تخيل إنك عالم فيروسات عايش فى مدينة نيويورك وحيد مع الكلب المخلص بتاعك سام، بعد إنتشار فيروس الحصبة المعدل جينيا بين البشر! العلماء عدلوا الفيروس فى محاولة لصناعة علاج للسرطان، لكن الفيرس أتحول لسلاح فتاك قتل 90% من سكان الكرة الارضية وحول 9% من البشر لمسوخ مفترسة بتعيش على الدماء، لكنها حساسة جدا للضوء بشكل عام وخصوصا ضوء الشمس. فتجوب المدن المدمرة الخالية فى الظلام بحثا عن فريسة. أنت من ال 1% من البشر اللى مازلوا عندهم مناعة ومنتشرين فى مدن الكرة الارضية بيحاولوا النجاة من المسوخ البشرية قبل ما يمصوا دمائهم ويحولوهم لمسوخ مثلهم. حياتك اليومية روتينية، يتخرج مع سام فى ضوء الشمس للبحث عن الطعام والمؤن بتجبوا مدينة نيويورك اللى اصبحت خراب مبانيها مهجورة والعربيات فى الشوراع لكنك عارف منطقة وسط المدينة المليئة بالمباني المظلمة لابد من تجنبها لان المسوخ منتشرة بداخل تلك المباني، بتقوم بأجراء تجارب على الفئران المصابة بالفيرس لمحاولة العثور على علاج، وبتنتظر كل يوم فى جزيرة مانهاتن اى بشر سليمة تسمع رسالة البث اللى بتبثها يوميا على الراديو بتحث فيها اى حد سليم يسمعك يقابلك. بعد إنتشار الوباء ماتت مراتك وابنتك، وتركوك وحيد انت وسام فى عالم قاسي بشع من المسوخ، لكن عندك أمل فى انك هتصل لدواء فى يوم من الايام. في أحد الايام وانت منتظر مع سام فى نفس الموقع اليومي ظهور اى احد من الناجيين اللى من سمعوا رسالتك، سام هيشوف غزالة بتجرى هيبدأ فى مطاردتها ويعبر ورائها لوسط المدينة ويدخل احد المباني المظلمة بتصرخ تندة علية لكنة أختفي داخل المبنى، بتاخد سلاحك وتدخل وراة المبنى وانت مرعوب، بتتحرك ببطي فى الظلام، بتشوف فى اخر الطرقة المسوخ نائمة فى أحد الغرف، بتتسحب وانت بتحاول تجنب اصدار اى صوت، بتشوف سام تحت احد المكاتب، بتشاور له علشان يطلع، لكنه متردد، خائف وبيبص وراك، فجأة بيهجم عليك احد المسوخ، بتضربة بالرصاص وتصرخ أجرى ياسام، بيجرى الكلب معاك ووراكوا مئات من المسوخ بتطاردكوا داخل المبنى، بتشوف ضوء الشمس فى اخر الممر، سام بيقفز من النافذة وانت وراة ووراكوا احد المسوخ اللى قبل ما يعضك بتحرقة أشعة الشمس ويصرخ ويموت فى لحظات. خلال تجاربك اليومية بتجد نتائج ايجابية لمصل مستخلص من دمك، بينجح على أحد الفئران، بتقرر انك لابد تجربة على البشر، بتروح لوسط المدينة عند نفس المبنى وتضع عينة من دمك على باب المبنى فى فخ علشان تقدر تقبض على احد المسوخ، فعلا بعد لحظات بيطلع واحد منهم على رائحة الدم لكن بمجرد ما يقترب من المدخل بيقع فى الفخ وبتقبض علية، لكن بتشوف المسوخ واقفين داخل المبنى بيصرخوا فى غضب لانك قبضت على واحد منهم لكنهم مش قادرين يخرجوا بسبب ضوء الشمس. بتاخد المسخ لمعملك فى البيت بتعطيه المصل لكن للأسف النتيجة سلبية وما بيستجيش للعلاج. فى اليوم التالي خلال جولتك اليومية انت وسام، بتشوف تمثال عجيب مش فى مكانة فى وسط المدينة، بتقترب منه لكن فى لحظات حبل بيقبض على رجلك وتتعلق فى الهواء، بتكتشف انه فخ زى اللى انت عملتة فى المسوخ قبل ما تفقد وعيك! .. بعد ما بتفوق، بتتسلق وتقطع الحبل بسكينة فتقع على الارض، الشمس قربت تغرب، مجروح مش قادر تقف، بتزحف انت وسام ناحية العربية علشان تهربوا بتشوفوا المسوخ ومعاها كلاب ممسوخة واقفة فى الظلام داخل المباني منتظرة الشعاع الاخير للشمس، قبل ما تركب السيارة الشمس اختفت خلف ناطحة السحاب فبدأت كلاب المسوخ بمهاجمتكوا، بتضرب عليها النار وتقتلهم لكن واحد منهم هاجم سام وعضة، بتاخد سام فى العربية وترجعوا على البيت قبل الظلام، فى البيت ادركت ان العدوي انتقلت لسام، وكلها دقائق ويتحول لمسخ، بتخنقة بأيدك قبل ما يهجم عليك وانت بتبكى بعد ان فقدت رفيقك الوحيد! .. فى مساء اليوم التالي فقدت الامل فى كل شئ بعد موت سام، مش قادر تكمل فى الحياة اللعينة دى، بتخرج فى الظلام، بتركب سيارتك وتنطلق بجنون في شوارع المدينة، الى ان تصل لوسط المدينة، بتشوف المسوخ بتتحرك فى وسط المدينة أول مايشوفوا سيارتك بيجروا تجاهك، بتفتح ضوء السيارة العالي بيصعقهم ويقعوا على الارض، مازالوا بيتدافعوا تجاهك بالمئات، بتصدمهم بالسيارة بتقتل كتير منهم بيتكاتلوا على السيارة، بيشلوا حركتها، وينقضوا عليك داخل السيارة، بتشوف اسنانهم بتقترب منك وانت بتفقد الوعي، قبل ماضوء باهر بيصعقهم، وانت في غيبوية بتشوف امراة وطفل صغير بسحبوك من داخل حطام السيارة وينقذوك، لما بتفوق من الغيبوية بيقولوا لك انهم سمعوا بث الراديو بتاعك وبحثوا عن مكانك لحد ما لاقوك وانت بتنتحر. بتقولك انهم فى طريقهم لفيرمنت لان في معسكر للناجين هناك، بتقلها مافيش معسكرات ناجين الكل مات، لكنها بتقول على الاقل هنجرب حظنا. بتجرب نوع جديد من المصل على المسخ اللى في معملك، قبل ما بتسمع صوت فحيح المسوخ فى الخارج، بتستغرب ازاى عرفوا مكان بيتك، بتكتشف انهم تبعوكوا امبارح لما نقلكوا وانت في غيبوية للبيت، بتصرخ فيهم، عرفوا مكانا احنا انتهينا، بتشغل اضواء ساطعة قدام البيت كنت محضرها للحدث ده، بتحرق منهم كتير، لكن في منهم الالاف بيتدافعوا تجاة البيت، بتفجر حقل من القنابل كنت زارعة قدام البيت بيحرق مئات منهم لكنهم مازلوا بيتدافعوا. بتنزلوا كلكوا للمعمل لأنة محاط بالزجاج المصفح، بتكتشف ان المصل اظهر نتائج ايجابية على المسخ اللى في معملك ويبدو انه فى تحسن، لكن المسوخ احاطت بزجاج المعمل وبدأوا في تدميرة باجسادهم، بتقول لها مش هيقفوا الا لما يدقوا دمي، بتسحب عينة دم من المسخ اللى اتعالج، بتديهولها وتقول لها تهرب هى والطفل من فتحة التهوية، بتسألك مش هتيجي معانا، بتقول انهم مش هيقفوا. بتطلب منها تنقذ المصل علشان البشرية، بعد ما يهربوا من فتحة التهوية، بتشد فتيل قنبلة بتفجر المعل ومئات من المسوخ ونفسك علشان تنقذ المصل. في صباح اليوم التالي المرأه والطفل بيصلوا فيرمونت لمعسكر الناجيين ويسلموهم المصل وهما بيحكوا حكايتك، حكاية العالم اللى ضحي بحياتة من أجل بقاء البشرية!
محاور
ماهية العلم، آليات العلم، الملاحظة المحملة بالنظرية، العلم الزائف، العلاقة بين العلم والفلسفة، العلم كفلسفة، فلسفة العلم
العلم يشكل ويقود عالمنا الحالي! تقريبا كل صور التقدم، المعرفة، والنقلات البشرية الحديثة علمية فى جوهرها، من المضادات الحيوية، اجهزة الكمبيوتر، فهمنا لعملية التطور البشري، إلي قدرتنا لوضع قمر صناعي في مدار كوكب زحل! بالنسبة لكثير من البشر فى العصر الحالي التقدم هو ببساطة مصطلح اخر للتقدم فى المعرفة العلمية والفوائد المستمدة من الاكتشافات العلمية الجديدة. في تقرير أخير نشرتة أكاديمية الفنون والعلوم في الولايات المتحدة الامريكية American Academy of Arts & Sciences سنة 2018 بعنوان “تصورات العلم فى أمريكا Perceptions of Science in America”ـ نتائج الاستفاء كانت مشجعة، المجتمع الامريكي بينظر نظرة ايجابية للعلم وادواتة، لما سؤل المشاركين فى الاستفتاء عن ايه اول شئ بيخطر على بالهم لما بيذكر “البحث العلمي” او “الاكتشافات العلمية” اكثر من نصفهم 52% ماردش على السؤال، غالبية 13% اللى ردوا قالوا الصحة والطب، ونسبة صغيرة 4% ذكروا الافكار الجديدة الغير تقليدية، الفضاء، والمعامل، والبالطو الابيض! .. بشكل عام يبدو ان قاطنى المجتمعات الغربية المتقدمة علميا مازالوا بيعتنقوا أفكار تقليدية stereotypical عن العلم، خاصة بالامر المرتبطة بحياتهم، و صورة الاعلام عن العلم والعلماء. ولما سؤال الناس عن ثقتهم بالمؤسسات العلمية مقارنة بالمؤسسات الاجتماعية الاخري (الجيش، البنوك، الكونجرس، الصحافة) كانت اجابتهم ايجابية، فثقة الناس فى المؤسسة العلمية مستقرة جدا مقارنة بالمؤسسات الاخرى علي مدة 30 سنة! .. وأكثر من 70% من المشاركين بيعتقدوا ان فوائد البحث العلمي بتجب أخطارة واضرارة. مع الاشارة الى ان عينات المشاركين الاقل فى المستوى التعليمي اظهروا قلق تجاة سرعة التطور العلمي واتجاة مقارنة بالعينات ذات المستوى التعليمي الاعلي! .. أما من ناحية الانفاق على البحث العلمي فالنتائج كانت مشجعة جدا، حوالي ثلثي المشاركين أعتقدوا ان الدولة لابد وان ترفع من ميزانية البحث العلمي، وان القوانين والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية لابد وان تعتمد على أفضل نتائج البحث العلمي المتاحة خصوصا في مجال الصحة والطب! .. لكن ايه هو بالتحديد جوهر ماكينة تقدم العلم؟ بالرغم من ان فوائد العلم من السهل رؤيتها الا ان العلم نفسه بعيد تماما عن السهولة فى تحديد ماهيته؟! .. حتى فترة قريبة، المجتمعات الغربية المتقدمة رأت العلم على انه مسار البحث عن المعرفة المجردة فى الطبيعة والواقع. العلماء رجال خارقين فى صراع مع التخلف، الجهل، والخرافة من أجل اكتشاف الحقيقة. والحقائق اللى بيصلوا اليها أعتبرت مطلقة absolute، مجردة Objective، غير مدفوعة بأغراض، وكونية عامية. أحد علماء الاجتماع فى الأربعينيات وصف العلم بانة مرآة الطبيعة، فلا توجد مشاعر لدى النجوم، ولامخاوف عند الذرات، الملاحظة موضوعية في ذاتها، مع قليل من الجهد من جانب مؤسسة العلم لجعلها كذلك. او زى ما العالم والمؤرخ الايرلندي-الانجليزي جون ديزموند برنبال John Desmond Bernal ما قال فى عملة الاهم “العلم فى التاريخ Science in History” اللى نشرة سنة 1954 “موضوع العلم ومادتة هو العقلانية، الكونية، وعدم المنفعة الذاتية!”. لكن للاسف الصورة الوردية دى عن العلماء الباحثين والمحبين للحقيقة عاملين فى تفاني لخدمة البشرية، علي خلاف المفهوم السائد عن كثير من الناس عن العلم والعلماء حاليا. معظم الناس ليسوا مناهضين للعلم على العكس مدركين لان العلم جعل حياتهم أفضل، اكثر صحة، وسهولة. لكن الاحصائيات الاخيرة اظهرت ان كثير من البشر لايثقوا فى العلماء وقلقالين من الاثار الجانبية المحتملة للعلم! .. العلماء في عيونة العامة ليسوا باحثين عن الحقيقة بدون غرض، لكنهم باحثين عن الشهرة والثروة، حب السيطرة، التحكم، الخ من صور الانتفاع البشري الموجودة فى كل مجالات الحياة . أنعكاس الصورة بيظهر بوضوح فى الادب والثقافة الغربية الدكتور هنري فرانكنشتاين فى رواية ماري شيلي Mary Shelley’ الخيالية فرانكنشتاين Frankenstein (اللى نشرتها سنة 1818) ليس الوحش لكن رجل علم قرر فى ان يصنع رجل على صورتة دون خوف او خشية من الله. او فى رواية روبرت لويس ستيفنسون Robert Louis Stevenson “د. جيكل ومستر هايد Dr Jekyll and Mr Hyde” (نشرها سنة 1886) جيكل عالم صغير السن، اكتشف مصل بيحولة لصورة قاتلة من شخصة، او في رواية هربرت جورج ويلز H.G. Wells “جزيرة د. مورو The Island of Doctor Moreau” (نشرها سنة 1896) عالم طور كائنات حية مشوهة عايشة فى عذاب وبؤس.وغيرها كتير من الصور المخيفة او فى اقل التقديرات متشككة عن العلماء. لكن ليه ياترى التصور العام عن العلم والعلماء مختلف بشكل كبير عن صورة العلماء عن نفسهم كمكتشفين وباحثين عن الحقيقة يستحقوا التقدير، الاعجاب، الدعم، والثقة؟ .. من الجائز لان بالاضافة لان فوائد العلم فعلا كثيرة ومتعددة الان اخطارة اللى هددت البشرية كانت ايضا كثيرة!.. قائمة منتجات العلم مليئة بالمنتجات المدمرة لمنظومة الحياة البشرية الطبيعية، مثل النفايات النووية والتلوث الكيميائي، ده غير اسلحة الدمار الشامل زى القنابل بداية من يدوية الصنع ذات التأثير المحدود، للقنابل النووية والهيدروجينية واسعة النطاق. اذن العلم بيعطينا فوائد لكنها غالية الثمن.
ماهية العلم Nature of Science
الفلسفة هي محاولة لطرح أسئلة بسيطة واساسية جدا عن الكون ووضعنا فيه والإجابة عليها، لكن الاسئلة دى فى كثير من الأحيان قد تبدو للبعض غير عملية، وفلسفة العلم ليست غريبة عن هذا الاتهام فى بعض الأحيان كأحد فروع الفلسفة الحديثة الاساسية! الجدال الدائر فى الحلقات الفلسفية حول الاسئلة المجردة مثل طبيعة العقل، المعرفة، اللغة، والواقع ذات اهمية كبرى خارج الفلسفة. وتأثيرها كان كبير فى كثير من المجالات الأكاديمية عبر العصور فى الحقيقة فى النصف الثانى من القرن العشرين كل المجالات المهتمة بطبيعة العلم مرت بتغيرات جذرية هزتها من جذورها. البعض اعتقد أن التاريخ، الفلسفة، وعلم اجتماع العلوم sociology of science اظهروا ان العلم لايستحق ان يكون صاحب الكلمة الاخيرة فى الحضارات الغربية. واعتقدوا أن هناك مجموعة من الخرافات عن مصداقية وتفوق العلوم الاساسية لم ينظر لها بعين الاعتبار وتم التقليل من شأنها. والبعض الآخر اختلف معاهم وبالطبع بدأ جدال فكرى حاد في الدوائر العلمية والثقافية اللى فى بعض الأحيان تحول لجدل سياسي، المناقشات دي اصبحت معروفة بحروب العلم Science Wars! .. فى نهاية الأمر حروب العلم هدأت إلا أن مازال هناك خلاف الى اليوم حول أبسط الاسئلة عن طبيعة المعرفة العلمية scientific knowledge! .. الخلافات دى في العادة لا تؤثر على الممارسة اليومية للعلم، لكن تأثيرها عظيم الأثر فى المناقشات العامة حول المعرفة البشرية، التغير الثقافي، ومكاننا في الكون بشكل عام. (هذة السلسلة بشكل عام هي محاولة متواضعة لعرض تلك الصراعات والمناقشات داخل فلسفة العلم والوصول للحالة الراهنة!). لكن علشان نقدر نفهم طبيعة عمل العلم لابد اولا وان نحاول فهم طبيعة الشئ اللى بنحاول تفسيره، أين يبدأ العلم وينتهي؟ واى نشاط من الممكن تصنيفه تحت عباءة العلم؟ .. للأسف المسألة دى مش بسيطة، فى خلافات عديدة حول ما الذي يمكن تصنيفه كعلم زى ما هنشوف فى الحلقات المستقبلية من سلسلة فلسفة العلم، لكن هناك اتفاق مبدئي حول القضايا المحورية، مثلا الناس عادة ما بتعتقد ان الفزياء هو مثال نموذجي لأحد فروع العلم، وبكل تأكيد الفزياء لكان لها دور بطولي فى تاريخ تطور العلم الحديث. على الجانب الآخر علم الأحياء الجزيئي Molecular biology أحد فروع العلم اللى تطور بسرعة مذهلة فى الخمسين سنة السابقة. دى أمثلة على فروع محورية من العلم، لكن حتى الفروع المحورية دى أختلف حولها بعض المفكرين، على سبيل المثال صحفي العلوم الأمريكي جون هورجان جادل فى كتابه “نهاية العلم The End of Science” اللى نشرة سنة 1996 أن الفيزياء النظرية theoretical physics البعض يدعي انها اصبحت أقل علمية scientific عما كانت من قبل بعد ان تطورت فى العقود الاخيرة لتصبح قاصرة على فئة قليلة من الباحثين اللى بيعملوا على بناء نماذج رياضية mathematical model–building على اتصال محدود بالعالم الواقعي، على سبيل المثال نظرية الأوتار String Theory. وعلم الاحياء الجزئية مؤخرا اقام علاقات مع رجال الاعمال والصناعة اللى بيجعلة أقل مثالية عما كانت علية العلوم من قبل فى وجهة نظرة! .. لكن مازالت الامثلة دى قوية جدا على ما يمكن ان ينتمى لعبائة العلم. لكن هذا التصنيف ليس واضحا فى كل الحالات، على سبيل فى بعض الوقت تصنيف العلوم الاقتصادية economics والعلوم النفسية psychology كأحد فروع العلم كان محل خلاف وجدل كبير! المباحث دى اصبحت تنتمى حاليا لعباءة العلم، على الاقل فى كثير من دول العالم، لكن مازال هناك مباحث اخرى محل جدال على سبيل المثال دراسة البشر وسلوك الإنسان والمجتمعات اللى عادة ما يعرف بعلم الانسان anthropology ودراسة الآثار والحفريات archaeology! .. المساحة الرمادية دي اللى مش غريبة لان كلمة “علم Science” الدارجة بين الناس بتحمل معاني كثيرة، ولها قوة دلالية كبيرة. فى كثير من الأوقات الناس تصف العمل اللى يتم داخل فروع معرفية أخرى للإشارة لأن البحث بيتبع طرق صارمة، محددة، ودقيقة وبالتالى نتائجه لابد من الثقة بها! .. وفى أحيان قليلة اخرى البعض قد يشير لبحث ما على أنه علمي لإضفاء صورة سلبية، على سبيل المثال نزع الصورة الإنسانية عن هذا البحث. تاريخيا المصدر اللاتيني لكلمة Science هو Scientia اللى تشير للنتائج المنطقية الكاشفة لحقائق عامة وضرورية! .. النتائج دى من الممكن الحصول عليها داخل فروع معرفية عدة، طالما أنها كانت قادرة على تقديم ادلة رياضية او هندسية. فى القرن السابع عشر الميلادي، عند ولادة العلم الحديث الفروع العلمية الموجودة حاليا كان بيطلق عليها الفلسفة الطبيعية natural philosophy (الفيزياء، علم الفلك، الأحياء، الكيمياء، الخ) ، و علوم أطلق عليها التاريخ الطبيعي natural history (علم النبات botany، علم الحيوان zoology، الخ) .. عبر العصور مصطلح العلم Science أصبح يستخدم لوصف طريقة البحث اللى بتربط الملاحظة observation والتجربة experiment. لكن المفهوم الحالي لكلمة العلم والعلماء كانت نتيجة القرن التاسع عشر الميلادي (هنقوم بتعريف الكلمة بشكل أوضح فى الحلقات المستقبلية لكننا نقبل فكرة العلم الان بالمنطقة الرمادية الشاملة لمباحث أخرى). درجة أخرى من التعقيد راجعة لكيفية استيعاب الفلاسفة والمفكرين للعلم بشكل عام، كثير من المفكرين بيطلقوا مصطلح علمى على اى عمل بيقيم الافكار ويحل المشاكل بطريقة قائمة على الادلة من الملاحظة. والعلم بشكل كبير بيرى على انه نشاط بشرى موجود فى كل الثقافات والحضارات، بالرغم من ان الكلمة نفسها مصطلح غربي فى اصلة. لكن هناك اراء بتحصر العلم فقط على انه ظاهرة حضارية مرتبطة بمكان وفترة زمنية محددة! تحت الرؤى دى الثورة العلمية فى القرنين السادس والسابع عشر فى أوروبا بيمثلوا فكرة العلم فى صورتها الكاملة. لكن قبل هذا بنجد جذور للطريقة العلمية في الحضارة المصرية القديمة، اليونانية، والعصر الذهبي للعالم الإسلامي فى العصور الوسطي. وبالتالي بيصبح العلم تحت الرؤية دى مؤسسة اجتماعية خاصة ذات تاريخ محدد، بينحدر من أشخاص معينة، فى اماكن وفترات زمنية محددة، بالتحديد من مجموعة من النابغين الأوروبيين فى عصر النهضة من أمثال كوبرنيكوس Copernicus، كيبلر Kepler، جاليليو Galileo، ديكارت Descartes، و نيوتن Newton. اللى عاشوا جميعا فى القرنين السادس والسابع عشر!
الرؤية دى بتنظر للعلم على انة عملية بحث عن المعرفة مختلفة عن عمليات البحث المعرفية الاخرى المصاحبة لأنشطة حيوية زى الزراعة، العمارة، الصناعة، الخ وما بتدعيش ان الافراد فى الثقافات والحضارات الأخرى الغير عملية متخلفين، اغبياء او اقل تقدما! لكن الفكرة ببساطة ان علشان نقدر نفهم العلم لابد وأن نقوم بفصلة وتفريقه عن اى نوع او نشاط آخر من البحث عن المعرفة فى العالم. وازاى طريقة بحث عن المعرفة طورها مجموعة من الأوروبيين فى فترة زمنية محددة كان لها تأثير وتبعيات كبرى على البشرية! وزى ما هنشوف فى حلقات سلسلة فلسفة العلم المستقبلية بعض المفكرين هيحصر العلم على الغرب كنشاط ناتج عن حقبة زمنية معينة فى تلك الحضارة والبعض بينظر اليه على انه نشاط كوني بشرى عالمى، والبعض الاخر بينظر إليه برؤية وسطية بين الأمرين! .. على أي حال الأمر الهدف اللى هيكون نصب أعيننا هو فهم كيفية حصول البشر على المعرفة عن العالم المحيط بيهم بشكل عام؟ وايه اللى بيفرق طريقة البحث المعرفية المسماة بالعلم المنحدرة من الثورة العلمية عن باقى طرق البحث المعرفية؟ . زى ما شفنا فى الحلقات السابقة من كلام فلسفة، فى نوعين أساسين من القضايا الفلسفية، قضايا معرفية epistemological بيدور فى فلكها الاسئلة المتعلقة بالمعرفة، الادلة، العقلانية، الخ (أرجع لسلسلة فلسفة المعرفة)، وقضايا ميتافيزيقية metaphysical بيدور فى فلكها اسئلة حول طبيعة الواقع والكائنات (ارجع لسلسلة فلسفة ماوراء الطبيعة)، فرع فلسفة العلم بيتقاطع مع الفرعين! بشكل عام معظم القضايا والاشكاليات اللى هنناقشها عبر الحلقات المستقبلية هتكون قضايا معرفية فى الاساس، على سبيل المثال هنسأل ازاى الادلة المبنية على الملاحظة من الممكن ان تبرر صحة نظرية علمية ما؟ .. وهل أحنا مبررين فى الاعتقاد ان العلم قادر على وصف العالم بشكل صحيح؟ .. لكن من حين لأخر هنتعرض لأشكاليات ميتافيزقية، وقضايا فلسفية لغوية، فى إطار قصة تاريخ العلم!.. كثير من الفلاسفة بيصروا على ان لابد من وضع نظرية منطقية للعلم، بصور اخرى لابد وان نفهم التركيب المنطقي المجرد للنظريات العلمية والعلاقة بين النظرية والدليل. وبعض من الفلاسفة بيجادل ان لابد وان نفهم العلم من خلال فهم عملية البحث العلمي فى الوقت الحالي، وطريقة اخرى هى صياغة منهج، او مجموعة القواعد والاجراءات اللى بيتبعها العلماء فى عملهم. من المهم هنا اننا نفرق بين النظريات الوصفية descriptive اللى بتحاول وصف مايحدث فى الواقع، او الصور الكائن عليها الشئ، بدون وضع اى أحكام تقيمية والنظريات المعيارية او القياسية normative اللى على النقيض بتحاول صنع احكام تقيميمة، وبتتضمن أفكار عن ما يجب ان يكون علية الشئ او عما يجب ان يحدث! .. بعض النظريات العلمية من المفترض ان تكون وصفية فقط، لكن غالب النظريات والرؤي العلمية اللى هنتعرضها خلال مناقشتنا هتتضمن عنصر تقيمي او معياري سواء بشكل رسمى او غير رسمي. بشكل عام عند تقيمنا اى ادعائات عن العلم لابد وان نسأل نفسنا ان كان الادعاء وصفي ام معياري، ام كلاهما؟ .. عند بعض الناس السؤال المهم هو ان كان البحث موضوعي Objective ام لا؟ .. لكن للأسف مصطلح موضوعي اصبح متعدد المعاني، احيانا بيستخدم للأشارة لغياب التحييز Bias أو التجرد والنزاهة impartiality ، واحيانا للأشارة لان الشئ بيوجد بشكل مستقل عن عقولنا او استيعابنا له مثلا لما بنقول الواقع المجرد Objective Reality الموضوعية والتجريد هنا مقصود بيها ان الواقع له وجود بغض النظر عن كيفية أدراك او وصف الناس له، بسبب الالتباس فى المعاني ده هنحاول قدر المستطاع تجنب استخدام مصطلح الموضوعية فى طرحنا للأسئلة او تقيمنا وهنستبدلة بمصطلحات أخرى أكثر وضوحا فى السياق. إشكالية أخرى هى الطريقة العلمية Scientific Method اللى غالبا اول ما هتذهب اليه عقولنا بمجرد التفكير فى نظرية عامة للعلم، فكرة وضع وصفة عامة لابد للعلماء ان يتبعوها خلال عملية البحث العلمي قديمة، بترجع جذورها للقرن السابع عشر، فرانسيس بيكون Francis Bacon و رينية ديكارت René Descartes وعدد كبير من مفكري عصر النهضة الاوروبي حاولوا وضع مواصفات تفصيلية لكيفية عمل العلماء او الطريقة العلمية، فى حين ان الامر ده يبدو بديهي الا ان خلال القرن العشرين كثير من فلاسفة العلم والعلماء اصبحوا متشككين فى فكرة ان من الممكن وضع وصفة عامة للعلم، وجادلوا ان العلم عملية إبداعية وغير متوقعة ومن غير الممكن اخضاعها لعملية او وصفة ثابتة لوصفها، الامر ده بالتحديد بينطبق بقوة على نجوم لامعة فى تاريخ العلم من امثال نيوتين Newton، داروين Darwin، واينشتين Einstein! لفترة طويلة من الزمن اى كتاب عن العلم كان لابد وان يحتوى على قسم خاص بالطريقة العلمية، لكن مؤخرا الادبيات العلمية اصبحت اكثر حرصا فى استخدام المصطلح ده. زى ما قلنا قبل كدة فلسفة العلم فى القرن العشرين بشكل عام ركزت على فكرة وضع بنية منطقية للعلم، الفكرة ان الفيلسوف لابد وان يرى النظرية العلمية كبنية مجردة abstract structure او مجموعة من الجمل المترابطة منطقيا، ووظيفة الفيلسوف بتصبح وصف العلاقات المنطقية بين الجمل فى النظرية والعلاقة بين النظرية والادلة من الملاحظة observational evidence وعلى نطاق اوسع وصف العلاقات بين النظريات العلمية فى المجالات المختلفة. الفلاسفة اللى بيميلوا لهذا النهج فى التفكير عادة ما بيكونوا متحمسين لأدوات المنطق الرياضي، وبيضعوا قيمة كبيرة على صرامة عملية التحليل الرياضي اللى بيقوموا بها، اللى بيادى لاحباط الاشخاص اللى بيعملوا على التاريخ الفعلي والهيكل الاجتماعي للعلم. الفلاسفة دول عادة ما بيعزلوا أفكارهم عن العلم بشكل عام عن ممارسات العلم فى الواقع، فى الاغلب للتمسك بصورة أسطورية عن العقلانية المثالية للمؤسسة العلمية، هنناقش المدرسة دى من فلسفة العلم اللى قائمة بصورة صارمة على المنطق فى الحلقات القادمة وتأثيرها على ممارسة العلم فى الواقع.
