المدنية الغربية من كتاب النظرات من تأليف الكاتب الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي بصوت عبدالباري الطشاني
سأودع في هذه النظرة الخيال والشعر وداع من يعلم أنَّ الأمر أعظم شأنًا وأجل خطرًا من أن يعبث فيه العابث بأمثال هذه الطرائف التي هي بالهزل أشبه منها بالجِدِّ، والتي إنما يلهو بها الكاتب في مواطن فراغه ولعبه لا في موطن جِدِّه وعمله.
إنَّ في أيدينا — معشرَ الكُتَّاب — من نفوس هذه الأمة وديعةً يجب علينا تعهدها والاحتفاظ بها والحدب عليها، حتى نؤديها إلى أخلافنا من بعدنا، كما أداها إلينا أسلافنا من قبلنا سالمةً غير مأروضةٍ، ولا مُتَأَكِّلَةٍ، فإن فعلنا فذاك، أوْ لا، فرحمة الله على الصدق والوفاء، وسلامٌ على الكُتَّاب الأُمناء!
الأمة المصرية أمةٌ مسلمةٌ شرقية، فيجب أن يبقى لها دينها وشرقيتها ما جرى نيلها في أرضها، وذهبت أهرامها في سمائها، حتى تُبَدَّلَ الأرضُ غير الأرض والسموات.
إنَّ خطوة واحدة يخطوها المصريُّ إلى الغرب تُدْنِي إليه أجله، وتدنيه من مهوًى سحيقٍ يُقبر فيه قبرًا لا حياة له من بعده إلى يوم يُبْعَثُون.
لا يستطيع المصري — وهو ذلك الضعيف المستسلم — أن يكون من المدنية الغربية — إن داناها — إلا كالغِربال من دقيق الخبز، يمسك خُشَارَهُ ويفلت لبانه، أو الراووق من الخمر يحتفظ بعُقاره ويستهين برحيقه، فخيرٌ له أن يتجنبها وأنْ يفرَّ منها فرار السليم من الأجرب.