
Sign up to save your podcasts
Or


ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال لعبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- في قراءة القرآن: «اقرأه في سبعٍ ولا تزد على ذلك» [البخاري: 5054]، وأيضًا جاء في السنن «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» [أبو داود: 1394]، ومع ذلك ورد عن السلف قراءة القرآن في ليلة كعثمان -رضي الله عنه- وبعض التابعين، وعن الشافعي أنه يقرأ في اليوم والليلة مرتين، ففعلهم محمول -كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله- على اغتنام الأوقات الفاضلة كرمضان، ولا يكون ذلك ديدنًا للمسلم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ لأنه لن يفقه كما جاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام-، نعم، إذا تفرغ الإنسان في مثل رمضان وأراد أن يغتنم الوقت وقرأ القرآن في يوم أو في يومين -كما في السؤال- هذا له سلف من خيار الأمة كعثمان وغيره، وفرق بين شخص متفرغ ووقته كله لقراءة القرآن وبين شخص مشغول بعمل أو وظيفة أو غير ذلك مما يشغله عن القرآن، ولا شك أنه إذا قرأه في مدة يسيرة يترتب على ذلك ألا يفهم ولا يفقه منه شيًئا، وأن القراءة على الوجه المأمور به من التدبر والترتيل أفضل من قراءة الهذِّ والحدر، وجمهور أهل العلم يرون أن القراءة على الوجه المأمور به ولو قَلَّت أفضل بكثير من قراءة الهذِّ والحدر ولو كَثُرت، نعم، يترتب أجر الحروف على كثرة القراءة، لكن أجر التدبر أعظم كما قرر ذلك ابن القيم -رحمه الله- في (زاد المعاد).
علماء التجويد والذين لهم اهتمام بالقرآن وأحكامه وتجويده يؤثِّمون من يقرأ القرآن بغير تجويد، ولا شك أن القرآن إذا قرئ على الوجه المأمور به من الترتيل والتدبر لا شك أنه أفضل بكثير ممن يقرؤه على غير هذا الوجه، والقراءة على الوجه المأمور به من الترتيل الذي يتضمن التجويد لا شك أنها أنفع للقلب وأقرب إلى السنة من قراءة الهذِّ التي ليس فيها تجويد، وقد يقرأ الإنسان ويتدبر لكنه لا يحسن التجويد، وأهل التجويد يشددون في ذلك، ولكن اختلاف العلماء أو القرَّاء في أحكام التجويد فيما بينهم لا شك أن هذا يدل على أن في الأمر سعة، فإذا كانت القراءة على وجه لا يحيل المعنى وكانت سمحة سهلة مؤثرة فالذي يظهر -إن شاء الله- أنه لا بأس بها، مع أن الاهتمام بتجويد القرآن وتحسين الصوت وتزيينه والقراءة بالتدبر والترتيل على الوجه المأمور به لا شك أنه أكمل وأعظم أجرًا.
ما جاء من المبهمات في القرآن فإن ورد تعيينه في القرآن أو في صحيح السنة فإنّه يعتمد عليه ويعول عليه، ويَلزم تعيينه بما ثبت عن الله وعن رسوله –صلى الله عليه وسلم-، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره، وأما ما لم يثبت فيه شيء فإنه لا يجوز تعيينه بمجرد الرأي ولا بالاعتماد على الإسرائيليات كما يفعل كثير من المفسرين، فإن الذي يعين المبهم يجزم بأن هذا مراد الله -جل وعلا- من هذا المبهم في هذا الموضع، وهذا لا شك أنه افتيات وقول على الله بلا علم، وكل ما كان فيه منفعة ومصلحة من جراء تعيينه فقد جاء تعيينه في الكتاب أو في صحيح السنة، وما لا فائدة ولا منفعة فيه مما كُلِفَ به بعضُ المفسرين وحاولوا أن يعينوه فإن هذا لا فائدة في تعيينه، ولم يرد به شيء، فعلى المسلم ألّا يشتغل به ولا يعتني به، وشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول في (مجموع الفتاوى): (الاختلاف في التفسير على نوعين منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك، إذ العلم إما نقل مصدَّق، وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن المعصوم، أو عن غيرِ المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم، وهذا هو النوع الأول منه ما يمكن معرفةُ الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك، وهذا "القسم الثاني من المنقول" وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه عامَّتُه مما لا فائدة فيه، فالكلام فيه من فضول الكلام. وأما ما يـحتاج المسلمون إلى معرفته فإنّ الله نصب على الحق فيه دليلاً، فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف -تَعْجَب لمَّا يُغْرَم بعضُ المفسرين الذين يعتنون بالإسرائيليات بلون كلب أصحاب الكهف!- وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة -هل هو من يدها أو من رجلها أو من ذيلها أو من كذا، هل يترتب على ذلك فائدة؟- وفي مقدار سفينة نوح -يعني كم طولها؟ وكم عرضها؟- وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك).
الترديد مع القارئ لا يخلو:
الأحرف السبعة اختُلف فيها اختلافًا كثيرًا، وأطال العلماء في بيان المراد بها، واختلفت نظراتهم إلى هذا الحديث، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن المراد بها لغات القبائل ولهجاتهم في أول الأمر؛ لأن القرآن نزل على الصحابة وفيهم بل أكثرهم كبار سن لا تطاوعهم ألسنتهم أن يقرؤوا على حرف واحد، فقريش لها لغة إن شئت فقل: لهجة، وهذيل كذلك، وثقيف كذلك، فإذا أراد الهذلي أن يقرأ بلغة قريش قد لا يتسنى له ذلك لا سيما إذا كان كبير السن وهو في الأصل أمي.
المتشابه هو المتردد بين الحلال والحرام، كما جاء في حديث النعمان بن بشير –رضي الله عنهما-: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات» [مسلم: 1599] أو «متشابهات» [الدارمي: 2573]، فالحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين هاتين المرتبتين أمور مترددة لا يُدرى أهي من الحلال أو من الحرام، وهذا التشابه عند أهل العلم نسبي، منه ما يمكن معرفته بمزيد البحث، ولبعض أهل العلم دون بعض، ومنه ما لا يمكن معرفته، وهذا هو الذي ابتلى الله به الخلق، ليُنظر مدى إيمانهم وإذعانهم للأوامر والنواهي، فمَن في قلبه زيغ يتتبع هذا المتشابه، وعائشة -رضي الله عنها- تقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» [البخاري: 4547]، ونجد بعض مَن يتصدر في بعض الوسائل هَمّه البحث عن هذه الأمور؛ ليوجد الاضطراب في أفهام عامة المسلمين، وتجده يَعمد إلى نصوص محتملة ويَترك النصوص الواضحة البينة، هؤلاء هم أهل الزيغ الذين سمى الله -جل وعلا- فاحذروهم.
مواضع السكت في القرآن -السكتات الخفيفة- موجودة وعليها علامات في المصاحف، وهي جادّة معروفة عند القراء، لكن ما ذكروه من التعليل على طلب هذا السكت قد لا يرقى إلى مسألة الوجوب؛ لأنّ السائل يقول: (هل يجب السكت؟)، فتكون القراءة في هذه الآية: {وقيل مَنْ} سكتة خفيفة {راق} [القيامة: 27]، ومثلها: {كلا بل} سكتة خفيفة {ران} [المطففين: 14]، قالوا: إنا إذا وصلنا {من راق} صار اللفظ (مَرّاق)، قال في التفسير: هو الذي يبيع المرق، أو يصنع المرق، فيوهم هذا المعنى، فينبغي أن يفصل بين الكلمتين، وإلا فالأصل أن الحكم التجويدي هنا الإدغام، نون ساكنة جاءت بعدها الراء.
الحكمة من إنزال المتشابه في القرآن امتحان المكلفين، ومعرفة مقدار إيمانهم بما جاء عن الله -جل وعلا-، فإذا وُجد المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله -كما في آية آل عمران- فهنا يُمتحن المكلف، فإذا تردد في قبوله فلا شك أن في إيمانه خللًا، وأما إذا قال: آمنا به، فإنه حينئذٍ يكون إيمانه كاملًا في هذا الباب.
أولًا من شروط المفسِّر -فيما ذكره أهل العلم- أن يكون عارفًا بلغة العرب؛ لأن القرآن أُنزل بها، ولا يمكن أن يُفهم إلا بواسطتها، فأولى ما يُفسَّر به القرآن القرآن نفسه، فما أُجمل في موضع بُسط في موضع آخر، ثم إن لم يَجد فإنه يُفسِّر القرآن بما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو أعلم الناس بكلام الله المنزّل عليه -عليه الصلاة والسلام-، ثم إن لم يجد في ذلك شيء من المرفوع رَجع إلى أقاويل الصحابة ثم أقاويل التابعين، ويَعتمد في ذلك كله على لغة العرب؛ لأن القرآن أُنزل بها، وإذا لم يعرف لغة العرب ولم تكن له يد بها في جميع فروعها الاثني عشر من: النحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والاشتقاق، والوضع، وغيرها من العلوم، فسوف يقع في كلامه الخطأ الكثير إذا أراد أن يُفسر النصوص سواء كانت من الكتاب أم من السنة.
منذ أن كتبت المصاحف في عهد عثمان –رضي الله عنه- استمر الناس عليها وتلقوها خلفًا عن سلف وتواطؤوا عليها ولم يجرؤ أحد على تغييرها، فالكتابة بالرسم العثماني مازالت باقية، ولا شك أن هذا أهيب للقرآن بحيث لا يُجعل عرضة للكتبة والخطاطين وللناس عمومًا بحيث يكتب كلٌّ على ما تعوده في بلده واختلف عن غيره بحيث لو انتقل من بلد إلى بلد قد يختلف الناس في قراءة كلمة أو نحوها بسبب اختلاف أعرافهم في الكتابات، إنما اتفق المسلمون على هذا الرسم وتواطؤوا عليه ولم يجرؤ أحد على تغييره؛ ليتفق المسلمون في شرق الأرض وغربها على إِلْف هذا الحرف في كل بلد وفي كل زمان وفي كل مكان، وأفتى بعضهم بتحريم تغييره.
From the publisher's feed

0 Listeners