آليات العلم Scientific Process
السؤال البسيط اللى بنحاول نناقشة هو كيف يعمل العلم؟ .. فى 3 اجابات رئيسية على السؤال ده من الممكن رؤيتها على انها نقاط بداية للبحث فى الاجابة على السؤال. الفكرة الاولى هى التجريبية empiricism فى الحقيقة التجريبية مدرسة فكرية بتشمل مجموعة من الافكار والرؤى الفلسفية، والجدال الفكري داخل المدرسة التجريبية حاد وشديد! على اى حال المدرسة التجريبية من الممكن تلخيص أفكارها فى تبسيط شديد بفكرة أن المصدر الوحيد للمعرفة الحقيقة عن العالم هو التجربة! .. فى السياق ده تُعتبر النظرية التجريبية وجهة نظر حول مصدر “كل المعرفة” وليس المعرفة العلمية فقط. بشكل عام النظريات الفلسفية التجريبية ايديت العلم بشكل
كبير كأفضل مظهر ونشاط بشرى قادر على تحقيق ومعرفة العالم. التفكير والتحقيق العلمي بيتبع نفس النمط الاساسي فى التفكير والتحقيق اليومي. لكن تحت الرؤية دى المصدر الوحيد لحقيقة العالم هو التجربة، لكن العلم خصوصا ناجح جدا فى تحقيق هذا لانة منظم، منهجي، وبشكل خاص سريع الاستجابة لنتائج التجربة اى كانت! .. سامع صوت اعتراضك! وايه الجديد، ما التجربة اكيد هى مصدر المعرفة الوحيدة عن العالم! ماهى المصادر الاخرى؟ .. لو دى كانت وجهة نظرك، هنصك تبدأ بالنظر على سبيل المثال فى تاريخ علم الدواء اللى للأسف الشديد ملئ بصفحات من رفض معرفة مبنية على التجريبية حتى وان كان الثمن حياة البشر نفسها! .. على سبيل المثال الطبيب المجري إينياز سيميلويس Ignaz Semmelweiss اللى كان بيشتغل فى مستشفى فى مدينة فينا فى منتصف القرن التاسع عشر، واظهر من خلال اختبارات تجريبية بسيطة ان لو الاطباء غسلوا ايديهم قبل القيام بعمليات الوضع، خطورة إصابة الأم بعدوى بتقل بدرجة كبيرة جدا! بسبب هذا الادعاء الغير تقليدي وقتها تم الاعتراض عليه وفصلة من المستشفى فى نهاية الامر! .. مثال تاني بسيط، عن دور شرب المياة فى انتشار مرض الكوليرا cholera، اللى كان وباء واسع الانتشار فى القرن الثامن والتاسع عشر، يسبب الوفاة عن طريق تصفية الجسم من خلال حالة شديدة من الإسهال diarrhea. الكوليرا كانت بتنتشر بسرعة في أي جماعة من الفقراء فى مكان واحد بدون اى اجراءات وقائية، فى هذا الوقت كان فى عدد من الفرضيات عن كيفية انتشار الكوليرا، ده كان قبل اكتشاف البكتيريا bacteria والكائنات الدقيقة المسؤولة عن نقل الأمراض. بعض الفرضيات كانت ان العدوى بتنتقل عن طريق غازات كريهة تعرف ب miasmas صادرة من المستنقعات الملوثة، فى لندن الطبيب الانجليزي جون سنو John Snow طرح فرضية أن الكوليرا بتنتقل من خلال مياة الشرب، ورسم خريطة لانتشار الوباء فى لندن سنة
1854 ووجد ان العدوى متركزة حول مضخة مياه فى شارع رئيسي، بصعوبة بالغة اقنع السلطات بإيقاف المضخة، الامر الذى ادى الى توقف العدوى فى المنطقة فى الحال. هذا الحدث كان فارق فى تاريخ الطب وعلم الدواء. وكان نواة جميع المشاريع البشرية الحديثة العاملة على مياه شرب نظيفة اللى كان لها عظيم الأثر على الصحة البشرية فى العصر الحديث. ده بالإضافة لأهميتها في دعم الأفكار التجريبية الاساسية… من الجائز أن البعض يجادل ان إذن القضية منتهية والتجريبية هى الحل ومافيش داعى لسلسلة كاملة من كلام فلسفة لمناقشة موضوع العلم. فى الحقيقة الامر اكثر تعقيدا .. فى استكمال لقصة سنو والكوليرا، نظرية الأمراض والكائنات الدقيقة المسببة لها المعروفة “بالنظرية الجرثومية للأمراض germ theory of disease” تطورت على يد الطبيب الألماني وعالم الكائنات الدقيقة ومؤسس علم الجراثيم bacteriology روبرت كوش Robert Koch وعالم الأحياء، الكائنات الدقيقة والكيميائي الفرنسي لويس باستير Louis Pasteur. كوش قدر على عزل عينة من البكتيريا المسؤولة عن مرض الكوليرا في ايام انتشار المرض الأولي، لكن الكيميائي بيتنكوفير Pettenkofer لم يكن مقتنع بالفكرة دى وكان مصمم على إثبات ان كوش خاطئ، فشرب كوب من الماء مختلط بالجراثيم اللى ادعي كوش انها السبب فى وباء الكوليرا! .. المثير فى الامر ان بيتنكوفير مااصيبش بآثار عدوى الكوليرا، وكتب عن خطأ نظرية كوش. فى الدراسات الحديثة لتاريخ العلم، البعض جادل ان من الجائز أن معدلات الحمضيات في معدة بيتنكوفير كانت مرتفعة اللى من الممكن انه يحمي الناس من عدوى الكوليرا، أو من الجائز ان جرثومة الكوليرا ماتت فى العينة اللى خلطها مع الماء قبل ما يشربها! .. المهم فى الامر ان بيتنكوفير كان محظوظ، لان كوش كان مصيب فى نظريتة عن السبب وراء الكوليرا، لكن العبرة من القصة ان مش دائما النتائج المباشرة للتجارب العلمية مضمون نجاحها. على اى حال النقد الموجهة للمدرسة التجريبية اتهمها بتبسيط وتسطيح الامور. خصوصا وان التجارب لايتم صبها فى العقل فتتحول لمعرفة! المثير فى الامر ان من الصعب فعلا صياغة الافكار التجريبية الاساسية بطريقة تجعلها اكثر واقعية من الناحية النفسية، التجريبيون نفسهم لاينكرون ان التفكير المنطقي بما فى ذلك المنطق التفسيري الدقيق للغاية ضرورى لفهم ما نلاحظة ومع ذلك يصرون على ان بصورة ما دور التجربة أكثر جوهرية فى كيفية اكتساب المعرفة عن العالم، وكثير من منتقدي التجريبية بيعتقدوا ان هذا خطأ نتيجة صورة قديمة مبسطة عن كيفية عمل الايمان و المنطق، هنرجع نناقش الجدال ده بالتفصيل.
الرؤية الثانية عن كيفية عمل العلم هى مدرسة النموذج الرياضي، او زى ماجادل جاليليو احد ابطال الثورة العلمية ان ما يجعل العلم مختلف عن باقي اساليب البحث البشرية انه بيحاول فهم العالم من خلال الادوات والنماذج الرياضية. هل ياترى الفكرة دى بديلة للطريقة التجريبية، ام مكملة؟ .. فى الحقيقة التركيز على الطرق والادوات الرياضية فى العادة بستخدم للجدال ضد المدرسة التجريبية. أحيانا لان البعض بيعتقد ان الرياضيات بتظهر لنا ان هناك طريق اخر للمعرفة بجانب التجربة، وان التجربة واحدة من مصادر المعرفة وليست المصدر الوحيد للمعرفة، والبعض الاخر بيعتقد ان دور التجربة بسيط وغير أساسي فى تحقيق المعرفة عن العالم، لان التجربة اساسية فى جميع مساعي البحث البشري الحقيقي، لكن ما يميز العلم فى وجهة النظر دى عن باقي طرق الوصول للمعرفة الأخرى هو محاولتة لتقدير الظواهر كميا quantify وكشف الأنماط الرياضية فى سير وتدفق الأحداث الملاحظة. ومع ذلك، بالتأكيد سنري تركيز على الرياضيات كطريقة معرفية من الممكن الجمع بينها وبين التجريبية. فى الحقيقة فى اعتقادى الشخصى الأدوات الرياضية مهمة فى عملية العلم لكنها غير اساسية، وبالرغم من ان الرياضيات مثلا ذات اهمية قصوى فى تطور مثلا الفزياء، الا ان احد أهم ثمرات العلم البشري نظرية التطور لدارون Theory of Evolution اللى قدمها فى عملة الخالد عن أصل الانواع On the Origin of Species وما استخدمش اى نوع من الرياضيات فى عملية بحثه العلمية. وفى الحقيقة دارون ماكنش منفرد بالامر ده، معظم الطفرات العلمية فى مجال الأحياء فى القرن التاسع عشر تمت بدون أستخدام واسع النطاق للرياضيات. علم الاحياء الان بيشمل اجزاء رياضية كبيرة بما فى ذلك صياغة رياضية حديثة لنظرية التطور لدارون، لكن ده تطور حديث تم فى القرن العشرين، اذن يبدو ان ليست كل فروع العلم بحاجة للرياضيات لفهم العالم او على الاقل بعض أجزائه. الرؤية الأخيرة لكيفية عمل العلم حديثة، وهى الهيكل الاجتماعي Social Structure أحد أهم التطورات الاخيرة فى فلسفة العلم ركزت على استكشاف منطقة الهيكل الاجتماعي للمجتمعات العملية وتأثيرة على كيفية عملية البحث العلمي. المؤرخ الأمريكي المعاصر ستيفن شابين Steven Shapin فى عمله المهم تاريخ اجتماعي للحقيقة A Social History of Truth جادل أن التيار العام من فلاسفة التجريبية عادة ما بيعملوا فى إطار خيالى بيعتقدوا فيه أن كل شخص من الممكن يتحقق من نتائج الفرضية من خلال الملاحظة بمفردة. التجريبية بتدفعنا للارتياب فى السلطة أي صورة من السلطة والخروج للعالم للبحث عن الحقيقة بشكل مباشر. لكن بالطبع ده خيال! .. خيال بالنسبة للمعرفة بشكل عام وخصوصا العلمية منها. تقريبا كل خطوة بيخطوها العالم أي عالم، مبنية على شبكة غنية ومعقدة من التعاون والثقة داخل محراب العلم! .. لو كل باحث أصر على اختبار كل شئ بنفسة، لن يتقدم العلم خطوة واحدة بجانب الأفكار البدائية. التعاون، المراسلة، وسلسلة البناء العلمي ضرورية للعلم. لكن ان كانت الثقة والتعاون اساسية للعمل، مين من الممكن أن نثق فيه؟ من يكون مصدر مستقر للبيانات؟ .. شابين بيجادل ان لو دققنا النظر فى الثورة العلمية فى عصر النهضة الأوروبية هنلاقى ان معظمها كان بيحاول يضع طرق للتحكم، التدقيق، ضبط، وتنظيم عمل مجموعات من البشر بتقوم بالبحث عن الحقيقة. التجربة فى كل مكان. الأمر الصعب هو تحديد نوع التجارب اللى قادرة على اختبار الفرضية، وتحديد الأفراد اللى من الممكن الثقة فيهم كمصدر موثوق فيه. إذن شابين بيجادل ان نظرية تنظيم اجتماعي للعلوم social organization of science هتكون نظرية افضل لتفسير كيفية عمل العلم من اى خيالات او احلام عن نظرية تجريبية. فى عدد من النظريات فى العقود الاخيرة ظهرت لتفسير كيفية عمل العلم ركزت على التنظيم والهيكل الاجتماعي لكنها بتعمل ايضا فى إطار تجريبي، النظريات دى بتحاول تجد اتزان ما بين التعاون والتنافس الموجود فى المجتمعات العلمية! .. البعض قد يتخيل ان التنافس، والاعتراف بالجهود الفردية فى البحث تطورات اخيرة داخل المجتمعات العلمية، إلا أن القضايا دى فى الحقيقة كانت ذا اهمية كبيرة منذ بداية الثورة العلمية. المجتمعات العلمية العريقة زى الجمعية الملكية فى لندن Royal Society of London ظهرت مبكر جدا سنة 1660 بالتحديد وجزء أساسي من مهمتها كان التعامل مع قضية نسب فضل الاكتشافات العلمي بطريقة فعالة، او بصور ابسط التأكد ان الاشخاص اللى يستحقوا التكريم يحصلوا عليه، بدون تعطيل عملية انتشار الأفكار داخل المجتمع العملي بشكل مجاني. المجتمعات دى ايضا ساهمت فى تكوين مجموعات من الأفراد من الممكن ان يثقوا فى بعضهم البعض كمصدر للبيانات والمعلومات. الثلاث رؤى السابقة من الممكن النظر إليها كمداخل لفهم كيفية عمل العلم، البعض قد يعتقد انها رؤى متصارعة لكن فى الحقيقة التصور الأقرب للواقع هو انها رؤى متكاملة خصوصا الرؤية التجريبية ورؤية الهيكل الاجتماعي. هنرجع نناقش الرؤية التجريبية والهيكل الاجتماعي للمجتمعات العلمية بالتفصيل.
الملاحظة المحملة بالنظرية Theory-Laden of Observation
الاعتقاد الشائع ان العديد من الكثير النظريات العلمية مبررة بشكل موضوعي مجرد وبيعطونا صورة حقيقية عن العالم. وعلى النقيض الادعائات الفلسفية والدينية مهما كانت قابلة للصواب فى كثير من الاحيان بتتعرض للشك والريبة. هذا الاعتقاد جذورة فى فكرة ان الملاحظة بتعطينا اتصال مباشر مع الواقع. تحت الرؤية دى العلم يعطي طريقة مثالية للحصول على المعرفة اللى لابد وان تكون الاجابة المثالية لسؤال فلسفة المعرفة Epistemology الابدي “كيف نحصل على المعرفة How can we get knowledge” هو باستخدام طرق العلم كلما أمكن! .. لكن فى وجهة نظر مختلفة جذريا وهى ان جميع الملاحظات تتخلها انطبعات شخصية عميقة لذا فهي لاتوفر إمكانية مباشرة للوصول لحقيقة العالم، الرأى المعروف بأن الملاحظة دائما محملة بالنظرية all observation is theory-laden لو كانت الملاحظة فعلا محملة بالنظرية، لن نكون قادرين على معرفة إذا ما كانت تصوراتنا تلتقط بدقة صورة العالم الحقيقية. علشان نقدر نتعامل مع مشكلة ان كانت النظريات العلمية من الممكن تبرريها موضوعيا لابد من التعرض لثلاث اعتراضات رئيسية عادة ما بتطرح لدعم فكرة ان الملاحظة محملة بالنظرية (الاعتراض الاول) هو ان هناك تأثير للنظرية على التجربة! .. او ان كل التجارب محملة بالنظريات. الادعاء ده عادة ما بيدافع عنة بان تجاربنا بتتغير احيانا بشكل كبير، حتى مع ثبات المحفز البصرى! .. والادعاء بيذهب الى ان التغيير بيعتمد على تفسير المحفز نظريا. في تجربة خداع بصري مشهورة جدا فى علم النفس والفلسفة معروفة بتجربة البطة-الارنب duck-rabbit فيها صورة مرسومة لرأس كائن مزيج من رأس أرنب وبطة، بالرغم من ان الرسم يبقي ثابت الا انك لو نظرت الية في بعض الوقت يبدو لك كأرنب وفى اوقات اخرى سيبدو كبطة! وكثير من الناس بيجدوا انهم قادرين على جعل الصورة ايا من الكائنين. الفكرة دي يبدو انها بتعطي انطباع ان افكارنا عن ما نريد ان نراه او ما نتوقع ان نراة قادرة على تغيير كيف تبدو الأشياء فى الواقع. يعني الناس اللى عاوزة تشوف او متوقعة تشوف بطة هتشوف بطة والعكس صحيح. حجة اخرى على الادعاء ده هو ان احيانا الصورة اللى بيظهر عليها الشئ لاتعكس حقيقة طبيعتة، مثال عادة ما بيضرب على الفكرة دى هو خداع مولر – لاير Miiller-Lyer illusion نسبة إلى مكتشفه عالم النفس الألماني فرانز كارل مولر-لاير عام 1889. فيه مقارنة بين سهمين مختلفا التوجيه، حيث يبدو السهم ذو الرؤوس المتنافرة أطول بكثير من السهم ذو الرؤوس المتقابلة مع أن قياس الطولين واحد، كما يمكن التأكد من ذلك بالقياس المباشر. الناس عادة ما بتصمم ان الخطين مختلفي الطول، لكن لو قسناهم بمسطرة هنجد انهم متساوين فى الطول. انطباعنا من خلال التجربة عن الاسهم ذات الرؤس بزواية معينة تبدو بعيدة عن بعضها البعض عما هما علية فى الواقع، بعض الباحثين اشاروا ان بعض الجماعات الافريقية بتعانيش من اشكالية وهم مولر-لاير وجادلوا ان الجماعات دى فى الغالب لديها خلفية مختلفة بتحصنها ضد هذا الخداع. بعض الفلاسفة جادلوا ان خداع او وهم بصرى من امثال تجارب البطة-الارنب و وهم مولر-لاير بيظهر ان تأثير النظرية له تأثير قوى على الملاحظة العلمية. فيلسوف العلم الامريكي نورود هانسن Norwood Russell Hanson فى عملة المهم “أنماط الاكتشاف: التحقيق فى الأسس النظرية للعلم Patterns of Discovery: An Inquiry Into the Conceptual Foundations of Science” اللى نشرة سنة 1958 جادل ان كوبرنيكس Copernicus وبطليموس Ptolemy تجاربهم لرؤية شروق الشمس كانت مختلفة تماما! .. لان كوربرنيكس اعتقد ان الافق بيسقط، اصحبت تجربتة ان الافق بيسقط، ولان بطليموس اعتقد ان الشمس بتصعد، تجربتة اكدت فكرة صعود الشمس! لو الاراء الفلسفية دى صحيحة هيكون من المستحيل التأكد من صحة اى نظريات بشكل موضوعي مجرد! لان هيكون من المستحيل الاعتماد على اى ملاحظة لم يتم تلويثها او تحميلها بنظريات شخصية للفرد الملاحظ! .. من الجائز ان كوبرنيكس وبطليموس اعتقدوا ان نظرياتهم مبررة بالحقيقة اللى كان عليها العالم وقت ملاحظتهم، لكن فى الواقع الصورة اللى لاحظوا بيها العالم كانت محملة بافكارهم ونظرياتهم عن ما سيلاحظوة فى العالم. وبالتالى هيكون من المستحيل تحديد ان كانت ملاحظتهم فعلا نتاج الحقيقة الكائنة فى الواقع ام انطباع لنظريات شخصية فى عقولهم! الاشكالية فى الادعاء ده ان هناك حدود لإلستيكية التجربة البصرية وبتالى فى عدد كبير من النظريات من الممكن اختبار موضوعيتها من خلال التجربة. على سبيل المثال الفيلسوف الامريكي هارلود براون Harold I. Brown فى كتابة “التصور: النظرية والالتزام Perception, Theory and Commitment” اللى نشرة سنة 1977 طرح تجربة من الممكن فيها اننا نرسم شكل بطة-أرنب يعطي ايحاء للكائنين، لكن بتجربة بسيطة من الممكن انك تقوم بيها بنفسك تقدر تثبت ان من المستحيل انك تجعل الصورة تبدو لكائن اخر انت متوقع انك تشوفة. على سبيل المثال حاول انك تحاول تشوف صورة ثعبان مثلا فى الصورة! .. او صورة الاهرام، او برج أيفيل! .. ده حتى هيكون من الصعب جدا رؤية صورة بطة حقيقية فى الصورة بدلا من رسم. اذن يبدو ان رسم البطة-الارنب يمكن رؤية ثعبان فيها قابلة للنفي من خلال التجربة. مهما حاولنا اننا نجعل الرسم يبدو ككائن اخر مش فية هنفشل! .. الاشكالية الثانية لفكرة ان التجربة محملة بالنظرية ان من الممكن فقط ان ندعي ان المحفز البصري من الممكن ادراكة باكثر من صورة اما فى حالة ادراكة بصورة ثنائية الابعاد two-dimensional زى مثلا حالة رسم على ورقة كتمثيل لشئ اخر أو تحت ظروف ادراكية سيئة زى مثلا رؤية شئ ما فى الظلام، او بسرعة خاطفة وفى الحالة دى فقر التجربةلن يكون نتيجة ان التجربة محملة بالنظرية لكن بسبب سوء الظروف. يعني لو اختبرنا نفس الشئ مثلا فى ظروف افضل، تحت ضوء شديد، من جميع الجوانب، تجربتنا لن تكون فقيرة وهنكون قادرين على استخدام هذة التجربة فى انتاج نتائج محايدة موضوعية. مش معنى كدة ان الشكل الظاهري للشئ لن يكون خادع ابدا تحت الظروف الطبيعية ( مثلا كلنا شوفنا ملعقة سليمة فى كوب ماء تبدو وكأنها معوجة بالرغم من رؤيتها فى وضح النهار من جميع الجوانب)! لكن اللى المقصود هنا ان معتقدتنا لا تحدد بناء على الطريقة اللى بتظهر بيها الاشياء وبالتالي هنتجنب مصدر واحد على الاقل للخطأ. بالرغم من ان الاعتراض الثاني ده من السهل الاعتماد علية فى الجدال فى المواقف الحياتية اليومية الا ان فى التجارب العلمية فى كثير من الاحيان الظروف اللى بنقوم فيها باجراء التجربة او الملاحظة بتكون غير قياسية على الاطلاق، مثلا لما بندرس الكواكب او الكائنات الدقيقة بنستخدم التلسكوب telescopes و الميكروسكوب microscopes اللى لا تعطينا صورة ثلاثية الابعاد واضحة ومحددة كرؤيتنا الكائنات الاخرى بالعين المجردة مثلا. فى الحالة دى لابد واننا نتعلم ازاى نجعل الصور دى واضحة ومحددة، من الممكن ان البعض يجادل ان عملية التدريب لجعل الصور واضحة محملة بنظرية الفرد وبالتالى كنتيجة من الممكن ان نجعل الصور تحتوى على معلومات غير موجودة فى الواقع! هذا قد يفسر مثلا لماذا جاليلو على الرغم من انه ملاحظ محترف للكواكب الا انه رسم قمرين كبيرين بدلا من دوائر حول كوكب عطارد عند ملاحظتة له! وبالتالي احد المتشككين فى قدرة العلم وطريقة عملة هيشوف ان هناك مشكلة خطيرة فى المحاولة بشكل موضوعي لأختبار النظريات حول الاشياء البعيدة او الدقيقة من خلال التجربة، لان ملاحظتنا شابتها أفكار مسبقة لدينا عن تلك الكائنات! .. لكن فى الحقيقة مش من الواضح ان عملية التدريب لتوضيح الملاحظة المكتسبة خلال الادوات محملة بنظريات الملاحظ، فى غياب ادلة اخرى، من الجائز ان التغيرات حدثت فقط من خلال اليات العين او المخ اللى بتتكيف مع مرور الوقت! .. يعنى مثلا فكر فى وقت كنت فية فى مكان مظلم جدا وخرجت فجأة لمكان مضئ، فى البداية عادة بيكون من الصعب جدا على اى الية عمل بصرية، مخية بشرية ان تستوعب الكائنات فى الواقع المحيط بوضوح، اى انك بتكون غير قادر على رؤية الاشياء المحيطة بوضوح لكن تدريجيا بتبدأ فى رؤية الواقع المحيط بوضوح، ولا يوجود هناك ادعاء ان ملاحظتك محملة بنظريات ما تريد ان تراة مسبقا! .. ثانيا حتي عندما يبدو ان النظرية بتلعب دور معين فى التجربة، مثلا عندما يتغير الفلتر البصرى ليشمل خلية دم بيضاء فى الجزء العلوي من الشريحة بعد ان يُطلب البحث عنها، ليس من الواضح ان كانت النظرية لها اى تأثير اكثر من دور توجيهي لأنتباهنا لمنطقة معينة مثلا فى البحث، الامر اللى كنا هنقوم بيه على اى حال مع المزيد من الوقت او تسليط ضوء ساطع على البقعة دى بدون توجيهة نظريتنا! .. ثالثا الامثلة اللى فيها بنري اشياء غير موجودة فى الواقع نتيجة ان الملاحظ توقع وجودها، قد يتضح انها تعويض لعدم وضوح الملاحظة من خلال الوصف لكن ليس من خلال تغير المعتقد، من الجائز جدا ان جاليليو استخدم تيلسكوب عدساتة غير مركزة بشكل جيد فانتج قدر كبير من الانحراف اللوني فى الصور، فاصبح جاليلو غير قادر على فهم صور حلقات كوكب عطارد فخمن انها اقمار، لكنه لم يكن محمل بنظرية مسبقة ان عطارد يدور فى فلكة قمرين! ..الاعتراض الاخر هو ان يبدو انه لايوجد سبب كافي للأعتقاد فى ان التجربة والملاحظة الدقيقة محملة بنظريات الملاحظ، العلماء قادرين فقط على اختبار النظريات عن الكائنات الدقيقة او البعيدة من خلال الصور الواضحة والمستقرة المنتجة من خلال ادوات الملاحظة زى التليسكوب مثلا، اى ان افضل تفسير متاح للتغيرات الطارئة على تفسيرنا للمحفز البصري لا علاقة لها بان الملاحظة محملة بنظريات ومعتقدات الملاحظ. عالم الادراك والفيلسوف الأمريكي المعاصر جيري فودور Jerry Fodor فى مقال بعنوان “إعادة النظر فى الملاحظة Observation reconsidered” نشرة سنة 1984 جادل ان عندما نتعرض لتجربة شئ ما من خلال تجربة تم التأثير عليها بالعلميات العقلية metal processes الادلة بتظهر ان هذا التأثير لا يعتمد على معتقدات الفرد. ومن هنا فكرة ان التجربة او الملاحظة محملة بالنظرية theory-Iadenness فكرة غير صحيحة! .. وركز على خداع مولر-لاير Miller-Lyer illusion وقال بغض النظر ان كنا فعلا بنعتقد ان الخطين متساويين أم غير متساويين فى الطول عند النظر للرسم، الخطين بيظلا غير متساوين فى الطول، يعنى حتى بعد ما قولت لك ان الخطين متساوين فى الطول، وقستهم، هتظل تري الخطين غير متساوين فى الطول بالرغم من ان اعتقادك مختلف، اذن يبدو ان الاعتقاد المكون عند الفرد غير مسؤول عن رؤيتة الخطين غير متساوين فى الطول! .. فودور فسر الخدعة من خلال استخدام نظريتة الوحدات للعقل modularity theory of mind اللى ادعي انها مناسبة لتفسير الادلة التجريبية افضل من تفسير ان التجربة محملة بالملاحظة! .. طبقا لنظريتة العقل مكون من مجموعة منفصلة من الوحدات Modules المسؤولة عن معالجة المعلومات، الوحدات دى لايمكن ان تتأثر ببعضها البعض فى وظائفها الاساسية ( اللى بيتم تحدديها اما كليا بالفطرة Innately او جزئيا بواسطة تدريب بيئي). بصورة اخرى فودور بيجادل ان الوحدات دى منغلقة، ومن الممكن تبادل المعلومات ما بينها من خلال وحدة معالجة معلومات مركزية central processing unit لها معتقدات لغوية linguistic beliefs ويمكنها اصدار احكام مسبقة حول هذة المعلومات، لكن نوع التقارير التى تعطيها الوحدات غير متأثرة بتلك المعتقدات. هوضحلك الفكرة اكثر من خلال مثال تخيلي، مثلا احد الوحدات فى المخ قد تكون وحدة الرؤية المركزية طبقا لفودور الوحدة دى اما انها مكونة كليا عند النشأ او جزئيا من خلال عملية تعلم وتدريب داخل بيئة ما (مثلا عند الطفل فى المراحل الاولي لنموة)، الوحدة دى من الممكن توجيها من خلال الوحدة المركزية فى المخ لأعطاء معلومات معينة عن مايحدث فى منطقة مكانية ما، تقرير الرؤية اللى بتعطية الوحدة غير متأثر بالمعتقدات الموجودة فى وحدة التحكم المركزية، على سبيل المثال الناس اللى نشأوا فى بيئة فيها المباني والتكوينات مليئة بزوايا قائمة 90 درجة غالبا ما هيعانوا من خداع مولر-لاير، اما الافراد اللى نشأوا فى بيئة فيها المباني و التكوينات دائرية مثلا كثير من الجماعات الافريقية اللى بتعيش فى الاكواخ لن تكون عرضة لخداع مولر-لاير، ومن الجائز جدا اننا لو وضعنا أفراد نشأوا فى تلك الجماعات الأفريقية فى مكان فيه مباني ذات زوايا قائمة 90 درجة لفترة من الوقت معتقداتهم فى الوحدة المركزية تتغير مع الوقت. الفكرة ان التغيرات الطارئة بتحدث فى الوحدة المركزية وليس فى الوحدات الفرعية المنعزلة. وفودور اعتقد ان التفسير الافضل لفكرة أن الوحدات مستقلة ومنعزلة فى قراراتها وغير متأثرة بالوحدة المركزية هو أنها تطورت لتساعد نجاة الكائنات، الوحدات دى سريعة فى الاستجابة للتغير السريع فى البيئة المحيطة وقادرة على إعطاء تقرير عن الواقع المحيط بدون اى تدخل من الوحدة المركزية اللى بتتشكل فيها المعتقدات واللغة التي عادة ما بتكون عرضة لكل أشكال النسبية والنظرية اللى قد لاينطبق على الواقع وبالتالي قد يؤثر على نجاة الكائن فى الواقع نتيجة فشله فى الحصول على صورة حقيقية عن الواقع غير متأثرة بمعتقداته. أفكار فوردور بتشغل منطقة وسط ما بين بساطة الافكار التجريبية empiricism اللى بتشوف ان الادراك هو تلقي غير ذكي للمعلومات والرؤية اللى بتشوف ان وحدات المعالجة الذكية المتطورة بتقوم بتحويل ومعالجة المؤثرات البصرية. ووحدة معالجة الابصار لدينا ذكية لانها بتعالج المعلومات البصرية، وبالتالى معني هذا ان الرؤية لدينا من الممكن عرضها فى عدة صور، الا ان وحدات المعالجة لا تستخدم النظريات فى وحدة المعالجة المركزية لتحديد كيفية عرض المعلومات. ازاى ده هينطبق على خداع البطة-الارنب التفسير المبدئي ان معتقداتنا هتأثر على كيفية رؤية الصورة، لكن فودور هيجادل ان التفسير الافضل هو ان التغير فى رؤيتنا للصورة ناتج عن تغير نقطة تركيز الرؤية فى الصورة، بالتركيز على نقطة معينة فى الصورة نراها كبطة وعلى نقطة أخرى قد نراها كصورة أرنب، حجة فودور هنا بتعتمد على بشكل غير مباشر على الادلة النفسية الاخيرة ان قدرتنا على تغيير الأوهام، على الاقل تفشل عندما نكون غير قادرين على تغيير نقطة التركيز. تفاصيل فودور مثيرة للجدل لان الافراد من الممكن ان تقلل من كثافة الاوهام! لكن فودور فقط محتاج يثبت ان الاليات اللى اقترحها كافية لتفسير ان التجربة والملاحظة غير محملة بالنظرية، النظريات وجهات نظر عامة الى حد ما عن العالم، او اقترحات مسبقة لهذة الاراء لم يتم التعبير عنها ولكنها موجودة بشكل واضح، على سبيل المثال فى حالة كوبرنيكوس فودور بيقدم ادعائين الاول ان لايوجد دليل على ان نظريتة اثرت على التجربة، وثانيا ان الملاحظة للتجارب البشرية بتتوافق مع اقتراحة لو ركزت على الافق والقمر فى حالة صعود، القمر هيبدو وكأنة بيتحرك والارض ثابتة، بالرغم من اننا عارفين ان الارض تتحرك بسرعة كبيرة والقمر ثابت. فودور بيضع جدل قوي على فكرة ان تجربة الفرد اليومية للعالم بتنتج شئ من الممكن ان نطلق علية عملية رصد أساسي جزئية للتجربة الإدراكية Basic Observational Fragment of sense perception أساسية فى انها بتقدم ارضية مشتركة للمفكرين لاختبار نظريتهم، لكنها مستقلة عن معتقدات الفرد المحددة، ومستقرة من حيث ان كل الملاحظين الطبيعين للظاهرة سيعطوا تقارير مشابهة عن ملاحظتهم! .. الفيلسوف الكندي المعاصر بول تشيرشلاند Paul Churchland فى ورقة بحثية بعنوان “المرونة الادراكية والحيادية النظرية
Perceptual plasticity and theoretical neutrality” نشرها سنة 1988 قدم مجموعة اعتراضات على طرح فودور، وجادل ان الجانب الاحساسي لتجاربنا مجرد اكتشاف للمؤثرات السببية القريبة causal proximal stimul، لكن محتوى التجربة بالكامل بيتم انتاجة عن طريق شبكة المعتقدات العقلية! .. ببساطة دى صورة اقوى فى الطرح لفكرة ان التجربة محملة بالنظرية all observation is theory-laden أهم اعترضاتة كانت النظريات مابتأثرش بشكل مباشر على الادراك لكنها بتأثر عبر الزمن، اللى من الممك انه يأثر على التجربة بشكل كبير، الاشكالية فى الاعتراض ده ان تشيرشلاند ماقدمش ادلة على ان النظريات هيكون لها تأثير على تجاربنا وملاحظتنا عبر الزمن او مع مرور الوقت، فى حين ان فودور قدم دليل على ان النظريات ليس لها تأثير مباشر على التجارب، ده بالاضافة لان ادعتراضة ضد فكرة المرونة بشكل عام فى الادرك حتى فى الحالات اللى من الممكن استقبال الشئ فيها بصورتين مختلفتين، مثلا رسم البطة-الارنب مهما بلغت مرونة الادراك من غير الممكن اننا نشوف فيه الاهرامات مثلا. لو قبلنا طرح تشيرشلاند معناة ان ال الملاحظ لتجربة ما قادر على تغير نتائج التجربة طبقا لنظرتة ومعتقداتة مع مرور وقت كافى، التجارب بتقدم محفزات فقط ، لكن محتوى التجربة بالكامل محدد بالنظرية المسبقة عند الفرد! .. الاعتراض الثاني لتشيرشلاند أكثر معقولية، اللى جادل فية إن فودور عاوز يستخدم البيانات الناتجة عن التجربة لأختبار النظريات بطريقة محايدة موضوعية، لكن الاشكالية ان البيانات المقدمة عن طريق التجربة حسب طرح فودور غير متأثرة بالتجربةـ لكن لايوجد سبب كافي للأعتقاد فى ان البيانات دى بتعطي صورة حقيقية عن العالم. على سبيل المثال الشمس بتتحرك فى علاقة مع الارض لكن نظرية كوبرنيكوس بتقول ان العكس صحيح! .. ببساطة اعتراض تشيرشلاند هو ان التجربة والملاحظة قد تعطينا بيانات خاطئة فى بعض الحالات، الاشكالية الاولى فى الاعتراض ده هو ان مش معنى ان فى بعض الحالات التجربة قد تقودنا فى الاتجاة الخاطئ ان دى مش هتكون الحالة فى كل الحالات، الاعتراض من غير الممكن وضعة فى جدلية استقرائية inductive زى ما فى عدد صغير من الحالات فيها التجربة بتعطي بيانات خاطئة، فى عدد كبير من الحالات اللى التجربة بتعطي فيها بيانات صحيحة! .. اذن اصبح عندنا سبب قوى للأعتقاد فى ان تجاربنا غير محملة بالنظريات بناء على طرح فودور، ده بالاضافة لان الامثلة اللى فيها التجربة كانت محملة بالنظرية كانت امثلة محددة اذن من غير الممكن استخدام هذة الأمثلة لتعميمها على كل التجارب. لكن علشان نكون موضوعين فى طرحنا من الممكن جدا ان ادلة عملية وتجريبية تكتشف فى المستقبل عن طريق علماء النفس، تقدم حجة قوية على أن التجربة محملة بالنظرية، ده لان الدليل اللى قدمه فودور بيعتمد فى الأساس على أدلة تجريبية empirical وبتالى قابل للنفي في حال ظهور أدلة تجريبية جديدة تنفيه كاى نظرية علمية!
العلم الزائف Pseudo-Science
أحد أهم رموز فلسفة العلم فى القرن العشرين الفيلسوف النمساوى الانجليزي كارل بوبر Karl Popper جادل ان الخاصية الاساسية والجوهرية فى النظرية العلمية هي قابليتها للنفي falsifiable اننا نقول ان نظرية ما قابلة للنفي مش أننا نقول انها خاطئة او منفية، لكن ان النظرية بتحدد مجموعة من التوقعات من الممكن اختبارها بالتجربة. لو هذه التوقعات ثبت انها خاطئة، اذن النظرية تم نفيها. اذن قابلية النظرية للنفي قد تكون خاطئة اى ان من غير الممكن اختبارها بالتجربة. بوبر أعتقد ان بعض النظريات المفترض انها علمية لم ينطبق عليها هذا الشرط وبالتالى لم تستحق ان يطلق عليها علم بالمرة، ومن هنا أطلق عليها علم مزيف pseudo-science. نظرية فرويد للتحليل النفسي psychoanalytic كانت احد امثلة بوبر المفضلة علي العلم المزيف، طبقا لبوبر نظرية فرويد من الممكن توفيقها مع اى نتائج تجريبية empirical findings ايا كانت تصرفات او سلوكيات المريض، أنصار نظرية فرويد هيلاقوا تفسير لها طبقا للنظرية،ولن يعترفوا ابدا ان النظرية خاطئة. بوبر وضح الفكرة دى بالمثال الاتي. تخيل ان رجل دفع طفل فى النهر بهدف قتلة مع عمد الاصرار والترصد، ورجل أخر ضحي بحياتة من اجل انقاذ الطفل. نظرية فرويد قادرة على تفسير سلوك الفردين بسهولة! الاول تصرف تحت ظروف القهر والثاني حقق اسمي حالات التضحية البشرية! بوبر جادل ان باستخدام افكار زى القمع repression، التسامي sublimation ورغبات اللاوعي unconscious desires نظرية فرويد من الممكن لها ان تتوافق مع اى بيانات معملية ايا كانت وبالتالي تصبح النظرية غير قابلة للنفي. نفس الفكرة بوبر أعتقد انها تنطبق على نظرية كارل ماركس للتاريخ، ماركس أدعي ان في المجتمعات الصناعية حول العالم، الرأسمالية ستنهار امام القدرات الادراكية الاجتماعية وتنتصر الاشتراكية فى نهاية المطاف. لكن عندما لم يحدث هذا، بدلا من الاعتراف بان نظرية ماركس كانت خاطئة، انصار ماركس بيخترعوا تفسيرات اضافية لتبرير ان ماحدث كان متسق بشكل كبير مع النظرية. على سبيل المثال، من الممكن انهم يقولوا ان التقدم الذى لا مفر منه نحو الاشتراكية تأخر مؤقتا بسبب ظهور دولة الرفاهية the welfare state اللى خففت واضعفت من البروليتريا proletariat وأضعفت من حماسها الثوري.وبالطريقة دى نظرية ماركس من الممكن ان تتوافق مع اى مسار محتمل للأحداث، بالظبط زى نظرية فرويد، وبالتالي هاتين النظريتين ليستا علميتين وفقا لمعايير بوبر. لكن بوبر ما توفقش عن النقد للنظريتين وقارنهم بنظرية أينشتاين النسبية العامة.
على العكس من نظرية فرويد وماركس اينشتاين وضع تنبوء واضح جدا أن اشاعة الضوء من النجوم البعيدة سوف تنجرف بفعل مجال الجاذبية gravitational field للشمس، عادة ما هيكون من المستحيل ملاحظة هذا التأثير باستثناء أثناء كسوف الشمس، في عام 1919 الفزيائي والفلكي الانجليزي سير آرثر إيدنجتون Sir Arthur Eddington نظم بعثتين لمشاهدة كسوف الشمس فى تلك السنة، أحدهما للبرازيل، والاخرى إلي جزيرة برينسيب قبالة ساحل المحيط الاطلسي فى أفريقيا، بهدف اختبار توقعات آينشتاين. ووجدت هذة البعثات أن ضوء النجوم قد انحرف بالفعل عن الشمس، من خلال الكمية التي توقعها أينشتاين. بوبر كان معجب جدا بهذة القصة، نظرية أينشتاين وضعت تنبؤا واضح ودقيق أكدتة الملاحظة. لو أتضح ان ضوء النجم لا ينحرف عن الشمس، لكان هذا قد أظهر ان أينشتاين كان على خطأ ، وبتالي نظرية أينشتاين انطبق عليها معيار قابلية النفي! .. محاولة بوبر لترسيم حدود demarcate العلم من العلم الزائف بشكل بديهي تبدو قابلة للتحقيق. بكل تأكيد هناك شئ مريب حول نظرية يمكن إجراؤها لتناسب أى بيانات تجريبية على الإطلاق. لكن بعض الفلاسفة أعتبروا معيار بوبر شديد البساطة والسطحية! بوبر انتقد فرويد وماركس لوضعهم نظريات قابلة لتفسير اى بيانات حتى وان تعارضت مع نظرياتهم، بدلا من القبول ان النظريات خاطئة، بكل تأكيد هذا أمر مثير للريبة. ومع ذلك، هناك بعض الادلة على ان هذا الاجراء بالذات يستخدم بشكل روتيني من قبل العلماء وادى الى اكتشافات علمية مهمة! .. على سبيل المثال نظرية الجاذبية لنيوتن وضعت تنبؤات حول المسارات التى يجب ان تتبعها الكواكب عندما تدور حول الشمس، في غالب الامر هذة التنبؤات أكدتها الملاحظة، لكن مع ذلك مدار كوكب أورانوس Uranus بشكل ثابت أختلف عن تنبؤات نظرية نيوتن. اللغز ده تم حلة عام 1846 من قبل اثنين من العلماء آدمز Adams فى أنجلترا و ليفيرير Leverrier فى فرنسا عملا بشكل مستقل! واقترحوا ان هناك كوكب اخر لم يتم أكتشفة بعد يمارس قوة جاذبية إضافية على أورانوس. آدمز وليفيرير أستطاعا حساب كتلة وموقع هذا الكوكب، لو كانت مسؤول بالفعل عن سلوك أورانوس الغريب. بعد ذلك بوقت قصير تم اكتشاف كوكب نيبتون Neptune بالظبط تقريبا حيث تنبأ آدمز وليفيرير. لو اتبعنا أسلوب بوبر لابد وان نعتبر سلوك هذين العالمين ونعتبرة غير علمي! بالرغم من اكتشافهم لكوكب جديد، بدأوا بنظرية نيوتن للجاذبية التى تنبأت بشكل غير صحيح بمدار أورانوس، وبدلا من الاستنتاج بان النظرية خاطئة تمسكوا بالنظرية وحاولوا تفسير الملاحظات المتضاربة باعلان وجود كوكب جديد، بالمثل عندما لم تظهر الرأسمالية اى علامات على افساح الطريق امام الشيوعية، لم يستنتج الماركسيون ان نظرية ماركس يجب ان تكون خاطئة لكنهم تمسكوا بالنظرية وحاولوا تفسير الملاحظات المتضاربة بطرق أخرى، وبالتالى من الظلم اذن اتهام الماركسيين بالانخراط فى العلم الزائف إذا أعتبرنا ماقدمة آدمز و ليفيرير علم جيد! .. الامر اللى بيشر الا ان محاولة بوبر لترسيم حدود العلم مع العلم الزائف لايمكن ان تكون صحيحة تماما، بالرغم من معقوليتها المبدأية، بشكل عام العلماء لايتخلوا عن نظرياتهم عندما تتعارض مع البيانات المبدأية النتاجة عن الملاحظة او التجربة وعادة ما بيبحثوا عن طرق لإزالة التناقض دون التخلي تماما عن نظرياتهم. هننرجع نناقش نظرية كارل بوبر وترسيم حدود العلم بالتفصيل فى حلقات قادمة من السلسلة. ومن المهم الاشارة هنا الا ان تقريبا كل النظريات العلمية بلا استنثناء تتعارض مع بعض الملاحظات، فالتوصل لنظرية تتناسب مع جميع البيانات المتاحة بشكل متكامل أمر صعب للغاية. لكن بالطبع لو كانت النظرية تتعارض باستمرار مع المزيد والمزيد من البيانات ولم يتم العثور على طرق معقولة لتفسير الصراع، فيجب رفض النظرية فى النهاية. لكن لن يتحقق تقدم يذكر فى العلم إذا تخلى العلماء ببساطة عن نظرياتهم عند أول علامة على وجود مشكلة. لكن فشل معيار ترسيم حدود العلم لبوبر يطرح سؤال مهم، هل من الممكن العثور على خواص مشتركة بين جميع الاشياء التى نطلق عليها اسم العلم ؟ ولا يشاركها فى هذة الخواص اى شئ اخر؟ .. بوبر أفترض ان الاجابة نعم على هذا التساؤل وشعر ان نظريتا فرويد وماركس كانتا غير علميتين بشكل واضح، وبالتالي ي هناك بعض المميزات التى تفتقر اليها والنظريات العلمية الحقيقية تمتلكها. لكن سواء قبلنا او رفضنا تقييم بوبر السلبي لفرويد وماركس فإن افتراضة ان العلم له طبيعة أساسية essential nature أمر مشكوك فية، في نهاية المطاف العلم نشاط غير متجانس يشمل مجموعة واسعة من التخصصات والنظريات المختلفة.
العلاقة بين العلم والفلسفة The Relationship between Science and Philosophy
العلم بمفهومه الحديث عادة ما بيتم رصد جذوره فى الحضارة الإغريقية، البعض بيرجع بجذوره لأبعد من كدة فى الحضارات المصرية القديمة وغيرها من الحضارات البشرية الاولى (الا ان الجدال ده خارج إطار بحثنا الحالي) .. على أى حال تاريخ العلم بداية فى الحضارة الاغريقية هو تاريخ فروع متعاقية من الفلسفة أستقلت عنها تباعا واصبحت فروع بحثية مستقلة، مع بداية القرن الثالث قبل الميلاد أعمال إقليديس Euclid صنعت من الهندسة geometry علم المكان science of space مستقل عن الفلسفة لكن مازال الفلاسفة قاموا بتدريسة فى اكاديمية أفلاطون! جاليلو، كيبلر، ونيوتن فى القرن السابع عشر صنعوا ثورة فى دراسة الطبيعية جعلت منها مجال مستقل عن فلسفة ماوراء الطبيعية Metaphysics و أصبح علم الفزياء، حتى اليوم بعض اقسام الفزياء فى جامعات عريقة مازال بيطلق عليها “الفلسفة الطبيعية Natural Philosophy”. سنة 1859 العمل الخالد اصل الانواع The Origin of Species فصل الاحياء عن الفلسفة واللاهوت، وفي القرن العشرين، علم النفس أستقل ايضا عن الفلسفة كمجال علمي مستقل! وفي الخمسين سنة الفائتة دراسة الفلسفة للاف السنين أثمر عن ظهور علوم الكمبيوتر Computer Science. لكن كل واحد من المجالات دى اللى استقل عن الفلسفة ترك لها مجموعة من المشاكل الصعبة، مشاكل الفروع دى لاتستطيع حلها لكن لابد من ايجاد حل لها بشكل دائم او على الاقل مؤقتة . مثلا الرياضيات استقلت عن الفلسفة وركزت على التعامل مع الارقام وعلاقتها ببعضها البعض، لكنها غير قادرة على الاجابة على سؤال ماهي الارقام؟ .. يعني اية الرقم 2؟ .. مش مقصود طبعا يعني ايه اتنين بالعربي، او Two بالانجليزي او غيرها من اللغات، كل الكلمات او الرموز دى بتشير للرقم 2، السؤال مقصود بيه ايه هى طبيعة كائن الرقم اتنين (أرجع لحلقة وإشكالية الكائنات المجردة من سلسلة ماوراء الطبيعة) .. الفلاسفة طرحوا اجابات عديدة على التساؤل ده بداية من طرح أفلاطون ان الارقام كائنات مجردة، واختلف بعض الفلاسفة مع أفلاطون وجادلوا ان الحقائق الرياضية ليست كائنات مجردة لكن بيتم تحقيقها عن طريق الكائنات المادية فى الطبيعة، وبيعكسوا الواقع بصورة رمزية فى التعبيرات الرياضية! .. لكن بعد مرور 2500 سنة على أفلاطون لاتوجد اجابة واحدة عامة مقبولة عن ماهية الارقام. مثال اخر قانون نيوتن الثاني Newton’s second law بيقول ان القوة تساوي الكتلة مضروبة في العجلة F=ma والعجلة هى مشتق السرعة الاول بالنسبة للوقت dv/dt .. السؤال الصعب ايه هو الوقت؟ .. مبدأ يبدو بيدهي وسهل فهمة، واساسي لاي دراسة فى علم الفيزياء. لكن كلا من الناس العادية والفيزيائيين، غير قادرين على تعريف الوقت بشكل محدد .. سامعك .. الوقت فعلا هو الساعات، الدقائق، والثواني .. لكن تعريف الوقت بوحدات قياسة ليس نفس الشئ كتعريف ماهية الوقت نفسة! .. وحدات القياس مجرد مقاييس بتعبر عن كمية ما، من الممكن اننا نعبر عن مدة شهر بالاسابيع مثلا (اربع اسابيع) او الايام (30 يوم) الخ .. كلها مجرد تسميات لقياس نفس الشئ، الشئ ده اللى بنسيمة الوقت، وله كميات مختلفة من الممكن قياسها، ياتري ايه تعريفة؟! .. من الممكن اننا نقول ان الوقت هو مدة زمنية duration؟ .. لكن المدة الزمنية هى مجرد مرور الوقت .. تعريفها بيفترض الوقت اللى هو الشئ اللى بنحاول نعرفه من خلالها. تعريف الوقت مشكلة تركها العلم للفلسفة لمدة 300 سنة! ومع طرح نظرية النسبية العامة والخاصة الفيزيائيين بدأوا بشاركوا فى محاولة الاجابة على السؤال! تأملات الفيزيائي ألبرت آينشتاين حول الوقت قادت لنتيجة ان الفترات الزمنية بتختلف حسب الأطر المرجعية او النقط اللى بنقيسها منها! واللى يرجع الفضل الكبير فيها للفيلسوف الالماني جوتفريد لايبنتز Gottfried Wilhelm Leibniz اللى نقد مفهوم نيوتن للمكان والزمان كحاويتين مستقلتين فيها الأشياء والكائنات بتوجد مستقلة! .. الامر لم يختلف كثيرا فى علم الاحياء، بعد دارون علم الاحياء التطوري evolutionary biology اخذ من الفلسفة إشكالية تحديد طبيعة البشر والهدف والمغزى من الحياة. بعض علماء الاحياء والفلاسفة بيجادلوا ان دارون اظهر ان البشر مختلفة فى طبيعتها بشكل طفيف فقط عن الحيوانات، ونظرية الانتقاء الطبيعي بتظهر ان لايوجد شئ اسمة طبيعة مميزة للبشر او هدف وغاية من الحياة. وبيجادلوا اعظم ما حققة دارون هو اظهار ان لا يوجد شئ اسمة الغاية، الهدف، او المعني من الكون والحياة وان دي كلها مجرد صبغات بنعطيها للحياة حتي نستطيع التكييف. ولهذا السبب نظرية التطور مازالت بتقاوم بشدة، لان البعض بيعتقد انها بتزعم الاجابة على اسئلة كان من المفروض ان تترك للفلسفة .. او يمكن حتى الدين! .. سواء اتفقت مع طرح نظرية الانتقاء الطبيعي لدارون، لايمكن انكار التأثير الكبير للنظرية على الفلسفة، ودفع مفكريها للتعامل مع سؤال لم يستطع العلم الاجابة عنة. كل العلوم خصوصا الكمية منها بتعتمد بشكل كبير على استقرار الجدل المنطقي والجدليات الاستنتاجية الصحيحة deductively valid arguments لكن العلم ايضا بيعتمد على الحجج الاستقرائية inductive arguments اللى بتنتقل من البيانات المنتهية المحدودة للنظريات العامة المجردة. لكن العلماء ما بيحاولوش الاجابة علي سؤال لماذا الحجج الاستنتاجية دائما مستقرة وعادة ما بيعتمد عليها فى العلم، وليه لابد وان نستخدم الحجج الاستقرائية بالرغم من انها ليست دائما مستقرة، الاسئلة دى ايضا موضوع دراسة الفلسفة، بالتحديد فرع المنطق. الجولة السريعة دى تاريخ العلم، والمشاكل اللى تركها العلم للفلسفة بتظهر ان الفرعين دائما ما كنا وسيظلوا فى علاقة إتصال! .. أحد الاشكال الرئيسية من الاسئلة اللى بتتعامل معها الفلسفة هى الاسئلة المعيارية normative أو اسئلة القيمة .. اسئلة ما يجب ان تكون علية الاشياء، او ما يجب ان نفعلة، ماهو الصواب والخطأ، الخير والشر، العدل والظلم، اللى بتغطيها فروع فلسفة الاخلاق، الجمال، والسياسة. العلوم بشكل عام وصفية descriptive او احيانا بيطلق عليها ايجابية، وبالتالى كثير من اسئلة القيمة فى الفلسفة لها سؤال قريب وصفي فى العلوم، مثلا علم النفس لماذا بعض الاشخاص بيقوموا بافعال خيرة فى حين ان البعض الاخر بيقوم بافعال شريرة؟ .. أو علم الانسان anthropology بيبحث في مصادر الاختلاف بين الثقافات فى مصدر الخير والشر، وعلم السياسة بيدرس تبعيات السياسات المختلفة علي الحرية والعدالة فى المجتمعات، والاقتصاد بيدرس كيفية تعظيم الصالح العام، الخ .. بشكل عام العلم لايعمل على الرؤي المعيارية اللى بنعتقد فيها، دى مهمة الفلسفة! .. البعض هيتفق ان فعلا هناك نوع من الاسئلة العلم غير قادر على الاجابة عنها حاليا زى مثلا ماذا حدث قبل الانفجار الاعظم للكون؟ كيف ظهرت الحياة من الجزيئات الغير عضوية؟ .. وهل الوعي أحد عمليات المخ؟ .. وغيرها لكن باعطاء وقت، مصادر، عقول، وتجارب كافية كل الاسئلة دى هيتم الاجابة عليها، والاسئلة اللى هتبقى بدون اجابة في نهاية المطاف هي الاسئلة الغير مهمة pseudo-question! الافراد المتزنين عقليا لن يشغلوا أنفسهم بها. وبالتأكيد الكائنات البشرية الفانية زي انا وانت مش هتبقي طويلا الا ان يجيب العلم على كل الاسئلة، لكن لايوجد اى سبب عقلاني يمنع عدم قدرة العلم على الاجابة على كل الاسئلة ذات المغزي! .. لكن الادعاء ده محتاج دليل او حجة داعمة له .. مجرد وجود اسئلة زى “يعني ايه رقم؟” او ماهو الوقت؟ فى تاريخ البشرية لقرون بدون اجابة دليل كافي ان اسئلة فى غاية الاهمية من الجائز ان تبقي ابدا بدون اجابة. هل من الممكن ان الاسئلة دى تندرج تحت بند الاسئلة الغير مهمة؟ .. من الممكن اننا ننقبل هذا الادعاء فقط تحت وجود سبب مقنع وكافي. الاشكالية فى طرح حجج على هذة الصورة انها هتعتمد بشكل اساسي على طبيعة العلم الشئ اللى العلم نفسة لايطرحة، وثانيا ان النوع ده من الحجج العلم غير قادر على صياغتها بنفسة لانها حجج فلسفية لانها بتستخدم فرضيات معيارية او تقيمية normative، على سبيل المثال حجة ان الاسئلة اللى العلم لن يقدر ابدا على الاجابة عنها هي اسئلة غير مهمة لان لا يوجد التزام ما بتحاول تحقيقه. قائمة فى الأساس على ادعاء معياري وهو أن هناك التزامات ما العلم من المفترض ان يجاوب عليها should answer وعليه التزام من المفترض أن يحققه .. لكن ازاى نحدد ايه اللى العلم المفروض يتعامل معاة؟ .. من الممكن ان الاجابة تكون أن العلم لابد وأن يتعامل مع الأمور المتعلقة بالحد الأدنى من المعرفة الممكنة. وفى الحالة دى مسؤوليات العلم هتنقلب لتحديد طبيعة، ومدى المعرفة. ودى أمور بتختص بها فلسفة المعرفة، دراسة طبيعة، حدود، مصادر، وتبرير المعرفة (ارجع لسلسلة فلسفة المعرفة) . وبالتالي تصبح الفلسفة ضرورية للعلم! .. من المهم هنا الاشارة اننا لما بنقول ان هناك اسئلة العلم غير قادر على الاجابة عنها وانها واقعة تحت عباءة الفلسفة، مش معنى كدة ان الفلسفة والفلاسفة بيحتكروا هذة الاسئلة. العلماء والنظريات اللى بيضعوها زى ماهنشوف فى احيان كثيرة بتساهم فى الاجابة على بعض هذة الاسئلة او فى اقل تقدير إلقاء ضوء جديد على الاسئلة، لكن المقصود هو ان لامفر من استخدام الفلسفة وأدواتها، حتى عند هؤلاء اللى بيدعوا ان الاسئلة الحقيقية فقط هى اللى هيجاوب العلم عنها، لان الحجة دى نفسها زى ما شفنا فلسفية فى جوهرها!
العلم كفلسفة Science As Philosophy
الاسئلة اللى تركتها العلوم كتراث فكري للفلسفة، الاكتشافات العلمية الحديثة والتطور السريع فى العلوم عبر الفيتين من الزمان اضاف بشكل مستمر مجموعة جديدة من الاسئلة الى نطاق الفلسفة. اللى شكلت بدورها اجندة العمل الفلسفي عبر القرون الماضية! العلم بكل تأكيد كان مصدر الوحي الاقوي للفلسفة منذ الثورة العلمية فى القرن السابع عشر. نيوتن اظهر ان الحركة سواء حركة الكواكب، المجرات، المد والجزر محكومة بعدد صغير من القوانين الرياضية المتكاملة البسيطة والحتمية. بمعرفة موقع كوكب عند أى نقطة فى الزمن الفيزيائيين يقدروا يحسبوا موقعهم في الماضي والمستقبل. لو نيوتن كان صحيحة فى طرحة موقع اى جسم وحركتة عند اى نقطة في الزمن موقع ثابت بالنسبة لكل المواقع فى المستقبل. الأكثر من هذا، أن نفس القوانين تربط المادة بالكتلة. حتمية ميكانيكا نيوتن أوحى بفكرة الحتمية determinism لسلوكيات الإنسان. البشر ليسوا سوى مجموعات معقدة من الجزيئات بينطبق عليها نفس قوانين الطبيعة. اذن لا يوجد حرية الارادة، وحرية الاختيارات المتاحة فى الحياة ما هي إلا وهم! مع نجاح نظرية نيوتن ، الحتمية أصبحت نظرية فلسفية حية ومطروحة على الساحة مرة أخرى، لكن بالطبع مازال الاختيار متاح امام الفلاسفة اللاهوتيين أن يقرروا ان الفزياء غير ملزمة لقرارات الانسان، او اى كائن حي. وبيصروا ان الكائنات الحية لا تنطبق عليها الحتمية الداروينية Newtonian determinism. حتى منتصف القرن التاسع عشر المعترضين على نظرية الحتمية ريحوا نفسهم بفكرة ان الافعال والسلوكيات البشرية بشكل خاص وللكائنات الحية بشكل عام لاينطبق عليها قوانين نيوتن للحركة. الافعال البشرية والعلميات البيولوجية بكل تأكيد موجهة بهدف ما، بيحدثوا بغاية ما، وطبق خطة الهية كونية. عالم الاحياء متنوع ومعقد بدرجة كبيرة، انه يكون نتاج المادة والحركة الحتمية، ويبدو فية عمل يد الله! قبل ظهور داروين التنوع، التعقد، والتكيف فى عالم الاحياء كانت افضل حجج اللاهوتيين للدفاع عن فكرة وجود الله والخطة الكونية، و المعنى والغاية من الوجود. والخطة الالهية دى وقتها كانت افضل تفسير لتلك الخواص الثلاثة لعالم الاحياء. لكن أهم نتائج نظرية داروين كانت تحطيم تلك الرؤية الكونية الميتافيزيقية اللاهوتية،او زي ما داروين سجل في مذكراتة 20 سنة قبل ما يتجرأ وينشر عملة الخالد أصل الانواع On the Origin of Species وقال “ثبت الآن أصل الإنسان. يجب أن تزدهر الميتافيزيقيا. من يدرس قرد البابون سيخدم الميتافيزيقا أفضل من جون لوك”! ..وأصبح عند البعض لو كانت فكرة داروين التطورية عن التنوع، التعقيد، والتكيف نتيجة للتنوع الوراثي، و الانتقاء الطبيعي صحيحة، اذن لايوجد مكان لكون له معني أو هدف أو وضوح يتجاوز فكرة الحتمية اللى طرحها نيوتن من قبل. النتيجة الفلسفية فى جوهرها اللى بتتخطي الحتمية لأستنتاج ان فكرة الغاية فى الطبيعة مجرد وهم. مابين نيوتن وداروين المصدرين الاهم لمدرسة المادية materialism او الفيزيائية physicalism الفلسفية، اللى بتقلل جدا من النظريات الفلسفية التقليدية فى الميتافزياء وفلسفة العقل وبتهدد بإنهاء موضوع فلسفة الأخلاق بمجمله! .. لكن القرن العشرين جلب تطورات فى الفيزياء واساسيات الرياضيات هزت الثقة فى المدرسة المادية الفلسفية بصورة اقوى من اى حجة فلسفية اخرى. أولا محاولة مد النظرية الحتمية الفيزيائية من ظاهرة الكائنات القابلة للملاحظة للعمليات الغير قابلة للملاحظة أدت لنتيجة عكسية وأظهرت طبيعة غير حتمية indeterminism للأجسام دون الذرية! على مستوى عمليات الكوانتم quantum سلوك الالكترونات electrons، البروتونات protons، النيوترونات neutrons، و الفوتونات photons اللى بتتكون من إشعاعات ألفا، بيتا، وجاما يبدو ان لا توجد قوانين، كل القوانين تبدو غير حتمية بالمرة. وبالتالي لا يمكن تفسيرها باى صورة يقينية لكن عن طريق الاحتمالات، وغالب علماء الفيزياء بيعتقد تقريبا ان احتمالات ميكانيكا الكم غير قادرة على تفسير سلوكيات المكونات الاساسية للمادة ولابد من وجود نظرية حتمية اعمق قادرة على تفسير هذة الاحتمالات. علي سبيل المثال جزئ واحد زى ذرة اليورانيوم uranium هيشع جسيم الفا فى الدقيقة باحتمالية تقريبا 0.5 * 10^-9 رقم صغير جدا بيجعل احتمالية الحدوث عالية جدا. الإلكترونات، البروتونات والجزيئات الأخرى بتكون جزيئات، سلوكياتهم بتبدأ فى الاقتراب من حتمية ميكانيكا نيوتن للأجسام، لكن يبدو أن نيويتن كان مخطئا، واملنا فى عالم من الكائنات الملاحظة بتتصرف طبقا لمجموعة من القوانين الحتمية بدأ يطرح محل التساؤل! .. اذن هل لو الحتمية ظهر انها فكرة خاطئة، هل معني هذا ان حرية الارادة والمسؤولية الاخلاقية بعد كل هذا مازالت فكرة مقبولة مرة اخرى فى الرؤية الكونية الفلسفية؟ .. مش بالبساطة دى .. لان لو التعاملات الاساسية دون الذرية sub-atomic بتتحكم فى العمليات المخية للانسان وهى عمليات عشوائية غير حتمية طبقا لقوانين فزياء الكم ، اصبح لامكان لفكرة المسؤولية الاخلاقية فى افعالنا، لان الافعال ناتجة من احداث عقلية غير مسببة لما ان كل شئ مدفوع بعمليات غير حتمية على المستوى الدون ذري. ببساطة فيزياء الكم وانعدام الحتمية بيزيد من غموض فهم العميل البشري، المسؤولية، حرية الارداة، والغاية بشكل عام. لان مثلا لو قدرنا نرجع بفعل قمت بيه للأحداث العقلية اللى تمت في مخك اللى بيحدث بشكل عشوائي بدون اى حتمية او سببية اذن ازاى من الممكن اننا نحملك مسؤولية اخلاقية للفعل؟! .. لكن العلاقة بين العلم والفلسفة مش طريق واحد، فية العلم بيدفع الفلسفة فى اتجاة نظريات زى المادية، الحتمية، الالحاد، العدمية، الخ .. لان وقتها لابد ان نفهم جوهرية الادعائات العلمية دى، ونضعها فى حدود قدرات العلم ومصادرة! لكن فى الحقيقة الطريق بين العلم والفلسفة طريق مزدوج منذ القرن السادس عشر العديد من الفلاسفة والعلماء اثنوا على جدليات الرياضي، الفزيائي والفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت René Descartes عن مثنوية العقل والمادة، او ان العقل منفصل مستقلب عن الجسم ومادتة وخصوصا المخ. او ان العقل غير متطابق مع المخ، العقل من مادة غير مادية مستقل الوجود عن المخ وبالتالي غير خاضع لقوانين الطبيعية المادية اللى العلم الطبيعي بيدرسها ويكتشفها، وبالتالي بما ان هناك جزء غير مادي او من الطبيعة بداخل كل انسان اذن لابد وان قوانين الطبيعية لاتنطبق علي البشر! وان البشر طبيعتهم، أفعالهم وسلوكهم خارج نطاق طرق البحث العلمية. فكرة ان العقل غير مادي وخارج نطاق بحث العلم الطبيعي قد تستقبل بالدهشة والاتهام بالفكرة ظلامية من العصور الوسطي، وعقبة امام التقدم الفكري. لكن التقليل من الفكرة او اطلاق الاسماء عليها لن يضحدها! .. وقد تكون العقبة الوحيدة امام العلوم الاجتماعية لاكتساب القدرة التنبؤية والتفسيرية للعلوم الطبيعية هي تفسير التعقيد الكبير فى السلوك البشري واسبابة. علماء النفس ضمن من يحاول الاجابة على هذا السؤال اللى بيعتقدوا ان العقل اله فزيائية تقريبا زى جهاز الكمبيوتر. العمارة و التركيب النيورولوجي neural architecture للمخ عامل مهم جدا للفكرة دى زية تماما بالنسبة للكمبيوتر. اللى بيعمل من خلال إشارات كهربائية بتغير من حالات العقد فى الشبكة من عاملة on لغير عاملة off. علماء النفس مهتمين بفهم القدرة البشرية على الإدراك وقدموا عدة نماذج بعتمد على أنواع مختلفة من تصميمات الكمبيوتر، معترفين ان المخ البشري اقوي واكثر تعقيدا من أي كمبيوتر عملاق supercomputer وبيستخدم برامج حاسوبية مختلفة عن برامج الكمبيوتر الحالية. لكن لو المخ كمبيوتر عملاق، والعقل هو البرامج العاملة على هذا الكمبيوتر، اذن تصميم برامج بتحاكي القدرة الادراكية حتى ولو بصورة ابسط واقل تعقيدا من البشر عن طريق برامج الكمبيوتر العادية سيظهر لنا امور كثيرة عن العقل بملاحظة مخرجات الكمبيوتر بناء على مدخلاتة. البعض بيجادل ان التطور فى العلم سيزيل من العقبات لتحقيق هذا البحث العلمي والتكنولوجي. لكن اللى نعرفة عن الكمبيوتر هو انها بتعمل البرمجيات القائمة على أسس رياضية ومنطقية، بالتحديد البرامج بتجعل الكمبيوتر يعمل وفق نظام محدد من البديهيات الرياضيةmathematical axioms اللى بتمكنة من اشتقاق عدد غير محدود من النظريات المختلفة. على سبيل المثال فكر فى اى عملية حسابية الكمبيوتر قادر على اجرائها، مثلا جمع او ضرب رقمين، الطريقة الوحيدة ان الكمبيوتر يقوم بالعملية الحسابية دى فى مدة زمنية محددة هو أنه لا يكون مبرمج بالحل الصحيح لكل مسألة جمع او ضرب، لان فى عدد لانهائي من مسائل الجمع فى الواقع، لكن الكمبيوتر مبرمج بقواعد عملية الجمع والضرب فى صورة بديهية رياضية وبالتالى يقدر يجري العملية بسرعة من الممكن أن تزيد مع ازدياد قدرات الكمبيوتر. بالطبع فى حدود لنوع الحسابات اللى بيقوم بيها الكمبيوتر. لو فاكر الآلات الحاسبية البدائية كانت عادة ما بتخلص البطارية بتاعتها، او عدد الارقام اللى من الممكن تجمعها او تضربها عليها كان محدود بالاماكن المتاحة على شاشتها، او كان في عمليات غير مسموح بها زى مثلا القسمة على الصفر، بنفس الصورة الكمبيوتر لها حدود كألآلات حاسبة بشرية متطور القدرة. لكن سنة 1930 الرياضي النمساوى كرت جودل Kurt Gödel احد اهم العقول الرياضية الفذة فى القرن العشرين أثبت رياضيا ان بطريقة مهمة جوهريا الكمبيوتر ليست مثل الالات حاسبة بشرية، وتباعا العديد من العلماء والفلاسفة جادلوا ان هذه النتيجة عقبة أمام فهم ظاهرة الإدراك فى العقل البشري علميا. الطرح اللي قدمه جودل هو ان اى منظومة بديهية axiomatic system قوية بشكل كافي لتحتوي على كل قواعد الرياضيات غير كافية لتقديم كمالها، او بمعنى اخر غير قادرة بشكل كافي لتقديم كل حقيقة حسابية من الممكن ان تصدر من البديهيات الاساسية. للوصول لمنظومة بتلك القدرة او الكمال كما اشار جودل بيتطلب نظام اقوى اخر به بديهيات أكثر ومن الجائز انواع اخرى من البديهيات لتقديم الكمال للمنظومة الاولي، وهكذا النظام الاقوي لايمكن ان يقدم كمال لنفسة، دلالات الاتساق دائما والكمال دائما ما تكون الى انظمة اقوى يمكن ان توفر اكتمال النظام الاضعف! .. لكن البعض جادل ان العقل البشري بيحتوى على فهم للرياضيات غير محدود مثل تلك الانظمة من الجائز لانه على عكس الحاسبات الالية تمثيل العقل للمفاهيم الرياضية لايتم عن طريق الرمز البديهية axiomatic. سواء كان العقل البشري قادر على ادراك القيم الحسابية بشكل رمزي ام لا، في جوانب أخري لأثبات جودل لابد من اعتبارها، وهو لو كان النظام البديهي الرمزي متسق بشكل مستقر، أي لايحتوى على تناقضات، أو أكاذيب ضرورية، غودل اثبت سيكون هناك على الأقل تعبير واحد من الممكن تكوينة فى لغة هذة المنظومة قابل للتحسين او التعديل، الامر اللى بيثبت ان المنظومة غير مكتملة. بشكل بسيط غير مخل غودل استخدم استراتيجية أظهر من خلالها ان اى منظومة متسقة وقوية كالرياضيات مثلا على الاقل هيكون بها على الأقل جملة واحدة صحيحة على صورة “هذه الجملة غير قابلة للأثبات داخل المنظومة!” . وبالتالى لايمكن لأى نظام بديهي من النوع المبرمج على إى كمبيوتر قادر على الحساب إن يكون كاملا وثابت. وبما ان اخر شئ نريده هو كمبيوتر قادر على الإجراءات الحسابية غير متسق او مكتمل، اى ينتج اجابات خاطئة أحيانا، لابد اذن ان نوفق قدراتنا العقلية على تلك الانظمة الغير مكتملة، لكن من الواضح ان هذا الامر ليس من حدود إمكانياتنا البشرية، على الاقل واحد من البشر د. غودل كان قادر على إثبات هذة النتيجة، على العكس من الكمبيوتر العقول البشرية قادرة على تحديد الجمل الغير متسقة داخل اى منظومة رمزية اخرى كاملة، وتحديد الجملة الوحيدة الصحيحة الغير مثبتة داخل هذة المنظومة. اذن من الواضح اننا او عقولنا، او على الاقل قواعد المنطق والتفكير المستخدمة فى عقولنا ليست ببساطة البرمجيات العاملة على المخ، بما أن نتيجة اثبات غودل الرياضي بتظهر بتعكس وجود قيوك على أي نظام فيزيائي بغض النظر عن المادة المصنوع منها سواء كانت رقائق السيليكون، الانابيب المفرغة، التروس والعجلات، او النيورون والشبكات العصبية! .. ولهذا السبب عديد من علماء الفيزياء المتميزين وغيرهم من المفكرين الاخرين جادلوا ان العقل البشري لا يمكن ان يكون مصنوع من اى مادة على الإطلاق وبالتالي لا يخضع للدراسة بواسطة الاشياء المادية، سواء كانت تلك الوسائل موجودة فى الفيزياء، الكيمياء، أو البيولوجيا! .. من المهم اننا الفت نظرك لان النتيجة المستنتجة من إثبات دليل “عدم الاكتمال” لغودل مثيرة للجدل الى حد كبير وغير متفق عليها على الاطلاق! (هنرجع نناقش إشكالية إثبات عدم الاكتمال لغودل ومادية العقل فى الحلقات المستقبلية). لكن النقطة الاساسية هى ان نتائج البحث العلمي مثل بحث غودل لها أهمية كبيرة على البحث الفلسفي، حتى فى تلك الحالة اللى لتفرض فيها قيود على الرؤية الوجودية العلمية للعالم كفلسفة.
فلسفة العلم Philosophy of Science
فلسفة العلم فرع من فروع الفلسفة من الصعب تعريفة بشكل كبير زية زى كثير من مواضيع الفلسفة. لكن بشكل عام أحد تعاريف الفلسفة المختلف عليها، انها العلاقة بين العلوم (الفزياء الطبيعية، الاحياء، العلوم الاجتماعية والسلوكية) وبالتالى طبقا للتعريف ده فلسفة العلم موضوع يهم كلا من الفلاسفة والعلماء! وبالتالى الفلسفة بتتعامل مع أسئلة العلم لم يتعامل معها بعد، او من الجائز لن يتعامل معها ابدا، والسؤال الاهم لماذا لايستطيع العلم التعامل مع تلك الاسئلة؟! .. ان كان فى اسئلة لايستطيع العلم التعامل معها فى حد ذاتة سؤال فلسفي! . وحتى ان كانت نتيجة الجدل الفلسفي ان لا توجد اسئلة لايستطيع العلم التعامل معها، مازال سؤال كيف يجاوب العلم على الاسئلة التى لم يتعامل معاها حتى الان فى جوهرة سؤال فلسفي! .. الامر اللى بيجعل الفلسفة دراسة لايمكن للعلماء الجادين تجنبها! دراسة بسيطة لتاريخ العلم من الاغريق، مرورا بدارون، نيوتن، حتى اينشتين تكشف لنا ان عدد كبير من الاسئلة مازالت بدون اجابة بالرغم من التقدم العلمي الكبير. ولو دققنا النظر فى التأثير الكبير اللى تركتة الاكتشافات العلمية الحديثة فى مجال الفزياء، الاحياء، علم النفس، وغيرها من فروع العلم على الفلسفة يظهر ان لاغني للمجالين عن بعضهما البعض! .. وتصبح مهمة فلسفة العلم الاساسية هو تحليل آليات وطرق عمل العلوم المختلفة، السؤال المهم قد يصبح لماذا تقع مهمة الاجابة على هذا التساؤل على عاتق الفلاسفة؟! بدلا من العلماء؟ … سؤال مهم، واحد اهم جوانب الاجابة علية، هو ان الفلسفة مؤهلة بادوات البحث عن الحقيقة المنطقية والعقلانية اللى بتجعلها الطريقة المثلي للأجابة علي هذا السؤال. خصوصا للبحث بعمق في الفرضيات المقبولة بشكل عام عن الممارسات العلمية اللى لا يضعها العامة محل التفكير او البحث. مثلا التجربة العملية scientific experimentation العلماء فى إجرائهم لتجربة علمية ما بعد ان يحصلوا على نتيجة معينة، يعيدوا التجربة عدة مرات فان اسفرت عن نفس النتائج تحت نفس الظروف والقيود، يتوقف العلماء عن التجريب، ويخلصوا ان بنتيجة التجربة كخلاصة قوية للبحث. الفرضية دى بديهية عند العلماء واساسية لآلية عمل العلم، لكن الفلاسفة بيذهبوا لأعمق من هذا خلال بحثهم عن الحقيقة، ويتسائلوا لماذا بنفترض ان تكرار التجربة فى المستقبل هيؤدى لنفس النتائج؟ .. وكيف وصلنا لتلك الحقيقة؟ .. وما هو عدد مرات التكرار؟ وكيف وصلنا لهذا الرقم؟ .. الخ العلماء غير مشغولين بهذة الاسئلة، وده امر طبيعي لانها أسئلة فلسفية فى جوهرها .. وبالتالي بيصبح جزء اساسي فى مهمة فلسفة العلم هو التدقيق فى البديهيات والفرضيات اللي بيأخذوا العلماء على انها صحيحة بدون تفكير كثير. لكن بكل تأكيد العلماء بيناقشوا الاسئلة الفلسفية أيضا، زى ما شفنا كثير من العلماء لعبوا ادوار جوهرية فى تطور الفلسفة بشكل عام وفلسفة علم بشكل خاص زى ديكارت، نيوتن، داروين، واينشتين! كل من منهم كان مهتم بسؤال فلسفي فى جوهرة، وكيف يعمل العلم؟ .. و طرق البحث العلمية، وماهو مقدار الثقة اللى من الممكن ان نضعة فى نتائج تلك الطرق؟ .. وان كان هناك حدود للمعرفة العلمية ام لا؟ الخ .. وزى ما هنشوف فى الحلقات المستقبلية ان الاسئلة دى ليست فلسفية فقط في جوها لكنها ايضا علمية وجذبت عبر التاريخ مجموعة من افضل العقول العلمية للبحث فيها. في رحلة بحثنا هجادل ان الفلسفة أساسية وجوهرية لفهم تاريخ العلم، طرقة، مجتمعاته، انتاجه، و اهدافة. إشكاليات الفلسفة الكلاسيكية زي حرية الارادة والجبرية، او إشكالية العقل والجسد، الغاية، معني الحياة، وغيرها أخذت موقع جديد في أهميتها وطريقة البحث فيها مع النظريات والاكتشافات العلمية الحديثة!
القصة اللى بدأنا بيها مقتبسة عن فيلم الخيال العلمي الامريكي أنا أسطورة I Am a Legend المأخوذ عن رواية بتحمل نفس الاسم نشرها كاتب الرعب الامريكي المشهور ريتشارد ماثيثيون Richard Matheson نشرها سنة 1954. الفيلم قام بأخراجة سنة 2007 مخرج الرعب الامريكي فرنسيس لورانس Francis Lawrence وقام ببراعة بدور عالم الفيروسات الممثل الامريكي الاسمر ويل سميث Will Smith .. من خلال قصة الفيلم حاولت ألقي لك الضوء على نموذج للعلماء وصراعهم مع الطبيعة، اللى في بعض الوقت بيكونوا فيه السبب فى احداث طفرات غير طبيعية فى العالم، زى ما شفنا علاج مرض السرطان عن طريق تعديل فيرس الحصبة تحول لوباء قاتل دمر البشرية، لكن مهمة العلم مازالت البحث عن علاج وفهم اسباب المرض، العالم فى مهمة بحثة عن الحقيقة بيتبع طرق علمية منهجية، حتى فى أحلك ظروف البشرية وانتشار وباء قاتل، ومسوخ بشرية فى كل مكان بتهدد بقائة، الا انه بيقوم بتجاربة المعملية على الفئران بحثا عن مصل علاج، قبل ما يقوم بتجريبها على البشر، ويضحي بحياتة فى نهاية المطاف من أجل انقاذ الدواء وفرصة أفضل لبقاء البشر.
ودلوقتي .. فكر في النظريات العلمية اللى درستها خلال حياتك .. ياترى ايه الالية اللى اكسبت النظريات دى صحتها؟ .. ايه هي طبيعة العلم؟.. وهل التجربة والملاحظة محايدة؟ .. أم محملة بنظرية الملاحظ؟ .. وايه ياترى الحدود الفاصلة بين العلم الحقيقي والزائف؟ .. وهل الخط الفاصل بين العلم الحديث والفلسفة أصبح مبهم المعالم؟! … فكر تاني
https://archive.org/download/Ep47TheProblemOfScience/EP47_2018_12_10.mp3
فى الحلقة الجاية .. هنكمل رحلة بحثنا في أعماق أفضل أدوات البشرية للبحث عن الحقيقة، هنضع العلم تحت مجهر الفلسفة! .. عن التجريبية .. حلقة فينيا .. الوضعية المنطقية .. والتجريبية المنطقية .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية عيش الحياة بفلسفة
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
Steven Shapin – The Scientific Revolution
تصورات العلم فى أمريكا Perceptions of Science in America
جون ديزموند برنبال John Desmond Bernal
د. جيكل ومستر هايد Dr Jekyll and Mr Hyde
جزيرة د. مورو The Island of Doctor Moreau
علم الأحياء الجزيئي Molecular biology
نهاية العلم The End of Science
نظرية الأوتار String Theory
فرانسيس بيكون Francis Bacon
عصر النهضة الاوروبي Renaissance
إينياز سيميلويس Ignaz Semmelweiss
النظرية الجرثومية للأمراض Germ theory of disease
علم الجراثيم Bacteriology
لويس باستير Louis Pasteur
نظرية التطور Theory of Evolution
تشارلز دارون Charles Darwin
عن أصل الانواع On the Origin of Species
ستيفن شابين Steven Shapin
تاريخ اجتماعي للحقيقة A Social History of Truth
الجمعية الملكية فى لندن Royal Society of London
الملاحظة المحملة بالنظرية Theory-ladenness
تجربة البطة-الارنب Rabbit–duck illusion
خداع مولر – لاير Müller-Lyer illusion
نورود هانسن Norwood Russell Hanson
التصور: النظرية والالتزام Perception, Theory and Commitment
نظرية الوحدات للعقل Modularity of Mind
بول تشيرشلاند Paul Churchland
العلم الزائف Pseudo-Science
قابلية النفي Falsifiability
سيجموند فرويد Sigmund Freud
نظرية فرويد للتحليل النفسي Psychoanalytic
نظرية النسبية العامة General Relativity
إكتشاف نيبتون Discovery of Neptune
قانون نيوتن الثاني Newton’s second law
فلسفة العلم Philosophy of Science
التجربة العملية scientific experimentation
https://youtu.be/ewpYq9rgg3w
ريتشارد ماثيثيون Richard Matheson
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
I Am Legend – I’m Listening
Brandon Fiechter – High Elves of Waterfall Sanctuary
Derek & Brandon Fiechter – Mystery Music
Medieval Music – Bridgewell
Dinosaur Music and Prehistoric Music
Kevin MacLeod – Desert City
James Newton Howard – Scan Her Again
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa