تخيلي نفسك وكيلة في مكتب التحقيقات الفيدرالية، تم إستدعاء من قبل رؤسائك لمهمة عاجلة، شابة مراهقة هربت للغابات وفي اليوم التالي وجدوا جثتها وسط الغابة وعلي ظهرها حبتين صغيرتين. رئيسك في العمل بيطلب منك الانضمام لزميلك فوكس مولدر للبحث في القضية الغامضة. بسألك ان كنتي تعرفي اى حاجة عن مولدر، بتقولي انه كان مشهور وسط دفعة تخرجك بنظرياته الغريبة. بيسألك رئيسك ان كنتى سمعتى عن قسم الملفات الغامضة، بتقولي انها الوحدة المختصة بالجرائم والحالات الغريبة. رئيسك بيقول لك بشكل مباشر ان العميل مولدر بيعمل فى وحدة الملفات الغامضة، وانه عاوز منك تنضمى له فى التحقيق فى هذه القضية الغريبة، لتقييم أدائه. وبيطلب منك استخدام عقلك وطريقتك العلمية بما أنك باحثة طبية في الأساس لدحض نظريات مولدر الغير علمية من وجهة نظر مديرك. بتنضمى لمولدر في وحدة الملفات الغامضة في مبنى البنتاجون، لقائكوا الأول كان مشحون بالتوتر، لأنه أدرك أن الرؤساء ارسلوا كي للتجسس علية زى ما قال لك. مولدر بشرح لك ملابسات القضية، بأن الفتاة طالبة في المدرسة الثانوية، ماتت فى ظروف غامضة بالغابة، وجدت مادة كيميائية غريبة بجسدها، وحبتين صغيرتين على ظهرها، قبل ما يضيف أن ملابسات وأعراض الجثة انطبقت على عدد آخر من الحوادث تمت لشباب آخرين في نفس المنطقة. مولدر على قناعة بأن الحوادث مرتبطة بنشاطات من الفضاء الخارجي extraterrestrial لكن طبيعتك العلمية وعقلك التجريبي بيرفض الاعتقاد في فكرته. بتسافروا للمدينة التي وقع بها الحادث. وأنتوا في طريقكم لموقع الغابة اللى وجدت فية الجثة، بتمروا على منطقة على الطريق السريع بتسمعوا فيها تشويش عالي على صوت الراديو، وتشوفوا ضوء باهر في الافق، مولدر بيوقف العربية، وبيضع علامة أكس ضخمة على جانب الطريق في تلك المنطقة. في صباح اليوم التالي أنتى ومولدر تقرروا أخراج جثة الشاب اللى قتل من عدة أسابيع فى نفس المنطقة. طبيب المدينة وبعض أهالى المدينة بيحاولوا يمنعكوا! … بعد أخراج التابوت بتجدوا أن الهيكل العظمى للجثة المتآكلة بداخلة غريب الشكل، أطرافة طويلة جدا، جمجمة ضخمة، وجسد قصير! .. مولدر بيقفذ لفكرة ان ده كائن فضائى، بتطلبي نقل الكائن لمعمل التحقيقات لتشريح جثتة، وقت التشريح باستخدام الاشعة فوق البنفسجية بتحددى ان الجثة لقرد إنسان الغابة، وبتكتشفي بداخل تجويفة الانفي شئ معدني مغروس. مولدر بيطرح فرضية ان الكائنات الفضائية استبدلت جثة القتيل بجثة القرد لإخفاء الحقيقة، لما بتبحثوا في ملف القتيل بتجدوا انه اودع المصحة النفسية قبل مقتله بأسابيع، بتذهبوا لزيارة المصحة النفسية. هناك بتقابلوا اثنين من الطلبة رفقاء القتيل في المصحة، اللى بيعانوا من حالة صرع مشابهة لنفس الحالة اللى عاني منها القتيل والقتيل. احد الطلبة في حالة غيبوبة من شهور، والاخرى على كرسي متحرك، لما بيحاولوا يستجوبوها بتنتابها حالة صرع وتقع على الارض والدماء تنزف من أنفها، مولدر بيكشف عن ظهرها وهى بتتشنج فبتشوفي نفس الحبتين اللى وجودا على ظهر القتيلة. تستغربي إزاى مولدر خمن وجود الحبتين، لما بتسألية الية اللى مخبية هيقول لك انه نظريتة ان هؤلاء الطلبة تم اختطافهم بواسطة كائنات فضائية! .. لما بترجعوا الغابة للبحث عن اى أدلة داعمة، بتجدى في موقع الحادث، رماد ملمسة غريب في موقع الحادث، وكأن في شئ احترق فى هذا المكان، بتضعي نظرية ان هؤلاء الطلبة من الجائز انهم أفراد في ممارسات دينية غريبة، هى السبب وراء القتل. وانتوا في موقع الحادث بيظهر مأمورالمدينة ويأمركوا بالرحيل من المنطقة لانها أرض ملكية خاصة، بتشكوا انه على علاقة بالحادث. وانتوا في طريق عودتكوا ضوء ساطع مرة أخرى بيظهر في الافق، تشويش عالي الراديو قبل ما السيارة تقف تماما، مولدر بيلاحظ ان الوقت كان 9 مساءا قبل سطوع الضوء واصبح التاسعة و9 دقائق. مولدر بيقول ان هناك 9 دقائق فقدت من الزمن، الظاهرة اللى عادة ما بترتبط باختطاف الكائنات الفضائية! .. تقول لي له بأن الوقت لا يمكن تخطيه أو فقدانه، لما بتنزلوا من السيارة بتجدوا علامة الاكس التي وضعها مولدر في أول رحلة ليكوا على جانب الطريق، مولدر سعيد باستنتاجه يبدو أن هناك ظاهرة ما خارقة للطبيعة مرتبطة بهذا المكان. في صباح اليوم التالي بتصحوا على استدعاء من السلطات المحلية بان الفتاة الاخري في المصحة وجدت جثتها، بتذهبوا سريعها لموقع الحادث، لكن في الطريق بتصلكوا رسالة ان معمل التحاليل تم احتراقة وفقدت بداخلة كل الادلة اللى جمعتوها! .. مولدر بيطرح نظرية اخرى بان هناك من يعرف بداخل الحكومة عن زيارات تلك الكائنات الفضائية ويريد ابقاء الامر سري! .. بتتصل بكم فتاة فى نفس مدرسة الطلبة المقتولين وهى مرعوبة وبتخبركم بانها صحيت من النوم أكثر من مرة لتجد نفسها في الغابة! … لما بترجعوا الغابة في المساء بيقابلكوا المأمور مرة أخرى وبيطلب منكوا الرحيل، بتهربوا منه داخل الغابة بيطاردكوا. ضوء قوى ساطع في الأفق، بتجرى انتى ومولدر تجاه، لما بتصلوا لبقعة الضوء بتشوف الولد اللى كان فاقد الوعي في المصحة، واقف ورافع الفتاة اللى اتصلت بيكم والضوء بيغمرهم من السماء، مش قادرين تشوفوا مصدر الضوء .. لكن بتلاحظوا حبيتين على ظهر كلا من الفتاة والولد فى نفس الموضع! .. بعد لحظات يشتد سطوع الضوء وبتفقدوا رؤية كل شئ! .. لما بتعود الرؤية مرة أخرى بتلاقوا الولد والفتاة مازالوا على قيد الحياة اختفت الحبوب من على ظهورهم! .. لما يتم إستدعاء الولد للتحقيقات، بيقول ان تم اختطافه هو وزملائه من الغابة وقت أحد حفلات السمر، هو غير مُدرك لمين اللى خطفة، لكنهم زرعوا شئ ما في رؤوسهم، كانوا خاطبوهم من خلالة، ولما كانت تصلهم إشارة عن طريق الجهاز في رأسهم يذهبون لنفس الموقع في الغابة للأختبار، الكائنات كانت بتقتل اللي فشلت الاختبارات عليه. بعد تقديم التقرير للرؤساء بيتم استجوابك، واخبارك بان تقريرك ليس هناك أي أدلة علمية تجريبية داعمة له، بتتفقي معاهم، وبتقولي ان التقرير وجهة نظرك الشخصية وان لاتوجد فيه اى نتائج من الممكن إطلاق صفة العلمية عليها. المحقق بيسألك إزاى من الممكن استكمال التحقيق في تلك القضية بدون اى ادلة فزيائية؟ .. بتقدمى للمحققين المادة المعدنية التي استخرجتها من أنف القرد، وبتقولي ان ده الدليل الوحيد المتبقى من حريق المعمل، وانك أجريت علية اختبارات عديدة لكنك لم تتوصلى لطبيعة المادة! .. بيسألك عن رأى العميل مولدر .. بتقولى ان العميل مولدر بيعتقد اننا لسنا وحدنا على الارض! .. تنتهي التحقيقات .. وبيأخذ المُحقق المادة الغريبة التي وجدت في جسم القرد، ويضعها في مخزن ضخم من عينات مُشابهة مكتوب عليها من الخارج “سري للغاية”.
قابلية الدحض، ترسيم الحدود عند كارل بوبر، العلم الزائف عند كارل بوبر، التغيير العلمي عند بوبر، اللامعصومية أو التخطيئية، بين الإكتشاف والتبرير، إشكالية دوهيم، نقد قابلية الدحض، نقد التأكيد عند بوبر، المجتمع العلمي و قابلية الدحض
قابلية الدحض Falsificationism
من اهم الاسباب اللى بنبحث من اجلها عن نظرية للطريقة العلمية هو رغبتنا في ايجاد مبرر ان كانت المعرفة العلمية مبررة، وماهي حدودها. الفكرة اللى تبعيتها هتكون مهمة في كافة مناحي الحياة، هل هناك خطورة في تناول دواء ما؟ هل هناك أثار جانبية لرش مبيدات معينة على المحاصيل؟ .. هل من الممكن وضع بشر على متن سفينة فضائية؟ .. وغيرها من الاسئلة اللى الاجابة عنها بيتطلب تفسير لنتائج النظريات العلمية، وتبرير صحة تلك المعرفة. او الاسئلة الوجودية عن أصل الكون، عمرة، طبيعة مادة الحياة، الخ .. كلها اسئلة قائمة في الاساس علىي نتائج طريقة عمل العلم. السؤال القائم هل أفضل نظريتنا العلمية قادرة على وصف الكائنات والظواهر الغير ملاحظة المسببة لما نلاحظة في الحياة بدقة ام لا ؟ .. لكن مش دة السبب الوحيد في اننا بنحاول وضع طريقة علمية محددة، وهو ببساطة انا لو لدينا أطار محدد للطريقة العلمية، سيصبح من الممكن ان نقرر ان كانت نظرية ما، او مجال بحثي ما علمي ام لا. علي سبيل المثال الصراع اللى دار في الولايات المتحدة الامريكية اكثر من مرة حول تدريس فكرة نشأة الحياة والكون كنتيجة لعملية خلق من كائن كامل الكمال متعالي للأطفال في المدارس العامة، تحت مسميات مختلفة منها نظرية التصميم الذكي Intelligent Design أو علم الخلق Creation Science الادعاء من الافراد اللى نادوا بتدريس تلك الافكار في المدارس العامة، هو بما ان تفسيرهم للكتب المقدسة قائم على نظرية علمية للخلق بالتالي اصبح من الضروري تدريسها في للطلبة كجزء من مقرر العلوم. لكن بالطبع عدد كبير من الافراد، المفكرين، العلماء، وصناع القرار اختلف مع أدعاء ان فكرة الخلق فكرة علمية، بالرغم من من الممكن اضفاء صورة سطحية عليها تجلعها تبدو كنظرية علمية. ومن هنا بتنشأ أهمية ان كان ادعاء ما فعلا علمي ام لا، من الناحية الفكرية، القانونية، السياسية، والدينية. وعلي سبيل المثال مهما حاول انصار فكرة الخلق اضفاء صورة عملية او الاشارة لمصادر علمية مُدعاة تقدم ادلة عملية علي شق موسي للبحر الاحمر، او طوفان نوح، او احياء عيسي للموتي، او ان عمر الارض الالاف السنين، الخ من الاحداث المُدعاة في الكتب المقدسة، علماء الاحياء، والجيولوجيا بيرفضوا الافكار دى، ومقتنعين مثلا ان كل الادلة العلمية بتشير الا ان الارض عمرها ملايين السنين وليس الالاف السنين (سواء كان الله خلق الكون او لا ده أمر أخر). لكن حتى وان كانوا علي صواب، هل “علم الخلق Creation Science ” علم فعلا أم لا؟ .. لكن كيف من الممكن ان نقرر ان كان “علم الخلق” علم حقيقي فعلا أم لا؟ .. وغيرها من العلوم المُدعاة، على سبيل المثال لا الحصر “علم التخاطر النفسي parapsychology” ، “العلاج بالابر الصينية acupuncture” ، “التنجيم astrology “، “علاج المثلية homeopathy “، وغيرها كثير من الممارسات والادعاءات اللى بيدعي اصحابها انها علمية، وآخرون بيصروا انها غير علمية. هل من المفروض ان المؤسسات القانونية، التعليمية، والصحية العامة تتبنى تلك الممارسات؟ .. معرفتنا الحالية بالعلم، وتأثيرة علي حياتنا سيقودنا الا ان اى تقرير اى فكرة او ممارسة “علمية” سيكون له تبعات كبيرة على حياة البشر. زى ما شفنا فى الحلقات السابقة ان إشكالية الاستقراء The Problem of Induction بتظهر ان تبرير النظريات العلمية على أرضيتها وان هناك حاجة لنظرية تأكيدية Theory of Confirmation تمكنا من الدفاع عن اى نوع من الاستقراء. لكن إشكالية الاستقراء اشباحها بتخيم على كل صور المعرفة التجريبية empirical knowledge حتى البسيطة منها المكتسبة من خلال تفاعلنا اليومية، زى لو لمست النار هتلسع، او لو شربت السم هموت، كلها امثلة من الممكن ان رؤية استقرائية سطحية قد تقودنا إلا أننا غير قادرين على دحض تلك الأفكار وبالتالي مضطرين للتخلي عنها لأنها غير مبرهنة، وبالتالي هيكون لابد علينا التخلي عن كثير من البديهيات الحياتية. علي أى حال الرؤية الاستقرائية السطحية يبدو انها غير صحيحة لان بالرغم من إشكالياتها لدينا عدد كبير من النظريات العلمية الفعالة تم تطوريها في العقود الماضية. ومن هنا يبدو ان فكرة الاستقرائية السطحية غير كافية لتقديم نوع من ترسيم الحدود demarcation ما بين ما هو علمي وما هو غير علمي، لأنها غير قادرة على وضع منظومة لكيف يتطور العلم، و تجبرنا علي رفض بديهياتنا الأساسية البسيطة، هنحاول في مناقشتنا التالية اننا نقدم نظرية بديلة لطبيعة الطريقة العلمية وارضية جديدة لترسيم حدود العلم، طريقة عادة ما بتعرف في أدبيات فلسفة العلم قابلية الدحض falsificationism اللى هتقودنا لطرق جديدة من الممكن بيها ان نطور من فكرة الاستقرائية السطحية لنوع من الاستقرائية أكثر تطورا. الفكرة اللي ببساطة بتعني لاى فرضية لكي تكون عملية لابد وأن يوجد إمكانية لنفيها عن طريق ملاحظة أو تجربة ممكنة! .. كي تكون الفرضية علمية لابد وأن تأخد مخاطرة Risk .. فرضية بدون مخاطرة ليست علمية. قابلية النفي عادة ما بتتلازم مع فكرة أن التأكيد Confirmation غير ناجح في اثبات اى نظرية بسبب إشكالية الاستقراء. وبالتالي تصبح النظريات العلمية قابلة فقط للأثبات بالادلة النافية من خلال الملاحظة أو التجربة. معظم الفلاسفة اعتقد ان لو أن التأكيد غير ممكن للحصول على المعرفة، فتوابع هذه الفكرة ستكون مُفجعة للبحث العلمي، لكن أنصار نظرية قابلية الدحض عندهم حل آخر لهذه الإشكالية. وجادلوا ان التأكيد Confirmation و الاستقراء Induction مجرد أوهام لا حاجة للعلم بها ( الحجة اللي فى وجهة معظم الفلاسفة محكوم عليها بالفشل قبل أن تطرح).
ترسيم الحدود عند كارل بوبر Popper on Demarcation
الفيلسوف النمساوي الإنجليزي كارل بوبر Karl Popper كان له تأثير كبير على فلسفة العلم في القرن العشرين، وكثير من العلماء اعتنقوا أفكارة، وأصبح أحد أعضاء جمعية لندن الملكية لتحسين المعرفة الطبيعية Royal Society of London أحد أعرق المؤسسات العملية، في الواقع نظرية بوبر “قابلية الدحض falsificationism ” أصبحت شائعة ومشهور الان بين العلماء أكثر من الفلاسفة،! بوبر كمان لعب دور جوهري في نقد الماركسية Marxism وفي الحقيقة كتابية “فقر التاريخ The Poverty of Historicism” و “المجتمع المفتوح وأعداؤه The Open Society and Its Enemies ” مازالت منتشرة بشكل واسع النطاق كمصادر إطلاع ما بين السياسيين وطلاب نظريات السياسية والاجتماع (هنرجع نناقش أفكار بوبر السياسية بتفصيل أكبر في سلسلة فلسفة السياسة). اهتمام بوبر بفلسفة العلم بدأ ببحثه عن طريقة لترسيم الحدود demarcation ما بين العلم الحقيقي والزائف. حاول لانه يجد الفروق ما بين النظريات اللى كان معجب بها في الفيزياء والنظريات التي أعتقد أنها غير علمية في علم النفس والاجتماع، وسريعا ما توصل لان السبب في أن الناس بتعتقد خطئا أن رؤية ما علمية زائفة لانها اخطأت في فهم ماذا جعل الفيزياء الطبيعية علما في المقام الأول! .. أرض معركة الصراع الفكري والجدال حول فكرة ترسيم الحدود كانت العلوم الاجتماعية، العصر الذهبي لانتاج العلوم الاجتماعية كان القرن الثامن عشر اللى كان عصر مثير من الناحية الفكرية العقلية، مشبع بالامل بسبب نجاح افكار الفيزياء النيوتونية Newtonian physics والعلوم الأخرى الجديدة، زى الكيمياء، علم النفس، وغيرها. اللي انتشرت بسرعة كبيرة وقتها، وتطورت بشكل متطرد. كثير من المفكرين وقتها اقترحوا أن الخطوة المنطقية التالية هو تطبيق نفس الطرق والأفكار العلمية دى في اكتشاف القوانين اللي بتحكم التطرفات البشرية، والمجتمعات. الفترة دى في تاريخ البشرية عادة ما بيشار اليها بعصر التنوير والعقل the age of enlightenment and reason واللي من الممكن وصفها بشكل بسيط غير مخل بأنها كانت مشبعة بالامل نحو تحقيق درجات من الارتقاء والنمو البشري الغير مسبوق ان امكن للبشر ان ينظموا انفسهم بناء على اسس عقلانية متماشية مع نظريات اجتماعية علمية في جوهرها. لما بدأ بوبر بتكوين رؤيته حول العلم في بدايات القرن العشرين، كان هناك عدد من النظريات الاجتماعية والنفسية حول طبيعة البشر، اللي ادعي اصحابها انها بتحقق وعد عصر التنوير بعلم حقيقي للمجتمعات والتصرفات البشرية. أشهر تلك النظريات كانت الماركسية Marxism ، ونظرية التحليل النفسي psychoanalysis. في جنازة كارل ماركس صديقة وشريكة الفكري فريدريك إنجلز Frederick Engels قال ان زى ما دارون اكتشف المبادئ والقوانين العلمية لتطور الانواع، ماركس كذلك اكتشف المبادئ والقوانين العلمية لتطور المجتمعات. وكذلك عالم النفس والمفكر النمساوي سيجموند فرويد Sigmund Freud ادعي ان اكتشافاته في مجال النفس البشرية كانت على نفس المقام مع اكتشافات كوبرنيكس ودارون. واعتبر نظريتة عن الكبت الجنسي Sextual repression والانا ego الهوية id والأنا العليا superego وغيرها نظريات علمية. لأسباب عديدة الماركسية والتحليل النفسي بيرو بشكل واسع اليوم على أنهم نظريات غير علمية. لكن كثير من كبار مفكري القرن العشرين تأثروا بأحد أو كلتا النظريتين، وبلا جدال تأثيرهم في تاريخ البشر في حقبة القرن العشرين كان عميق وواسع الأثر. في بداياته بوبر انجذب لكل النظريتين لكنة سريعا ما ابتعد عنهم، واعتقد انهم نوع من العلم الزائف pseudo-scientific . وعمل على تفسير لماذا اعتقد انهم علم زائف! بوبر اعتقد ان من السهل جدا رؤية النظريتين دول على أنهم نوع من العلم الناجح، لو اعتقد الفرد أن المعرفة العلمية بتتكون وتبرر بتراكم النماذج الايجابية positive instances للنظريات والقوانين. تحت الرؤية دى زى ما ضربنا مثال في الحلقة السابقة، تبرير قانون ان كل المعادن تتمدد بالحرارة، هيكون من السهل إثبات بمجرد ملاحظة عدد كبير من الحالات اللي فيها بعض المعادن تتمدد بالحرارة. كلا من أتباع الماركسية ونظرية التحليل النفسي، لديهم عدد من الأمثلة على ظواهر أخذت كنماذج إيجابية داعمة لمبادئهم وأفكارهم العامة. الاشكالية بالنسبة لبوبر، ان من السهل جدا اننا نجد عدد من النماذج الايجابية الداعمة لنظرية ما. خصوصا عندما تكون النظرية عامة جدا في ادعائتها اللى يبدو وأنها لا تنفي اى شئ بالمرة. علي سبيل المثال كثير مننا بيلاحظ الإشكالية دى في الابراج horoscopes لنفس السبب بالتحديد وهو أن ادعائها عادة ما بتكون عامة جدا ومن الصعب جدا انك متلاقيش نموذج أو ظاهرة ما بتدعم الاداعاءات دى! .. مثلا وأنا بكتب نص الحلقة، بحثت عن برجك اليوم في الجرائد المصرية عينة من نتائج بحثي كانت “أوقات خاصة مميزة” .. “حاول الاستعانة بأهل الخبرة” .. ” حافظ على هدوئك” .. “علي الصعيد المهني والعاطفي والصحي .. تحتاج إلي الحكمة في التفكير” .. “تحب العيش في رفاهية” .. الخ .. أعتقد هتتفق معاية في ان قليل من الناس ان وجد على الاطلاق اى فرد مش محتاج لأهل الخبرهـ او مش محتاج يحافظ علي هدوئه في بعض الاوقات!
العلم الزائف عند كارل بوبر Popper on Pseudoscience
فكرة ترسيم الحدود demarcation عند كارل بوبر قامت على أساس عقلاني بسيط جدا وهو ان لو فرد ما صنع تصريحات عامة وغير محددة بكل تأكيد من السهل ان نجعل نظريتهم علمية وعبور حدود اللا علمي .. لإن حدود النظرية العلمية هو وجود عدد من النماذج الإيجابية الداعمة لطرحها. وبكل تأكيد سنجد عدد من تلك الحالات. ومنا هنا كارل بوبر ادعى أن النظريات ذات القوة التفسيرية الكبيرة او واسعة النطاق بتصبح في قائمة الاشتباه للعلم الزائف! .. بالتحديد لان من الممكن تفسير الكثير من خلالها. وبالمثل بوبر بيقول كثير من أتباع الماركسية ونظرية التحليل النفسي أفرطوا في اعجابهم بالقوة التفسيرية لتلك الأطروحات وصاروا يبحثوا عن التأكيدات في كل مكان. وجادل أن الماركسيين كل إضراب كدليل آخر على نظرية صراع الطبقات العاملة Theory of class Struggle، واتباع فرويد بيعامل كل حالة من الاضطراب العصبي neurosis كدليل آخر على نظريات فرويد. لكن الإشكاليات في نظرياتهم انها لا تصنع تنبؤات دقيقة، وكل اى ظاهرة حادثة من الممكن أن تستخدم كدليل داعم للنظرية. وبكل تأكيد كلتا النظريتين لديهم القدرة على تفسير أحداث يبدو وأنها بتنفي النظريات ولا تدعمها. مثلا.. في مجموعة من القوانين طرحت في إنجلترا فى القرن التاسع عشر لحماية العمال في المصانع و الحفاظ على صحتهم، اللى تبدو أنها ممارسات تتعارض مع الماركسية، إلا بتجادل أن الطبقات الحاكمة ليس لديها رغبة في توفير حياة كريمة أو ظروف عمل ملائمة للفقراء والطبقات العاملة. لكن كثير من الماركسين جادل، ان في الحقيقة تقديم قوانين حماية العمال في إنجلترا في القرن التاسع عشر يؤكد النظرية الماركسية، لانها بتظهر أن الرأسماليين capitalists كانوا مدركين قروب وقوع الثورة البروليتارية proletarian revolution ودى كانت محاولتهم البائسة لاسترضاء العمال لايقاف او تعطيل الثورة! … وفي حالة نظرية التحليل النفسي، بوبر بيضرب مثالين على التصرفات البشرية، الأول فيه رجل بيدفع طفل في المياه بنية إغراقه، والثاني، رجل يقفز في الماء ويضحي بحياته من اجل انقاذ طفل. فرويد من الممكن يفسر الحادث الأول، بطرح أن الرجل يعاني من الكبت، وفي المثال الثاني الرجل حقق التسامي. أو عالم النفس النمساوي الشهير ألفريد أدلر Alfred Adler من الممكن أن يفسر حالة الرجل الأول بأنه كان بيعاني من عقد نقص وكان محتاج لأثبات قدرته على ارتكاب الجريمة لنفسه، أما الرجل الثاني فقد يفسر حالته بأنه عاني من عقدة نقص وكان محتاج لإثبات شجاعته وقدرته على إنقاذ الطفل لنفسه. ومن هنا كان اعتراض بوبر على ان المبادئ الاساسية للنظريات دى عامة جدا لدرجة انها متوافقة تقريبا مع اى ملاحظات محددة، والافراد اللي بيعتقدوا في تلك النظريات لا يمكن أن يتصورا اى ظروف تحتها من الممكن أن يتم ضحد تلك النظريات تجريبيا، لانها زى العدسات اللي بيشوفوا من خلالها العالم. أذن بشكل عام، قلق بوبر حول فكرة أن التأكيد أساسي للنظرية العلمية أمر سهل إن كنت بتحاول أن تجد نماذج إيجابية لتأكيد النظرية خصوصا وان كانت النظرية غامضة أو عامة. على النقيض بوبر كان معجب جدا التأكيد التجريبي experimental confirmation لنظرية النسبية العامة general theory of relativity اللى وضعها أينشتاين سنة 1917. اللى تنبأ بأن الضوء المار بالقرب من الشمس لابد وأن مسارة سينحرف بتأثير قوى مجال الجاذبية للشمس. الشيء المثير للإعجاب في النظرية طبقا لبوبر انها قامت بمجازفة كبيرة بوضعها لهذا التنبؤ الكبير، اللى كان من الجائز جدا ان يتم اثبات انه خطأ وبالتالى النظرية بتصبح خاطئة. وفي الواقع في أمثلة كثيرة على تنبؤات قابلة للدحض falsifying جازفت نظريات علمية عديدة بصناعتها. على سبيل المثال، نيوتن وضع في نظريته تنبأ بعودة مذنب هالي Halley’s comet سنة 1758، ده بالاضافة لعدد من التنبؤات الدقيقة والمحددة عن تصرفات الأنظمة الميكانيكية. لكن بالنسبة لبوبر أكثر انواع التنبؤات اقناعا، كانت التنبؤات بأنواع جديدة من الظواهر، أو الكائنات. المثال اللي ضربته من نظرية النسبية العامة بيعد من هذا النوع! مثال آخر شهير، هو تنبأ الكيميائي الروسي ديمتري مندليف Dmitry Mendeléeff بوجود نوعين جداد من العناصر لم يكتشفوا بعد فلز الغليوم gallium وعنصر السيلينيوم selenium ، اللى تنبأ بوجودهم بناء علي تركيب الجدول الدوري للعناصر Periodic Table of the elements . بوبر اعتقد ان اصدار توقعات وتنبؤات جديدة ومجازفة هو أحد أهم خواص النظريات العلمية، مصحوبا باستعداد العلماء لقبول رفض نظرياتهم ان ظهر ان التنبؤات لم تحدث، وفي وجهة نظرة هذا هو الامر اللى جعل العلم مؤسسة بشرية ذات احترام ومصداقية. أذن بوبر جادل أن التأكيد اللى من الممكن أن تحصل عليه النظرية من ملاحظة نموذج يناسب او يتفق مع النظرية، من الممكن فقط حسابه ان كان نموذج للتنبؤ جازفت النظرية ووضعته. او بصيغة اخرى اذا كان هذا النموذج معامل ضحد اعتباري للنظرية potential falsifier. واعتقد ان الأمر المثير في النظريات العلمية الحقيقة هو أنها تصنع تنبؤات دقيقة لظواهر مفاجئة، غير متوقعة، جديدة، وفي كثير من الأحيان مخالفة للبديهة او الافكار السائدة، والعلماء الحقيقين على استعداد لرفضهم لو ظهر أن التنبؤات المطروحة لم تظهر من خلال التجربة أو الملاحظة. وأن مش بس الماركسية ونظرية التحليل النفسي كانوا غامضين وغير قابلين للنفي أو الدحض بالتجربة، لكن الاكثر من هذا، ان الماركسيين والفروديين احيانا بيتهربوا من النقد الفكري الموضوعي لنظرياتهم. بيهاجموا طارحي النقد على نظرياتهم، لو الواحد رفض الماركسية بيصبح متهم بأنه صاحب اطماع طبقية مدفوعة بالحفاظ على النظام الرأسمالي، ولو واحد أعترض بقوة على التحليل النفسي ونظرية فرويد، بيتهم بأن ده نتاج عقد نفسية نابعة من القهر اللى تعرض له. طبعا من الجائز جدا أن الادعاءات دى تكون صحيحة في كثير من الحالات، لكن الفكرة ان النظريات دى محصنة ضد النقد، الخاصية دى اعتبرها بوبر لعنة العلم، وبالتالي بوبر وصل لنتيجة ان النفي أو الدحض falsification وليس التأكيد confirmation هو جوهر وقلب النظرية العلمية!
التغيير العلمي عند بوبر Popper on Scientific Change
حل بوبر لمشكلة الاستقراء ببساطة كان أنه جادل ان الاستقراء لا يبرر صحة المعرفة العلمية، لأن العلم لا يعتمد على الاستقراء Induction بالمرة! وان هناك أختلاف منطقي ما بين التأكيد confirmation و قابلية الدحض او النفي falsification للتعميمات الكونية. مهما لاحظنا عدد كبير من النماذج او الحالات المؤكدة لفرضية ما، ظهور حالة واحدة فقط نافية لتلك الفرضية كافي لدحضها. العلم في جوهره هو عملية تحديد قابلية الدحض وليس التأكيد من وجهة نظر بوبر. وبالتالي جادل أن العلم لا يحتاج الاستقراء بالمرة، لأن استنباط نفي النظرية من قابليتها للنفي هو عملية استدلالية deductive بحتة. وتوصل لنتيجة القطعية بان أى نظرية غير قابلة للنفي من خلال التجربة ليست نظرية علمية! .. مثلا، احتال تمطر بكرة او لا .. الله المُحرك الاول .. الله مطلق الكمال .. كل العزاب غير متزوجين … البشر لديهم حرية إرادة! .. كلها جمل غير قابلة للنفي! .. لايمكن وجود أى عدد من الملاحظات كاف لنفي اى من الجمل السابقة! .. وزى ما شوفنا بوبر جادل ان جملة زى “كل العقد النفسية سببها صدمات نفسية فى الطفولة” ادعاء غير قابل للنفي، وبالتالي ادعاء غير علمي. لكن علي الجانب الاخر اعتقد ان الادعاء الماركسي هو ادعاء قابل للنفي، وبالتالي قد يكون علمي، لما أن النظرية الماركسية قدمت تنبأ خطير وهو عموم ثورة الطبقات العاملة في كل المجتمعات والدول. لكن بوبر اعتقد ان الماركسيين كانوا متشبثين بنظرياتهم بالرغم من نفيها وخطأ تنبؤها وبالتالي اعتبرهم علماء سيئين وليسوا علماء مزيفين كعلماء التحليل النفسي من وجهة نظره. على الجانب الآخر النظريات العلمية الجيدة عند بوبر هى اللي صنعت تنبؤات قابلة للنفي، ولم يتم نفيها حتى الآن! .. مثلا كل المعادن تتمدد بالحرارة، نظرية علمية من الدرجة الأولي عند بوبر لأنها تصنع تنبؤ دقيق لم يتم نفية حتى الآن وبالتالي تكون نظرية سليمة! … بوبر أستخدم فكرة قابلية الدحض أو النفي لتقديم تفسير لكيفية حدوث التغيير العلمي Scientific Change، فكرة بوبر كانت بسيطة وواضحة. جادل أن التغيير يحدث في العلم من خلال مرحلتين بيتكررا بشكل مستمر، المرحلة الأولى: مرحلة التخمين conjecture، العلماء بيقوموا فيها بوضع فرضية تفسر او تصف ظاهرة ما، التخمين الجيد لابد وان يكون جرئ، مجازف وجديد في طرحه. المرحلة الثانية هي محاولة الدحض او النفي attempted refutation اللى بتمر فيها الفرضية باختبارات دقيقة لمحاولة إظهار خطئها! … ان تم نفي الفرضية، يعود العلماء للمرحلة الاولي ويخمنوا فرضية أخرى، تتبعها المرحلة الثانية للدحض، وهكذا إلى ان تنجو فرضية ما من اختبار الدحض. خلال تلك العملية من الطبيعي جدا أن العلماء سيضعوا فرضيات لها علاقة بالفرضيات السابقة الفاشلة طبعا بعد إضفاء تعديلات وتصحيحات عليها، وبالتالي فرضية ما سيتم تحسينها من خلال مجموعة من التخمينات ومحاولات الدحض، النقطة المهمة هنا عند بوبر هو أن العلماء لا يحاولوا ان يضعوا تخمينات جديدة معدلة للقديمة تتجنب فقط سبب الفشل في الاختبار، أو مجرد ترقيعها Patch كما أشار بوبر! .. تذكر أن التخمينات لابد وان تكون مغامرة، جريئة، مُجددة، ومُجازفة في طرحها، وبالتالي مع كل تخمين جديد تزداد درجة المُجازفة! … ومن هنا بوبر جادل أن العلم بيتقدم باختبار بمحاولة نفي النظريات وليس بمحاولة تأكيدها! .. اى أن الطريقة العلمية السليمة لاختبار نظرية ما ليست بمحاولة اظهار انها صحيحة لكن بمحاولة اظهار انها خاطئة! .. بمجرد أن يتم صياغة فرضية hypothesis ما، لابد من استنباط مجموعة من التنبؤات قائمة على الفرضية، وبالتالي تصبح الفرضية قابلة للاختبار. لو تم دحضها تترك الفرضية، ان لم يتم نفيها، إذن تصبح عرضة لمزيد من الاختبارات الصارمة والمزيد من المحاولات الخلاقة والمبتكرة لمحاولة نفيها. وبالتالي بالنسبة لبوبر ما نُطلق عليه التأكيد بيصبح هو مجرد محاولة دحض غير ناجحة! .. ودة كان السبب ان طريقة بوبر أطلق عليها العنوان اللي اختارة لعملة الاهم “التخمين والضحد conjectures and refutations ” اللي نشرة سنة 1962 .. التخمينات الجريئة والمجازفة هى فقط اللى من خلالها يمكننا استنباط تنبؤات جديدة .. او زى ما بوبر عادة ما بيبسط الفكرة بأن العلم مثله مثل الانتقاء الطبيعي natural selection والعلماء يتعلموا فقط من اخطائهم. النظريات التي تنجو من المحاولات العديدة لنفيها هي النظريات الأصح، وبالتالي هي التي تبقي! .. وسيبقى دائما من الجائز أن أفضل نظريتنا العلمية تدحض غدا، وبالتالي تصبح أفضل نظريتنا عند بوبر ليست في حالة “التأكيد” .. لكنها لم تنفي بعد! .. وأطلق على الماركسين واتباع التحليل النفسي انهم علماء فاسدين، وفسادهم العقلي، والعلمي في أنهم لم يحددوا بدقة شروط نفي فرضياتهم، أو انهم تمسكوا بالفرضيات بالرغم من تحقق شروط نفيها. ومن هنا بوبر حس كل العلماء أن يحددوا بدقة مقدما تحت اى شروط تجريبية من الممكن ان يتخلوا عن ابسط فرضياتهم، اى ان بالنسبة لبوبر، كل شئ فى العلم مؤقت وقابل للتصحيح والاستبدال. أو زى ما قال في كتابة المهم “منطق الاكتشاف العلمي The Logic of Scientific Discovery” اللى نشرة سنة 1959 .. ” لابد وان لا ننظر للعمل على انه مجسم من المعرفة، لكن كمنظومة من الفرضيات اللى من غير الممكن تبريرها، لكن من الممكن أن يتم العمل بها طالما بقت قابلة للنفي والنجاة. ولن نكون مبررين ابدا في اطلاقنا صفة الصواب، البرهان، أو حتى الاحتمالية على تلك الفرضيات” .. فكرة أن المعرفة لابد وان تكون مؤكدة وخاضعة البرهان القطعي ولاتقبل الخطأ لها تاريخ طويل في الفلسفة (أرجع لسلسلة فلسفة المعرفة) .. لكن بوبر يحثنا ان يكون لدينا أسلوب نقدي حتى تجاه افضل نظريتنا ومعرفتنا العلمية. تاريخ العلم بيعلمنا ان افضل نظريتنا العلمية في وقتها كانت مؤكدة وتراكمت عليها أدلة تجريبية عديدة، تم أظهار خطأها في مجالات أخرى. بشكل عام تاريخ العلم شاف تغيرات جوهرية وجذرية في مبادئ أساسية. على سبيل المثال، تم استبدال المفهوم النيوتوني لعالم من الجسيمات المادية بتمارس قوى الجاذبية على بعضها البعض وتخضع لقوانين الميكانيكا النيوتونية التي تدور حولها في الفراغ بفكرة مجال موجودا في جميع نقاط الفضاء. نظرية النسبية الخاصة Special relativity وميكانيكا الكم quantum mechanics جعلتنا نعيد النظر في قوانين الميكانيكا الاساسية، والنظرية النسبية العامة general relativity قادت لتغييرات جذرية في رؤيتنا لكون، المكان، والزمان! . أو مثلا كان يُعتقد على نطاق واسع أن الحرارة كانت عبارة عن سائل مادي (“سعرات حرارية”) متدفقة غير مرئية ولكنها محسوسة ، ولكن الآن يُعتقد أنها مظهر من مظاهر الطاقة الحركية للجزيئات! … أو الحيتان اللى اعتقد في وقت ما انها نوع من الاسماك، الان تصنف من الثديات! .. او الارض الى الان يعتقد ان عمرها ملايين من السنين وليس الالاف من السنين كما أعتقد طوال تاريخ البشرية! .. وبالتالي مش غريب اليوم، أننا نجد كثير من الناس أن أي نظرية علمية يمكن إثباتها دون أي شك!
اللامعصومية أو التخطيئية Fallibilism
بوبر أعتنق الموقف الفلسفي المعروف بالامعصومية او التخطيئية fallibilism اللى طبقا له كل المعرفة البشرية عن العالم مؤقتة provisional وقابلة للتصحيح في المستقبل. ونظرية بوبر المعرفية مناهضة للسلطوية anti-authoritarian مرتبطة بنقدة لأنظمة الحكومات الشمولية totalitarian. اللي شاف فيها ان الافكار المطروحة من قبل فلاسفة زى أفلاطون Plato وماركس Marx يتطلب التزام أيديولوجية (او مدرسة فكرية) واحدة وقمع جميع الآراء المعارضة. على النقيض بوبر اعتقد ان العلم يزدهر في مناخ لايوجد فية اى شئ مقدس، والعلماء يستطيعوا أن يغامروا بالأفكار، الفرضيات، والأطروحات. أو زى ما فيلسوف العلم والرياضيات المجري أمرى لاكاكتوس Imre Lakatos وصديق بوبر قال “الفضيلة لا تكمن في تجنب الاخطاء، ولكن في القضاء عليها بلا رحمة virtue lies not in caution in avoiding errors but in ruthlessness in eliminating them” ، الذي جعل العلماء أول من لابد وان يكون متشكك في فرضياتهم ونظرياتهم، ويحاولون باستمرار نفيها أو دحضها. بالنسبة لبوبر العالم الجيد لابد وان يجمع ما بين خاصيتين مهمتين جدا بيتماشوا مع عملية التغيير التي طرحها. الأولى قدرة العالم على طرح أفكار جديدة خلاقة، ومُجازفة. أما الخاصية الثانية هى الرغبة الشديدة في إخضاع هذه الأفكار الخيالية لاختبار نقدي صارم! .. العالم الجيد عند بوبر هو إنسان مُبدع، يكاد يقترب من الفنان، وعقل إختباري، نقدي تحليلي يقترب من الرياضي!
من المهم جدا الإشارة هنا أن بوبر لم يحاول أن يفرق بين الجمل ذات المعني والجمل ذات المعنى زى ما حاول أنصار الوضعية المنطقية logical positivists أن يفعلوا وبعد كده يجادل أن العلم الزائف بلا معنى. على النقيض، بوبر اعتقد ان فرضية ما غير قابلة للنفي، قد تكون ذات معني ومغزي. ومن هنا ماجدلش ان النظريات الميتافيزيقية الغير قابلة للنفي لابد من رفضها جميعا. لانه ادرك ان الفرضيات الغير علمية في طرحها دى نفسها قد تكون مصدر إلهام في بعض الأحيان للعلماء ليقوموا بطرح تخمينات علمية قابلة للنفي بناء على الأطروحات الغير علمية. على سبيل المثال كثير من العلماء تأثروا باعتقادهم في وجود اله، او باعتقادهم في بساطة القوانين الأساسية للفيزياء، ولكن من الواضح أن فرضية وجود الله أو أن البنية الأساسية للعالم بسيطة غير قابلة للنفي بالتجربة! .. نظرية بوبر للطريقة العلمية بتسمح لهذه المعتقدات أن تلعب دور فى الحياة العلمية بالرغم من أنها هى نفسها فرضيات غير علمية! لان على الاقل من خلال قراءة أعمال بوبر هدفه ماكنتش القضاء على أو التخلص من العلم الزائف لكن ترسيم الحدود ما بين العلم الحقيقي والزائف، وفي الواقع بوبر اعتقد ان كلا من الماركسية ونظرية التحليل النفسي من الممكن أن تشتمل على أفكار مهمة عن الحالة البشرية والمجتمعات الإنسانية، لكن فكرته ببساطة انها مازالت أطروحات غير علمية، ولكن ليس معنى هذا انها غير مهمة. نفس المنطق على فكرة من الممكن تطبيقه على قيمة المعتقدات الدينية، من الجائز جدا ان فرد ما يعتقد أن إيمانه ومعتقداته الدينية لها قيمة و يرسم الحدود بين العلم والدين (أعتقد أن معظم العلماء ذوي العقيدة غالبا ما بيتبعوا هذا المنطق). على اى حال بوبر اعتقد ان هناك فرضيات ونظريات قابلة للنفي ولكنها غير مثيرة للاهتمام، مثلا فرضية أن الشمس ستشرق غدا بكل تأكيد فرضية قابلة للنفي، لكن الظاهرة التي تتنبأ بها ليست مثيرة للأهتمام او مفاجأة وبالتالى الفرضية ليست ذا قيمة كبيرة بالنسبة للعلم. زى ما قلنا قبل كدة ان الفرضيات اللى شاف بوبر انها مهمة هى اللى بتصنع تخمينات جديدة، مجازفة، واحيانا مخالفة لبديهتنا. بالاضافة لقيمة التنبؤ او التخمين اللى بتطرحة الفرضية، بوبر جادل أن هناك فرضيات لها قابلية أكبر للدحض أو النفي. مثلا الفرضية الأولى “كل المعادن تتمدد بالحرارة” لها قابلية أكبر للدحض من فرضية “النحاس يتمدد بالحرارة” .. لأن الفرضية الأولى غير متسقة ما عدد أكبر من الملاحظات في الطبيعة مثلا بعض انواع الحديد و الفضة لا يتمدد بالحرارة، في حين أن النحاس يتمدد دائما بالحرارة. وفي هذه الحالة كل الحالات اللى من الممكن أن تنفي الفرضية الثانية مجموعة جزئية من كل الحالات اللى من الممكن أن تنفي الفرضية الاول لان النحاس نوع من أنواع المعادن، إذن الفرضية الأولى لها قابلية أكبر للنفي. أكيد بتسأل ايه أهمية الملاحظة دى؟! … في الحقيقة الملاحظة دى قادت بوبر لأنه يجادل ان بما ان من الممكن مقارنة قابلية النفي للفرضيات ببعضها البعض، وتحديد أيهما له قابلية اكبر للنفي، إذن من الممكن ترتيب الفرضيات والنظريات حسب درجة قابليتها للنفي من الاكثر الى الاقل، اللى هيقود لقياس حقيقي لمحتواها التجريبي. كلما زادت درجة قابلية الفرضية للنفي كلما كانت نظرية أفضل .. بسبب ارتفاع فرص قابليتها للنفي، لابد وأنها بتصنع تنبؤات محددة جدا عن ظاهرة شائعة جدا . الفكرة اللى تبدو متسقة بديهيا عن النظريات العلمية الجيدة. “العلماء لابد وأن يطرحوا نظريات لها درجة عالية للنفي” .. المكافئة لجملة “العلماء لابد وأن يطرحوا نظريات دقيقة وذات محتوى تطبيقي واسع” .. على سبيل المثال فرضية زى “المعادن يتغير شكلها عند تعرضها للحرارة” .. فرضية قابلة للنفي، ومجال تطبيقها واسع، لكنها غير محددة بشكل كافي ، وبالتالي ليس لها درجة عالية من قابلية النفي، وفرضية “هذه القطعة من النحاس تتمدد بالحرارة” محددة جدا لكن مجال تطبيقها ضيق جدا. في وجهة نظر بوبر العلم لابد وأن يشمل الفرضيات القابلة للتطبيق على نطاق واسع من الظواهر، لكن في نفس الوقت يضع تنبؤات دقيقة ومحددة كمياً. على سبيل المثال الميكانيكا النيوتونية طرحت تنبؤات دقيقة قابلة للتطبيق على عدد كبير من الظواهر، من حركة المذنبات في السماء، لمسار حركة قذيفة مدفع بالقرب من سطح الأرض! .. وأخيرا بوبر جادل ان النظريات الجديدة لابد وانها تكون قابليتها للنفي اكبر من النظريات التي تستبدلها. الفكرة التي بتتماشى مع تاريخ العلم الحديث، على سبيل المثال، نظرية نيوتن، كانت أكثر دقة من نظرية كيبلر السابقة عليها، ونظرية النسبية العامة اضافت وطورت تنبؤات كلا من الميكانيكا النيوتونية، ونظرية المجالات الكهرومغناطيسية لماكسويل السابقين عليها! .. يبدو إذن أن الفكرة الجوهرية لقابلية الدحض بتتفق مع بعض بديهيا الأساسية عن كيفية عمل العلم!
بين الإكتشاف والتبرير Between Discovery and Justification
نظرية قابلية الدحض falsificationism بتقدم أطروحة لكيفية اختبار النظريات والفرضيات العلمية، لكنها ايضا بتضع طريقة عمل لكيفية تكوين تلك الفرضيات! .. لمدة طويلة في تاريخ العلم، كان الشائع أن القوانين العلمية لابد وان يعترف بها فقط إن كانت مشتقة من بيانات تجريبية، ونيوتن نفسه ادعى أنه ما خمنش فرضياته لكنه اشتق قوانين الميكانيكا من نتائج ملاحظاته. لكن زى ما شفنا في الحلقة السابقة (ارجع لحقة إشكالية المنطق والتجريبية) ان ده امر غير ممكن في معظم الفرضيات والنظريات المهمة، حتى قوانين نيوتن من الصعب جدا استنتاجها من البيانات، وادعاءات نيوتن حول استنتاجه لها من البيانات التجريبية لا تُأخذ بجدية اليوم في الوسط العلمي! .. لو في درس واحد فقط تعليمية العلماء وفلاسفة العلم من جدالهم حول الطريقة العلمية في القرن العشرين هيكون هو أن إنتاج النظريات العلمية بشكل عام ليس له طريقة ميكانيكية أو نموذج عقلي محدد! لكنها عملية إبداعية من الدرجة الأولى. وبالتالي لو هذا الأمر صحيح، اذن لابد وأن نفرق ما بين الطريقة اللى من خلالها تطرح النظرية، والعمليات اللاحقة لأختبار تلك النظرية. في أعمال بوبر، التفريق ده كان جوهري جدا، لانه اعتقد ان فلسفة العلم مهتمة فقط بكيفية اختبار النظريات وليس بكيفية صناعتها! .. وكان أول فلاسفة العلم الذي يؤكد فكرة أن من الجائز والممكن للعلماء أن يحصلوا على الإلهام والأفكار من مصادر زى المعتقدات الميتافيزيقية، الاحلام، التعاليم الدينية، وغيرها من المصادر الاخرى .. وقت صناعة الاطروحة او الفرضية. كل هذه المصادر لا غبار عليها ومشروعة، اى ان مسبب الفرضية أو مصدرها ليس له تأثير على طرح الفرضية. ايا كان شكل مصادر الإلهام، والوحي، والتخيل اللى العلماء محتاجين يوظفوها من أجل صياغة الفرضيات لايمكن تقنينها رسميا، او اختزالها لمجموعة من القواعد! الأمر الذي يجعل العلم في شقة الخاص بصياغة النظرية او الاطروحة أقرب للفن منه إلى الهندسة كما يعتقد كثير منا من حيث الابداعية المطلوبة لصياغة الأفكار. لكن على الجانب الآخر، العلم يختلف عن الفن من حيث كونها خاضعة للاختبار من خلال التجربة، ولابد أن يكون هذا الحكم النهائي لأي نزاع علمي. ومن هنا بوبر اعتقد ان مهمة فلسفة العلم الأساسية هى وضع التحليل المنطقي لعملية اختبار النظريات العلمية من خلال الملاحظة والتجربة بدلا من الاهتمام بكيفية صياغة و تطور النظريات. او زى ما قال في عملة المهم “منطق الاكتشاف العلمي The Logic of Scientific Discovery” – “الإجابة على سؤال كيف تحدث الأفكار الجديدة، ليس ذو أهمية في فلسفة العلم، من الجائز أن يكون على درجة كبيرة من الأهمية لعلم النفس التجريبي، لكن لاقيمة له بعملية التحليل المنطقي للمعرفة العلمية” .. إذن في وجهة نظر بوبر هناك سياقين للبحث في تاريخ العلم وقصة كيف تطورت نظريات العلم وأصبحت مقبولة. سياق الاكتشاف discovery ، وسياق التبرير justification . الفكرة المتسقة بديهيا مع فكرة استقلالية الأفكار عن صانعيها! .. بمعنى انها ليست حجة على النباتية vegetarianism لو عرفنا أن هتلر كان نباتي vegetarian، بنفس الصورة ليست حجة على الميكانيكا النيوتونية لو أشرنا لأن نيوتن كان كيميائي وكان مهووس بنصوص الكتاب المقدس الغير موثوق في صحتها. على الجانب الاخر لايمكن استخدام حجة ان اينشتاين كان سلمي pacifist لتأكيد صحة السلمية pacifism . بشكل عام الحجج الداعمة لأي فرضية مستقلة عن مين بيعتقد او لايعتقد فيها. وان اى فكرة جيدة أم لا أمر مستقل عن من صاغ الفكرة في الاساس، عبقري أم أحمق! .. يبدو اذن من المقبول ان نجادل ان تطور الادلة على اى فرضية لابد وان لا يأخذ فى الاعتبار كيف، لماذا، ومن طرح الفرضية في الأساس. التمييز المهم ده ما بين الأصول السببية للنظرية العلمية ودرجة تأكيدها مهمة للحفاظ على موضوعية المعرفة العلمية! لو قبلنا ان هناك فرق ما بين عملية إنتاج النظريات العلمية، وعملية اختبارها. إذن سنصبح غير مهتمين بموضوعية ظروف وضع النظرية، والخلفيات الاجتماعية، العقلية، الدينية، السياسية، التاريخية، والاقتصادية، وغيرها لواضع النظرية.
إشكالية دوهيم The Duhem problem
طبقا لفكرة قابلية الدحض Falsification، اختبار النظريات العلمية بيبدأ باستنباط تنبؤات من الفرضية المطروحة، وان لم تتفق الملاحظة او التجربة مع التنبؤ تصبح الفرضية خاطئة ومرفوضة. من الممكن صياغة الفكرة دى منطقيا كالاتي (1) اى فرضية علمية س تستبع ص من التنبؤات، حيث ص يمكن التأكد منه من خلال الملاحظة التجريبية (2) ص تنبأ خاطئ (3) إذن س فرضية خاطئة. الشكل السابق للجدلية، نوع من الجدل الصحيح استنتاجيا deductively valid . لكن في الواقع زي ماشفنا في الحلقات السابقة من فلسفة العلم، تقريبا من المستحيل استنتاج أي معرفة عن الواقع من خلال ملاحظة فرضية واحدة مستقلة منعزلة، لكن ملاحظة الفرضيات بيصاحبة عدد من الافتراضات عن شروط البيئة المحيطة، أدوات الملاحظة، الشروط الاولية لأجراء التجربة أو الملاحظة، طبيعة وحالة المُلاحظ، الخ. الفكرة دى عن طبيعة اختبار النظريات العلمية، لاحظها عالم الفيزياء النظرية الفرنسي بيير دويم Pierre Duhem وقدمها للمرة الأولى في كتابه المهم “الهدف وبينية النظرية الفزيائية The Aim and Structure of Physical Theory” اللى نشرة سنة 1908 وجادل فيه أن “أي تجربة في الفيزياء لا يمكنها أبدًا إدانة فرضية معزولة ، بل مجموعة نظرية كاملة” .. يعني على سبيل المثال عند اختبار نظرية الجاذبية النيوتونية Newtonian gravitational theory بملاحظة مسار مذنب فضائي، قوانين الجاذبية وحدها غير كافية لتوقع مسار المذنب. لابد لنا من إعطاء قيم لمتغيرات زى كتلة المذنب، كتلة الأجسام الأخرى المحيطة في المجموعة الشمسية، مواقعها النسبية وسرعتها بالنسبة للمذنب، الموقع الابتدائي والحركة الابتدائية للمذنب بالنسبة للأجسام الأخرى فى المجموعة الشمسية، واخيرا ثابت الجاذبية. ده بالاضافة لان لابد لنا من أستخدام قوانين الحركة لنيوتن لاستنباط تنبأ عن مسار المذنب المستقبلى نظريا، وبعد هذا يمكننا ملاحظة حركتة من خلال التلسكوب ومقارنتها بالحركة المستنتجة من القوانين. دلوقتى تخيل ان المذنب ما اتبعش المسار المستنتج عن طريق النظرية، ياترى المشكلة فين بالظبط؟! .. قد يكون قانون الجاذبية خاطئ، او قد يكون احد قوانين نيوتن الاخرى الخاصة بالحركة خاطئ، أو أحد قيم كتلة الاجسام في المجموعة الشمسية خاطئة، أو قد يكون الخطأ حدث في ملاحظة المذنب نفسة، الخ. أكيد واضح بالنسبة لك أن قابلية نفي النظرية باستخدام الملاحظة العملية امر مش سهل ومباشر كما صور لنا بوبر! .. في الحقيقة دوهيم بيضرب مثال من الواقع علي الفكرة دى من تاريخ الفيزياء، في القرن الثامن عشر، كان هناك نظريتين متنافستين حول طبيعة الضوء، الاولي طرحها نيوتن، وجادل فيها أن الضوء بيتكون من تيار من الجزيئات الصغيرة سريعة الحركة! .. والثانية الفيزيائي الهولندي كريستيان هوغنس Christiaan Huygens اللى طبقا له الضوء يتكون من من اضطراب يشبه الموجة ينتشر عبر وسيط غير معروف يتخلل كل الفضاء. نظرية نيوتن تنبأت بان سرعة الضوء في الماء اكبر من سرعة فى الهواء. العلماء مع مرور الوقت صمموا تجربة ذكية لاختبار التنبؤ ده معلميا، بتسليط ضوء على وسطي الماء والهواء، واستخدام معقد لبعض المريات الدوارة، الضوء في النهاية سيكون نقطتين مضيئتين، واحدة خضراء اللون، والاخرى بلا لون، لوكان الضوء المسافر عبر وسط الماء أسرع من المسافر عبر الهواء النقطة الخضراء ستكون على شمال النقطة بلا لون، والعكس. عند اجراء التجربة مرارا، النتيجة كانت ان سرعة الضوء في الماء أقل من سرعته في الهواء وبالتالي تم استنتاج ان نظرية نيوتن خاطئة، وتم تفضيل النظرية المنافسة على نظريتة. لكن دوهيم بيشير الا ان الموقف معقد وليس بهذة البساطة، نظرية نيوتن عن ان الضوء بيسافر بسرعة أكبر فى الماء من الهواء، تحتوى على عدد كبير من الافتراضات بالاضافة لفكرة ان الضوء بيتكون من جزيئات صغيرة. علي سبيل المثال ، افترض نيوتن أن جزيئات الضوء تجذب وتصد بعضها البعض ولكن هذه القوى لا تذكر إلا إذا كانت الجزيئات قريبة جدًا من بعضها البعض. كل الفرضيات دى مضافة لبعضها هى الغير متسقة مع نتيجة التجربة. وبالتالي الجدلية المنطقة لقابلية الدحض من الممكن تعديلها كالاتي (1) اى فرضية علمية س بالإضافة لمجموعة من الافتراضات المساعدة ف تستبع ص من التنبؤات، حيث ص يمكن التأكد منه من خلال الملاحظة التجريبية (2) ص تنبأ خاطئ (3) إذن س والافتراضات المساعدة ف خاطئة. وبتطبيق قواعد المنطق على النتيجة، اذن اما س خاطئة او ف خاطئة او كلاهما خاطئ ( لو مش واضح لية بالنسبة لك القاعدة دى سليمة، هطلب منك تثق في كلامي الى ان نناقش فكرة جداول الحقيقة في سلسلة فلسفة المنطق) .. اذن كيف يقرر العلماء أن كانت الفرضية س هي الخاطئة ام الفرضيات المصاحبة ف؟! .. دوهيم أدرك أن الإشكالية دى كثير من الناس لا يأخذها بعين الاعتبار، حتى العلماء نفسهم، وبيأخذوا الفرضية على ان من الممكن اختبرها بمعزل عن الافتراضات الاخرى المحيطة، وبالتالي من وجهة نظرة لابد من اخذ الأنظمة الفيزيائية والطبيعية ككل، لا يمكن لأى جزء منها العمل بدون عمل باقي الاجزاء في تناغم! …. لو النتيجة دى كانت مفاجأة ومرهقة ليك عقلياً! .. ما تستعجلش، هناك طرح اكثر غرابة .. لماذا لا يمكن ان نأخذ حالة فيها دحض او نفى نظرية هو دحض لقوانين المنطق بدلا من دحض الفرضية نفسها؟! … الفكرة اللى قد تبدو عجيبة جدا، أحد اهم المجادلين بيها فيلسوف لايمكن الاستهانة بة، وكان بطل كثير من حلقات سلسلة فلسفة ماوراء الطبيعة .. عالم المنطق و الفيلسوف التحليلي الامريكي ويلارد فان اورمان كواين W.v.O. Quine . كوين جادل، ان من المنطقي جدا اننا نرفض قوانين المنطق، او نغيير معاني المصطلحات المستخدمة، لو كان هذا الامر مناسب أكثر من رفض النظرية. وبالتالي كوين رفض التفريق اللى طرحة الفيلسوف الالماني ايمانويل كانط Kant ما بين الحقائق التحليلية analytic والاصطناعية synthetic ( أرجع لحلقة إشكالية المنطق والتجريبية) . مثال بسيط على فكرة كوين، التغيير في معنى اصطلاح الذرة Atom، اللى كان معناة في مرحلة من التاريخ العلمي اصغر وحدة لجزيئات الكائنات، لكن اصبح معناه بعد هذا “مجموعة من جزيئات اخرى اصغر! .. لما الفيزيائيين اكتشفوا الفكرة الجديدة دى ماتخلوش عن الاصطلاح تماما، لكنهم عدلوا معناه!
سواء كان كوين على صواب في نتيجتة المتطرفة بعض الشئ، من الواضح ان بوبر لابد وان يقبل فكرة ان لايوجد شئ كدحض قاطع تماما لنظرية من خلال التجربة! .. وفى الحقيقة، بوبر اعترف واكد أنه كما ان هناك مجموعة من جمل الملاحظة التي يمكن أن تقدم قابلية دحض ونفى النظرية، يجب أن يكون هناك أيضًا مجموعة من الإجراءات والتقنيات التجريبية وما إلى ذلك ، بحيث يمكن لمجموعة من العلماء بتبجث في الامر ان تتفق على طريقة لتأكيد حقيقة او نفي كل جملة من خلال الملاحظة. وبالتالي، قابلية الدحض او النفي ممكنة فقط فى العلم، لو كان هناك اتفاق موضوعي مابين العلماء عن ما يتم اختبارة في اى مناسبة! بوبر جادل، ان في عملية البحث العلمي الصحيحة عندما تتعارض فرضية نظرية عليا، مع الملاحظات الاساسية للجمل لابد من رفض النظرية العليا. بالرغم من ان بوبر بيعترف بان قابلية الدحض أو النفي للنظريات العليا او الفرضيات النظرية رفيعة المستوى، من خلال جمل مُلاحظية، ليس برهان قاطع على ان النظرية او الفرضية خاطئة، لكنه يجادل انه ده كافي على الاقل في ممارسة العلم لرفض النظرية. او زى ما قال نفي الفرضيات القابلة للنفي نهائي. لو كان هناك نظرية قُبلت في الماضي ونجت في اختبارات تجريبية، لكن ظهرت ادلة تجريبية جديدة تنفيها، لابد وان تنفي وتستبدل بفرضية جديدة، والفرضية الجديدة لابد وأن تكون قادرة على تفسير كل شئ كانت الفرضية القديمة قادرة على تفسيره، بالإضافة لمحتوى تجريبي جديد النظرية السابقة عليها لم تحتوى علية. وبهذه الطريقة يتجنب العلم الحقيقي الحالة المزرية التي تحدث عندما يتم نفي نظرية عملية مُدعاةى ويقوم أتباعها ببساطة بتقديم نسخة جديدة من نفس النظرية مع تعديل بعض الافتراضات المطروحة لإنقاذها من قابلية الدحض Falsification.
نقد قابلية الدحض Objections to Falsification
هناك مجموعة من الإشكاليات في طرح بوبر لفكرة قابلية الدحض. بعض النقد موجهة لطرح بوبر الأولي للفكرة، اللى من الممكن تجنبه بإضافة بعض التعديلات على النظرية، لكن هناك بعض النقد الموجهة بشكل عام للفكرة ويركز على فكرة ان كان فعلا من الممكن طرح طريقة علمية بدون الاعتماد على المنطق الاستقرائي Inductive Logic. هحاول اقدملك بعض النقد اللي طرح علي نظرية قابلية بوبر. النقد المهم الاول هو ان بعض أفكار العلم الصحيحة تبدو غير قابلة للنفي! … النوع الأول من الأفكار العلمية دى هو الجمل الاحتمالية Probabilistic statements ، العلم في كثير من الأحيان بيقدم فرضيات في صور جمل احتمالية حول ظاهرة ما. صياغة شرط فرضية ما قد يكون علي صورة ان ملاحظة ما س من غير المرجح حدوثها unlikely بدلا من القطع بأنها لن تحدث. مثلا، طبقا للفيزياء الحديثة العمر النصفي لليورانيوم 235 تقريبا 710 مليون سنة، اللى معناه أن احتمالية تآكل ذرة يورانيوم هو نصف المدة الزمنية دى، يعنى لو معانا 1كيلو جرام من اليورانيوم، بعد 710 مليون سنة سيصبح 500 جرام. المشكلة ان فرضية علمية زى دى من الصعب نفيها، لأن التجربة قد تثمر عن نتيجة احتمالية مازالت متوافقة مع تنبؤ الفرضية، لأن الفرضيات الاحتمالية قد تحدث بعض الاحيان. أي فرضية عن احتمالية حدوث حدث فردي غير قابلة للنفي، مثلا لو فاكر زمان لما كنا بنلعب ملك او كتابة عند رمي العملة، من الممكن ان اطرح فرضية بتقدم احتمالية الحصول على الملك او وجهة العملة بشكل متتابع 50% من الوقت لو رميت العملة مثلا 100 مرة. بناء علي هذا ممن الممكن اني اضع شرط نفي الفرضية بان من غير المرجح الحصول على الملك او وجهة العملة بشكل متتابع 100% عند رمي العملة 100 مرة! .. لان بالرغم من ان ده امر غير مرجح وتقريبا مستحيل الحدوث لكنة ليس مستحيل الحدوث! .. اى عدد من المرات المتتابعة للملك المنتهية finite أمر جائز رياضيا، لكن احتمالية بتقل مع ازدياد متسلسلة محاولات قذف العملة!.. اذا الفرضية لاتقطع بعدم حدوث ظاهرة ما، لانها غير قادرة على القطع داخل عباءة الاحتمالات الرياضية .. الامر الىل معناة طبقا لنظرية بوبر ان تلك الفرضية غير مُجازفة، اللى يبدو ان يدفعنا للقول أن النظريات اللى بتضع أحتماليات ضعيفة الحدوث بدلا مُلاحظات نافية قطعا، غير قابلة للدحض او النفي وبالتالي غير علمية طبقا لفكرة بوبر! .. رد بوبر على النقد ده هو انه ببساطة قبل الفكرة دى، وتبسيط يقترب كثيرا من الإخلال بوجهة نظرة كل الفرضيات اللى من هذا النوع غير علمية! .. الامر اللى يبدو عجيب وغير مقبول، وكأن بوبر بيقول لنا ان ليس هناك دور لنظرية الاحتمالات في العلم. الفكرة اللى بكل تأكيد غير صحيحة لان الاحتمالات بتلعب دور كبير في منظومة العلم الحديث. وبوبر حاول أنه يجادل ان كل مجال داخل العلم قد يحاول علمائة ان يضعوا حد أدنى لأحتمالية حدوث الظاهرة مادونها يعد غير عملي كطريقة لتحجيم دور الفرضيات الاحتمالية والسيطرة عليها بسبب عدم اتساقها مع فكرة قابلية النفي. صحيح زى ما بوبر حاول يجادل العلماء بيضعوا وقت كبير في محاولة تحديد ماهو غير قابل للحدوث، improbable ومحاولة تحديد “اد ايه قابلية الحدوث مبالغ فيها how improbable is too improbable ” باستخدام طرق الاحصاء الحديثة. لكن الاشكالية ان برفض بوبر للفرضيات الاحتمالية بيقضى على طريقة عملية تجريبية مستخدمة بنجاح اليوم داخل العلم. ارجو ان تكون الفكرة وصلت لك. في الحقيقة نظرية الاحتمالات probability حقل ألغام شائك في كلا من فلسفة العلم، الرياضيات، المنطق، وعلم الحاسب. هيكون من الصعب الخوض في تفاصيلها هنا، على أى حال، علشان ما اظلمش رد بوبر وأبسطة لدرجة قد تترك تفاصيل مهمة لوجهة نظرة، بوبر طرح نظرية كاملة للتعامل مع قابلية نفي الحالات الفردية الاحتمالية للتعامل مع الإشكالية معروفة بنظرية النزوع الاحتمالي propensity theory of probability قدمها في ورقة بحثية بعنوان “تفسير الميل الاحتمالي A propensity interpretation of probability” نشرها سنة 1959 انصحك بقرائتها لو كنت متخصص او مهتم بالفكرة دى. النوع الاخر من الجمل العلمية الغير قابلة للدحض هى الجمل الوجودية Existential statements … بالرغم من أن بوبر كان محق في ان التعميمات الكونية من الممكن نفيها، فقط من خلال نموذج واحد نافي للنظرية. لكن كثير من أطروحات العلم ليس على تلك الصورة. مثلا النظريات العلمية التي تفرض وجود الثقوب السوداء black holes ، الذرات atoms، الفيروسات viruses، الحامض النووى DNA، الخ. كلها أطروحات وجودية بتأكد وجود شئ ما من غير الممكن أن يتم نفيها فقط بمجرد فشل الفرد في الوصول إليها. ( قبل ما تعترض، طبعا لو هناك نظرية طرحت وجود كائن وجودى ما، فشلنا في التوصل اليه مرارا وتكرارا تحت ظروف تجريبية متباينة .. وقتها هيكون عندنا ارضية للأعتقاد اننا لن نعثر على هذا الكائن في المستقبل، وبالتالي نفي الفرضية) .. لكن المشكلة ان نظرية قابلية الدحض او النفي المفروض انها تجعلنا نستغني عن المعتقدات المبنية على الاستقراء. اللى بيطرح سؤال مهم ، وهو العلاقة ما بين قابلية الدحض falsificationism و الواقعية العلمية scientific realism. بوبر كان واضح جدا في اعتقاده أن الكائنات الغير ملاحظة unobservable لها تأثير كبير على الهام العلماء وصياغة نظريات ذات درجة عالية من قابلية النفي، زى مثلا النظرية الذرية للعناصر. ومع ذلك، وجهة نظرة عن الاستقراء Inductive بتشير لان الفرد لايمكن ان يكون عندة ارضية ابدا للأعتقاد في الكائنات النظرية مهما كانت النظريات اللي بتفرض وجود تلك الكائنات ناجحة. الامر اللى يتناقض مع الفكرة البديهية التي يعتقد فيها معظم الناس بان الكائنات النظرية لها وجود طالما كانت النظريات ناجحة. النوع الأخير من الجمل العلمية الغير قابلة للدحض هى القوانين والمبادئ العلمية الغير قابلة للنفي Unfalsifiable scientific principles … من الممكن الجدال أن بعض القوانين الغير قابلة للنفي، لكنها مازالت جزء من المعرفة العلمية. مثلا، قانون حفظ الطاقة principle of conservation of energy “في أي نظام معزول، الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم ولكن يمكن تحويلها من صورة لأخرى” .. من غير المتصور عند معظم العلماء وضع تجربة من الممكن ان تدحض القانون او تنفية! .. اى مخالفة لهذا المبدأ العلمي بترجم على أنها خطأ في باقي المنظومة العلمية، والاغلب ان هناك مصدر اخر خفي اما بيصدر او يمتص الطاقة! … ايضا تم الجدال ان القانون الثاني للديناميكا الحرارية second law of thermodynamics، اللي بيقول ان “الانتروبي او القصور الحراري لاى منظومة مغلقة في حالة تزايد دائم” .. هذا التعميم من الصعب طرحة كقانون قابل للنفي. أو في أحيان اخرى تحقيق قابلية الدحض قد يتطلب اكتشاف كائنات أخرى لاختبار الفكرة. مثلا فى حالة نظرية الجاذبية لنيوتن theory of gravity، اللى أعتبرها نيوتن نفيه نظرية غير كاملة بسبب ان انها فرضت قوة تجاذب ما بين الأجسام بدون تفسير كيف تنتقل هذه القوة خلال الفضاء، وبالتالي كان من الصعب تحقيق نفيها! .. لاحقا فكرة المجال field طرحت لحل الاشكالية دى من خلال نظرية الكهرومغناطيسية electromagnetic theory اللى بتتعامل مع قوى مماثلة تؤثر في الأجسام عن بعد. الفكرة اللى بحاول اوصلها لك هنا، هى أن خلال تاريخ العلم استخدام النظريات القابلة للنفي أثمر عن نتائج ايجابية، لكن في حلقات اخرى من تاريخ العلم النظريات العلمية الغير قابلة للنفي أثمرت أيضا عن نجاحات علمية… ده بالاضافة لان هناك قوانين ومبادئ عملية اساسية وجوهرية في العلم، غير قابلة للنفي، على سبيل المثال فكرة البساطة جوهرية في عمل العلماء، لو كل هناك فرضيتين لتفسير ظاهرة ما، متساويتين في كل شئ احدهما اكثر تعقيدا من الاخرى، العلماء هيفضلوا النظرية الابسط! .. الفكرة دى من السهل انك حتى تلاحظها في الحياة اليومية، مثلا الأطباء لو لاحظوا ارتفاع عدد المرضى المصابين بنفس الاعراض غالبا ما هيفترض أن هناك سبب واحد وراء الاعراض دى! .. او لو وصل للشرطة عن زيادة مفاجئة في عمليات السطو المسلح في منطقة معينة، الفرضية الاولى هتكون ان هناك عصابة جديدة من اللصوص وراء السرقات! .. طبعا الفرضيات دى من الممكن أن تكون خاطئة، لكن البساطة هى الفرضية الاولى اللى بدايها بنذهب اليها. بعض الفلاسفة بيجادلوا ان هناك اسباب استقرائية للاعتقاد في أن النظريات العلمية البسيطة، والموحدة احتمالية صحتها أكبر. جوهريا لان النظريات البسيطة والموحدة أظهرت نجاح مستقر عبر التاريخ كنظريات تجريبية ناجحة، لكنهم بيضيفوا اننا لابد وان لانجعل البساطة مطلوبة بشكل مطلق، لان الطبيعة أحيانا معقدة وغير موحدة. طبعا بوبر بيرفض اى افكار تأكيدية للأفكار والنظريات العلمية. أحد المبادئ الفلسفية الاساسية الداعمة لفكرة تفضيل النظريات العلمية البسيطة، هو مبدأ شفرة أوكام Occam’s razor الذي استدعيناة في حلقات عديدة سابقة من كلام فلسفة، المبدأ ببساطة بيرفض استخدام اى كائنات أو تفسيرات غير ضرورية لتفسير ظاهرة ما. … مثال آخر على نظريات علمية جيدة ومقبولة على نطاق واسع داخل المجتمع العلمي لكنها قد تبدو غير قابلة للدحض، هى نظرية التطور Evolution في وقت ما من تاريخ بحثة بوبر نقد نظرية التطور لانه اعتقد ان فرضيتها “البقاء للأصلح Survival of the fittest” صحيحة طبقا لتعريفها، وبالتالي لن تصبح قابلة للدحض أو النفي! .. الا ان نظرية التطور هي افضل نظرية علمية عرفتها البشرية حتى الآن لتفسير تنوع الكائنات الحية! .. معظم فلاسفة وعلماء الأحياء يجادلوا أن محتوى النظرية العلمية نفسه لايقع في جملة البقاء للأصلح، لكن في فكرة ان الكائنات بتنقل صفاتها من خلال الطفرات الجينية اللى قد يؤدى لزيادة أو نقص فرص الفصيلة فى النجاة! .. الأمر الذي يفسر التنوع الكبير في فصائل الكائنات الحية وتكيفهم مع بيئتهم الطبيعية، وكذلك التشابة في التركيب البيولوجي والوظيفي بين الكائنات الحياة المتنوعة. الفكرة دى فى نظرية التطور قابلة للنفي بشكل غير مباشر، وبالتالي تصبح النظرية غير قابلة للنفي! .. نقد آخر مهم وجهة لنظرية بوبر هو أن نظريته عن قابلية الدحض نفسها غير قابلة للنفي! .. بوبر ما انكرش الفكرة دى لكنه جادل ان نظريته ليس من الضروري اى تكون قابلة للنفي، لأنها نظرية منطقية فلسفية للطريقة العلمية، وليست نظرية علمية، وبالتالي لا ينطبق النقد عليها! … نقد آخر وجه لقابلية الدحض، هو أن عدد النماذج اللى من الممكن أن تنفي فرضية تعميم كونية لانهائى، وبالتالي ليس هناك قياس مطلق absolute measure لفكرة قابلية الدحض او النفي، لكن مجرد قياس نسبي. في بداية مناقشتنا تعرضنا لفكرة درجة قابلية الدحض والنفي degree of falsifiability،حيث أن تبعات نظرية علمية جزئية من نظرية اخرى. وضربنا مثال تؤثر النحاس بالحرارة مقارنة بتؤثر المعادن بالحرارة. لكن الأمر عادة ما بيكون أكثر تعقيدا من كدة. مثلا نظرية اينشتين للجاذبية من المفترض انها على درجة اعلى من قابلية الدحض او النفي من نظرية نيوتن، لكن زى ما شفنا في السابق، ان النتائج التجريبية من الممكن فقط أن تشتق من تلك النظريات عند عملها مع بعضها ونظريات وفرضيات اخرى عن الطبيعة. وبالتالي النظريات الاحدث او المتطورة سيكون لها توابع تجريبية فقط بناء على درجة اعتقادنا في صحة النظريات والفرضيات الاقل اللي بتعتمد عليها. لان إشكالية دوهيم بتعني ان درجة قابلية النظرية للنفي بتعتمد بشكل نسبي على منظومة الفرضيات والافتراضات اللى المنظومة جزء منها بالكامل، حكمنا على النظرية بدأ بفرضية مسبقة، وبالتالي فكرة المنطق الاستقرائي عادت مرة أخرى للصورة!
نقد التأكيد عند بوبر Objections to Confirmation
نقد أخر مهم وجهة لنظرية قابلية الدحض، هو أنها لا تفسر قدرتنا علي التنبؤ بالمستقبل! .. بوبر أخذ موقف شكوكي من فكرة المنطق الاستقرائي، وذهب لان العلم والعلماء لابد وأن لا يعتمدوا علي الفكرة الاستقرائية، لكن السؤال هل ده فعلا ممكن؟! .. هل فعلا من الصحيح أننا نقول ان لن توجد أرضية إيجابية لأعتقد في النظريات العلمية؟! .. معرفتنا العلمية يبدو انها مش سلبية أو قائمة على النفي بشكل تام، وإذا كان من الصعب معرفة سبب ثقتنا في بعض المعتقدات العلمية. على سبيل المثال لان الاطباء يعتقدوا في أن البنسلين قادرة على القضاء على العدوى البكتيرية، لذا يصفوة للمرضى اللى بيظهروا أعراض العدوى. الاعتقاد في ان مُسببات معينة لها نتائج معينة وان هذا الامر غير نسبي او محتمل هو ما يرشد افعالنا. بوبر جادل مثلا انه لايوجد سبب استقرائي ايجابي positive inductive لاعتقادي اني لو قفزت من النافذة العلوية في المبنى الان سأقع على الأرض وأصاب! .. لو أن تكرار التجارب الماضية في الماضي غير كاف لتبرير تعميم من الممكن تأكيد ة أو استنتاجه، اذن انا مبرر في الاعتقاد اني لو قفزت من النافذة الآن هطير في الهواء زى الريشة وأنزل على الأرض في هدوء! … النتيجة دى لرؤية بوبر غير مقبولة بالمرة! .. لان لا يوجد شئ اكثر وضوحا لكل البشر أكثر من فكرة أن القفز من النافذة لن يتبعه عواقب آمنة!، وبالتالي يصبح أمر غير عقلاني (إلا لو طبعا لو كان الفرد يحاول يؤذي نفسه) .. لو اعتنقنا فكرته بوبر العدمية عن الاستقراء induction لن يكون لدينا اى طريقة لتفسير لماذا يتصرف الناس على هذا المنوال (ليه ما بتقفزش من النافذة كل يوم الصبح وانت رايح الشغل؟! ) .. وبنفس المنطق هنكون مضطرين لرفض جميع المعتقدات الايجابية لاى نوع من التعميمات ورؤيتها على أنها غير علمية. …. لكن طبعا لو رجعنا لتصديق التجربة والخبرة في تكوين تعميمات وقوانين عامة وتصديق توابعها للتصرفات المستقبلية في العالم الطبيعي .. هنرجع مرة أخرى لإشكالية الاستقراء problem of induction. معظم الفلاسفة يعتقدون أن حل الإشكالية مش قضية تحديد إن كان من المنطقي القفز من النافذة ولا أستخدام السلالم. لكن قضية لماذا أستخدام السلالم أكثر عقلانية. رد بوبر علي الاشكالية دى كان بتقديم مفهوم التأييد او التثبت corroboration .. “النظرية يتم تأييدها او التثبت منها إذا كان التخمين المجازف اللى طرحته قدم تنبؤات جديدة لم يتم دحضها أو نفيها” .. بصورة أخرى بوبر بيقول ان النظرية المُأيدة صحيحة لأننا حاولنا اثبات خطئها بطرق متعددة وفشلنا! .. أكثر النظريات المؤيدة او المثبتة، ليست النظريات اللى عندنا سبب مقنع للاعتقاد في صحتها! .. ولكن النظريات لها سبب واحدة يجعلنا نعتقد في خطئها، وهذا السبب لم يتحقق. وبناء على هذا استخدم العقلانية لوضع تصورات عن تصرفاتنا في المستقبل، على شاكلة هل المفروض نستخدم السلالم أو النافذة في مغادرة المنزل. لكن المشكلة ان فكرة المجازفة (تصورات غير متوقعة في ضوء المعرفة العلمية المتاحة حاليا) والحداثة (اى تصورات جديدة غير مسبوقة تماما) فى الطرح مسألة نسبية تاريخيا بتعتمد على خبراتنا السابقة، وده معناه تاني ان الاستقراء بناء على تجاربنا السابقة بدأ يدخل في تفسير فكرة قابلية الدحض… إشكالية اخرى في هذا الطرح، سيصبح هناك عدد لانهائي من النظريات المُؤيدة القادرة على تفسير الظاهرة، لأن أيا كانت أفضل نظريتنا المُؤيدة، من الممكن ان نصيغ عدد لانهائي من النظريات التي تتفق معها عن الماضي، لكن تطرح تصور آخر عن ما سيحدث في المستقبل. يعني مثلا نظرية ان الجاذبية تنطبق علية عندما أقفز في الهواء فقط حتى اليوم نظرية مُؤيدة بكل تجاربي الماضية حتى اليوم، لكن لا يوجد ما بها ما يبرر عدم قذفى من النافذة.. وبالتالي يبدو ان لا يوجد مفر أمامنا من قبول العقلانية و قليل من الاستنتاج الاستقرائي inductive inferences بغض النظر عما يقولة بوبر! .. لو الفكرة مازالت مش واضحة لك، فكر في المثال ده. تخيل اننا بنحاول بناء كبرى، هنستخدم عدد من النظريات الفزيائية لتصميم الكبرى لحمل وزن معين. في الحالة دى لابد وأن نضع نظريتنا تحت التطبيق او الاختبار. المُهندسين في الحالة دى سيستخدموا النظريات اللى اثبتت عملها في الماضى، لبناء الكوبرى، الاشكالية هنا، ان لايوجد لديهم سبب مبرر لماذا اصبحت هذة النظريات مؤكدة (زى ما شفنا في الحلقة السابقة) .. بوبر مش محتاج نظرية تأكيدية، ياترى إزاى هيتعامل مع بناء الكوبرى؟! .. بوبر يفضل النظرية التي لم يتم دحضها عن اى نظرية تم دحضها. النظريات التي لم يتم دحضها فى تلك الحالة شاملة للنظريات التي تم اختبارها مرات عدة ونظريات جديدة لم يتم اختبارها بعد! .. طبعا الأمر البديهي فى الحالة دى هو استخدام النظرية اللى نجحت في الاختبار … فكر تاني … بالنسبة لبوبر لا يوجد مبرر عقلاني لهذا الاختيار طبقا لنظريتة! … وطوال حياتة بوبر عاش في صراع مع هذا النقد اللى ضرب بساطة نظريتة فى موضع قاتل. وفشل حتى مماتة في الوصول لحل لتلك المعضلة. ودة بسبب ان بوبر بيرفض انه يقر بان لما النظرية بتمر باختبارات وتنجو بتصبح صحيحة. كلا من النظريات المُختبرة والغير مُختبرة مجرد تخمينات conjectures. الاشكالية اللى حاول بوبر حلها عن طريق مفهوم التأييد أو التثبت. وبالتالي بنصبح مبررين في اختيار النظريات المُؤيدة او المثبتة لبناء الكبرى. لكن المشكلة هنا ان مفهوم التأييد او التثبت corroboration ما هو إلا مصطلح آخر لمفهوم التأكيد Confirmation! .. ولا التأييد مختلف عن التأكيد لابد وان بوبر يوضح لنا كيف وماهو اساس الاختلاف العقلاني والمنطقي الاسئلة اللي طرحها فيلسوف العلم المعاصر ويليام نيوتن سميث William Newton-Smith فى كتابة المهم “عقلانية العلم The rationality of science” اللى نشرة سنة 1981 وبوبر كان غير قادر على الرد عليها بنجاح. بوبر حاول يفسر الفرق بين التأييد والتأكيد على ان التأييد عملية قراءة للماضي ولكنها ليست للتنبؤ بالمستقبل. ببساطة فكر في التأييد او التثبت زى شهادتك الدراسية، بيعطي سجل لما قمت بة خلال دراستك، لكنة لا يضمن ما ستقوم به فى المستقبل! اما التأكيد شبيهة بفكرة خطاب التوصية أو لمن يهمة الامر، الذي عادة ما يذكر بعض انجازاتك الماضية والسابقة لكنه أيضا عادة ما يصنع تنبؤات عن أدائك في المستقبل. إذن التأييد مازال غير قادر على تبرير لماذا لابد وان نستخدم النظريات المُؤيدة بناء الكوبرى بما أنه لا يقدم تنبؤ بنجاحها في المستقبل
المجتمع العلمي و قابلية الدحض Scientific Community and Falsification
النقد الاخير الموجهة لنظرية بوبر هو أن العلماء لا يلتزموا دائما بفكرة قابلية الدحض. تاريخ العلم مليء بأمثلة بدلا من ترك العلماء لفرضياتهم في حالة نفيها، بيقوموا بإضافة تعديلات عليها أو طرح فرضيات أخرى مساعدة لها. بوبر بيعترف بهذه الظاهرة ويجادل ان اضافة فرضيات اخرى مساعدة لإنقاذ النظرية من الدحض، أمر مقبول لو كانت الفرضية المساعدة دى سيتبعها تنبؤات جديدة. وفرق ما بين الاضافات اللى بغرض وباللي بدون غرض لإنقاذ النظرية من النفي. وان الاضافات للنظرية بعد دحض فرضية ما لابد وأن يفسر النجاح الجزئي للفرضية السابقة (ان كانت حققت نجاح في تفسير جزء من الظاهرة)، وتضيف محتوى تجريبي جديد، والا ستكون تلكل الاضافات غير مقبولة علميا! .. علي سبيل المثال في القرن التاسع عشر، الميكانيكا النيوتونية مع حقائق ثابتة ومعروفة عن كتلة، مواقع، وحركة الكواكب، ساهمت في التنبؤ بان مدار كوكب أورانوس Uranus مختلف عن المدار المُلاحظ. بدلا من رفض النظرية وقتها، معظم العلماء اعتقدوا ان احد عوامل النظرية كان خاطئ، والبعض الآخر من العلماء، جادل ان هناك كوكب اخر تنطبق علية بيانات النظرية. طرح وجود كوكب اخر كان مقبول جدا بالنسبة لفكرة بوبر، لان التعديل على الفرضية، رفع من المحتوى التجريبي للنظرية، وقدم تنبؤ بوجود كوكب أخر لابد من ملاحظة وان تنطبق عليه نظرية نيويتن! .. وبالفعل تم أكتشاف كوكب نبتون Neptune بنفس المدار المتنبئ بة والموقع. ونفس العملية تم تطبيقها لاحقا بمعايير أدق واكتشف بها كوكب بلوتو Pluto . لكن على النقيض هناك حالات متطرفة فيها تم انقاذ النظرية من النفي من خلال اضافة فرضيات غير مبررة اللى لعبت دور واحد فقط وهو إنقاذ النظرية. مثلا في بدايات القرن العشرين، هناك شخص يدعي فيلكوفسكي Velikovsky أدعي ان كان هناك سلسلة من الكوارث في تاريخ البشرية، نظريته تنبأت بأن لابد من وجود اثار او سجلات لهذة الأحداث عبر التاريخ المكتوب والشفهي. لكن السجلات دى لم يعثر عليها، اللى كان دليل واضح على نفي الفرضية، إلا أن فيلكوفسكي أضاف تعديل على نظريته بأن الكوارث دى كانت مفجعة للغاية لدرجة انها ادت الي فقدان الذاكرة الجماعية ومنعت البشر من تسجيلها. هذا التعديل غير مبرر، مش لانة واضح جدا انه مفتعل واحتيالي لكن لأنه لا يضيف اى محتوى تجريبي جديد للنظرية. بنفس الصورة لو الطرح الإنجيلي صحيح، إذن عمر الأرض لابد وانه يكون 6 آلاف سنة، وبالتبعية عمر حفريات الديناصورات والكائنات الاخرى. لكن القياسات التجريبية تدلنا علي غير هذا، الامر الذي يدحض النظرية الانجيلية. لكن عادة ما بنسمع بعض الأصوليين من أتباع الديانة المسيحية يجادلوا إن الله وضع هذه الحفريات fossils وجعلها تبدو أقدم من 6 آلاف سنة لأختبار عقيدة المؤمنين. كلا الطريقتين في إنقاذ النظرية من الدحض بيستخدموا نفس الاسلوب. وهو طرح افتراض جديد لإنقاذ النظرية لا توجد طريقة مستقلة اختباره، يقوموا بمحاولة توفيق النظرية مع الدليل النافي لها. وللأسف هناك حالات في تاريخ العلم، حيث إن مُلاحظة نافية لنظرية ما تم تجاهلها لسنوات طويلة. على سبيل المثال، النظرية الذرية الاولى لنيلز بوهر Niels Bohr كانت في الحقيقة غير متسقة، ومع ذلك كانت بقت نموذج مقبول ما بين العلماء لمدة طويلة. أو مدار كوكب عطارد Mercury كان غير متسق لسنوات طويلة مع نظرية نيوتن لكن هذا الامر لم يؤدى لدحض أو نفي النظرية! حتى ان أتت نظرية اينشتين للجاذبية وتبأت بالمسار الصحيح لكوكب عطارد وقتها فقط تم اعتبار نظرية نيوتن منفية. والبعض جادل أن اتباع نظرية نيوتن لم يتخلوا عن نظريتهم بالرغم من ظهور حالة نافية لها، الأمر اللى بيخالف فكرة بوبر عن كيفية عمل منظومة الطريقة العلمية. بشكل عام يبدو أن من غير الكافي للعلماء وجود مُلاحظات نافية فرضياتهم أو نظرياتهم لتخليهم عن النظرية في حالة غياب بديل أفضل لتفسير الظاهرة.
كارل بوبر هو تقريبا الفيلسوف الوحيد اللي هنقاش أعمالة في سلسلة فلسفة العلم اللى بيعتبر من قبل كثير من العلماء كبطل أسطوري! .. شعور العلماء تجاة الفلاسفة عادة ما بيختلف من عالم لآخر، لكن نادرا ما بينجح الفلاسفة في إلهام العلماء بنفس طريقة بوبر. ومن النادر إيضا انك تسمع العلماء يستخدوا النظريات والافكار الفلسفية لدعم وجهات نظرهم داخل إطار الجدل العلمي! .. لكن الصورة دى لاتنطبق علي بوبر! ..الصورة البطولية دى مش مفاجأة! لان أفكارة عن العلم كانت بسيطة وواضحة. وصورتة عن المؤسسة العملية كانت صورة مثالية، بطولية، وخيالية في بعض الاحيان. نظرية بوبر تم نقدها على نطاق واسع من قبل الفلاسفة عبر العقود الاخيرة، وكثير من هذا النقد من الصعب الرد علية، لكن بالرغم من هذا النقد أفكار بوبر مازالت مهمة داخل عباءة فلسفة العلم ومصدر وحي لكثير من العلماء!
بوبر لفت انتباهنا لمميزات العلم الحقيقي، اللى اصبح مُتفق عليها بشكل كبير بين جمهور العلماء في الوقت الحالي. وأسس أسلوب نقدي للحصول على المعرفة من خلال المحتوى التجريبي الدقيق واسع النطاق، باستخدام التفكير الابداعي في حل المشاكل مع التخمينات conjectures الجريئة لفتح الباب أمام إمكانيات جديدة للتجربة والمراقبة. وأفكار مثل الاضافات المبررة، والتنبؤات الجديدة، والتثبت من صحة الفرضيات لابد بتلعب دور في تفسير الفرق مابين الصحيح والخاطئ في العلم. وبالرغم من ان لاكاتوسLakatos صديق عمر بوبر حاول ان يحسن من نظرية بوبر لقابلية الضحد والنفي لتجنب بعض الإشكاليات اللى تعرضنا لها، الا ان معظم العلماء بيصر ان النظريات والفرضيات لابد وان تنفي من خلال التجربة، وبيحاولوا بشكل جاهد ان ينفوا النظريات عن طريق التجربة، لكن يبدو اننا غير قادرين على تفسير الطريقة العلمية وتبرير المعرفة العلمية بدون اللجوء للأستقراء في احد صورة. العلم يشمل كلا من التأكيد confirmation والنفي falsification. على الاقل في وجهة نظر الكثيرين. وأفكار بوبر قد تساعدهم في صياغة نوع من الاستقراء أكثر تعقيدا. فكرة التمييز ما بين سياق الاكتشاف وسياق التبرير بتلعب دور اساسي فى تطوير نوع من الاستقراء المتطور، بداية بفصل مسألة كيفية تطوير النظريات العلمية عن مسألة كيفية أختبارها.
القصة اللى بدأنا بها مقتبسة عن الحلقة الاولي من مسلسل الخيال العلمي الشهير “الملفات الغامضة The X-Files” اللى أذيعت للمرة الأولى سنة 1993، المُسلسل عادة ما أستعرض مواضيع خاصة بالكائنات الفضائية، الروحانيات، الخوارق، ونظرية المؤامرة المتعلقة بتستر الحكومة الامريكية على تلك الظواهر. في قسم التحقيقات في الملفات الغامضة عادة ما بنشهد الاختلاف ما بين العميل سكالي اللى بتمثل التفكير العقلاني، التجريبي، العلمي. والعميل مولدر اللى عادة ما بيطرح نظريات غير قابلة للاختبار العلمي، في كل حلقة من المسلسل سكالي كانت بتحاول تقديم تحليل علمي متسق الحوادث والظواهر. مولدر بيلعب دور المؤمن في الحلقات اللى بيمثل العنوان الفرعي للمسلسل “أنا أريد الاعتقاد I want to Belive”، اما سكالي بتلعب دور العقل الشكوكي اللى بيرفض الاعتقاد في النظريات الغير قابلة للنفي. بالرغم من ذكائه الحاد الا ان شخصية مولدر بتعاني من إشكاليات في نمط التفكير العقلاني والعلمي بتظهر بنمطية متكررة عبر المسلسل، ويبدو دائما ان مولدر لدية تعلق عاطفي بالتحقيقات التي يجريها الأمر الذى يؤثر على عقلانية أطروحاته، ولجوئه المتكرر لنظرية المؤامرة لحماية فرضياته من النفي أو الدحض بتفسير السبب وراء نقص الادلة الداعمة للفرضيات. وبالرغم من أن صُناع المسلسل بيصنعوا خط من الأحداث الخيالية المشوقة التي تجعل فرضيات مولدر صحيحة، الا ان العميل سكالي بتمثل التفكير العقلاني المنطقي الصحي للبحث في حقيقة الظواهر الطبيعية.
ودلوقتى .. فكر للحظات .. ليه يا ترى عندك ثقة فى الاكل اللى بتاكله مش هيضرك؟ .. أو الدواء هيساعدك على الشفاء؟ .. أو القفز من النافذة هيقضي على حياتك؟ .. هل ياترى تكرارية توابع التجربة في الماضي كافي لضمان تكرارها في المستقبل؟ .. وهل التأكيد فعلا له وجود في الحصول على المعرفة العلمية؟ .. أم النفي هو جوهر الثقة في معرفتنا العلمية؟ .. وأفضل نظريتنا العلمية ماهي إلا تخمينات لم تنفي بعد .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP49/EP49_2019_03_20.mp3
في الحلقة الجاية .. هنشهد إندلاع لهيب الثورات العلمية، وعصف تيارات العقلانية .. عن الثورة الكوبرنيكية … نظرية الملاحظة .. النسبية العلمية .. و تحولات النموذج الفكري .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية …
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
قابلية الدحض Falsificationism
التصميم الذكي Intelligent Design
إشكالية الاستقراء The Problem of Induction
نظرية التحليل النفسي Psychoanalysis
التخمين والضحد conjectures and refutations
منطق الاكتشاف العلمي The Logic of Scientific Discovery
اللامعصومية أو التخطيئية Fallibilism
أمرى لاكاكتوس Imre Lakatos
إشكالية دوهيم The Duhem problem
ويلارد فان اورمان كواين W.v.O. Quine
نظرية الاحتمالات Probability
تفسير الميل الاحتمالي A propensity interpretation of probability
التأييد او التثبت Corroboration
ويليام نيوتن سميث William Newton-Smith
الملفات الغامضة The X Files – Pilot
===========
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
Mark Snow – The Truth And The Light: Music From The X-Files
Brandon Fiechter – Fairy Realm
Derek Fiechter – Dance of the Shadows
Brandon Fiechter – Waltz of the Fairies
Derek & Brandon Fiechter – Dark Mystery
Kevin MacLeod – Desert City
https://goo.gl/lslojY
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa