخدمتها في الغالب كانت هتكون على شاكلة “رائع”، “عظيم”، الخ .. أو في حالة الاختلاف “سئ”، “سخيف”، “غريب”، الخ .. كلها مصطلحات عاطفية تعبر عن حالتك النفسية تجاه الطرح لكنها لا تقدم معرفة. المصطلحات العاطفية تقدم لصاحب الحُجة وسيلة لصنع ادعاءات قيمة أو نسبية حول موضوع الحجة دون تقديم الدليل، الطرح العاطفي بيشل الحجة المنافسة تماما، لان يقطع الطريق أمام المتلقي لاستخدام الأدوات المنطقية لتحليل الحجة لانها تقدم طرح قيمة قد يتفقون او يختلفون معه.
استخدام اللغة لابد من تفريقه عن شكل اللغة المستخدمة، استخدامات اللغة مثلا كوسيلة لنقل المعلومات، أو التعبير عن المشاعر من الممكن وضعه في عدة صور لغوية. وحدة صناعة اللغة “الجمل Sentences” الوحدة اللغوية الأبسط للتعبير عن فكرة كاملة مستقلة. من الممكن أن تكون تعبيرية Declarative، تعجبية exclamatory، أمرية imperative، أو إستفاهمية interrogative. في طرح الحُجج عادة شكل الجمل يكون تعبيري، على العكس من التعبير عن المشاعر عادة ما تستخدم جمل تعجبية مثلا “هذا رائع” لكن هذا الارتباط غير ضرورى، من الممكن طرح حجج في صور لغوية اخرى غير التعبيرية. التفريقات التى قد تبدو بسيطة جدا لك حيوية وهامة جدا في الامور التى قد يتوقف عليها مصير انسان. مثلا العاملين في القانون درجة حساسيتهم للغة المستخدمة وصورها عالية جدا لان الجدليات القانونية سواء في اثبات او نفي التهم الموجهة لفرد ما قائمة على اللغة التي يتم صياغة القانون من خلالها.
بين التحليلي والاصطناعي Between Analytic and Synthetic
المعنى في اللغة غير قاصر فقط على التعبير عن المعلومات والعواطف. أحد أهم مبادئ فهم المعنى في فلسفة اللغة، هو التفريق بين الجمل التحليلية Analytic والجمل الاصطناعية Synthetic. الجملة التحليلية هو جملة صواب أو خطأ بناء على ما تحمله من معاني فقط. بتحديد معاني المصطلحات المستخدمة في جملة تحليلة ما، بمجرد وضع قيمة حقيقة لتلك الجملة اى اعلان كانت صواب أم خطأ تصبح هذه الجملة دائما صواب أو خطأ. اى تثبت قيمة حقيقتها دائما. الجملة التى دائما صواب يطلق عليها الطَّوطُولُوجيا tautology اى دائما تقيم بالصواب أي أن نتيجتها دائما صحيحة مهما كانت قيمة المتغيرات. والجملة التى دائما تقييم بالخطأ يطلق عليها التناقض contradiction وبالتالي الجمل التحليلة عادة ما يتم جمعها مع الطوطولوجيا والتناقض مثلا (1) كل العذاب غير متزوجين ( جملة طوطولوجية – اى دائما صواب) .. (2) المثلثات لها أربع أضلاع (تناقض – اى دائما خطأ). هذة الجمل تحليلية لاننا لانحتاج الى اى شئ خارج تلك الجمل لأثبات حقيقتها. اى أننا لا نحتاج للبحث عن كل العذاب في الطبيعة لإثبات أنهم غير متزوجين! استدعاء معنى العاذب بالضرورة يفرض فكرة رجل غير متزوج. الرجال الغير متزوجين بدون ادنى شك عذاب! إذن فهم معاني المصطلحات في الجملة التحليلية كافي لتقرير حقيقتها. بنفس الصورة في مثال التناقض، معرفة معنى كلمة مثلث كافى لتقرير تناقض الجمل أو خطأها. المثلث بالضرورة يعنى مضلع لة ثلاث أضلاع، لا توجد أي معرفة اخرى خارج معنى الكلمة في الكون قد تغير تلك الحقيقة. على العكس الجملة الاصطناعية synthetic statement هى اى جملة غير تحليلية، اى معاني كلماتها غير كافية لتقرير حقيقتها. مثلا
(1) الشمس تشرق من المشرق
(2) كل الأجسام ثقيلة.
صواب او خطأ تلك الجمل يعتمد على الواقع والحقائق الوجودية. لتقرير حقيقة تلك الجمل لابد لنا من البحث في الكون عن صحتها. أي أن الجمل الاصطناعية تتقرر حقيقتها من خلال البحث التجريبي empirical investigation في الكون. حقيقتها مشروطة قائمة على نظام الطبيعة التي نحن جزء منها وليست جمل صحيحة فقط بُناء على معانيها كما في الجمل التحليلية. ولهذا في أدبيات الفلسفة عادة ما يشار للجمل التحليلية بالبداهة a priori (لا تحتاج تبرير تجريبي)، ضرورية necessary (دائما صواب أو خطأ). على العكس من الجمل الاصطناعية يشار اليها بـ الاستدلالية a posteriori (تحتاج الى تبرير تجريبي) و مشروطة Contingent (صواب في بعض العوالم الممكنة وخطأ في بعض العوالم الممكنة الأخرى). في الحقيقة العقل الألماني الفذ إيمانويل كانط Immanuel Kant هو أول من وضع هذا التفريق بوضوح بين الجمل التحليلية والاصطناعية (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية) .. لكنة ايضا جادل ان هناك بعض الحقائق تقع بين التحليلي والاصطناعي مثلا كانط جادل في عملة الخالد نقد العقل الخالص critique of pure reason أن الحقائق الأخلاقية اصطناعية لكنها بديهية a priori (اى لايمكن الوصول الى حقيقتها بمجرد تحليل معاني الكلمات، ولكن ايضا لا تتطلب تبرير تجريبي!) .. (أرجع لحلقة أخلاق الواجب) .. لكن لاحقا فلاسفة أخرون من أمثال فيلارد فين كوين W. V. O. Quine جادل في ورقة بحثية نشرها سنة 1953 بعنوان “عقيدتي التجريبية Two Dogmas of Empiricism” ان كان هناك فعلا فرق حقيقي بين التحليلي والاصطناعي. ومن بعدة سول كريبكي Saul Kripke جادل أن في كتابة المهم “التسمية والضرورة Naming and Necessity” نشرها سنة 1980 أن هناك جمل استدلالية ضرورية necessary a posteriori مثلا ” الماء مكون من ذرتين هيدروجين وذرة اكسجين، جملة حقيقتها ضرورية دائما صحيحة لكن الوصل لتلك الحقيقة استدلالي من خلال البحث في الطبيعة. التفريق بين الجمل التحليلية والاصطناعية تعرضنا له بتفصيل كبير في حلقات سلسلة ماوراء الطبيعة، وسنعود مرة أخرى لمناقشة في حلقات سلسلة فلسفة اللغة.على اى حال المهم بالنسبة لعلم المنطق من هذا التفريق بين التحليلي والاصطناعي هو ان بعض الجمل او الأطروحات من المنطق التأكد من صوابها او خطئها فقط بالاعتماد على معاني مصطلحاتها الداخلية.
الغموض والالتباس Vagueness and Ambiguity
اللغة ذات الصبغة العاطفية قد تكون جائزة تحت سياق معين، الشعر او الادب مثلا، لكنها عادة غير مناسبة في السياقات الاخرى، خصوصا سياق طرح الحقائق والمعلومات. مثلا لو تقوم باستفتاء وبتسأل عينة من الناس أسئلة لها إجابات محددة لابد أن يختاروا من ضمنها، اللغة المستخدمة لصناعة تلك الاجوبة لابد وان تكون محددة، واضحة، وتتجنب الشكل العاطفي (ده طبعا لو كان هدفك هو الوصول لتقرير مُحايد موضوعى). مثلا سؤال مثل “هل تتفق مع ثورة 25 يناير؟” .. له تأثير مختلف عن سؤال “هل تتفق مع أعمال شغب والفوضى يوم 25 يناير؟” .. اللى بكل تأكيد له تأثير مختلف عن “هل تتفق مع تظاهرات 25 يناير؟”. في علم المنطق بما أننا نبحث عن الحقيقة، نحاول تجنب المعاني العاطفية الخفية داخل الجمل والأطروحات اللغوية. الاطروحات اللغوية العاطفية أو القائمة على المصطلحات العاطفية تعاني من مشكلتين أساسيتين. (1) التعبيرات الغامضة Vague Expressions أو التعبيرات التى يصعب فيها وضع حدود واضحة لما يمكن أن ينطبق عليه التعبير. وبالتالي تسمح لتفسيرات متعددة للادعاء. مثلا فكر في المصطلحات التالية “الحب”، “السعادة”، “السلام”، “الغني”، “الفقر”، “الطبيعي”، “التلوث” .. حاول تعرف حدود تلك المصطلحات والحالات التى ينطبق عليها كل مصطلح .. ستجد صعوبة في تحديد حدود تلك المصطلحات بدقة وبشكل قاطع. مثلا “الغنى غنى النفس” .. “ومن الحب ما قتل” .. “والسعادة ليست في جمع الأموال” .. من العسير جدا تحديد المقصود من تلك الاصطلاحات وصانع الجملة قد يستخدمها بشكل تعبيري مطاط يسمح بتفسيرها بأكثر من صورة. الضرر اللى بتقدمه المصطلحات اللغوية في الجمل يختلف من حيث درجة الغموض. مثلا لما بنقول “احمد طويل” هناك درجة من الغموض نتيجة لاستخدام مصطلح غامض ك “طويل” .. الجملة من الأفضل أن تصاغ مثلا على صورة “أحمد طولة 175 سنتم، 20% من الرجال طولهم يتعدى ال 170 سنتم” .. الإشكالية الثانية هى التعبيرات الملتبسة ambiguous وهي التعبيرات التي تحتمل أكثر من تفسير حسب سياق الجملة، مثلا كلمات “جنون” ، “غضب”، “جنس”، “مناسب” .. وغيرها من الممكن أن تستخدم بصور متعددة حسب سياق الجملة. مثلا لو وصفت فعل شخص ما بانة مناسب .. هل المقصود انه مناسب أخلاقيا، قانونيا، اجتماعيا، ووظيفيا .. الخ . الفرق بين التعبيرات الغامضة والتعبيرات المُلتبسة، هي أن التعبيرات الغامضة تسمح بتفسيرات متعددة بغض النظر عن السياق في حين أن التعبيرات المُلتبسة تسمح بتفسيرات مختلفة حسب السياق. الغموض يصنع معاني غير واضحة، الالتباس يخلط بين معاني واضحة. لكن بعض المصطلحات قد تكون غامضة في سياق ما لكنها مُلتبسة في سياق آخر. مثلا كلمة “بطئ” تحت سياق ما قد تشير الا فرد ذو إعاقة عقلية أو جسدية، لكن لو تحت سياق اخر لو اشارات الكلمة للبطئ الحركي تصبح غامضة لأنها غير دقيقة .. اى ماهى درجة البطئ المشار إليه؟. مفهوم الغموض vagueness والالتباس Ambiguity مهمين جدا في علم المنطق لان في كثير من الأحيان تقيم الحُجة يتوقف على المقصود من المُصطلحات المُستخدمة، لأنها لو كانت غامضة لابد من ايضاح المقصود بها اولا قبل الاستمرار في تقييم الحُجة. مثلا الرافضين للإجهاض Pro-life عادة ما يطرحوا حُجتهم ان الاجهاض شر لانه يسبب إنهاء الحياة. حُجة تبدو بسيطة وواضحة لكنها قائمة على تحديد معنى “الحياة” في المقام الأول.
معضلة الكوم The sorites paradox
أحد معضلات الفلسفة الشهيرة هو معضلة الكوم The Paradox of the Heap أو sorites paradox والذى يوضح إشكالية الغموض وصعوبة التعامل معها. ويعود تاريخ المعضلة المدون الى الفيلسوف اليوناني مُعاصر أرسطو وخصمه اللدود أبوليدس الملطي Eubulides of Miletus واللى آلية يعود طرح العديد من المُعضلات المنطقية، ومحاولة دحض أرسطو لهذه الحُجج لعب دور مهم في إنشاء علم المنطق. على اى حال المعضلة كالاتي حبة واحدة من الرمال ليست كوم من الرمال، لو أضفنا حبة أخرى أصبح معانا حبتين، حبة أخرى أصبح أمامنا 3 حبات، وهكذا حتى يصبح أمامنا كوم من الرمال، لكن بالبديهة لا توجد حبة واحدة مسؤولة عن تحويل مجموع حبات الرمل الى كوم رمال. لكن بتكرار اضافة حبة تلو الاخرى مع الوقت يتكون كوم من الرمال. المعضلة من الممكن صياغتها بصورة عكسية. المعضلة من الممكن وضعها في صورة جدلية كالاتي
(1) مليون ذرة من الرمال هي كوم من الرمل
(2) كوم من الرمل ناقص ذرة واحدة من الرمل مازال كوم
(3) لو مليون ذرة من الرمال كوم، إذن 999,999 ذرة مازالت كوم
(4) لو 999,999 ذرة كوم، إذن 999,998 ذرة مازالت كوم
(5) وهكذا في تسلسل تنازلي الى ذرة واحدة كوم من الرمال
(6) لكن ذرة واحدة ليست كوم من الرمال!
.. السؤال متى يأتي الكوم إلى الوجود؟ .. ماهو الحد الفاصل بين عدم وجود الكوم و تكون الكوم؟ … المعضلة من الممكن صياغتها بطرق عديدة، وفي الغالب قابلت أحد صورها في طفولتك، مثلا البحر مازال بحر او أخذنا منه قطرة مياة، لكن بعد إزالة حجم كافي من المياه لو تبقي لتر واحد ..هل مازال هذا بحر؟ .. الفكرة من الممكن تطبيقها على كثير من الاسنادات اللغوية “الطول”، “الغنى”، “العجز”،”الصلع” .. الخ … في الحقيقة الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل في مقال بعنوان الالتباس Vagueness نشره سنة 1923 جادل أن اللغات الطبيعية في مجملها حتى المنطقية منها مُلتبسة بل الاكثر من هذا القضايا المنطقية نفسها مُلتبسة… تأمل المعضلة قليلا، أهم العقول البشرية حارت أمام تلك الاشكالية…. البعض اعترض على فكرة أن بإزالة حبة واحدة من الرمال مازلنا أمام كوم، لكن عادة الحل ده غير مقبول. أحد الحلول الاولي ايضا هو اننا نحدد عدد محدد من حبات الرمال أكثر منها نطلق على المجموع كوم رمال. او وضع حد اقصى مثلا 10 آلاف حبة، أقل من هذا المجموع ليس كوم. لكن للأسف هذا الحل غير مريح او مقنع لغالب العقول الانسانية لان لايوجد فرق نوعي ما بين 9,999 ذرة و 10,000 حبة. الحد الأقصى الذي وضعناه يبدو اعتباطي arbitrary غير قائم على خاصية جوهرية او سمة حقيقة مميزة. على أى حال هناك حلول أكثر جدية وتعقيدا للتعامل مع الاشكالية في علم المنطق، منها مثلا استخدام منطق القيم المتعددة Many-valued logic الذى يعين أكثر من قيمة حقيقة واحدة للقضية، أو استخدام التقييم الفائق Supervaluationism لوضع قيمة حقيقة لجمل منطقية مركبة بغض النظر عن حقيقة القضايا المكونة للقضية المركبة. حلول أخرى طرحت باستخدام منطق الغموض Fuzzy logic، واخيرا احد الحلول المطروحة هو اللجوء الى الإجماع consensus اى ان تعريف اصطلاح الكوم لابد وان يتم تحديده بناء على استخدام الجماعة او البشر للمصطلح. على اى حال معضلة الكوم تتخطى نطاق مناقشتنا الحالة لكنها مهمة لإيضاح شيوع ظاهرة الالتباس في اللغة البشرية الطبيعية، واستخدام البشر لمصطلحات مُلتبسة في صياغة الجدليات المنطقية يشكل اعاقة كبيرة أمام تقييم الحجج المنطقية.
الإبهام والنقصان Obscurity and Incompleteness
التعبير المُبهم obscure هو التعبير الذى يفتقد الى معنى جوهري. في التعبيرات الغامضة Ambiguous التعبير قد يحتمل أكثر من معنى مثلا مصطلح “السعادة” يحتمل أكثر من معنى، اما التعبيرات المُلتبسة Vague لا تضع حدود واضحة للمصطلحات المستخدمة، مثلا متى يعد شخص ما عجوز؟ أو أصلع؟ .. كلها مُصطلحات غامضة، لأن الحد بين الصلع وعدم الصلع غير محدد. ومن هنا ظهرت معضلة الكوم المنطقية. نتيجة استخدام البشر لمصطلحات مُلتبسة، لكن مازال كثير من البشر لديهم قدرات غير عادية على تمييز الالتباس في اللغة والتعامل معة، مثلا اى طفل قادر على الإشارة على شخص فقد معظم شعرة ووضعة تحت تعريف الصلع، ولن يختلف معه الكثير. بالرغم من الالتباس لان المصطلحات مازال لها معنى جوهرى البشر قادرين على استخدامها في بعض المواقف وتكوين مصطلحات مُلتبسة بعض الشئ منها. لكن المصطلحات المُبهمة obscure تفتقد للمعنى الجوهرى فكر في تلك الجمل (1) كل شئ مهم (2) انت على صواب الى حد ما (3) هذه قصة مُثيرة للاهتمام. هذه التعبيرات يبدو أنها تطرح شئ ما، لكن غير واضح معناها الحرفي .. مثلا “كل شئ مهم” .. ماهو “كل شئ” .. “مهم” بالنسبة لماذا؟ .. أو مثلا البعض قد يقول .. أنت على صواب “الى حد ما” .. ماهو هذا “الحد” .. هل يعنى هذا أن الحق في جانبك؟ .. في الواقع هذا التعبير تحديدا عادة ما يستخدم من قبل البشر لرفض حُجة فرد آخر بصورة مهذبة! .. واخيرا مصطلح مثل “مثير للأهتمام” مُبهم قد يستخدم عندما شخص ما يجد ان شئ ما فعلا مثير أو في كثير من الأحيان يستخدم عندما يكون الفرد غير مُهتم بالحديث بالمرة، لكنها طريقة مُهذبة للأستماع او انهاء الحوار. التعبيرات الناقصة incomplete هى التعبيرات النطاق او المجال Domain غير محدد فيها. مثلا (1) دعنا نذهب الى المقهى لاحقا (2) الكل سعيد. برتراند راسل جادل أن الجمل التى تأخد شكل “الـ س” لابد من تحليلها على انها تشير الى شئ فريد محدد تشير إليه خواص س في مجال او نطاق ما، بالتحديد نطاق أو مجال كل الكائنات والأشياء في الكون كلة. مثلا .. لما بنقول “النظرية النسبية” نحن نشير بشكل محدد الى نظرية اينشتين او لما بنقول “الأهرامات” نشير الى أهرامات الجيزة. لكن في المثال السابق اى مقهى في الكون يشير إليه مصطلح “المقهى” ؟ .. هناك مئات اللاف من المقاهى في الكون وملايين عبر العصور، إلى ايهم تشير الجملة السابقة؟! .. يبدو أن مصطلح “المقهى” غير مكتمل .. تنقصة اضافة ما لتحديد الكائن في المجال المُتحدث عنه، سياق الكلام عادة ما يقدم اشارة ما لتحديد المجال الذى ينطبق داخلة المصطلح الناقص. مثلا المتحدث من في الغالب يشير الى المقهى الذى يذهب الية هو وصديقة غالب الوقت، او من الجائز المقهى الذى كانا يتحدثان عنه منذ قليل. إذن النقصان في الاصطلاح نابع من افتقاده لتحديد معنى ما دون المجال أو السياق. بنفس الصورة المثال في المثال الثاني “الكل” مصطلح ناقص يعتمد على سياق او مجال الكلام، الى من يشير الكل ؟ .. في الغالب ليس كل البشر في العالم، المتحدث يحدد مجموعة ما في سياق كلامه.
التعريفات Definitions
وظيفة المنطق الأساسية هي تقييم الحُجج. لكن كما رأينا تقييم الحجج قائم في كثير من الأحيان على تحديد المعاني اللغوية المطروحة في الجمل المستخدمة للتعبير عن قضايا الحُجة. بعض الكلمات المستخدمة في الحُجة قد تكون غامضة او مُلتبسة المعنى الامر اللى قد يؤدى لخلاف Dispute حول الحقيقة المطروحة. الحل في تلك الحالة عادة ما يكون وضع تعريف Definition محدد لتلك الكلمات. وبالتالي دراسة المعنى والتعريفات وثيق الصلة بعمل المنطق. وحدة بناء الجمل اللغوية هي الكلمات words. التعريفات تنطبق على الكلمات او وحدة الترميز اللغوى لوصف الاشياء وليس الشئ نفسه، لان الشئ ذاته لا يوجد تعريف لة، مثلا الكرسي نقدر نقعد علية، نحركة، نقف فوقة، الخ. لكن الكرسى لا يوجد له تعريف، اى انه ليس رمز لغوي من الممكن تعريفه. لكن كلمة “الكرسى” نفسها هى رمز لغوي من الممكن وضع تعريف محدد لما تشير إليه. في دراسة اللغة والمعنى اصطلاح المُعرف definiendum يشير الى الرمز اللغوى الذى يتم وضع تعريف لة. في مقابل التعريف definiens وهو الرمز او مجموعة الرموز المستخدمة لتفسير معنى المُعرف. هناك أربع صور من التعريفات. الأول التعريفات التعاقدية Stipulative Definitions وهى التعريفات الموضوعة لرمز معين يُطرح للمرة الاولي. لو قدمت رمز أو اصطلاح جديد انا حر في وضع او تعيين المعنى المناسب من وجهة نظرى لهذا الاصطلاح. وفي بعض الأحيان من الممكن ان استخدم مصطلح معين في سياق جديد واُعين معنى جديد له، في بعض الأحيان يتم الاشارة للتعريفات من هذا النوع بالتعريفات الاسمية أو الشكلية nominal. الهدف من هذة التعريفات عادة استبدال تكوينات لغوية معقدة بأخرى ابسط. مثلا مصطلح مثل “الميجابايت” مصطلح تعاقدى اتفق عليه علماء الكمبيوتر لتعريف وحدة قياس تخزين للبيانات. أو مصطلح “المليار” مصطلح تعاقدى رياضي يعبر عن وحدة الألف مليون. المصطلحات التعاقدية اساسية في العلم لأنها تنزع الصبغة العاطفية عن الكلمات وتكسبها صورة موضوعية. مثلا في علم النفس كلمة “الذكاء” عادة ما تستبدل بمصطلح تعاقدى آخر هو “معامل ج g factor” للتعبير عن نفس المعنى دون وضع صورة عاطفية معينة في ذهن الباحث. وفي كثير من الأحيان تظهر مصطلحات ذات صبغة عاطفية داخل المجتمعات العلمية لكنها سرعان ما تستبدل بمصطلحات تعاقدية اخرى غير عاطفية مثلا اصطلاح الثقوب السوداء تم استبداله بعالم الفيزياء جون ويلر Dr. John Archibald Wheeler بمصطلح “النجوم مُتداعية الجاذبية gravitationally completely collapsed star”. في بعض الأحيان المصطلحات التعاقدية قد تستخدم لوضع كلمات سرية! .. خلال الحرب العالمية الثانية “تورا، تورا، تورا” كان الرمز الكودى اللى استخدمة الجيش الياباني كي يرمز لبدء عملية بيرل هاربر. أو مشروع مانهاتن كان الاسم الكودي للمشروع الامريكي السري لصناعة القنبلة الذرية. وشركات التقنية العملاقة تستخدم مصطلحات تعاقدية للأشارة لمشاريع سرية مثلا “مشروع كايرو”، “مشروع سنو ليبورد”، “مشروع بيشب”، وغيرها. التعريفات التعاقدية ليست صواب او خطأ، ليست دقيقة او غير دقيقة، المصطلح لم يكن له هذه القوة التعريفية قبل أن يتم التعاقد على تحديد هذا المعنى لة. والتعاقد هنا قائم على قبول الأفراد لوضع هذا المعنى بالمصطلح. التعريف التعاقدي هو دعوة لاستخدام الرمز المُعرف للإشارة للمعنى المُعبر عنه. وبالتالي هذة التعريفات امرية اذن وليست اخبارية، من الممكن قبولها أو رفضها. النوع الثاني من التعريفات التعريفات المعجمية Lexical Definitions عادة ما يعبر الرمز اللغوى عن معنى محدد متفق عليه في اللغة. اى ان المُعرف معجميا عادة ما يشير الى معنى معروف للكلمة. وبالتالي هذا التقرير قد يكون صواب او خطأ . مثلا تعريف كلمة “طائر” هو اى كائن فقارى من ذوات الدم الحار له ريش. تعريف صواب للمتحدثين باللغة العربية، لكن لو مثلا تعريف طائر أصبح اى كائن من الثدييات له قدمين .. بكل تأكيد تعريف خاطئ. التعريفات المعجمية تساعد في حل إشكالية التباس معاني الكلمات خصوصا ان كانت معانيها متقاربة مثلا الضوء (1) شئ يجعل الأشياء تتضح الرؤية (2) إشعاع كهرومغناطيسي (3) شئ ضئيل في الوزن (4) شئ سعراته الحرارية أقل من المعيار الأساسي. عدة تعريفات تساعد على فهم نفس الكلمة في سياقات مختلفة. السؤال اللى غالبا يدور في عقلك دلوقتى .. ما هو الفرق ما بين التعريفات التعاقدية والتعريفات المعجمية. لو اخدت بالك .. انا قلت ان التعريفات المعجمية تحتمل الصواب والخطأ في حين ان التعريفات التعاقدية لاتحتمل الصواب او الخطأ. في التعريفات التعاقدية الاصطلاح ليس لة معنى بعيدا عن التعريف الموضوع .. فكر مثلا في معنى “ميجابايت” .. “كوارك” او غيرها من الاصطلاحات التعاقدية. أما التعريفات المعجمية لها معنى سابق ومستقل عن المعنى المحدد وبالتالي المعنى المطروح قد يكون صواب أو خطأ بُناء على أن كان استخدام المصطلح في الجملة مُتفق مع معاناة. لهذا السبب البعض قد يشير أحيانا للتعريفات المعجمية بالتعريفات الواقعية Real للإشارة لان المصطلح له معنى واقعي. لكن في الحقيقة الفكرة دى غير دقيقة لأن المصطلحات المعجمية قد تشير لمفاهيم غير واقعية لكنها محددة ومتفق عليها مسبقا مثلا “التنين” والعنقاء” مصطلحات لا تشير لكائنات واقعية لكنها مازالت مصطلحات معجمية وهناك تعريف محدد من الممكن اختبار صحة وخطأه حسب استخدامه في الجملة. لكن المعنى المعجمى المتفق عليه من أين يأتى؟ .. في الحقيقة الموضوع ده دراسة مستقلة في علوم اللغة. لكن بشكل مبسط معنى الكلمات مسألة احصائية تكتسب من استخدام الكلمات بشكل معين عبر الزمن. وبالتالي المعانى المعجمية قد تتغير مع الوقت. المعجميين أو القائمين بالعمل على وضع المعاجم lexicographers عادة ما يحاولوا التعامل مع تلك الاشكالية باستخدام افضل معنى للمصطلح، الاوسع انتشارا، والأقرب للتعبير عن الكلمة. لكن من الشائع جدا أن مصطلح معجمى قد يكون له معنى غير شائع في فترة زمنية معينة يصبح أكثر انتشارا في فترة أخرى. على اى حال ده موضوع كبير ومعقد وبعيد عن دراستنا الحالية للمنطق. النوع الثالث من التعريفات هو تعريفات الدقة Precising Definitions وهى التعريفات المستخدمة لتقليل إشكالية الغموض والالتباس في بعض الكلمات. كما رأينا منذ قليل كلمات مثل “الحرية”، “المسؤولية”،”الحب”، “الشجاعة”، الخ .. قد تكون غامضة او مُلتبسة المعنى حسب السياق. هذا الغموض والالتباس قد يسبب مشاكل كثير عند محاولة تحليل الفرضيات المطروحة. مثلا المادة الرابعة في الدستور الأمريكي بتقول “حق الشعب مكفول في أن يكون آمنًا في أشخاصه ، ومنازله ، وأوراقه ، وآثاره ، ضد عمليات التفتيش والمصادرة غير المعقولة… الخ” مصطلح :التفتيش والمصادرة الغير معقولة unreasonable searches” كانت محل نزاع اخير في حق الاجهزة الامنية في مراقبة تحركات المتهمين او المشتبه فيهم في قضايا معينة .. هل من الممكن استخدام تكنولوجيا مثل نظام تحديد الموقع GPS لمراقبة المشتبه فيه؟ .. هل يعد هذا خرق للدستور؟ .. هل يجب الحصول على تصريح من المحكمة للقيام بهذا البحث؟ .. بعض المحاكم في الولايات المتحدة أمرت الهيئات التنفيذية بطلب تصريح لمراقبة مشتبه فيه من المحكمة قبل القيام بالمراقبة ولا يعد خرق للدستور، لكن بعض القضاة في ولايات اخرى رفضوا هذا لاسباب عديدة من ضمنها ان مراقبة حركة السيارات من خلال جهاز الجي بي اس لا يعد عملية تفتيش على الاطلاق! … الخلاف ده كله بسبب ان مصطلح “التفتيش الغير معقول” غامض وغير محدد. مثال آخر لأهمية التعريفات الدقيقة في عمليات زراعة الأعضاء الحيوية، قبل أن يتم القيام بعملية زراعة القلب، لابد من موت المُتبرع، والا يصبح الجراح في وضع الاتهام بالقتل العمد. لكن لو مرت مدة طويلة على موت المُتبرع، تقل فرصة نجاح العملية. إذن السؤال متى بالضبط يعد الفرد ميتا؟ .. عند توقف القلب؟ .. توقف الشخص عن التنفس؟ .. عند توقف نشاط المخ؟ .. او تعريف أخر ؟؟ .. أى أن المسألة هنا هي تحديد اصطلاح “لحظة الوفاة” بدقة … على أى حال كثير من المحاكم في الدول الغربية حددت مصطلح لحظة الوفاة توقف نشاط المخ من خلال قياس تخطيط أمواج الدماغ electroencephalograph .. هذا التعريف هو تعريف دقيق يعتد بة في المحاكم الغربية. التعريفات الدقيقة تختلف عن تعريفات التعاقد لان المُعرف ليس مصطلح جديد، لكنه مُصطلح معروف لكن للأسف غامض، أو مُلتبس المعنى بشكل عام او بسبب استخدامة في سياق معين. وبالتالي لا يمكن تحديد اى معنى تعاقدى في تلك الحالة لأن المُصطلح معروف. وفي تلك الحالة الهدف يصبح وضع تعريف يحترم معنى المصطلح المتعارف عليه لكن يجعله أكثر دقة وأقل غموضا. النوع الرابع هو التعريفات النظرية Theoretical Definitions في العلم وفي الفلسفة ، غالبًا ما تكون التعريفات بمثابة ملخص أو خلاصة لبعض النظريات. اى ان التعريفات النظرية عادة ما تشير الى نظرية من خلالها يمكن تعريف خصائص الكائنات او الاشياء التى يشير إليها المصطلح. مثل هذه التعاريف ، عندما تكون خاطئة ، يتم انتقادها ليس لأنها ليست دقيقة لأنها ليست كافية – فهي لا تلخص النظرية المعنية بشكل صحيح. على سبيل المثال تعريف “كوكب” على أنه “الكواكب هي مجرد أجسام في مدار حول الشمس ، وهناك تسعة كواكب في النظام الشمسي – أصغرها هو بلوتو ، مكون من مواد غير عادية ، وله مدار غير عادي ، وبعيد عن الشمس.”. لكن مؤخرا هناك أجسام أخرى أكبر من كوكب بلوتو لها شكل غريب اكتشفت مُؤخرا تدور حول الشمس. هل تلك الأجسام ايضا تعد كواكب؟ .. لو الاجابة لا ؟ .. لماذا لا؟ .. هذا التعريف القديم اصبح غير مناسب مع الاكتشافات الحديثة وفتح الباب امام خلاف لم يحسم تماما داخل الاتحاد الفلكي الدولي International Astronomical Union (IAU). وصدر عنة تعريف جديد للكواكب فيها أقر الاتحاد أن هناك ثمان كواكب فقط في مجموعتنا الشمسية، وهناك فئة جديدة أطلق عليها الكواكب القزمية dwarf planet تنطبق على أجسام مثل بلوتو Pluto، سيرس Ceres، و آيرس Eris. اى ان التعريفات النظرية لابد وأن تحافظ على معنى ثابت ومستقر غير متغير مع الاكتشافات الجديدة ويعبر بشكل كامل عن النظرية المعبر عن المعنى .. سنة 2006 الاتحاد الفلكي الدولي وضع تعريف جديد أكثر تحديدا للكوكب على انه “جسم سماوي ، داخل النظام الشمسي ، (1) في مدار حول الشمس ؛ و (2) لديه كتلة جاذبية ذاتية للتغلب على قوى جذب الأجسام الصلبة بحيث تفترض شكل توازن هيدروستاتي (شبه دائري) ؛ و (3) أخلى المنطقة المحيطة بمداره. ” التعريفات النظرية أيضا تملأ فضاء أدبيات الفلسفة، من ارسطو في محاولة لوضع تعريف نظري للعدالة في عمله الخالد الجمهورية، إسبينوزا في محاولة لتعريف الحرية، لفيتجنشتاين تعريف اللغة، وغيرها مئات الأمثلة. التى تحاول وضع تعريف نظرى شامل ينطبق على كل الحالات الممكنة وازالة اى تناقضات او التبسات. وأخيرا النوع الأخير من التعريفات هو التعريفات الاقناعية Persuasive Definitions التعريفات الاربعة السابقة تعريفات للمعانى المعرفية، لكن التعريفات الاقناعية تركز على المعاني العاطفية، وهى نوع من التعريفات التى تحل خلاف حول معنى ما بالتأثير على المتلقي من خلال العواطف. التعريفات الاقناعية واسعة الانتشار داخل الحُجج والجدليات السياسية .. الماركسين مثلا قد يعرفوا الاشتراكية على انها ديموقراطية المجال الاقتصادى .. تعريف استخدم من قبل بعض من الاشتراكيين بالفعل .. والرأسماليين قد يعرفوا الرأسمالية على أنها ديمقراطية الاقتصاد. أو مثلا في صراع مازال دائرا حول عملية الإجهاض في الولايات المتحدة الأمريكية، الرافضين يعرفوا الاجهاض على أنه “القتل الوحشي للاطفال الابرياء” .. في حين المدافعين يعرفونه على انة “إجراء جراحي آمن وثابت حيث تُعفى المرأة من عبء غير مرغوب فيه” .. التأثير العاطفي واضح في اللغة المستخدمة في التعريف التى ستترك تأثير في عقل المتلقي بكل تأكيد. لكن في بحثنا عن الحقيقة في الجدليات كما رأينا سابقا لابد من التخلص من التأثير العاطفي والالتزام بالموضوعية وبالتالي التعريفات الاقناعية احد الصور التى لابد لنا من تحديدها في الجدليات ورفضها ان كنا نبحث عن الحقيقة.
المفهوم والدلالة Extension and Intension
التعريف يضع معنى الاصطلاح من الناحية اللغوية. لكن من الممكن فهم التعريفات والدور الهام الذي تلعبه في في المنطق من زاوية أخرى مختلفة عن الوظيفة التي تؤديها، من خلال فهم تركيبها. المصطلحات العامة General Terms تعلب دور كبير في عملية التفكير وبالتالي سنركز بحثنا حولها. الاصطلاح العام قد يكون على شاكلة كلمة “الكوكب” كما رأينا منذ قليل، كوكب، بتشير لعدد من الاشياء .. الأرض، المريخ، الزهرة، عطارد، الخ … لكن المصطلح لا ينطبق على بلوتو الذي أصبح يعد ضمن الكواكب القزمية طبقا لتصنيف الاتحاد الفلكي الدولي الأخير. كوكب إذن أشار لمجموعة من الأشياء. مجموعة تلك الكائنات شكلت تعريف مفهوم الكوكب. لو اكدت ان كل الكواكب لها مدار دائرى، تأكيدى بالضرورة لابد وأن ينطبق على كوكب الزهرة مثلا. اى أن المعنى الذي يحمله اصطلاح الكوكب يمتد ليشمل اى شئ او كائن يقع تحت هذا التعريف. المعنى الامتدادي (وتسمى أيضًا المعنى التوضيحي) للمصطلح العام هو مجموعة الكائنات التي تشكل امتدادًا للمصطلح. لكن للوصول لمعنى المصطلح العام من الضرورى معرفة كافة الكائنات التى تقع تحت هذا المصطلح، لأن تلك الكائنات تعطينا الخواص العامة المشتركة ما بينها التى تقود إلى وضع تعريف عام ينطبق عليها. وبالتالي معرفتنا لتلك الخواص العامة يساعدنا على فهم المعنى للمصطلح. إذن المعنى يفترض وجود معيار من خلاله يمكن تحديد إن كان شيء أو كائن ما يقع تحت امتداد مصطلح ما عام. هذا المفهوم للمعنى عادة ما يطلق عليه المعنى المفهومي intensional meaning او في احيان اخرى connotative meaning .. ومجموعة الخواص المشتركة بين كل الأشياء والكائنات التى يشير إليها المصطلح العام عادة ما يشار إليها المفاهيم connotation أو intension. لكن ليست هذه الصورة الوحيدة للمعنى. كل مصطلح عام له معنى مفهومي intensional وايضا معنى امتدادي extensional او دلالي denotative . مثلا فكر في مصطلح مثل “ناطحات السحاب” ينطبق على كل المباني التى تتعدى ارتفاع معين، ده المعنى المفهومي intension لكن المعنى الدلالي او الامتدادي للمصطلح extension هو فئة المباني التي تشمل برج خليفة في دبي، برج القاهرة، مبنى التجارة العالمي في نيويورك، الخ .. اى مجموعة كل المباني التي ينطبق عليها الاصطلاح. أى أن دلالة أو امتداد المصطلح هو عضويته اى كائنات أو أشياء لها عضوية في هذا المفهوم او المعنى، والعضوية تحددها الخواص المشتركة التى نصل إليها من خلال المعنى المفهومي intension. مثلا مصطلح “مثلث متساوى الاضلاع” له معنى مفهومي وهو اى كائن مكون من ثلاث أضلاع متقاطعة متساوية في الطول، اما المعنى الدلالي هو فئة كل الكائنات التى ينطبق عليها هذا المعنى المفهومي. ولان تلك الكائنات تشترك في الخصائص التى حددها المفهوم اذن هى فقط لها حق عضوية الانضمام لهذا المصطلح. اذن مفهوم الاصطلاح يحدد دلالته term’s intension determines its extension. لكن العكس غير صحيح. دلالات المصطلح لا تحدد مفهومة. مثلا فكر في مصطلح “مثلث متساوي الزوايا” المختلف عن “مثلث متساوى الاضلاع” .. المعنى المفهومي للمصطلح هو اى كائن مكون من ثلاث أضلاع متقاطعة متساوية في الزوايا. لو فاكر من دراستك للهندسة صحيح أن دلالات مفهوم المثلث متساوي الزوايا هي نفس دلالات مصطلح المثلث متساوي الأضلاع. لكن ليس معنى هذا ان المفهومين متطابقين! .. قدرتنا على تحديد امتدادات ودلالات اصطلاح ما، لا يدلنا على مفهوم الاصطلاح. باختصار المفاهيم لا تحدد بالدلالات intension is not determined by extension. المصطلحات من الممكن أن يكون لها نفس الدلالات لكن مفهومها مختلف. لكن المصطلحات التي لها دلالات مختلفة لا يمكن أن يكون لها نفس المفهوم! .. علماء اللغة يشيروا الى اتساع مفهوم المصطلح عند اضافة مصطلحات أخرى له increasing intension .. ويعرفوا هذه الظاهرة في حالة وجود متسلسلة من المصطلحات في ترتيب تزداد فيه رقعة المفهوم، عندما يكون كل مصطلح في المتسلسلة ماعدا المصطلح الأول يقرر خصائص أكثر من المصطلح السابق لة. وعكس هذا التعريف يصبح تقليل المفهوم decreasing intension. مثالا المتسلسلة “حيوان ، ثدييات ، قط ، نمر” تتسع في المفهوم .. على النقيض من متسلسلة “نمر ، قط ، ثدييات ، حيوان” يتناقص في المفهوم. لو حاولنا وضع المتسلسلات في مثال عملي من الممكن أن نبدأ بمصطلح “رجل” يتسع مفهومة لو اضفت له “رجل عمره 30 عام” ويتسع أكثر لو اضفت له “ولد في مصر” .. لكن اتساع مفهوم المصطلح يقلل من رقعة دلالالة! .. عدد الرجال في العالم أكثر من عدد الرجال اللى عمرها 30 سنة اللى اكثر من عدد الرجال اللى عمرهم 30 سنة ومولودين في مصر! .. لكن الفكرة دى ليست دائما صحيحة، في بعض الأحيان قد يتسع مفهوم المصطلح لكنه لا يؤثر على دلالالة .. تقدر تفكر في مثال تتسع فيه مساحة المفهوم لكن دلالته مازالت ثابتة؟! …. فكر في المثال ده … مصطلح “انسان” … الان ضيف إلى المصطلح “انسان لديه عمود فقرى!” .. الان ضيف ” انسان لدية عمود فقري، عمره ألف عام، وقرأ كل الكتب في تاريخ الإنسانية” .. بكل تأكيد اضافة تلك المفاهيم زاد من مساحة المفهوم الأول، لكنه لم يقلل من دلالاته بالمرة. أكيد لاحظت من المثال السابق ان هناك مصطلحات امتداداتها او دلالاتها خالية Empty، او لا توجد كائنات او اشياء ينطبق عليها مفهوم المصطلح او الخواص المشتركة التى يشير إليها المصطلح null class. مثلا معظمنا قرأ عن طائر الرخ في ألف ليلة وليلة، المعنى له مفهوم واضح ومحدد لكن لا توجد له دلالات في الواقع من الممكن ان نشير لها، كذلك العفاريت، الجن، وغيرها من المفاهيم المحددة لكن لاتوجد دلالات معروفة لنا من الممكن أن نضعها تحت هذا المفهوم .. حقيقة ان بعض المصطلحات خالية او لاتشير الى اى شئ تقودنا لعلاقة مهمة بين الدلالة والمفهوم وهى ان المفهوم يقرر الدلالة. اى ان مفهوم المصطلح يضع معيار ما يدل عليه. لأننا على دراية بالخصائص التى يشتمل عليها مفهوم مصطلح طائر الرخ، نصبح على علم أن المصطلح خالي او لا يدل على كائنات واقعية. اى اننا نعلم انه لا وجود لطائر عملاق أكبر من الحوت في الحجم، يسكن أعالي الجبال، وينفث نيران من منقارة. المناقشة دى قد تكون مسلية أو جائز مملة بالنسبة لك، لكنك غالبا بتتسائل ما هى علاقة معاني المصطلحات ودلالاتها بالمنطق والحُجج؟! .. في الحقيقة العلاقة كبيرة .. في بعض الأحيان يبنى البعض حُجج على مصطلحات لها مفهوم محدد لكن بدون دلالات. فكر في الحجة دى “
(1) كلمة “الله” ليست بدون معنى، أذن لها معنى
(2) طبقا لتعريف كلمة الله، هو كائن كامل القدرة، المعرفة، والمحبة
(3) إذن، كائن كامل القدرة، المعرفة والمحبة (الله) لابد وان له وجود.”
.. بكل تأكيد كلمة الله لها معنى، وبالتالي لها معنى مفهومي، لكن ليس بالضرورة ان يُتبع من تلك الحقيقة إن مصطلح الله ان يكون له معنى دلالي، او له فعلا دلالات يشير اليها! … إذن التفريق بين المفهوم والدلالة مهم جدا عند تحليل الحُجج والجدليات.
آليات التعريف الدلالية Denotative Definitions Techniques
التعاريف الدلالية Denotative definitions توظف طرق واساليب تحديد امتداد extension المصطلح محل التعريف. ابسط الطرق لتفسير الرقعة الامتدادية لمصطلح ما، هو تحديد الكائنات والأشياء التى يدل عليها المصطلح. طريقة فعالة لكنها محدودة كما سنرى. كما رأينا من الممكن وجود مصطلحين لهم نفس الدلالات (المثلث متساوي الأضلاع، المثلث متساوي الزوايا) .. لكن حصر جميع الكائنات التي يمتد إليها تعريف ما لا يعني بالضرورة أن التعريف كافي لتفريقه عن مصطلح آخر. وبديهيا ليست دائما من الممكن حصر أو عد كل الكائنات التى يدل عليها مصطلح ما. مثلا مصطلح نجم يدل حرفيا على عدد فلكي من الاشياء! أو مصطلح رقم يشير الى عدد لانهائى من الكائنات. في الواقع بالنسبة لمعظم المصطلحات العامة من غير الممكن حصر أو عد كل امتدادها بشكل عملي. وبالتالي التعريفات الدلالية محصورة على حصر جزئي لعدد من الكائنات التى تدل عليها. والقصور ده يؤدي لمشكلة كبيرة وهي أن هذا الحصر الجزئي يؤدي إلى أن التعريف يصبح غير مؤكد uncertain. لان الكائنات والأشياء لها خواص عديدة، وبالتالي قد يكون لها عضوية تحت أكثر من مفهوم، مثلا في مثال ناطحات السحاب، برج خليفة في دبي قد يندرج تحت مصطلح “أضخم مباني القرن العشرين” .. او مفهوم “أهم الإنجازات المعمارية البشرية في القرن العشرين” .. الخ .. وبالتالي الحصر الجزئي لدلالات المصطلح غير كافي للتفريق ما بين المصطلحات ذات الدلالات المختلفة. أحد طرق التغلب على تلك الاشكالية هو تحديد مجموعات جزئية تحت المفهوم، تلك المجموعات الجزئية قد تساعد على حصر الكائنات التي تنتمي إليها، مثال مصطلح “الكائنات الفقارية” من الممكن وضع مجموعات أو مفاهيم جزئية منة مثل “البرمائيات”، “الطيور”، “الأسماك”، “الزواحف”، “الثدييات”، الخ .. الحل ده قد يعطي بعض الراحة النفسية المؤقتة، لكن مصطلح “الكائنات الفقارية” مازال مفتقد لتعريف محدد. حل أخر للإشكالية هو بدلا من حصر كل الكائنات التى يشير اليها التعريف، قد نحاول الاشارة اليها .. هذا النوع من التعريفات يطلق عليها “التعريفات التوضيحية ostensive definitions” demonstrative definitions .. اللى واضح من اسمها أن التعريف محدد من خلال الإشارة الى الكائنات التى توضح مفهومة .. مثلا قد اعرف الكمبيوتر بالإشارة لجهاز الكمبيوتر القابع امامي الان. لكن التعريفات التوضيحية ينطبق عليها نفس المشاكل والقصور في التعريفات الدلالية، الاشارة محدودة بالموقع، رؤية الكائن، بالإضافة للالتباس الذي قد يحدث من الاشارة، مثلا عند تعريف الكمبيوتر بالاشارة الى جهاز كمبيوتر، البعض قد يعتقد ان اشير الى جزء منه كالشاشة مثلا. أحد الحلول الاخرى قد يكون من خلال اضافة جملة وصفية للتعريف ما يعرف بالتعريفات شبة التوضحية quasi-ostensive definition مثلا قد أشير للكمبيوتر هذا الجهاز هو كمبيوتر. لكن الجملة الوصفية دى تفترض ان المتلقي على دراية او فهم لمصطلح جهاز. اللى يحد الهدف من التعريفات التوضيحية، لان دلوقتى من المفروض أننا نعرف مصطلح من جهاز من خلال الإشارة لشئ ما، الخ .. المصطلحات الدلالية بشكل عام تعاني من اشكالية اخرى وهو عدم قدرتها على وضع تعريف محدد للكلمات التى لاتوجد في الطبيعة او لايمكن الاشارة اليها، كيف من الممكن ان تضع تعريف دلالي للأشباح، الملائكة، الجن، الموتى الأحياء، الخ. اذن التعريف من خلال الاعتماد على الامتدادات أو الدلالات غير كافي لتحديد المفاهيم ووضع تعريف ومعنى مؤكد.
آليات التعريف المفهومية Intensional Definitions Techniques
مفهوم المصطلح Intension هو كل الخواص المشتركة ما بين كل الكائنات التى يدل عليها المصطلح، وتشترك فيها فقط تلك الكائنات. لو مثلا الخواص التى تعرف مصطلح الفنجان مثلا “وعاء له ذراع” .. “ذو قاعدة” .. “له عمق” .. إذن كل فنجان هو وعاء له ذراع له ذراع وقاعدة، وفقط الفناجين هى الاوعية التى لها ذراع، قاعدة، وعمق. لكن هناك ثلاث طرق مختلفة لإدراك المفهوم لابد من التفريق ما بينها. الأول المفهوم النسبي أو الذاتي subjective intension للكلمة هو مجموعة الخواص التى يعتقد المتحدث في ضرورة وجودها في الأشياء التى يدل عليها المفهوم. مجموعة الخواص دى قد تختلف من فرد لآخر. او من مكان لآخر، من وقت لأخر، وبالتالي نسبية، ولا تصلح لوضع تعريف، على الأقل من وجهة نظر المنطق، لأن المنطق يهتم بالحقائق، المفاهيم والتعريفات العامة وليس التعريفات الذاتية أو النسبية. ثانيا .. المفهوم الموضوعي objective intension للكلمة هو مجموعة كل الخواص المشتركة لكل الكائنات التى تدل عليها الكلمة. مثلا في المفهوم الموضوعي لمصطلح “الدائرة”، لها خاصية انها تشمل اى مساحة لمسطح له نفس القطر. لكن المفهوم ده كثير من البشر لا يعرفه لكننا مازلنا قادرين على استخدام الكلمة. اى ان كان من غير الضرورى لنا ان ندرك جميع خواص المفهوم وبالتالي المفهوم الموضوعي لا يمكن أن يكون المفهوم العام الذي نبحث عنة لإعطاء تفسير أو توضيح للمصطلحات. الناس تتحدث يوميا باستخدام المصطلحات العامة، دون فهم المعنى الموضوعي لها، إذن لابد من وجود فئة اخرى من المفاهيم بجانب النسبية والموضوعية التي يعتمد عليها الناس عند استخدام تلك المصطلحات. المصطلحات لها معاني مستقرة ثابتة لأن هناك اتفاق ضمني على استخدام نفس المعيار لتحديد الأشياء التى تدل عليها تلك المصطلحات، أو التى تقع تحت مدلولها. الأمر الذي يجعل شئ ما دائرة في الوعي العام لكثير من الناس، هو انها منحنى مغلق، أى نقطة على محيطه على نفس المسافة أو البعد من مركز المسطح. هذا المعيار ضمني، اعتباري، ولهذا يطلق علية المفهوم التقليدي والمألوف conventional intension للكلمة. الصور دى من التعاريف المفهومية ضرورية لأنها تجعل المفهوم عام دون الحاجة لفهم كل خواصة. لكن ما هي الطرق والوسائل المختلفة لاستخدام المفاهيم لتعريف المصطلحات؟ … هناك عدة طرق، أبسطها وأكثرها استخداما، هو استخدام كلمة اخرى لها نفس المعنى أو المفهوم، اى مترادفة أخرى للكلمة الأولى synonyms .. التعريف الذي يعطي بتلك الصورة عادة ما يطلق علية التعريف الترادفي او من خلال المترادفات synonymous definition، المعاجم على وجة التحديد تعتمد بشكل كبير على تلك الطريقة في تعريف المصطلحات. قاموس ما من الممكن ان يعرف “خجول” باستخدام مرادفات مثل “عفيف النفس”، “مُستحى” ،الخ .. التعريفات من خلال الترادف عملية جدا خصوصا في تعريف الكلمات ما بين اللغات المختلفة. لكن الطريقة فيها قصور كبير، وهو أن كلمات عديدة لا يوجد لها كلمات أخرى مرادفة أو في كثير من الأحيان المترادفة لا تعبر تماما عن الكلمة الأولى، مثلا هل عفيف النفس هو دائما الخجول؟ .. وبالتالي المصطلحات من خلال الترادف غير دقيقة وقد تقود لفهم غير صحيح. لكن في الحقيقة الاشكالية الأهم في هذا النوع من التعريفات هو أن في حالة ان كلمة ما تشير لمفهوم غير واضح او مفهوم، في الغالب كل مرادفات الكلمة تكون محيرة ولاتساعد في تحديد المفهوم. صورة أخرى للتعريفات هي التعريفات الاشتقاقية etymological definition نحدد فيها تعريف الكلمة من خلال البحث في جذورها اللغوية في نفس اللغة أو لغات أخرى. هذا النوع من التعريفات يظهر كثيرا في الكتابات الفكرية، التاريخية، والفلسفية. الكاتب عادة ما يتتبع جذور المصطلح اللغوية ويسعى من هذا لتوضيح المعنى المقصود. مثلا جذور كلمة كابتن في اللغة العربية الكلمة اللاتينية caput التي تعني الرأس او القائد. أهمية النوع ده من التعريفات أنه يوضح جذور الكلمة وعلاقتها والاشتقاقات الأخرى التى عادة ما تتشابه لغويا، معرفة أصول الكلمة يساعد في فهم المقصود منها، مثلا كلمة Principles في اللغة الانجليزية جذورها ترجع للكلمة اللاتينية principium التى تعنى المصدر. وبالتالي المصطلح المركب الشائع في الفيزياء Principles of Physics الذي عادة ما يستخدم للإشارة للقوانين الأساسية للطبيعة، يصبح أكثر وضوحا عند فهمنا لجذور كلمة Principles اى مصدر الفيزياء. طريقة أخرى لوضع مفهوم لمصطلح ما، هو محاولة ربط المُعرف بمجموعة من الأفعال أو العمليات التى يمكن وصفها بوضوح هذا النوع من التعريفات يطلق علية التعريف من خلال العمليات operational definition .. هذا النوع من التعريفات حدد فئة للمرة الاولي عالم الفيزياء الأمريكي بيرسي بريدجمان P. W. Bridgeman سنة 1927 في كتابة المهم “منطق الفيزياء الحديثة The Logic of Modern Physics” .. مثلا مع ظهور النجاح الكبير اللى حققته نظرية النسبية العامة لأينشتين أصبح من غير الممكن تعريف المكان والزمان من خلال نفس الطرق المجردة اللى استخدمها نيوتن، وبالتالي تم استبدال تعريف المصطلحات بتعريف من خلال العمليات، اى من خلال العمليات التى نقوم بها عند قياس المسافة او الوقت. التعريف من خلال العمليات، ان كان المصطلح يمكن تطبيقة في حالة ما، فقط ان كان أداء عمليات معينة ينتج نتائج محددة. مثلا القيمة الرقمية لطول ما، من الممكن تعريفها من خلال العمليات بالاشارة لعمليات قياس محددة وهكذا. لكن فقط العلميات العامة التى ينطبق عليها معامل التكرارية من الممكن فقط قبولها في التعريفات من خلال العمليات. لكن في كل انواع التعريفات اللغوية، النوع الأكثر تطبيقا هو التعريف من خلال الأجناس والفروقات definition by genus and difference وهو الاهم في التعريفات المفهومية. وهو النوع الذي يُعتمد عليه بكثرة في وضع تعريف مفهومي للكلمات.
التعريف بالأجناس والفروقات Definition by Genus and Difference
التعريف بالأجناس أو الفروق يعتمد مباشرة على مفاهيم المصطلحات وفي بعض الأحيان يطلق عليها التعريفات التحليلية analytical definitions في بداية الحلقة اشرنا الى ان التعريفات من خلال المفهوم تبحث عن الخواص المشتركة بين مجموعة من الكائنات أو الاشياء، الكائنات لها خواص عديدة ومعقدة. اى ان يمكن تحليلها لعدة خواص أخرى. التعقيد في الخواص يمكن فهمه في صورة فئات Classes، والكائنات والأشياء تندرج تحت تلك الفئات، أو لها عضوية في تلك المجموعات. والفئات يندرج تحتها فئات فرعية اخرى Subclasses. مثلا فئة المثلثات تعبر عن كل المثلثات، من الممكن تقسيمها الى فئات فرعية زى المثلثات متساوية الاضلاع، المثلثات متساوية الزوايا، المثلثات متساوية الساقين، الخ. الفئات التى يندرج تحتها فئات فرعية اخرى يطلق عليها جنس genus والفئات الفرعية يطلق عليها الأنواع species . تأمل الامثلة التالية
(1) النوع: ثلج، فصيلة: الماء، الفرق: متجمد”
(2) النوع: ناطحة سحاب، فصيلة: المباني، الفرق: عالية جدا”
(3) النوع: زوج، فصيلة: رجل، الفرق: متزوج”
.. العلاقة بين الجنس والنوع مثل العلاقة بين الآباء والأبناء. الفرد قد يكون اب في علاقة مع أبنائه لكنه في نفس الوقت ابن في علاقة مع ابوية. بنفس الصورة فئة معينة قد تكون جنس بالنسبة للفئات الفرعية منها، لكنها نوع بالنسبة للفئات التي تحتويها. مثلا في المثال السابق المثلثات جنس بالنسبة لفئات المثلثات الفرعية مثل المثلثات متساوية الأضلاع. و لكنها في نفس الوقت أحد أنواع جنس المضلعات. لو كنت قرأت او درست علم الأحياء، اكيد ملاحظ ان استخدام علماء المنطق لمفهوم الجنس والنوع مختلف عن استخدام علماء الأحياء له، علماء الأحياء يستخدمون المصطلح بشكل ثابت غير نسبي. على أى حال الفئة Class هى مجموعة من الكائنات لها مجموعة مشتركة من الخواص. ولهذا كل الاعضاء في جنس ما لها نفس المجموعة المشتركة من الخواص. كل أعضاء فئة او جنس المضلعات تشترك في خاصية انها مسطحات مغلقة تحدها مجموعة من الخطوط المستقيمة المتقاطعة. هذا الجنس يتكون من مجموعة من الفئات الفرعية او الانواع اعضائها يشتركوا في نفس الخواص لجنس المضلعات لكن لهم مجموعة أخرى من الخواص تميزهم عن باقي الأنواع او الفئات الفرعية الأخرى. مثلا نوع المثلثات، المربعات، المسدسات، الخ . عضو في نوع المربعات يختلف عن عضو في نوع المثلثات في أنه مسطح مغلق يحدة اربع خطوط مستقيمة متقاطعة، ام المثلث مسطح مغلق يحده ثلاث خطوط مستقيمة متقاطعة. الخصائص التى تميز اعضاء فئة فرعية أو نوع عن اخرى تحت نفس الجنس، يطلق عليها الفروق المحددة specific difference. إذن من الممكن تحليل خواص المربعات لمجموعة من الخصائص (1) أنه مضلع (2) له أربع أضلاع. بالنسبة لفرد لا يعرف معنى مصطلح المربع او اى من مرادفاته لكنه على دراية بمعنى او مفهوم “المضلع” ، “الضلع”، “أربعة” .. يصبح معنى مربع مُفسر او مفهوم بالنسبة له من خلال التعريف بالجنس والفروق. كلمة مربع تعنى “مضلع له أربع أضلاع”. خلينى اجرب مثال أصعب شوية .. فكر في تعريف “رقم أولي prime number” … الرقم الاولي هو ” أي رقم طبيعي أكبر من الرقم واحد، ويمكن قسمته على نفسة فقط دون باقي” .. علشان نطرح هذا التعريف من خلال الجنس والفروق، أولا لابد أن نحدد الجنس الذى يندرج تحته تعريف المصطلح. ثانيا تحديد الفروق المحددة للفئة الفرعية التي يقع تحتها التعريف وتميزه عن باقي الانواع الاخرى تحت هذا الجنس. من خلال تعريف الرقم الاولي. الجنس هو “الأرقام الطبيعية أكبر من واحد” اى “1،2،3،4،5،6، ..” .. الفرق المميز “قابلية القسمة فقط على نفسة أو واحد دون باقي “الأرقام 2، 3،5،7 ، 11 ، الخ” .. أرجو ان يكون واضح بالنسبة لك أن التعريف من خلال الجنس والفرق حاسم ومحدد. لكن بالقطع الطريقة بها قصور. أولا التعريف بتلك الطريقة ينطبق فقط على المصطلحات التي لها خصائص معقدة من الممكن تحليلها زى الأمثلة السابقة. ثانيا، الطريقة لا تصلح ان كانت خصائص المصطلح كونية، كلمات مثلا زى “الوجود” ، “الماهية” ، “الكائن” لا يمكن تعريفها من خلال الجنس والفرق لانها كلمات كونية عامة لايوجد جنس يشمها، مثلا ماهو الجنس الذي يشمل كل الكائنات؟ .. لايوجد .. الفئات الكونية A universal class هى اعلى درجة من الفئات، في قمة الهرم، ويطلق عليها علماء المنطق أحيانآ الجنس الجامع summum genus . نفس الفكرة تنطبق على المصطلحات الميتافيزيقية مثل “المادة”، “الخاصية”، الخ .. لكن الإشكاليات دى عادى لا تشكل عائق امام استخدام طريقة التعريف من خلال الجنس والفروق في غالب الوقت.
قواعد وضع التعريف Rules of Definitions
وضع تعريفات من خلال الفئة والفروق مهمة ليست بسيطة بكل تأكيد. لانها تطلب اختيار الفئة أو الجنس المناسب لوضع المصطلح محل التعريف تحته. بالاضافة لتحديد الفروق المميزة بوضوح لهذا المصطلح. لهذا علماء المنطق وضعوا 5 قواعد اساسية من الممكن اتباعها.
(1) القاعدة الأولى: يجب أن يحدد التعريف الخصائص الاساسية للأنواع. افضل طريقة لتعريف الخصائص الأولية هو من خلال المفهوم التقليدي والمألوف conventional intension كما أشرنا سابقا. التعريف التقليدى أو المألوف ليس دائما خاصية جوهرية في طبيعة الكائن، احيانا قد يعبر عن أصل الكائن، علاقته بكائنات أخرى، أو كيفية استخدام الكائن. مثلا مصطلح “الحاكم” لا توجد خصائص جوهرية في الفرد الذى يقوم بدور الحاكم، لكن الخاصية الأساسية للحكام هي من خلال طبيعة علاقته بالمواطنين. أو ليست خاصية جوهرية في الكرسي ان يكون مصنوع من الخشب. لكن استخدامها للجلوس خاصية مميزة فيه.
(2) التعريف يجب ألا يكون دائري circular لو ظهر المُعرف في التعريف، إذن المُعرف يستخدم لتعريف نفسه، اى دائرة مغلقة للتعريف. التعريف الدائرى غير صالح لوضع تعريف لان يعتمد على نفسه في دائرة غير منتهية. مثلا عرف أحد العلماء الإجهاد على أنه ” تغيير كيميائي حيوي ، أو فسيولوجي ، و / أو تغيير سلوكي يتعرض له كائن حي استجابةً لضغط أو إجهاد” !.. استخدام نفس المصطلح أو أحد مرادفاته في التعريف يؤدى لتعريف دائرى غير صالح. مثال أخر، أحدهم عرف العلم على أنه النشاط الذي يقوم به العلماء .. والعلماء، هو اى فرد يقوم بنشاط العلم! .. أكيد الدائرية واضح لك بين التعريفين.
(3) القاعدة الثالثة: التعريف يجب أن لا يكون واسعا جدا أو محدود جدا – القاعدة دى سهلة الفهم لكنها صعبة التطبيق، التعريف لابد وأنه ينطبق فقط على الاشياء التى يدل عليها لا أكثر ولا أقل .. من طرائف تاريخ الفلسفة مثلا .. أحد أتباع أفلاطون في احد المحاضرات عرف الرجل على أنه “كائن له قدمين بدون شعر” .. فقام طالب آخر بنزع ريش دجاجة وألقاها امامة. التعريف كان شديد الاتساع وبالتالي من السهل ايجاد ثغرة او كائن يدل علية التعريف لكنة ليس فعلا من ضمن مجموعة الكائن.
(4) القاعدة الرابعة: لابد من عدم استخدام لغة غامضة، مُلتبسة، أو مجازية في التعريفات – القاعدة دى واضحة، لأن التعريف الذي يستخدم لغة غامضة اى غير واضح معانيها تحت اى سياق لا تساعد على وضع تعريف للمصطلح، أو استخدام لغة مُلتبسة معانيها تحتمل صورة مختلفة حسب السياق ايضا يؤدى الى عدم وضع تعريف محدد. اللغة المجازية من الممكن ان تعبر عن مشاعر الفرد حيال الكائن المعرف، لكنها لا تساعد في فهم معنى المصطلح. مثلا لا نعرف الكثير عن الخبز لو وضعنا تعريفه على أنه “وقود الحياة”. أو أن الجمل هو سفينة الصحراء. لكن التعبير البلاغي ليس مصدر الغموض الوحيد. مثلا تعريف الكلمات بشكل غير محدد او قاطع يفتح الباب أمام الغموض في اللغة .. مثلا الديموقراطية هي أحد صور الحكم تضع السلطة في أيد الشعب. التعريف فضفاض غير محدد .. مثلا من هو الشعب؟ .. واى سلطة؟ .. وما هي درجة التحكم في تلك السلطة؟ وكيف يمارس الشعب التحكم في تلك السلطة؟ الخ.
(5) القاعدة الخامسة: التعريف لابد وان لايستخدم لغة النفي إن أمكن التأكيد – اى ان ما يؤكدة أو يدل عليه المصطلح افضل من وصفة من خلال ما لا يدل عليه المصطلح .. للسبب المعروف وهو أن غالبا المصطلح يدل على عدد أقل من الأشياء في مقابل الاشياء التى لا يدل عليها. مثلا قطعة من الأثاث ليست مكتب، ليست سرير، ليست مكتبة، لاتعرف الكرسى. ولا تعرف الدولاب! اكيد الصورة وضحت لك .. نحن نريد تعريف الكائن من خلال ما يدل علية وليس ما لا يدل عليه (إن أمكن) وبقول ان امكن لان هناك بعض الحالات لن يكون هذا فيها ممكن، ده لان المصطلحات دى عادة ما تكون سلبية في طبيعتها. مثلا مصطلح “الأعمى” .. هو حالة فقدان البصر عن الفرد .. أو اليتيم .. انسان ليس لديه ابوان. الخ .. في الأحيان التي يستخدم فيها التعريف بالنفي، نبدأ بتعريف الجنس بشكل إيجابي وبعد هذا من الممكن رفض كل الانواع التى لا ينطبق عليها التعريف تحت هذا الجنس. لكن هذه الطريقة تنجح فقط ان كانت الأنواع او الفئات الفرعية قليلة العدد، إن كان الجنس يحتوى على عدد كبير من الأنواع، تصبح مهمة التعريف بالنفي شاقة.
صحة الحجج الاستنتاجية لا تعتمد على محتواها، لكنها قائمة على هيكل وتركيب الحجة. لكن معنى المصطلحات المستخدمة في صياغة قضايا الحجة يلعب دور محوري في حقيقة الاطروحة، وادراكنا لمفهوم الحجة. بدون المعاني اللغوية الواضحة لايمكن صياغة حجج صحيحة لان معناها سيصبح غير واضح وقد يساء فهمها. بفهم ظاهرة المعنى في التركيبات اللغوية، وتحديد الصور التعبيرية الغير واضحة مثل الغموض، والالتباس، الإبهام، والنقصان، والتعبيرات العاطفية والبلاغية. الغموض ينشأ من تعدد احتمالية المعنى في الجمل، أما الالتباس ينشأ من عدم وضوح حدود الاصطلاح، في حين أن الإبهام ينشأ عند فقدان المعنى الجوهرى للمصطلحات. والنقصان يظهر حين تخفي المصطلحات ورائها إشارات قائمة على سياق الكلام السابق. وأخيرا الجمل والتعبيرات العاطفية والبلاغية تترك آثار عاطفية في عقل المتلقي وبالتالي تؤثر على موضوعية الحُجة وحياديتها. كل هذة المشاكل الناشئة عن اللغة والمعاني الغير واضحة لابد من تجنبها قدر المستطاع أن كنا فعلا نبحث عن الحقيقة عند صياغة او تحليل الحُجج المنطقية. لكن دراسة المعنى في اللغة ليست دائما دراسة للسلبيات، لكن ايضا لوضع الطرق المنهجية لصياغة تعريفات ومعاني محددة للمصطلحات. المعنى يكتسب مما تشير إليه الكلمات، لكن ليست كل الاشياء يمكن الاشارة اليها او عدها، وبالتالي يتعدى المعني مفهوم الاشارة لما له وجود في الواقع! .. وبالتالي تصبح أساليب وطرق وضع التعريفات جوهرية في صناعة المعنى اللغوي، وبناء حُجج منطقية تحمل معاني حقيقية. في مناقشات البشر، اللغة هي وسيلة الاتصال الأولى، تشكيل الجمل والتعبيرات، القضايا لطرح المعلومات وإيصال المشاعر بعض من وظائف اللغة اليومية, لكن وظيفة اللغة الإخبارية والمعلوماتية هى ما يهتم به علم المنطق في الاساس.
القصة اللى بدأنا بيها مقتبسة بتصرف عن الفيلم الأمريكي “غير مخطط له Unplanned” الذى تم عرضه عام 2019 ومأخوذ عن قصة حقيقة عن حياة آبي جونسون مديرة عيادة تنظيم الاسرة وتحولها اللاحق إلى نشاط مكافحة الإجهاض. الفيلم كان مثار للجدل واحتجاجات عديدة من المدافعين عن حق المرأة في تقرير مصيرها في الولايات المتحدة، ورفضت معظم القنوات التلفزيونية ترويج اعلانات له. الفيلم في الحقيقة ملئ بالمناظر والصور الدموية ولا أنصح ضعاف القلوب بمشاهدتة، لكن الاهم من هذا هو اني اعتقد ان الفيلم بيطرح حجة ضد الإجهاض لكنه بيستخدم لغة عاطفية، تؤثر على أحاسيس ومشاعر المتلقي خصوصا النساء وتشل العملية المنطقية في عقلك للتفكير بدقة في الطرح الذي يقدمه الفيلم. في الحقيقة سواء كنت مع او ضد الإجهاض قبل مشاهدة العمل، بعد المشاهدة غالبا ما سيتركك في حالة كئيبة يصعب معها أن تتقبل أي نوع من الحجج العقلانية، وهذة الصورة بالضبط هى ما يحاول علماء المنطق تجنبة عند وضع الحجج المنطقية استخدام لغة غير واضحة غامضة وملتبسة مثل “تحرك الجنين” .. أو “داعمي الحياة” .. و استخدام تصوير عاطفي يؤثر على مشاعر المتلقي مثل “قتلة الاطفال” .. يغلق الباب أمام أى صورة من التفكير العقلاني او المنطقي. الصورة المنطقية التى نسعى إليها عند مناقشة قضية بتلك الحساسية هى التجرد من الطرح العاطفي، استخدام لغة موضوعية لتقرير الحقائق، وتقييمها، واستخدام الطرق والأدوات المنطقية، والتجريبية لتفنيد تلك الحجج للوصول للحقيقة أيا كانت صورتها.
ودلوقتي .. فكر في معاني الكلمات والتعبيرات التي تستخدمها يوميا .. ماهي وظيفة اللغة في الاتصال البشرى؟ … وهل التعبيرات اللغوية دائما دقيقة موضوعية؟ .. وإن كانت الاجابة بالنفي .. هل نسبية اللغة تلعب دور في عدم وضوحها؟ .. ماهو تأثير الغموض والالتباس اللغوي على صياغة التعريفات؟ .. وهل من الممكن صياغة حُجج صالحة باستخدام لغة مُبهمة أو ناقصة؟ .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP57/EP57_2020_02_20.mp3
في الحلقة الجاية .. سنضع الحجج المنطقية تحت مجهر الاختبار. ونقترب أكثر من تركيبها هيكلها. عن إعادة الصياغة … مخطط الحُجج .. جداول الحقيقة .. وتحليل الحُجج المنطقية .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP57/EP57_NoMusic_2020_02_20.mp3
زود معلوماتك:
Logic المنطق
http://bit.ly/378g8qE
Truth الحقيقة
http://bit.ly/2ugr4ni
Argument الحجج
http://bit.ly/2G4S63M
التحليلي والاصطناعي Analytic and Synthetic
http://bit.ly/2T9wPMs
Immanuel Kant إيمانويل كانط
http://bit.ly/2T9c5EL
critique of pure reason نقد العقل الخالص
http://bit.ly/2v5VqKb
V. O. Quine فيلارد فين كوين
http://bit.ly/2Z2LHgS
Two Dogmas of Empiricism عقيدتي التجريبية
http://bit.ly/39WvO1i
Saul Kripke سول كريبكي
http://bit.ly/3bYH9Qg
Naming and Necessity التسمية والضرورة
http://bit.ly/2PhjzEB
The sorites paradox معضلة الكوم
http://bit.ly/2T4b14Z
Eubulides of Miletus أبوليدس الملطي
http://bit.ly/2VjD7f4
Many-valued logic منطق القيم المتعددة
http://bit.ly/2VfgdFM
Supervaluationism التقييم الفائق
http://bit.ly/39YOjSL
Fuzzy logic منطق الغموض
http://bit.ly/2Phjgtr
Definitions التعريفات
http://bit.ly/3c8xRkK
المفهوم والدلالة Extension and Intension
http://bit.ly/2PgEmId
التعريف بالأجناس والفروقات Definition by Genus and Difference
http://bit.ly/3bYiOK6
Ludwig Wittgenstein
http://bit.ly/30Dkfsb
Bertrand Russell
http://bit.ly/2R4Xsm4
غير مخطط له Unplanned
http://bit.ly/3bWv9i1
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Secret Window Opening Credits
http://bit.ly/3ao1bTc
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa
By Ahmed Elmalt4.8
5252 ratings
“تحذير .. القصة التالية تحتوي على أوصاف دموية”
تخيلي انك طالبة في الجامعة، تطوعتى للعمل في مركز تنظيم الأسرة في مدينتك. كنتى دائما من المدافعين عن المرأة، وحقها في تقرير مصيرها. قبل سنوات بعد عناء وصراع عدة سنوات في زواج لم ينجح، بعد انتهاء إجراءات الطلاق اكتشفتي انك حامل، لانك كنتى كرهتى اى شئ من الممكن ان يربطك مرة اخرى بزوجك السابق، قررتى انك تتخلصى من الحمل. في اليوم المحدد بتذهبى لعيادة تنظيم الاسرة بعد التشخيص، بتدفعي المبلغ المحدد ويعطوكي حبوب عقار ميفيبريستون Mifepristone .. دواء يعطى عن طريق الفم بغرض اجهاض في العشر اسابيع الاولى. الممرضة بتخبرك وهى بتعد النقود، بعد أخذ الدواء ستشعرى بتقلصات وهناك احتمال حدوث بعض النزف. في نفس الليلة بعد ان اخذتى الدواء بتدخلي في نوبة من الألم والتقلصات الحادة، نزيف مهبلي شديد، وتجلطات دموية، بتفقدى الوعي وسط بركة من الدماء وانتى بتبكي من الآلام. لما تتصلى بالممرضة بتخبرك انى دى كلها أعراض طبيعية ومتوقعة، بتستمر الأعراض لعدة أسابيع قبل أن تتوقف تماما وينتهى هذا الفصل القاسي من حياتك. التجربة القاسية دى في حياتك لم تمنعك من التطوع للعمل في نفس العيادة بعد عدة سنوات. الجملة اللى قالتها لك احد العاملين في العيادة وجعلتك تشعري بان رسالة مركز تنظيم الاسرة يجب ان تكون هدف حياتك هي “مش قادرة أصدق ان مازال هناك أفراد يريدون السيطرة على النساء واخبارهم ماذا يجيب ان يفعلوا” .. لما بتخبريها أن أسرتك مسيحية ضد الإجهاض، بتقول لك أن هدف المركز هو تقليل الاجهاض في المقام الاول من خلال إعطاء وسائل التحكم في الحمل، لكن لو حدث الحمل بالخطأ المركز متواجد لمساعدة النساء الراغبات في إجراء عملية إجهاض آمنة .. أول يوم لكي في مركز تنظيم الاسرة فخورة بمهمتك في مساعدة النساء في تقرير مصيرهم ومستقبلهم. عند وصولك لمكان المركز بتفاجئ بتجمعات من المتظاهرين الغاضبين أمام المبنى الرافضين للاجهاض، حاملين لافتات لصور من الاجنة، وبيهاجموا كل من يدخل او يخرج من المبنى، متطوعة اخرى في المركز بتشرح لك ان وظيفتك هتكون مقابلة النساء على مدخل المركز ومحاولة تهدئتهم و تشتيتهم عن المتظاهرين الغاضبين اللى بيكونوا موجودين هنا كل يوم! .. تصبحي ناجحة في عملك وترقى في المناصب الوظيفية في عيادة تنظيم الأسرة. في يوم بيدعوكي الطبيب للمساعدة في عملية إجهاض بيقوم بها، دى المرة الأولى اللى تدخلي غرفة العمليات مع الطبيب، بيطلب منك انك تساعدية بتسليط جهاز الموجات فوق الصوتية على رحم المرأة، بتظهر صورة الجنين على جهاز الموجات فوق الصوتية، الطبيب يحدد عمره 13 أسبوع، الممرضة الاخرى تثبت المريضة جيدا على الطاولة لانها في حالة فزع وهي تهدئها. الطبيب بيستخدم القسطرة الأنبوبية لسحب الجنين، بتفاجئ لما بتشوفي صورة الجنين على الجهاز بتتحرك بعيدا عن القسطرة! .. بتخبرى الطبيب ان الجنين تحرك، بيرد ان هذا يحدث دائما، لكن في الحقيقة الجهاز العصبي لم يتكون بعد فلا يمكن أن يشعر الجنين باى شئ، بيستمر الطبيب في العملية، ويبدأ بشفط الجنين بالقسطرة، تختفي صورتة من الجهاز امامك، وتمتلئ أنبوبة الجهاز بالدماء، تغرق عينيك الدموع، وتندفعي هاربة من الغرفة! .. التجربة وقعها كان شديد الاثر عليكي، وللمرة الأولى بتشوفي نفسك كقاتلة للأطفال وليست ملاك يساعد النساء في تقرير مصيرهم، تغادرى العيادة الى الابد وتنضمى للمتظاهرين الرافضين لعمليات الاجهاض امام مبنى تنظيم الأسرة.
محاور
بين التحليلي والاصطناعي، الغموض والالتباس، معضلة الكوم، الإبهام والنقصان، التعريفات، المفهوم والدلالة، آليات التعريف الدلالية، آليات التعريف المفهومية، التعريف بالأجناس والفروقات، قواعد وضع التعريف
اللغة متعددة الوظائف في الوجود الإنساني، البعض كالفيلسوف النمساوي لوفيتش فتجنشتين اعتقد ان وظائف اللغة غير محدودة. فكر في بعض وظائف اللغة … وسيلة طرح الأسئلة، القصص، طرح الفرضيات، الغناء، إعطاء الأوامر، التحية، الغزل، الصراع، وغيرها كثير. بالنسبة لبحثنا في المنطق من الممكن تعميم وظائف اللغة في طرحين اساسين
(1) إيصال المعلومات
(2) التعبير عن المشاعر.
التركيب اللغوي لجمل نقل المعلومات تعتمد على مصطلحات لغوية معرفية cognitive meaning في حين إن جمل التعبير عن المشاعر تعتمد على مصطلحات عاطفية emotive meaning . الجمل العاطفية عادة ما تحمل معانية عاطفية لكن ايضا معاني معرفية في نفس الوقت، المنطق وعلمائه منشغلين بالمعرفة البشرية واللغة المستخدمة لإيصال المعلومات، تأكيد ونفي الأطروحات المعرفية، تكوين وتقييم الحُجج، وبالتالي وظيفة نقل المعلومات اللغوية هي محل اهتمام المنطقيين. عند دراسة الجمل العاطفية لابد من التفريق بين المصطلحات المعرفية والمعرفية، لكن الجمل العاطفية أيضا تحمل في طياتها كثير من الأحيان ادعاء قيمة Value Claim أى ادعاء عن الخير، الشر، ما يجب فعله، وماذا لا يجب فعله (إرجع لحلقة القيمة الجوهرية) أى ادعاءات نسبية تعتمد على المنظومة الأخلاقية للمتلقي. ومهمتنا تصبح فصل تلك الادعاءات النسبية من الجمل العاطفية عند دراستها عقلانيا عن المعرفة المطروحة بها. مثلا لو قلت “أنا ضد الحرب كحل للنزاعات الدولية بُناء على معتقداتي الأخلاقية” .. الجملة صحيحة بالنسبة لطرحها، لكنها تطرح حكم أخلاقي للمتحدث عن أخلاقية الحرب كحل للنزاعات. البشر عادة في طرحها للادعاءات ما يميلون لاستخدام الجمل العاطفية اكثر لان المصطلحات المعرفية تحتاج لتركيب لغوى ادق قائم على الحُجج والأدلة، بالاضافة الى ان التعبير العاطفي عادة ما يساعد على الاتصال النفسي مع المتلقي ويدعم في نقل الفكرة بشكل أسرع. فكر مثلا في المرات التى اتفقت فيها مع طرح ما شكل الجمل اللغوية اللى استخدمتها في الغالب كانت هتكون على شاكلة “رائع”، “عظيم”، الخ .. أو في حالة الاختلاف “سئ”، “سخيف”، “غريب”، الخ .. كلها مصطلحات عاطفية تعبر عن حالتك النفسية تجاه الطرح لكنها لا تقدم معرفة. المصطلحات العاطفية تقدم لصاحب الحُجة وسيلة لصنع ادعاءات قيمة أو نسبية حول موضوع الحجة دون تقديم الدليل، الطرح العاطفي بيشل الحجة المنافسة تماما، لان يقطع الطريق أمام المتلقي لاستخدام الأدوات المنطقية لتحليل الحجة لانها تقدم طرح قيمة قد يتفقون او يختلفون معه.
استخدام اللغة لابد من تفريقه عن شكل اللغة المستخدمة، استخدامات اللغة مثلا كوسيلة لنقل المعلومات، أو التعبير عن المشاعر من الممكن وضعه في عدة صور لغوية. وحدة صناعة اللغة “الجمل Sentences” الوحدة اللغوية الأبسط للتعبير عن فكرة كاملة مستقلة. من الممكن أن تكون تعبيرية Declarative، تعجبية exclamatory، أمرية imperative، أو إستفاهمية interrogative. في طرح الحُجج عادة شكل الجمل يكون تعبيري، على العكس من التعبير عن المشاعر عادة ما تستخدم جمل تعجبية مثلا “هذا رائع” لكن هذا الارتباط غير ضرورى، من الممكن طرح حجج في صور لغوية اخرى غير التعبيرية. التفريقات التى قد تبدو بسيطة جدا لك حيوية وهامة جدا في الامور التى قد يتوقف عليها مصير انسان. مثلا العاملين في القانون درجة حساسيتهم للغة المستخدمة وصورها عالية جدا لان الجدليات القانونية سواء في اثبات او نفي التهم الموجهة لفرد ما قائمة على اللغة التي يتم صياغة القانون من خلالها.
بين التحليلي والاصطناعي Between Analytic and Synthetic
المعنى في اللغة غير قاصر فقط على التعبير عن المعلومات والعواطف. أحد أهم مبادئ فهم المعنى في فلسفة اللغة، هو التفريق بين الجمل التحليلية Analytic والجمل الاصطناعية Synthetic. الجملة التحليلية هو جملة صواب أو خطأ بناء على ما تحمله من معاني فقط. بتحديد معاني المصطلحات المستخدمة في جملة تحليلة ما، بمجرد وضع قيمة حقيقة لتلك الجملة اى اعلان كانت صواب أم خطأ تصبح هذه الجملة دائما صواب أو خطأ. اى تثبت قيمة حقيقتها دائما. الجملة التى دائما صواب يطلق عليها الطَّوطُولُوجيا tautology اى دائما تقيم بالصواب أي أن نتيجتها دائما صحيحة مهما كانت قيمة المتغيرات. والجملة التى دائما تقييم بالخطأ يطلق عليها التناقض contradiction وبالتالي الجمل التحليلة عادة ما يتم جمعها مع الطوطولوجيا والتناقض مثلا (1) كل العذاب غير متزوجين ( جملة طوطولوجية – اى دائما صواب) .. (2) المثلثات لها أربع أضلاع (تناقض – اى دائما خطأ). هذة الجمل تحليلية لاننا لانحتاج الى اى شئ خارج تلك الجمل لأثبات حقيقتها. اى أننا لا نحتاج للبحث عن كل العذاب في الطبيعة لإثبات أنهم غير متزوجين! استدعاء معنى العاذب بالضرورة يفرض فكرة رجل غير متزوج. الرجال الغير متزوجين بدون ادنى شك عذاب! إذن فهم معاني المصطلحات في الجملة التحليلية كافي لتقرير حقيقتها. بنفس الصورة في مثال التناقض، معرفة معنى كلمة مثلث كافى لتقرير تناقض الجمل أو خطأها. المثلث بالضرورة يعنى مضلع لة ثلاث أضلاع، لا توجد أي معرفة اخرى خارج معنى الكلمة في الكون قد تغير تلك الحقيقة. على العكس الجملة الاصطناعية synthetic statement هى اى جملة غير تحليلية، اى معاني كلماتها غير كافية لتقرير حقيقتها. مثلا
(1) الشمس تشرق من المشرق
(2) كل الأجسام ثقيلة.
صواب او خطأ تلك الجمل يعتمد على الواقع والحقائق الوجودية. لتقرير حقيقة تلك الجمل لابد لنا من البحث في الكون عن صحتها. أي أن الجمل الاصطناعية تتقرر حقيقتها من خلال البحث التجريبي empirical investigation في الكون. حقيقتها مشروطة قائمة على نظام الطبيعة التي نحن جزء منها وليست جمل صحيحة فقط بُناء على معانيها كما في الجمل التحليلية. ولهذا في أدبيات الفلسفة عادة ما يشار للجمل التحليلية بالبداهة a priori (لا تحتاج تبرير تجريبي)، ضرورية necessary (دائما صواب أو خطأ). على العكس من الجمل الاصطناعية يشار اليها بـ الاستدلالية a posteriori (تحتاج الى تبرير تجريبي) و مشروطة Contingent (صواب في بعض العوالم الممكنة وخطأ في بعض العوالم الممكنة الأخرى). في الحقيقة العقل الألماني الفذ إيمانويل كانط Immanuel Kant هو أول من وضع هذا التفريق بوضوح بين الجمل التحليلية والاصطناعية (أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية) .. لكنة ايضا جادل ان هناك بعض الحقائق تقع بين التحليلي والاصطناعي مثلا كانط جادل في عملة الخالد نقد العقل الخالص critique of pure reason أن الحقائق الأخلاقية اصطناعية لكنها بديهية a priori (اى لايمكن الوصول الى حقيقتها بمجرد تحليل معاني الكلمات، ولكن ايضا لا تتطلب تبرير تجريبي!) .. (أرجع لحلقة أخلاق الواجب) .. لكن لاحقا فلاسفة أخرون من أمثال فيلارد فين كوين W. V. O. Quine جادل في ورقة بحثية نشرها سنة 1953 بعنوان “عقيدتي التجريبية Two Dogmas of Empiricism” ان كان هناك فعلا فرق حقيقي بين التحليلي والاصطناعي. ومن بعدة سول كريبكي Saul Kripke جادل أن في كتابة المهم “التسمية والضرورة Naming and Necessity” نشرها سنة 1980 أن هناك جمل استدلالية ضرورية necessary a posteriori مثلا ” الماء مكون من ذرتين هيدروجين وذرة اكسجين، جملة حقيقتها ضرورية دائما صحيحة لكن الوصل لتلك الحقيقة استدلالي من خلال البحث في الطبيعة. التفريق بين الجمل التحليلية والاصطناعية تعرضنا له بتفصيل كبير في حلقات سلسلة ماوراء الطبيعة، وسنعود مرة أخرى لمناقشة في حلقات سلسلة فلسفة اللغة.على اى حال المهم بالنسبة لعلم المنطق من هذا التفريق بين التحليلي والاصطناعي هو ان بعض الجمل او الأطروحات من المنطق التأكد من صوابها او خطئها فقط بالاعتماد على معاني مصطلحاتها الداخلية.
الغموض والالتباس Vagueness and Ambiguity
اللغة ذات الصبغة العاطفية قد تكون جائزة تحت سياق معين، الشعر او الادب مثلا، لكنها عادة غير مناسبة في السياقات الاخرى، خصوصا سياق طرح الحقائق والمعلومات. مثلا لو تقوم باستفتاء وبتسأل عينة من الناس أسئلة لها إجابات محددة لابد أن يختاروا من ضمنها، اللغة المستخدمة لصناعة تلك الاجوبة لابد وان تكون محددة، واضحة، وتتجنب الشكل العاطفي (ده طبعا لو كان هدفك هو الوصول لتقرير مُحايد موضوعى). مثلا سؤال مثل “هل تتفق مع ثورة 25 يناير؟” .. له تأثير مختلف عن سؤال “هل تتفق مع أعمال شغب والفوضى يوم 25 يناير؟” .. اللى بكل تأكيد له تأثير مختلف عن “هل تتفق مع تظاهرات 25 يناير؟”. في علم المنطق بما أننا نبحث عن الحقيقة، نحاول تجنب المعاني العاطفية الخفية داخل الجمل والأطروحات اللغوية. الاطروحات اللغوية العاطفية أو القائمة على المصطلحات العاطفية تعاني من مشكلتين أساسيتين. (1) التعبيرات الغامضة Vague Expressions أو التعبيرات التى يصعب فيها وضع حدود واضحة لما يمكن أن ينطبق عليه التعبير. وبالتالي تسمح لتفسيرات متعددة للادعاء. مثلا فكر في المصطلحات التالية “الحب”، “السعادة”، “السلام”، “الغني”، “الفقر”، “الطبيعي”، “التلوث” .. حاول تعرف حدود تلك المصطلحات والحالات التى ينطبق عليها كل مصطلح .. ستجد صعوبة في تحديد حدود تلك المصطلحات بدقة وبشكل قاطع. مثلا “الغنى غنى النفس” .. “ومن الحب ما قتل” .. “والسعادة ليست في جمع الأموال” .. من العسير جدا تحديد المقصود من تلك الاصطلاحات وصانع الجملة قد يستخدمها بشكل تعبيري مطاط يسمح بتفسيرها بأكثر من صورة. الضرر اللى بتقدمه المصطلحات اللغوية في الجمل يختلف من حيث درجة الغموض. مثلا لما بنقول “احمد طويل” هناك درجة من الغموض نتيجة لاستخدام مصطلح غامض ك “طويل” .. الجملة من الأفضل أن تصاغ مثلا على صورة “أحمد طولة 175 سنتم، 20% من الرجال طولهم يتعدى ال 170 سنتم” .. الإشكالية الثانية هى التعبيرات الملتبسة ambiguous وهي التعبيرات التي تحتمل أكثر من تفسير حسب سياق الجملة، مثلا كلمات “جنون” ، “غضب”، “جنس”، “مناسب” .. وغيرها من الممكن أن تستخدم بصور متعددة حسب سياق الجملة. مثلا لو وصفت فعل شخص ما بانة مناسب .. هل المقصود انه مناسب أخلاقيا، قانونيا، اجتماعيا، ووظيفيا .. الخ . الفرق بين التعبيرات الغامضة والتعبيرات المُلتبسة، هي أن التعبيرات الغامضة تسمح بتفسيرات متعددة بغض النظر عن السياق في حين أن التعبيرات المُلتبسة تسمح بتفسيرات مختلفة حسب السياق. الغموض يصنع معاني غير واضحة، الالتباس يخلط بين معاني واضحة. لكن بعض المصطلحات قد تكون غامضة في سياق ما لكنها مُلتبسة في سياق آخر. مثلا كلمة “بطئ” تحت سياق ما قد تشير الا فرد ذو إعاقة عقلية أو جسدية، لكن لو تحت سياق اخر لو اشارات الكلمة للبطئ الحركي تصبح غامضة لأنها غير دقيقة .. اى ماهى درجة البطئ المشار إليه؟. مفهوم الغموض vagueness والالتباس Ambiguity مهمين جدا في علم المنطق لان في كثير من الأحيان تقيم الحُجة يتوقف على المقصود من المُصطلحات المُستخدمة، لأنها لو كانت غامضة لابد من ايضاح المقصود بها اولا قبل الاستمرار في تقييم الحُجة. مثلا الرافضين للإجهاض Pro-life عادة ما يطرحوا حُجتهم ان الاجهاض شر لانه يسبب إنهاء الحياة. حُجة تبدو بسيطة وواضحة لكنها قائمة على تحديد معنى “الحياة” في المقام الأول.
معضلة الكوم The sorites paradox
أحد معضلات الفلسفة الشهيرة هو معضلة الكوم The Paradox of the Heap أو sorites paradox والذى يوضح إشكالية الغموض وصعوبة التعامل معها. ويعود تاريخ المعضلة المدون الى الفيلسوف اليوناني مُعاصر أرسطو وخصمه اللدود أبوليدس الملطي Eubulides of Miletus واللى آلية يعود طرح العديد من المُعضلات المنطقية، ومحاولة دحض أرسطو لهذه الحُجج لعب دور مهم في إنشاء علم المنطق. على اى حال المعضلة كالاتي حبة واحدة من الرمال ليست كوم من الرمال، لو أضفنا حبة أخرى أصبح معانا حبتين، حبة أخرى أصبح أمامنا 3 حبات، وهكذا حتى يصبح أمامنا كوم من الرمال، لكن بالبديهة لا توجد حبة واحدة مسؤولة عن تحويل مجموع حبات الرمل الى كوم رمال. لكن بتكرار اضافة حبة تلو الاخرى مع الوقت يتكون كوم من الرمال. المعضلة من الممكن صياغتها بصورة عكسية. المعضلة من الممكن وضعها في صورة جدلية كالاتي
(1) مليون ذرة من الرمال هي كوم من الرمل
(2) كوم من الرمل ناقص ذرة واحدة من الرمل مازال كوم
(3) لو مليون ذرة من الرمال كوم، إذن 999,999 ذرة مازالت كوم
(4) لو 999,999 ذرة كوم، إذن 999,998 ذرة مازالت كوم
(5) وهكذا في تسلسل تنازلي الى ذرة واحدة كوم من الرمال
(6) لكن ذرة واحدة ليست كوم من الرمال!
.. السؤال متى يأتي الكوم إلى الوجود؟ .. ماهو الحد الفاصل بين عدم وجود الكوم و تكون الكوم؟ … المعضلة من الممكن صياغتها بطرق عديدة، وفي الغالب قابلت أحد صورها في طفولتك، مثلا البحر مازال بحر او أخذنا منه قطرة مياة، لكن بعد إزالة حجم كافي من المياه لو تبقي لتر واحد ..هل مازال هذا بحر؟ .. الفكرة من الممكن تطبيقها على كثير من الاسنادات اللغوية “الطول”، “الغنى”، “العجز”،”الصلع” .. الخ … في الحقيقة الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل في مقال بعنوان الالتباس Vagueness نشره سنة 1923 جادل أن اللغات الطبيعية في مجملها حتى المنطقية منها مُلتبسة بل الاكثر من هذا القضايا المنطقية نفسها مُلتبسة… تأمل المعضلة قليلا، أهم العقول البشرية حارت أمام تلك الاشكالية…. البعض اعترض على فكرة أن بإزالة حبة واحدة من الرمال مازلنا أمام كوم، لكن عادة الحل ده غير مقبول. أحد الحلول الاولي ايضا هو اننا نحدد عدد محدد من حبات الرمال أكثر منها نطلق على المجموع كوم رمال. او وضع حد اقصى مثلا 10 آلاف حبة، أقل من هذا المجموع ليس كوم. لكن للأسف هذا الحل غير مريح او مقنع لغالب العقول الانسانية لان لايوجد فرق نوعي ما بين 9,999 ذرة و 10,000 حبة. الحد الأقصى الذي وضعناه يبدو اعتباطي arbitrary غير قائم على خاصية جوهرية او سمة حقيقة مميزة. على أى حال هناك حلول أكثر جدية وتعقيدا للتعامل مع الاشكالية في علم المنطق، منها مثلا استخدام منطق القيم المتعددة Many-valued logic الذى يعين أكثر من قيمة حقيقة واحدة للقضية، أو استخدام التقييم الفائق Supervaluationism لوضع قيمة حقيقة لجمل منطقية مركبة بغض النظر عن حقيقة القضايا المكونة للقضية المركبة. حلول أخرى طرحت باستخدام منطق الغموض Fuzzy logic، واخيرا احد الحلول المطروحة هو اللجوء الى الإجماع consensus اى ان تعريف اصطلاح الكوم لابد وان يتم تحديده بناء على استخدام الجماعة او البشر للمصطلح. على اى حال معضلة الكوم تتخطى نطاق مناقشتنا الحالة لكنها مهمة لإيضاح شيوع ظاهرة الالتباس في اللغة البشرية الطبيعية، واستخدام البشر لمصطلحات مُلتبسة في صياغة الجدليات المنطقية يشكل اعاقة كبيرة أمام تقييم الحجج المنطقية.
الإبهام والنقصان Obscurity and Incompleteness
التعبير المُبهم obscure هو التعبير الذى يفتقد الى معنى جوهري. في التعبيرات الغامضة Ambiguous التعبير قد يحتمل أكثر من معنى مثلا مصطلح “السعادة” يحتمل أكثر من معنى، اما التعبيرات المُلتبسة Vague لا تضع حدود واضحة للمصطلحات المستخدمة، مثلا متى يعد شخص ما عجوز؟ أو أصلع؟ .. كلها مُصطلحات غامضة، لأن الحد بين الصلع وعدم الصلع غير محدد. ومن هنا ظهرت معضلة الكوم المنطقية. نتيجة استخدام البشر لمصطلحات مُلتبسة، لكن مازال كثير من البشر لديهم قدرات غير عادية على تمييز الالتباس في اللغة والتعامل معة، مثلا اى طفل قادر على الإشارة على شخص فقد معظم شعرة ووضعة تحت تعريف الصلع، ولن يختلف معه الكثير. بالرغم من الالتباس لان المصطلحات مازال لها معنى جوهرى البشر قادرين على استخدامها في بعض المواقف وتكوين مصطلحات مُلتبسة بعض الشئ منها. لكن المصطلحات المُبهمة obscure تفتقد للمعنى الجوهرى فكر في تلك الجمل (1) كل شئ مهم (2) انت على صواب الى حد ما (3) هذه قصة مُثيرة للاهتمام. هذه التعبيرات يبدو أنها تطرح شئ ما، لكن غير واضح معناها الحرفي .. مثلا “كل شئ مهم” .. ماهو “كل شئ” .. “مهم” بالنسبة لماذا؟ .. أو مثلا البعض قد يقول .. أنت على صواب “الى حد ما” .. ماهو هذا “الحد” .. هل يعنى هذا أن الحق في جانبك؟ .. في الواقع هذا التعبير تحديدا عادة ما يستخدم من قبل البشر لرفض حُجة فرد آخر بصورة مهذبة! .. واخيرا مصطلح مثل “مثير للأهتمام” مُبهم قد يستخدم عندما شخص ما يجد ان شئ ما فعلا مثير أو في كثير من الأحيان يستخدم عندما يكون الفرد غير مُهتم بالحديث بالمرة، لكنها طريقة مُهذبة للأستماع او انهاء الحوار. التعبيرات الناقصة incomplete هى التعبيرات النطاق او المجال Domain غير محدد فيها. مثلا (1) دعنا نذهب الى المقهى لاحقا (2) الكل سعيد. برتراند راسل جادل أن الجمل التى تأخد شكل “الـ س” لابد من تحليلها على انها تشير الى شئ فريد محدد تشير إليه خواص س في مجال او نطاق ما، بالتحديد نطاق أو مجال كل الكائنات والأشياء في الكون كلة. مثلا .. لما بنقول “النظرية النسبية” نحن نشير بشكل محدد الى نظرية اينشتين او لما بنقول “الأهرامات” نشير الى أهرامات الجيزة. لكن في المثال السابق اى مقهى في الكون يشير إليه مصطلح “المقهى” ؟ .. هناك مئات اللاف من المقاهى في الكون وملايين عبر العصور، إلى ايهم تشير الجملة السابقة؟! .. يبدو أن مصطلح “المقهى” غير مكتمل .. تنقصة اضافة ما لتحديد الكائن في المجال المُتحدث عنه، سياق الكلام عادة ما يقدم اشارة ما لتحديد المجال الذى ينطبق داخلة المصطلح الناقص. مثلا المتحدث من في الغالب يشير الى المقهى الذى يذهب الية هو وصديقة غالب الوقت، او من الجائز المقهى الذى كانا يتحدثان عنه منذ قليل. إذن النقصان في الاصطلاح نابع من افتقاده لتحديد معنى ما دون المجال أو السياق. بنفس الصورة المثال في المثال الثاني “الكل” مصطلح ناقص يعتمد على سياق او مجال الكلام، الى من يشير الكل ؟ .. في الغالب ليس كل البشر في العالم، المتحدث يحدد مجموعة ما في سياق كلامه.
التعريفات Definitions
وظيفة المنطق الأساسية هي تقييم الحُجج. لكن كما رأينا تقييم الحجج قائم في كثير من الأحيان على تحديد المعاني اللغوية المطروحة في الجمل المستخدمة للتعبير عن قضايا الحُجة. بعض الكلمات المستخدمة في الحُجة قد تكون غامضة او مُلتبسة المعنى الامر اللى قد يؤدى لخلاف Dispute حول الحقيقة المطروحة. الحل في تلك الحالة عادة ما يكون وضع تعريف Definition محدد لتلك الكلمات. وبالتالي دراسة المعنى والتعريفات وثيق الصلة بعمل المنطق. وحدة بناء الجمل اللغوية هي الكلمات words. التعريفات تنطبق على الكلمات او وحدة الترميز اللغوى لوصف الاشياء وليس الشئ نفسه، لان الشئ ذاته لا يوجد تعريف لة، مثلا الكرسي نقدر نقعد علية، نحركة، نقف فوقة، الخ. لكن الكرسى لا يوجد له تعريف، اى انه ليس رمز لغوي من الممكن تعريفه. لكن كلمة “الكرسى” نفسها هى رمز لغوي من الممكن وضع تعريف محدد لما تشير إليه. في دراسة اللغة والمعنى اصطلاح المُعرف definiendum يشير الى الرمز اللغوى الذى يتم وضع تعريف لة. في مقابل التعريف definiens وهو الرمز او مجموعة الرموز المستخدمة لتفسير معنى المُعرف. هناك أربع صور من التعريفات. الأول التعريفات التعاقدية Stipulative Definitions وهى التعريفات الموضوعة لرمز معين يُطرح للمرة الاولي. لو قدمت رمز أو اصطلاح جديد انا حر في وضع او تعيين المعنى المناسب من وجهة نظرى لهذا الاصطلاح. وفي بعض الأحيان من الممكن ان استخدم مصطلح معين في سياق جديد واُعين معنى جديد له، في بعض الأحيان يتم الاشارة للتعريفات من هذا النوع بالتعريفات الاسمية أو الشكلية nominal. الهدف من هذة التعريفات عادة استبدال تكوينات لغوية معقدة بأخرى ابسط. مثلا مصطلح مثل “الميجابايت” مصطلح تعاقدى اتفق عليه علماء الكمبيوتر لتعريف وحدة قياس تخزين للبيانات. أو مصطلح “المليار” مصطلح تعاقدى رياضي يعبر عن وحدة الألف مليون. المصطلحات التعاقدية اساسية في العلم لأنها تنزع الصبغة العاطفية عن الكلمات وتكسبها صورة موضوعية. مثلا في علم النفس كلمة “الذكاء” عادة ما تستبدل بمصطلح تعاقدى آخر هو “معامل ج g factor” للتعبير عن نفس المعنى دون وضع صورة عاطفية معينة في ذهن الباحث. وفي كثير من الأحيان تظهر مصطلحات ذات صبغة عاطفية داخل المجتمعات العلمية لكنها سرعان ما تستبدل بمصطلحات تعاقدية اخرى غير عاطفية مثلا اصطلاح الثقوب السوداء تم استبداله بعالم الفيزياء جون ويلر Dr. John Archibald Wheeler بمصطلح “النجوم مُتداعية الجاذبية gravitationally completely collapsed star”. في بعض الأحيان المصطلحات التعاقدية قد تستخدم لوضع كلمات سرية! .. خلال الحرب العالمية الثانية “تورا، تورا، تورا” كان الرمز الكودى اللى استخدمة الجيش الياباني كي يرمز لبدء عملية بيرل هاربر. أو مشروع مانهاتن كان الاسم الكودي للمشروع الامريكي السري لصناعة القنبلة الذرية. وشركات التقنية العملاقة تستخدم مصطلحات تعاقدية للأشارة لمشاريع سرية مثلا “مشروع كايرو”، “مشروع سنو ليبورد”، “مشروع بيشب”، وغيرها. التعريفات التعاقدية ليست صواب او خطأ، ليست دقيقة او غير دقيقة، المصطلح لم يكن له هذه القوة التعريفية قبل أن يتم التعاقد على تحديد هذا المعنى لة. والتعاقد هنا قائم على قبول الأفراد لوضع هذا المعنى بالمصطلح. التعريف التعاقدي هو دعوة لاستخدام الرمز المُعرف للإشارة للمعنى المُعبر عنه. وبالتالي هذة التعريفات امرية اذن وليست اخبارية، من الممكن قبولها أو رفضها. النوع الثاني من التعريفات التعريفات المعجمية Lexical Definitions عادة ما يعبر الرمز اللغوى عن معنى محدد متفق عليه في اللغة. اى ان المُعرف معجميا عادة ما يشير الى معنى معروف للكلمة. وبالتالي هذا التقرير قد يكون صواب او خطأ . مثلا تعريف كلمة “طائر” هو اى كائن فقارى من ذوات الدم الحار له ريش. تعريف صواب للمتحدثين باللغة العربية، لكن لو مثلا تعريف طائر أصبح اى كائن من الثدييات له قدمين .. بكل تأكيد تعريف خاطئ. التعريفات المعجمية تساعد في حل إشكالية التباس معاني الكلمات خصوصا ان كانت معانيها متقاربة مثلا الضوء (1) شئ يجعل الأشياء تتضح الرؤية (2) إشعاع كهرومغناطيسي (3) شئ ضئيل في الوزن (4) شئ سعراته الحرارية أقل من المعيار الأساسي. عدة تعريفات تساعد على فهم نفس الكلمة في سياقات مختلفة. السؤال اللى غالبا يدور في عقلك دلوقتى .. ما هو الفرق ما بين التعريفات التعاقدية والتعريفات المعجمية. لو اخدت بالك .. انا قلت ان التعريفات المعجمية تحتمل الصواب والخطأ في حين ان التعريفات التعاقدية لاتحتمل الصواب او الخطأ. في التعريفات التعاقدية الاصطلاح ليس لة معنى بعيدا عن التعريف الموضوع .. فكر مثلا في معنى “ميجابايت” .. “كوارك” او غيرها من الاصطلاحات التعاقدية. أما التعريفات المعجمية لها معنى سابق ومستقل عن المعنى المحدد وبالتالي المعنى المطروح قد يكون صواب أو خطأ بُناء على أن كان استخدام المصطلح في الجملة مُتفق مع معاناة. لهذا السبب البعض قد يشير أحيانا للتعريفات المعجمية بالتعريفات الواقعية Real للإشارة لان المصطلح له معنى واقعي. لكن في الحقيقة الفكرة دى غير دقيقة لأن المصطلحات المعجمية قد تشير لمفاهيم غير واقعية لكنها محددة ومتفق عليها مسبقا مثلا “التنين” والعنقاء” مصطلحات لا تشير لكائنات واقعية لكنها مازالت مصطلحات معجمية وهناك تعريف محدد من الممكن اختبار صحة وخطأه حسب استخدامه في الجملة. لكن المعنى المعجمى المتفق عليه من أين يأتى؟ .. في الحقيقة الموضوع ده دراسة مستقلة في علوم اللغة. لكن بشكل مبسط معنى الكلمات مسألة احصائية تكتسب من استخدام الكلمات بشكل معين عبر الزمن. وبالتالي المعانى المعجمية قد تتغير مع الوقت. المعجميين أو القائمين بالعمل على وضع المعاجم lexicographers عادة ما يحاولوا التعامل مع تلك الاشكالية باستخدام افضل معنى للمصطلح، الاوسع انتشارا، والأقرب للتعبير عن الكلمة. لكن من الشائع جدا أن مصطلح معجمى قد يكون له معنى غير شائع في فترة زمنية معينة يصبح أكثر انتشارا في فترة أخرى. على اى حال ده موضوع كبير ومعقد وبعيد عن دراستنا الحالية للمنطق. النوع الثالث من التعريفات هو تعريفات الدقة Precising Definitions وهى التعريفات المستخدمة لتقليل إشكالية الغموض والالتباس في بعض الكلمات. كما رأينا منذ قليل كلمات مثل “الحرية”، “المسؤولية”،”الحب”، “الشجاعة”، الخ .. قد تكون غامضة او مُلتبسة المعنى حسب السياق. هذا الغموض والالتباس قد يسبب مشاكل كثير عند محاولة تحليل الفرضيات المطروحة. مثلا المادة الرابعة في الدستور الأمريكي بتقول “حق الشعب مكفول في أن يكون آمنًا في أشخاصه ، ومنازله ، وأوراقه ، وآثاره ، ضد عمليات التفتيش والمصادرة غير المعقولة… الخ” مصطلح :التفتيش والمصادرة الغير معقولة unreasonable searches” كانت محل نزاع اخير في حق الاجهزة الامنية في مراقبة تحركات المتهمين او المشتبه فيهم في قضايا معينة .. هل من الممكن استخدام تكنولوجيا مثل نظام تحديد الموقع GPS لمراقبة المشتبه فيه؟ .. هل يعد هذا خرق للدستور؟ .. هل يجب الحصول على تصريح من المحكمة للقيام بهذا البحث؟ .. بعض المحاكم في الولايات المتحدة أمرت الهيئات التنفيذية بطلب تصريح لمراقبة مشتبه فيه من المحكمة قبل القيام بالمراقبة ولا يعد خرق للدستور، لكن بعض القضاة في ولايات اخرى رفضوا هذا لاسباب عديدة من ضمنها ان مراقبة حركة السيارات من خلال جهاز الجي بي اس لا يعد عملية تفتيش على الاطلاق! … الخلاف ده كله بسبب ان مصطلح “التفتيش الغير معقول” غامض وغير محدد. مثال آخر لأهمية التعريفات الدقيقة في عمليات زراعة الأعضاء الحيوية، قبل أن يتم القيام بعملية زراعة القلب، لابد من موت المُتبرع، والا يصبح الجراح في وضع الاتهام بالقتل العمد. لكن لو مرت مدة طويلة على موت المُتبرع، تقل فرصة نجاح العملية. إذن السؤال متى بالضبط يعد الفرد ميتا؟ .. عند توقف القلب؟ .. توقف الشخص عن التنفس؟ .. عند توقف نشاط المخ؟ .. او تعريف أخر ؟؟ .. أى أن المسألة هنا هي تحديد اصطلاح “لحظة الوفاة” بدقة … على أى حال كثير من المحاكم في الدول الغربية حددت مصطلح لحظة الوفاة توقف نشاط المخ من خلال قياس تخطيط أمواج الدماغ electroencephalograph .. هذا التعريف هو تعريف دقيق يعتد بة في المحاكم الغربية. التعريفات الدقيقة تختلف عن تعريفات التعاقد لان المُعرف ليس مصطلح جديد، لكنه مُصطلح معروف لكن للأسف غامض، أو مُلتبس المعنى بشكل عام او بسبب استخدامة في سياق معين. وبالتالي لا يمكن تحديد اى معنى تعاقدى في تلك الحالة لأن المُصطلح معروف. وفي تلك الحالة الهدف يصبح وضع تعريف يحترم معنى المصطلح المتعارف عليه لكن يجعله أكثر دقة وأقل غموضا. النوع الرابع هو التعريفات النظرية Theoretical Definitions في العلم وفي الفلسفة ، غالبًا ما تكون التعريفات بمثابة ملخص أو خلاصة لبعض النظريات. اى ان التعريفات النظرية عادة ما تشير الى نظرية من خلالها يمكن تعريف خصائص الكائنات او الاشياء التى يشير إليها المصطلح. مثل هذه التعاريف ، عندما تكون خاطئة ، يتم انتقادها ليس لأنها ليست دقيقة لأنها ليست كافية – فهي لا تلخص النظرية المعنية بشكل صحيح. على سبيل المثال تعريف “كوكب” على أنه “الكواكب هي مجرد أجسام في مدار حول الشمس ، وهناك تسعة كواكب في النظام الشمسي – أصغرها هو بلوتو ، مكون من مواد غير عادية ، وله مدار غير عادي ، وبعيد عن الشمس.”. لكن مؤخرا هناك أجسام أخرى أكبر من كوكب بلوتو لها شكل غريب اكتشفت مُؤخرا تدور حول الشمس. هل تلك الأجسام ايضا تعد كواكب؟ .. لو الاجابة لا ؟ .. لماذا لا؟ .. هذا التعريف القديم اصبح غير مناسب مع الاكتشافات الحديثة وفتح الباب امام خلاف لم يحسم تماما داخل الاتحاد الفلكي الدولي International Astronomical Union (IAU). وصدر عنة تعريف جديد للكواكب فيها أقر الاتحاد أن هناك ثمان كواكب فقط في مجموعتنا الشمسية، وهناك فئة جديدة أطلق عليها الكواكب القزمية dwarf planet تنطبق على أجسام مثل بلوتو Pluto، سيرس Ceres، و آيرس Eris. اى ان التعريفات النظرية لابد وأن تحافظ على معنى ثابت ومستقر غير متغير مع الاكتشافات الجديدة ويعبر بشكل كامل عن النظرية المعبر عن المعنى .. سنة 2006 الاتحاد الفلكي الدولي وضع تعريف جديد أكثر تحديدا للكوكب على انه “جسم سماوي ، داخل النظام الشمسي ، (1) في مدار حول الشمس ؛ و (2) لديه كتلة جاذبية ذاتية للتغلب على قوى جذب الأجسام الصلبة بحيث تفترض شكل توازن هيدروستاتي (شبه دائري) ؛ و (3) أخلى المنطقة المحيطة بمداره. ” التعريفات النظرية أيضا تملأ فضاء أدبيات الفلسفة، من ارسطو في محاولة لوضع تعريف نظري للعدالة في عمله الخالد الجمهورية، إسبينوزا في محاولة لتعريف الحرية، لفيتجنشتاين تعريف اللغة، وغيرها مئات الأمثلة. التى تحاول وضع تعريف نظرى شامل ينطبق على كل الحالات الممكنة وازالة اى تناقضات او التبسات. وأخيرا النوع الأخير من التعريفات هو التعريفات الاقناعية Persuasive Definitions التعريفات الاربعة السابقة تعريفات للمعانى المعرفية، لكن التعريفات الاقناعية تركز على المعاني العاطفية، وهى نوع من التعريفات التى تحل خلاف حول معنى ما بالتأثير على المتلقي من خلال العواطف. التعريفات الاقناعية واسعة الانتشار داخل الحُجج والجدليات السياسية .. الماركسين مثلا قد يعرفوا الاشتراكية على انها ديموقراطية المجال الاقتصادى .. تعريف استخدم من قبل بعض من الاشتراكيين بالفعل .. والرأسماليين قد يعرفوا الرأسمالية على أنها ديمقراطية الاقتصاد. أو مثلا في صراع مازال دائرا حول عملية الإجهاض في الولايات المتحدة الأمريكية، الرافضين يعرفوا الاجهاض على أنه “القتل الوحشي للاطفال الابرياء” .. في حين المدافعين يعرفونه على انة “إجراء جراحي آمن وثابت حيث تُعفى المرأة من عبء غير مرغوب فيه” .. التأثير العاطفي واضح في اللغة المستخدمة في التعريف التى ستترك تأثير في عقل المتلقي بكل تأكيد. لكن في بحثنا عن الحقيقة في الجدليات كما رأينا سابقا لابد من التخلص من التأثير العاطفي والالتزام بالموضوعية وبالتالي التعريفات الاقناعية احد الصور التى لابد لنا من تحديدها في الجدليات ورفضها ان كنا نبحث عن الحقيقة.
المفهوم والدلالة Extension and Intension
التعريف يضع معنى الاصطلاح من الناحية اللغوية. لكن من الممكن فهم التعريفات والدور الهام الذي تلعبه في في المنطق من زاوية أخرى مختلفة عن الوظيفة التي تؤديها، من خلال فهم تركيبها. المصطلحات العامة General Terms تعلب دور كبير في عملية التفكير وبالتالي سنركز بحثنا حولها. الاصطلاح العام قد يكون على شاكلة كلمة “الكوكب” كما رأينا منذ قليل، كوكب، بتشير لعدد من الاشياء .. الأرض، المريخ، الزهرة، عطارد، الخ … لكن المصطلح لا ينطبق على بلوتو الذي أصبح يعد ضمن الكواكب القزمية طبقا لتصنيف الاتحاد الفلكي الدولي الأخير. كوكب إذن أشار لمجموعة من الأشياء. مجموعة تلك الكائنات شكلت تعريف مفهوم الكوكب. لو اكدت ان كل الكواكب لها مدار دائرى، تأكيدى بالضرورة لابد وأن ينطبق على كوكب الزهرة مثلا. اى أن المعنى الذي يحمله اصطلاح الكوكب يمتد ليشمل اى شئ او كائن يقع تحت هذا التعريف. المعنى الامتدادي (وتسمى أيضًا المعنى التوضيحي) للمصطلح العام هو مجموعة الكائنات التي تشكل امتدادًا للمصطلح. لكن للوصول لمعنى المصطلح العام من الضرورى معرفة كافة الكائنات التى تقع تحت هذا المصطلح، لأن تلك الكائنات تعطينا الخواص العامة المشتركة ما بينها التى تقود إلى وضع تعريف عام ينطبق عليها. وبالتالي معرفتنا لتلك الخواص العامة يساعدنا على فهم المعنى للمصطلح. إذن المعنى يفترض وجود معيار من خلاله يمكن تحديد إن كان شيء أو كائن ما يقع تحت امتداد مصطلح ما عام. هذا المفهوم للمعنى عادة ما يطلق عليه المعنى المفهومي intensional meaning او في احيان اخرى connotative meaning .. ومجموعة الخواص المشتركة بين كل الأشياء والكائنات التى يشير إليها المصطلح العام عادة ما يشار إليها المفاهيم connotation أو intension. لكن ليست هذه الصورة الوحيدة للمعنى. كل مصطلح عام له معنى مفهومي intensional وايضا معنى امتدادي extensional او دلالي denotative . مثلا فكر في مصطلح مثل “ناطحات السحاب” ينطبق على كل المباني التى تتعدى ارتفاع معين، ده المعنى المفهومي intension لكن المعنى الدلالي او الامتدادي للمصطلح extension هو فئة المباني التي تشمل برج خليفة في دبي، برج القاهرة، مبنى التجارة العالمي في نيويورك، الخ .. اى مجموعة كل المباني التي ينطبق عليها الاصطلاح. أى أن دلالة أو امتداد المصطلح هو عضويته اى كائنات أو أشياء لها عضوية في هذا المفهوم او المعنى، والعضوية تحددها الخواص المشتركة التى نصل إليها من خلال المعنى المفهومي intension. مثلا مصطلح “مثلث متساوى الاضلاع” له معنى مفهومي وهو اى كائن مكون من ثلاث أضلاع متقاطعة متساوية في الطول، اما المعنى الدلالي هو فئة كل الكائنات التى ينطبق عليها هذا المعنى المفهومي. ولان تلك الكائنات تشترك في الخصائص التى حددها المفهوم اذن هى فقط لها حق عضوية الانضمام لهذا المصطلح. اذن مفهوم الاصطلاح يحدد دلالته term’s intension determines its extension. لكن العكس غير صحيح. دلالات المصطلح لا تحدد مفهومة. مثلا فكر في مصطلح “مثلث متساوي الزوايا” المختلف عن “مثلث متساوى الاضلاع” .. المعنى المفهومي للمصطلح هو اى كائن مكون من ثلاث أضلاع متقاطعة متساوية في الزوايا. لو فاكر من دراستك للهندسة صحيح أن دلالات مفهوم المثلث متساوي الزوايا هي نفس دلالات مصطلح المثلث متساوي الأضلاع. لكن ليس معنى هذا ان المفهومين متطابقين! .. قدرتنا على تحديد امتدادات ودلالات اصطلاح ما، لا يدلنا على مفهوم الاصطلاح. باختصار المفاهيم لا تحدد بالدلالات intension is not determined by extension. المصطلحات من الممكن أن يكون لها نفس الدلالات لكن مفهومها مختلف. لكن المصطلحات التي لها دلالات مختلفة لا يمكن أن يكون لها نفس المفهوم! .. علماء اللغة يشيروا الى اتساع مفهوم المصطلح عند اضافة مصطلحات أخرى له increasing intension .. ويعرفوا هذه الظاهرة في حالة وجود متسلسلة من المصطلحات في ترتيب تزداد فيه رقعة المفهوم، عندما يكون كل مصطلح في المتسلسلة ماعدا المصطلح الأول يقرر خصائص أكثر من المصطلح السابق لة. وعكس هذا التعريف يصبح تقليل المفهوم decreasing intension. مثالا المتسلسلة “حيوان ، ثدييات ، قط ، نمر” تتسع في المفهوم .. على النقيض من متسلسلة “نمر ، قط ، ثدييات ، حيوان” يتناقص في المفهوم. لو حاولنا وضع المتسلسلات في مثال عملي من الممكن أن نبدأ بمصطلح “رجل” يتسع مفهومة لو اضفت له “رجل عمره 30 عام” ويتسع أكثر لو اضفت له “ولد في مصر” .. لكن اتساع مفهوم المصطلح يقلل من رقعة دلالالة! .. عدد الرجال في العالم أكثر من عدد الرجال اللى عمرها 30 سنة اللى اكثر من عدد الرجال اللى عمرهم 30 سنة ومولودين في مصر! .. لكن الفكرة دى ليست دائما صحيحة، في بعض الأحيان قد يتسع مفهوم المصطلح لكنه لا يؤثر على دلالالة .. تقدر تفكر في مثال تتسع فيه مساحة المفهوم لكن دلالته مازالت ثابتة؟! …. فكر في المثال ده … مصطلح “انسان” … الان ضيف إلى المصطلح “انسان لديه عمود فقرى!” .. الان ضيف ” انسان لدية عمود فقري، عمره ألف عام، وقرأ كل الكتب في تاريخ الإنسانية” .. بكل تأكيد اضافة تلك المفاهيم زاد من مساحة المفهوم الأول، لكنه لم يقلل من دلالاته بالمرة. أكيد لاحظت من المثال السابق ان هناك مصطلحات امتداداتها او دلالاتها خالية Empty، او لا توجد كائنات او اشياء ينطبق عليها مفهوم المصطلح او الخواص المشتركة التى يشير إليها المصطلح null class. مثلا معظمنا قرأ عن طائر الرخ في ألف ليلة وليلة، المعنى له مفهوم واضح ومحدد لكن لا توجد له دلالات في الواقع من الممكن ان نشير لها، كذلك العفاريت، الجن، وغيرها من المفاهيم المحددة لكن لاتوجد دلالات معروفة لنا من الممكن أن نضعها تحت هذا المفهوم .. حقيقة ان بعض المصطلحات خالية او لاتشير الى اى شئ تقودنا لعلاقة مهمة بين الدلالة والمفهوم وهى ان المفهوم يقرر الدلالة. اى ان مفهوم المصطلح يضع معيار ما يدل عليه. لأننا على دراية بالخصائص التى يشتمل عليها مفهوم مصطلح طائر الرخ، نصبح على علم أن المصطلح خالي او لا يدل على كائنات واقعية. اى اننا نعلم انه لا وجود لطائر عملاق أكبر من الحوت في الحجم، يسكن أعالي الجبال، وينفث نيران من منقارة. المناقشة دى قد تكون مسلية أو جائز مملة بالنسبة لك، لكنك غالبا بتتسائل ما هى علاقة معاني المصطلحات ودلالاتها بالمنطق والحُجج؟! .. في الحقيقة العلاقة كبيرة .. في بعض الأحيان يبنى البعض حُجج على مصطلحات لها مفهوم محدد لكن بدون دلالات. فكر في الحجة دى “
(1) كلمة “الله” ليست بدون معنى، أذن لها معنى
(2) طبقا لتعريف كلمة الله، هو كائن كامل القدرة، المعرفة، والمحبة
(3) إذن، كائن كامل القدرة، المعرفة والمحبة (الله) لابد وان له وجود.”
.. بكل تأكيد كلمة الله لها معنى، وبالتالي لها معنى مفهومي، لكن ليس بالضرورة ان يُتبع من تلك الحقيقة إن مصطلح الله ان يكون له معنى دلالي، او له فعلا دلالات يشير اليها! … إذن التفريق بين المفهوم والدلالة مهم جدا عند تحليل الحُجج والجدليات.
آليات التعريف الدلالية Denotative Definitions Techniques
التعاريف الدلالية Denotative definitions توظف طرق واساليب تحديد امتداد extension المصطلح محل التعريف. ابسط الطرق لتفسير الرقعة الامتدادية لمصطلح ما، هو تحديد الكائنات والأشياء التى يدل عليها المصطلح. طريقة فعالة لكنها محدودة كما سنرى. كما رأينا من الممكن وجود مصطلحين لهم نفس الدلالات (المثلث متساوي الأضلاع، المثلث متساوي الزوايا) .. لكن حصر جميع الكائنات التي يمتد إليها تعريف ما لا يعني بالضرورة أن التعريف كافي لتفريقه عن مصطلح آخر. وبديهيا ليست دائما من الممكن حصر أو عد كل الكائنات التى يدل عليها مصطلح ما. مثلا مصطلح نجم يدل حرفيا على عدد فلكي من الاشياء! أو مصطلح رقم يشير الى عدد لانهائى من الكائنات. في الواقع بالنسبة لمعظم المصطلحات العامة من غير الممكن حصر أو عد كل امتدادها بشكل عملي. وبالتالي التعريفات الدلالية محصورة على حصر جزئي لعدد من الكائنات التى تدل عليها. والقصور ده يؤدي لمشكلة كبيرة وهي أن هذا الحصر الجزئي يؤدي إلى أن التعريف يصبح غير مؤكد uncertain. لان الكائنات والأشياء لها خواص عديدة، وبالتالي قد يكون لها عضوية تحت أكثر من مفهوم، مثلا في مثال ناطحات السحاب، برج خليفة في دبي قد يندرج تحت مصطلح “أضخم مباني القرن العشرين” .. او مفهوم “أهم الإنجازات المعمارية البشرية في القرن العشرين” .. الخ .. وبالتالي الحصر الجزئي لدلالات المصطلح غير كافي للتفريق ما بين المصطلحات ذات الدلالات المختلفة. أحد طرق التغلب على تلك الاشكالية هو تحديد مجموعات جزئية تحت المفهوم، تلك المجموعات الجزئية قد تساعد على حصر الكائنات التي تنتمي إليها، مثال مصطلح “الكائنات الفقارية” من الممكن وضع مجموعات أو مفاهيم جزئية منة مثل “البرمائيات”، “الطيور”، “الأسماك”، “الزواحف”، “الثدييات”، الخ .. الحل ده قد يعطي بعض الراحة النفسية المؤقتة، لكن مصطلح “الكائنات الفقارية” مازال مفتقد لتعريف محدد. حل أخر للإشكالية هو بدلا من حصر كل الكائنات التى يشير اليها التعريف، قد نحاول الاشارة اليها .. هذا النوع من التعريفات يطلق عليها “التعريفات التوضيحية ostensive definitions” demonstrative definitions .. اللى واضح من اسمها أن التعريف محدد من خلال الإشارة الى الكائنات التى توضح مفهومة .. مثلا قد اعرف الكمبيوتر بالإشارة لجهاز الكمبيوتر القابع امامي الان. لكن التعريفات التوضيحية ينطبق عليها نفس المشاكل والقصور في التعريفات الدلالية، الاشارة محدودة بالموقع، رؤية الكائن، بالإضافة للالتباس الذي قد يحدث من الاشارة، مثلا عند تعريف الكمبيوتر بالاشارة الى جهاز كمبيوتر، البعض قد يعتقد ان اشير الى جزء منه كالشاشة مثلا. أحد الحلول الاخرى قد يكون من خلال اضافة جملة وصفية للتعريف ما يعرف بالتعريفات شبة التوضحية quasi-ostensive definition مثلا قد أشير للكمبيوتر هذا الجهاز هو كمبيوتر. لكن الجملة الوصفية دى تفترض ان المتلقي على دراية او فهم لمصطلح جهاز. اللى يحد الهدف من التعريفات التوضيحية، لان دلوقتى من المفروض أننا نعرف مصطلح من جهاز من خلال الإشارة لشئ ما، الخ .. المصطلحات الدلالية بشكل عام تعاني من اشكالية اخرى وهو عدم قدرتها على وضع تعريف محدد للكلمات التى لاتوجد في الطبيعة او لايمكن الاشارة اليها، كيف من الممكن ان تضع تعريف دلالي للأشباح، الملائكة، الجن، الموتى الأحياء، الخ. اذن التعريف من خلال الاعتماد على الامتدادات أو الدلالات غير كافي لتحديد المفاهيم ووضع تعريف ومعنى مؤكد.
آليات التعريف المفهومية Intensional Definitions Techniques
مفهوم المصطلح Intension هو كل الخواص المشتركة ما بين كل الكائنات التى يدل عليها المصطلح، وتشترك فيها فقط تلك الكائنات. لو مثلا الخواص التى تعرف مصطلح الفنجان مثلا “وعاء له ذراع” .. “ذو قاعدة” .. “له عمق” .. إذن كل فنجان هو وعاء له ذراع له ذراع وقاعدة، وفقط الفناجين هى الاوعية التى لها ذراع، قاعدة، وعمق. لكن هناك ثلاث طرق مختلفة لإدراك المفهوم لابد من التفريق ما بينها. الأول المفهوم النسبي أو الذاتي subjective intension للكلمة هو مجموعة الخواص التى يعتقد المتحدث في ضرورة وجودها في الأشياء التى يدل عليها المفهوم. مجموعة الخواص دى قد تختلف من فرد لآخر. او من مكان لآخر، من وقت لأخر، وبالتالي نسبية، ولا تصلح لوضع تعريف، على الأقل من وجهة نظر المنطق، لأن المنطق يهتم بالحقائق، المفاهيم والتعريفات العامة وليس التعريفات الذاتية أو النسبية. ثانيا .. المفهوم الموضوعي objective intension للكلمة هو مجموعة كل الخواص المشتركة لكل الكائنات التى تدل عليها الكلمة. مثلا في المفهوم الموضوعي لمصطلح “الدائرة”، لها خاصية انها تشمل اى مساحة لمسطح له نفس القطر. لكن المفهوم ده كثير من البشر لا يعرفه لكننا مازلنا قادرين على استخدام الكلمة. اى ان كان من غير الضرورى لنا ان ندرك جميع خواص المفهوم وبالتالي المفهوم الموضوعي لا يمكن أن يكون المفهوم العام الذي نبحث عنة لإعطاء تفسير أو توضيح للمصطلحات. الناس تتحدث يوميا باستخدام المصطلحات العامة، دون فهم المعنى الموضوعي لها، إذن لابد من وجود فئة اخرى من المفاهيم بجانب النسبية والموضوعية التي يعتمد عليها الناس عند استخدام تلك المصطلحات. المصطلحات لها معاني مستقرة ثابتة لأن هناك اتفاق ضمني على استخدام نفس المعيار لتحديد الأشياء التى تدل عليها تلك المصطلحات، أو التى تقع تحت مدلولها. الأمر الذي يجعل شئ ما دائرة في الوعي العام لكثير من الناس، هو انها منحنى مغلق، أى نقطة على محيطه على نفس المسافة أو البعد من مركز المسطح. هذا المعيار ضمني، اعتباري، ولهذا يطلق علية المفهوم التقليدي والمألوف conventional intension للكلمة. الصور دى من التعاريف المفهومية ضرورية لأنها تجعل المفهوم عام دون الحاجة لفهم كل خواصة. لكن ما هي الطرق والوسائل المختلفة لاستخدام المفاهيم لتعريف المصطلحات؟ … هناك عدة طرق، أبسطها وأكثرها استخداما، هو استخدام كلمة اخرى لها نفس المعنى أو المفهوم، اى مترادفة أخرى للكلمة الأولى synonyms .. التعريف الذي يعطي بتلك الصورة عادة ما يطلق علية التعريف الترادفي او من خلال المترادفات synonymous definition، المعاجم على وجة التحديد تعتمد بشكل كبير على تلك الطريقة في تعريف المصطلحات. قاموس ما من الممكن ان يعرف “خجول” باستخدام مرادفات مثل “عفيف النفس”، “مُستحى” ،الخ .. التعريفات من خلال الترادف عملية جدا خصوصا في تعريف الكلمات ما بين اللغات المختلفة. لكن الطريقة فيها قصور كبير، وهو أن كلمات عديدة لا يوجد لها كلمات أخرى مرادفة أو في كثير من الأحيان المترادفة لا تعبر تماما عن الكلمة الأولى، مثلا هل عفيف النفس هو دائما الخجول؟ .. وبالتالي المصطلحات من خلال الترادف غير دقيقة وقد تقود لفهم غير صحيح. لكن في الحقيقة الاشكالية الأهم في هذا النوع من التعريفات هو أن في حالة ان كلمة ما تشير لمفهوم غير واضح او مفهوم، في الغالب كل مرادفات الكلمة تكون محيرة ولاتساعد في تحديد المفهوم. صورة أخرى للتعريفات هي التعريفات الاشتقاقية etymological definition نحدد فيها تعريف الكلمة من خلال البحث في جذورها اللغوية في نفس اللغة أو لغات أخرى. هذا النوع من التعريفات يظهر كثيرا في الكتابات الفكرية، التاريخية، والفلسفية. الكاتب عادة ما يتتبع جذور المصطلح اللغوية ويسعى من هذا لتوضيح المعنى المقصود. مثلا جذور كلمة كابتن في اللغة العربية الكلمة اللاتينية caput التي تعني الرأس او القائد. أهمية النوع ده من التعريفات أنه يوضح جذور الكلمة وعلاقتها والاشتقاقات الأخرى التى عادة ما تتشابه لغويا، معرفة أصول الكلمة يساعد في فهم المقصود منها، مثلا كلمة Principles في اللغة الانجليزية جذورها ترجع للكلمة اللاتينية principium التى تعنى المصدر. وبالتالي المصطلح المركب الشائع في الفيزياء Principles of Physics الذي عادة ما يستخدم للإشارة للقوانين الأساسية للطبيعة، يصبح أكثر وضوحا عند فهمنا لجذور كلمة Principles اى مصدر الفيزياء. طريقة أخرى لوضع مفهوم لمصطلح ما، هو محاولة ربط المُعرف بمجموعة من الأفعال أو العمليات التى يمكن وصفها بوضوح هذا النوع من التعريفات يطلق علية التعريف من خلال العمليات operational definition .. هذا النوع من التعريفات حدد فئة للمرة الاولي عالم الفيزياء الأمريكي بيرسي بريدجمان P. W. Bridgeman سنة 1927 في كتابة المهم “منطق الفيزياء الحديثة The Logic of Modern Physics” .. مثلا مع ظهور النجاح الكبير اللى حققته نظرية النسبية العامة لأينشتين أصبح من غير الممكن تعريف المكان والزمان من خلال نفس الطرق المجردة اللى استخدمها نيوتن، وبالتالي تم استبدال تعريف المصطلحات بتعريف من خلال العمليات، اى من خلال العمليات التى نقوم بها عند قياس المسافة او الوقت. التعريف من خلال العمليات، ان كان المصطلح يمكن تطبيقة في حالة ما، فقط ان كان أداء عمليات معينة ينتج نتائج محددة. مثلا القيمة الرقمية لطول ما، من الممكن تعريفها من خلال العمليات بالاشارة لعمليات قياس محددة وهكذا. لكن فقط العلميات العامة التى ينطبق عليها معامل التكرارية من الممكن فقط قبولها في التعريفات من خلال العمليات. لكن في كل انواع التعريفات اللغوية، النوع الأكثر تطبيقا هو التعريف من خلال الأجناس والفروقات definition by genus and difference وهو الاهم في التعريفات المفهومية. وهو النوع الذي يُعتمد عليه بكثرة في وضع تعريف مفهومي للكلمات.
التعريف بالأجناس والفروقات Definition by Genus and Difference
التعريف بالأجناس أو الفروق يعتمد مباشرة على مفاهيم المصطلحات وفي بعض الأحيان يطلق عليها التعريفات التحليلية analytical definitions في بداية الحلقة اشرنا الى ان التعريفات من خلال المفهوم تبحث عن الخواص المشتركة بين مجموعة من الكائنات أو الاشياء، الكائنات لها خواص عديدة ومعقدة. اى ان يمكن تحليلها لعدة خواص أخرى. التعقيد في الخواص يمكن فهمه في صورة فئات Classes، والكائنات والأشياء تندرج تحت تلك الفئات، أو لها عضوية في تلك المجموعات. والفئات يندرج تحتها فئات فرعية اخرى Subclasses. مثلا فئة المثلثات تعبر عن كل المثلثات، من الممكن تقسيمها الى فئات فرعية زى المثلثات متساوية الاضلاع، المثلثات متساوية الزوايا، المثلثات متساوية الساقين، الخ. الفئات التى يندرج تحتها فئات فرعية اخرى يطلق عليها جنس genus والفئات الفرعية يطلق عليها الأنواع species . تأمل الامثلة التالية
(1) النوع: ثلج، فصيلة: الماء، الفرق: متجمد”
(2) النوع: ناطحة سحاب، فصيلة: المباني، الفرق: عالية جدا”
(3) النوع: زوج، فصيلة: رجل، الفرق: متزوج”
.. العلاقة بين الجنس والنوع مثل العلاقة بين الآباء والأبناء. الفرد قد يكون اب في علاقة مع أبنائه لكنه في نفس الوقت ابن في علاقة مع ابوية. بنفس الصورة فئة معينة قد تكون جنس بالنسبة للفئات الفرعية منها، لكنها نوع بالنسبة للفئات التي تحتويها. مثلا في المثال السابق المثلثات جنس بالنسبة لفئات المثلثات الفرعية مثل المثلثات متساوية الأضلاع. و لكنها في نفس الوقت أحد أنواع جنس المضلعات. لو كنت قرأت او درست علم الأحياء، اكيد ملاحظ ان استخدام علماء المنطق لمفهوم الجنس والنوع مختلف عن استخدام علماء الأحياء له، علماء الأحياء يستخدمون المصطلح بشكل ثابت غير نسبي. على أى حال الفئة Class هى مجموعة من الكائنات لها مجموعة مشتركة من الخواص. ولهذا كل الاعضاء في جنس ما لها نفس المجموعة المشتركة من الخواص. كل أعضاء فئة او جنس المضلعات تشترك في خاصية انها مسطحات مغلقة تحدها مجموعة من الخطوط المستقيمة المتقاطعة. هذا الجنس يتكون من مجموعة من الفئات الفرعية او الانواع اعضائها يشتركوا في نفس الخواص لجنس المضلعات لكن لهم مجموعة أخرى من الخواص تميزهم عن باقي الأنواع او الفئات الفرعية الأخرى. مثلا نوع المثلثات، المربعات، المسدسات، الخ . عضو في نوع المربعات يختلف عن عضو في نوع المثلثات في أنه مسطح مغلق يحدة اربع خطوط مستقيمة متقاطعة، ام المثلث مسطح مغلق يحده ثلاث خطوط مستقيمة متقاطعة. الخصائص التى تميز اعضاء فئة فرعية أو نوع عن اخرى تحت نفس الجنس، يطلق عليها الفروق المحددة specific difference. إذن من الممكن تحليل خواص المربعات لمجموعة من الخصائص (1) أنه مضلع (2) له أربع أضلاع. بالنسبة لفرد لا يعرف معنى مصطلح المربع او اى من مرادفاته لكنه على دراية بمعنى او مفهوم “المضلع” ، “الضلع”، “أربعة” .. يصبح معنى مربع مُفسر او مفهوم بالنسبة له من خلال التعريف بالجنس والفروق. كلمة مربع تعنى “مضلع له أربع أضلاع”. خلينى اجرب مثال أصعب شوية .. فكر في تعريف “رقم أولي prime number” … الرقم الاولي هو ” أي رقم طبيعي أكبر من الرقم واحد، ويمكن قسمته على نفسة فقط دون باقي” .. علشان نطرح هذا التعريف من خلال الجنس والفروق، أولا لابد أن نحدد الجنس الذى يندرج تحته تعريف المصطلح. ثانيا تحديد الفروق المحددة للفئة الفرعية التي يقع تحتها التعريف وتميزه عن باقي الانواع الاخرى تحت هذا الجنس. من خلال تعريف الرقم الاولي. الجنس هو “الأرقام الطبيعية أكبر من واحد” اى “1،2،3،4،5،6، ..” .. الفرق المميز “قابلية القسمة فقط على نفسة أو واحد دون باقي “الأرقام 2، 3،5،7 ، 11 ، الخ” .. أرجو ان يكون واضح بالنسبة لك أن التعريف من خلال الجنس والفرق حاسم ومحدد. لكن بالقطع الطريقة بها قصور. أولا التعريف بتلك الطريقة ينطبق فقط على المصطلحات التي لها خصائص معقدة من الممكن تحليلها زى الأمثلة السابقة. ثانيا، الطريقة لا تصلح ان كانت خصائص المصطلح كونية، كلمات مثلا زى “الوجود” ، “الماهية” ، “الكائن” لا يمكن تعريفها من خلال الجنس والفرق لانها كلمات كونية عامة لايوجد جنس يشمها، مثلا ماهو الجنس الذي يشمل كل الكائنات؟ .. لايوجد .. الفئات الكونية A universal class هى اعلى درجة من الفئات، في قمة الهرم، ويطلق عليها علماء المنطق أحيانآ الجنس الجامع summum genus . نفس الفكرة تنطبق على المصطلحات الميتافيزيقية مثل “المادة”، “الخاصية”، الخ .. لكن الإشكاليات دى عادى لا تشكل عائق امام استخدام طريقة التعريف من خلال الجنس والفروق في غالب الوقت.
قواعد وضع التعريف Rules of Definitions
وضع تعريفات من خلال الفئة والفروق مهمة ليست بسيطة بكل تأكيد. لانها تطلب اختيار الفئة أو الجنس المناسب لوضع المصطلح محل التعريف تحته. بالاضافة لتحديد الفروق المميزة بوضوح لهذا المصطلح. لهذا علماء المنطق وضعوا 5 قواعد اساسية من الممكن اتباعها.
(1) القاعدة الأولى: يجب أن يحدد التعريف الخصائص الاساسية للأنواع. افضل طريقة لتعريف الخصائص الأولية هو من خلال المفهوم التقليدي والمألوف conventional intension كما أشرنا سابقا. التعريف التقليدى أو المألوف ليس دائما خاصية جوهرية في طبيعة الكائن، احيانا قد يعبر عن أصل الكائن، علاقته بكائنات أخرى، أو كيفية استخدام الكائن. مثلا مصطلح “الحاكم” لا توجد خصائص جوهرية في الفرد الذى يقوم بدور الحاكم، لكن الخاصية الأساسية للحكام هي من خلال طبيعة علاقته بالمواطنين. أو ليست خاصية جوهرية في الكرسي ان يكون مصنوع من الخشب. لكن استخدامها للجلوس خاصية مميزة فيه.
(2) التعريف يجب ألا يكون دائري circular لو ظهر المُعرف في التعريف، إذن المُعرف يستخدم لتعريف نفسه، اى دائرة مغلقة للتعريف. التعريف الدائرى غير صالح لوضع تعريف لان يعتمد على نفسه في دائرة غير منتهية. مثلا عرف أحد العلماء الإجهاد على أنه ” تغيير كيميائي حيوي ، أو فسيولوجي ، و / أو تغيير سلوكي يتعرض له كائن حي استجابةً لضغط أو إجهاد” !.. استخدام نفس المصطلح أو أحد مرادفاته في التعريف يؤدى لتعريف دائرى غير صالح. مثال أخر، أحدهم عرف العلم على أنه النشاط الذي يقوم به العلماء .. والعلماء، هو اى فرد يقوم بنشاط العلم! .. أكيد الدائرية واضح لك بين التعريفين.
(3) القاعدة الثالثة: التعريف يجب أن لا يكون واسعا جدا أو محدود جدا – القاعدة دى سهلة الفهم لكنها صعبة التطبيق، التعريف لابد وأنه ينطبق فقط على الاشياء التى يدل عليها لا أكثر ولا أقل .. من طرائف تاريخ الفلسفة مثلا .. أحد أتباع أفلاطون في احد المحاضرات عرف الرجل على أنه “كائن له قدمين بدون شعر” .. فقام طالب آخر بنزع ريش دجاجة وألقاها امامة. التعريف كان شديد الاتساع وبالتالي من السهل ايجاد ثغرة او كائن يدل علية التعريف لكنة ليس فعلا من ضمن مجموعة الكائن.
(4) القاعدة الرابعة: لابد من عدم استخدام لغة غامضة، مُلتبسة، أو مجازية في التعريفات – القاعدة دى واضحة، لأن التعريف الذي يستخدم لغة غامضة اى غير واضح معانيها تحت اى سياق لا تساعد على وضع تعريف للمصطلح، أو استخدام لغة مُلتبسة معانيها تحتمل صورة مختلفة حسب السياق ايضا يؤدى الى عدم وضع تعريف محدد. اللغة المجازية من الممكن ان تعبر عن مشاعر الفرد حيال الكائن المعرف، لكنها لا تساعد في فهم معنى المصطلح. مثلا لا نعرف الكثير عن الخبز لو وضعنا تعريفه على أنه “وقود الحياة”. أو أن الجمل هو سفينة الصحراء. لكن التعبير البلاغي ليس مصدر الغموض الوحيد. مثلا تعريف الكلمات بشكل غير محدد او قاطع يفتح الباب أمام الغموض في اللغة .. مثلا الديموقراطية هي أحد صور الحكم تضع السلطة في أيد الشعب. التعريف فضفاض غير محدد .. مثلا من هو الشعب؟ .. واى سلطة؟ .. وما هي درجة التحكم في تلك السلطة؟ وكيف يمارس الشعب التحكم في تلك السلطة؟ الخ.
(5) القاعدة الخامسة: التعريف لابد وان لايستخدم لغة النفي إن أمكن التأكيد – اى ان ما يؤكدة أو يدل عليه المصطلح افضل من وصفة من خلال ما لا يدل عليه المصطلح .. للسبب المعروف وهو أن غالبا المصطلح يدل على عدد أقل من الأشياء في مقابل الاشياء التى لا يدل عليها. مثلا قطعة من الأثاث ليست مكتب، ليست سرير، ليست مكتبة، لاتعرف الكرسى. ولا تعرف الدولاب! اكيد الصورة وضحت لك .. نحن نريد تعريف الكائن من خلال ما يدل علية وليس ما لا يدل عليه (إن أمكن) وبقول ان امكن لان هناك بعض الحالات لن يكون هذا فيها ممكن، ده لان المصطلحات دى عادة ما تكون سلبية في طبيعتها. مثلا مصطلح “الأعمى” .. هو حالة فقدان البصر عن الفرد .. أو اليتيم .. انسان ليس لديه ابوان. الخ .. في الأحيان التي يستخدم فيها التعريف بالنفي، نبدأ بتعريف الجنس بشكل إيجابي وبعد هذا من الممكن رفض كل الانواع التى لا ينطبق عليها التعريف تحت هذا الجنس. لكن هذه الطريقة تنجح فقط ان كانت الأنواع او الفئات الفرعية قليلة العدد، إن كان الجنس يحتوى على عدد كبير من الأنواع، تصبح مهمة التعريف بالنفي شاقة.
صحة الحجج الاستنتاجية لا تعتمد على محتواها، لكنها قائمة على هيكل وتركيب الحجة. لكن معنى المصطلحات المستخدمة في صياغة قضايا الحجة يلعب دور محوري في حقيقة الاطروحة، وادراكنا لمفهوم الحجة. بدون المعاني اللغوية الواضحة لايمكن صياغة حجج صحيحة لان معناها سيصبح غير واضح وقد يساء فهمها. بفهم ظاهرة المعنى في التركيبات اللغوية، وتحديد الصور التعبيرية الغير واضحة مثل الغموض، والالتباس، الإبهام، والنقصان، والتعبيرات العاطفية والبلاغية. الغموض ينشأ من تعدد احتمالية المعنى في الجمل، أما الالتباس ينشأ من عدم وضوح حدود الاصطلاح، في حين أن الإبهام ينشأ عند فقدان المعنى الجوهرى للمصطلحات. والنقصان يظهر حين تخفي المصطلحات ورائها إشارات قائمة على سياق الكلام السابق. وأخيرا الجمل والتعبيرات العاطفية والبلاغية تترك آثار عاطفية في عقل المتلقي وبالتالي تؤثر على موضوعية الحُجة وحياديتها. كل هذة المشاكل الناشئة عن اللغة والمعاني الغير واضحة لابد من تجنبها قدر المستطاع أن كنا فعلا نبحث عن الحقيقة عند صياغة او تحليل الحُجج المنطقية. لكن دراسة المعنى في اللغة ليست دائما دراسة للسلبيات، لكن ايضا لوضع الطرق المنهجية لصياغة تعريفات ومعاني محددة للمصطلحات. المعنى يكتسب مما تشير إليه الكلمات، لكن ليست كل الاشياء يمكن الاشارة اليها او عدها، وبالتالي يتعدى المعني مفهوم الاشارة لما له وجود في الواقع! .. وبالتالي تصبح أساليب وطرق وضع التعريفات جوهرية في صناعة المعنى اللغوي، وبناء حُجج منطقية تحمل معاني حقيقية. في مناقشات البشر، اللغة هي وسيلة الاتصال الأولى، تشكيل الجمل والتعبيرات، القضايا لطرح المعلومات وإيصال المشاعر بعض من وظائف اللغة اليومية, لكن وظيفة اللغة الإخبارية والمعلوماتية هى ما يهتم به علم المنطق في الاساس.
القصة اللى بدأنا بيها مقتبسة بتصرف عن الفيلم الأمريكي “غير مخطط له Unplanned” الذى تم عرضه عام 2019 ومأخوذ عن قصة حقيقة عن حياة آبي جونسون مديرة عيادة تنظيم الاسرة وتحولها اللاحق إلى نشاط مكافحة الإجهاض. الفيلم كان مثار للجدل واحتجاجات عديدة من المدافعين عن حق المرأة في تقرير مصيرها في الولايات المتحدة، ورفضت معظم القنوات التلفزيونية ترويج اعلانات له. الفيلم في الحقيقة ملئ بالمناظر والصور الدموية ولا أنصح ضعاف القلوب بمشاهدتة، لكن الاهم من هذا هو اني اعتقد ان الفيلم بيطرح حجة ضد الإجهاض لكنه بيستخدم لغة عاطفية، تؤثر على أحاسيس ومشاعر المتلقي خصوصا النساء وتشل العملية المنطقية في عقلك للتفكير بدقة في الطرح الذي يقدمه الفيلم. في الحقيقة سواء كنت مع او ضد الإجهاض قبل مشاهدة العمل، بعد المشاهدة غالبا ما سيتركك في حالة كئيبة يصعب معها أن تتقبل أي نوع من الحجج العقلانية، وهذة الصورة بالضبط هى ما يحاول علماء المنطق تجنبة عند وضع الحجج المنطقية استخدام لغة غير واضحة غامضة وملتبسة مثل “تحرك الجنين” .. أو “داعمي الحياة” .. و استخدام تصوير عاطفي يؤثر على مشاعر المتلقي مثل “قتلة الاطفال” .. يغلق الباب أمام أى صورة من التفكير العقلاني او المنطقي. الصورة المنطقية التى نسعى إليها عند مناقشة قضية بتلك الحساسية هى التجرد من الطرح العاطفي، استخدام لغة موضوعية لتقرير الحقائق، وتقييمها، واستخدام الطرق والأدوات المنطقية، والتجريبية لتفنيد تلك الحجج للوصول للحقيقة أيا كانت صورتها.
ودلوقتي .. فكر في معاني الكلمات والتعبيرات التي تستخدمها يوميا .. ماهي وظيفة اللغة في الاتصال البشرى؟ … وهل التعبيرات اللغوية دائما دقيقة موضوعية؟ .. وإن كانت الاجابة بالنفي .. هل نسبية اللغة تلعب دور في عدم وضوحها؟ .. ماهو تأثير الغموض والالتباس اللغوي على صياغة التعريفات؟ .. وهل من الممكن صياغة حُجج صالحة باستخدام لغة مُبهمة أو ناقصة؟ .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP57/EP57_2020_02_20.mp3
في الحلقة الجاية .. سنضع الحجج المنطقية تحت مجهر الاختبار. ونقترب أكثر من تركيبها هيكلها. عن إعادة الصياغة … مخطط الحُجج .. جداول الحقيقة .. وتحليل الحُجج المنطقية .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية
عيش الحياة بفلسفة
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP57/EP57_NoMusic_2020_02_20.mp3
زود معلوماتك:
Logic المنطق
http://bit.ly/378g8qE
Truth الحقيقة
http://bit.ly/2ugr4ni
Argument الحجج
http://bit.ly/2G4S63M
التحليلي والاصطناعي Analytic and Synthetic
http://bit.ly/2T9wPMs
Immanuel Kant إيمانويل كانط
http://bit.ly/2T9c5EL
critique of pure reason نقد العقل الخالص
http://bit.ly/2v5VqKb
V. O. Quine فيلارد فين كوين
http://bit.ly/2Z2LHgS
Two Dogmas of Empiricism عقيدتي التجريبية
http://bit.ly/39WvO1i
Saul Kripke سول كريبكي
http://bit.ly/3bYH9Qg
Naming and Necessity التسمية والضرورة
http://bit.ly/2PhjzEB
The sorites paradox معضلة الكوم
http://bit.ly/2T4b14Z
Eubulides of Miletus أبوليدس الملطي
http://bit.ly/2VjD7f4
Many-valued logic منطق القيم المتعددة
http://bit.ly/2VfgdFM
Supervaluationism التقييم الفائق
http://bit.ly/39YOjSL
Fuzzy logic منطق الغموض
http://bit.ly/2Phjgtr
Definitions التعريفات
http://bit.ly/3c8xRkK
المفهوم والدلالة Extension and Intension
http://bit.ly/2PgEmId
التعريف بالأجناس والفروقات Definition by Genus and Difference
http://bit.ly/3bYiOK6
Ludwig Wittgenstein
http://bit.ly/30Dkfsb
Bertrand Russell
http://bit.ly/2R4Xsm4
غير مخطط له Unplanned
http://bit.ly/3bWv9i1
Music Credit
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
https://goo.gl/r0ijGP
Secret Window Opening Credits
http://bit.ly/3ao1bTc
Dark Piano – Liar
http://bit.ly/2Txs6WS
Celtic Music – Child of the Highlands
http://bit.ly/2raCqb9
myuu – Angst
http://bit.ly/2rMp2L0
myuu – Suspicious
http://bit.ly/36uUaNI
myuu – Spook Box
http://bit.ly/2PKWoBV
myuu – Carmen Habanera
http://bit.ly/36BwDdY
Kevin MacLeod – Pooka
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa

3,689 Listeners

71 Listeners

22 Listeners

0 Listeners