تخيل انك محقق في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى في مدينة لندن. بتُستدعى للتحقيق في قضية قتل غامضة حدثت في ضباب سكك الحديد المظلمة، وجدت جثة عامل حكومي فى وزارة الدفاع البريطانية بجوار القضبان بالقرب من نفق، ووجد في جيبة 3 ورقات من 10 ورقات لمخطط هيكل غواصة سرية، لكن باقي المخطط مفقود. الحكومة بتكلفك بالبحث في القضية والعثور على المخطط المفقود. لما بتظهر فى موقع الجريمة، بتسأل إن كان وجد في جيب الجثة تذاكر القطار، بتكتشف ان مكنش في تذاكر في حوذة الجثة، بتتعجب ان استطاع ركوب القطار بدون تذكرة، الشرطة وضعت فرضية ان الموظف سرق مخططات الغواصة وكان فى طريقه لبيعها لأحد الجواسيس اللى غالبا اختلف معاة وتصارعوا فسقط من القطار ومات. لكنك غير متشكك في هذه الفرضية، بتطلب من جهاز الشرطة انه يمدك بأسماء وعناوين الجواسيس في لندن. بعد ما بتدرس الجثة بالقرب من القضبان بتكتشف ان مافيش دماء فى مكان الجثة، وانها موضوعة بشكل دقيق بجانب القضيب يبدو انه ما نتجش عن سقوطة بعد صراع. وتستجوب بعض الركاب، البعض بيقول انه سمع صوت ارتطام، وكثير من الركاب قال انهم ما شفوش الراجل ده علي القطار. بدراسة المعلومات المتاحة بتضع فرضية لان القتل تم في مكان آخر غير القطار، وتم وضعة على سطح القطار، وانزلق من علي السطح وقت اقتراب القطار من النفق، ودورانه واهتزازه ببطء في تلك المنطقة. بتزور مكان عمل الموظف، اللى بتخزن فيه الوثائق العسكرية المهمة، هناك موظف واحد فقط غير المقتول كان معاة مفتاح الخزينة، اللى بيبرجح ان القتيل كان السارق لانه كان محتاج للفلوس. لما بتستجوب خطيبة القتيل بتقول لك انه كان في شي شاغلة فى الاسبوع الاخير، وانه اقر لها ان اسرار البلد العسكرية من السهل سرقتها، وفي يوم كانوا بالليل ماشين بالقرب من مقر عملة، سابها وجرى ناحية حديقة العمل الخلفية. لكنها ما تعتقدش انه خائن لبلدة. لما بتروح لمقر الوثائق السرية، وان بتطلع على الخزينة بتلاحظ ان النافذة على الحديقة الخلفية، حتى وهى مقفولة من الممكن ان فرد من الخارج يقدر يشوف المكتب من الداخل، لما بتخرج للحديقة الخلفية بتلاقي اغصان الاشجار بجوار الشباك مكسرة وبالفعل بتقدر تشوف داخل المكتب بالرغم من ان النافذة مغلقة. بتحدد المتهم، بتشرح للشرطة نظريتك، ان القتيل قتل فى مكان اخر وجثتة القت على القطار، بتقول انك درست خريطة القطارت في لندن واكتشفت ان في نقطة واحدة فقط بالقرب من عنوان أحد الجواسيس اللى اعطتة اليك الشرطة، عند منزل الجاسوس القطار بيقترب جدا من المنزل، ويهدئ جدا نظرا لضيق المنطقة، في اعتقادك ان القاتل هو هذا الجاسوس، بتذهبوا لمنزل الشخص المشتبة فية خلسة، بتلاقوا فعلا نافذة الدور العلوي بتطل علي مسار القطار، وبتجد بعض الدماء على حواف النافذة. بتتأكد النظرية لديكوا، بتبحثوا في أوراق الجاسوس في المنزل بيلفت نظرك انه محتفظ بصفحات معينة من الجرائد اليومية،لما بتدور فيها بتلاقي الصفحات فيها رسالة منشورة بنفس الاسم في صفحة التليجراف يوم بعد يوم، وبيتأكد لديك ان الجاسوس استخدم الطريقة دى في الاتصال بالموظف، بتقرر انك تعمل كمين للجاسوس علشان تقبض علية، بتنشر رسالة بنفس الاسم في التيلجراف اليومي بانك ترغب في مقابلة عاجلة .. في الموعد والمكان المحدد لما بيصل الفرد بينقض علية افراد الشرطة، وبتكتشفوا انه أخو القتيل .. لما بتستجوبة بيقر انه هو اللى سرق مخططات الغواصة وحاول يبعها للجاسوس لانه كان مديون ومحتاج للنقود. لكن لحظة الاسود اخوة اكتشف الامر وتبعة لبيت الجاسوس، وحاول يمنعة لكن الجاسوس انقض على اخوة وقتلة والقي بجثتة فوق القطار .. وقرر ان يترك فيها الاوراق الغير مهمة من المخطط علشان يبدو للشرطة ان هو المسؤول عن السرقة. بتطلب من الاخ انه يبعث برسالة للجاسوس يخبرة فيها انك عثرت على اوراق اخرى مهمة بخصوص مخطط الغواصة .. في اليوم والميعاد المحدد للقاء بتلقوا القبض على الجاسوس وقت وصولة للقاء الاخ. ومعاة اوراق الغواصة ..و بقوة ملاحظتك، وقدراتك الاستدلالية حليت لغز جديد وانقزت سر من أسرار البلد في لحظات تاريخية حالكة.
الوضعية المنطقية،حلقة فيينا، التحقيق والاستدلال، نقد الوضعية المنطقية، التجريبية المنطقية، إشكالية الاستقراء، معضلة الغراب،لغز الاستدلال لجوودمان، التجريبيون الأوائل
الوضعية المنطقية Logical Positivism
فى بدايات القرن العشرين أحد أهم وأكثر صور المدرسة التجريبية empiricism ثورية لدراسة العلم ازدهرت وتطورت خلال العقود لكن تحت ضغط النقد المضاد لها اندثرت تقريبا مع الوقت. الشكل الأول من المدرسة دى أطلق علية الوضعية المنطقية logical positivism والشكل المتقدم منها عادة ما بيطلق عليها التجريبية المنطقية logical empiricism. بالرغم من هذة الصورة من المدرسة التجريبية تقريبا مالهاش وجود في الوقت الحالي الا ان من المهم دراستها لمحاولة فهم الصورة الحالية لفلسفة العلم. زى ما شفنا فى الحلقة السابقة التجريبية من الممكن تلخيص فكرتها العامة تحت ادعاء بسيط لكن الخلاف حولة كبير وهو أن المصدر الوحيد للمعرفة هو التجربة، الفكرة اللى بترجع جذورها للقرن السابع والثامن عشر فى إعمال جون لوك John Locke ،جورج بيركلي George Berkeley ، وديفيد هيوم David Hume . الصور الاولى من المدرسة التجريبية اعتمدت فى الاساس على فرضيات ونظريات بدائية عن كيفية عمل العقل البشري. رؤيتهم عن العقل عادة ما بيطلق عليها نظرية الاثارة Sensationalism، المؤثرات المختلفة زى الاصوات، الالوان، الخ بتتكون فى المخ، ودور الأفكار هو أن تتفاعل وتستجيب للأنماط المختلفة فى تلك المؤثرات. فى الحورات والنقاشات الاولى والمؤخرة حول النظرية التجريبية عادة ما بيشوبها العديد من الشكوك skepticism، اللي بتخلص لان من غير الممكن لنا أن ندرك اى شئ حول حقيقة العالم. الاشكالية دى لها جانبين الاول الشك في العالم الخارجي external world skepticism اللى من الممكن تلخيصها ببساطة فى سؤال كيف من الممكن ان نعرف اى شئ عن العالم الواقعي بدون الاعتماد على الحواس والمؤثرات؟! .. الجانب الاخر طرحة ديفيد هيوم وهو الشك الاستقرائي inductive skepticism اللى من الممكن تلخيصة فى سؤال لماذا نعتقد ان الانماط المتكررة فى التجارب الماضية ستحدث فى المستقبل؟. فى تاريخ المدرسة التجريبية عادة ما تم تجاهل إشكالية الشك فى العالم الخارجي، بصورة أو باخرى العديد من فلاسفة التجريبية لم يهتموا بامكانية وجود اشياء حقيقية خارج نطاق الحواس. الوجود فقط للأشياء الواقعة داحل نطاق المؤثرات والمثيرات التى نتعامل معها، بل وان من غير المنطقي حتى التفكير كثيرا فى اشياء واقعة خارج نطاق الحواث والمؤثرات. وادراكنا للوجود ماهو الا حزم من البيانات الحسية. الرؤية دى عادة ما بيطلق عليها الظاهرتية phenomenalism اللى من الممكن تلخيصها فى فكرة ان الأجسام الفيزيائية لا يمكن بشكل قابل للتبرير القول بأنها موجودة بذاتها (أو بجوهرها)، ولكن فقط كظاهرة مدركة أو كمحفزات محسوسة (مثل الاحمرار والصلادة والطراوة والحلاوة إلخ) تقع في الزمان والمكان الذي يعيش فيه الإنسان. فى القرن التاسع عشر النظرية الظاهرتية كانت مشهورة مابين فلاسفة التجريبية، الفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت ميل John Stuart Mill قال من الممكن تعريف الفكرة على انها إمكانية دائمة من الاحاسيس a Permanent Possibility of Sensation. مش هحاول اقنعك بغرابة الفكرة، اللى بكل تأكيد غريبة بالرغم من الدعم اللى تلقتة من فلاسفة كبار فى وقتها، لكن فلاسفة التجريبية عادة ما وجدوا انفسهم بيدعموا افكار من هذا النوع غالبا لانهم عادة ما أعتقدوا فى العقل محجوب خلف حجاب الافكار veil of ideas او المؤثرات الحسية. والعقل غير قادر على معرفة اى شئ خارج حجاب الافكار، العديد من الفلاسفة بيختلفوا مع تلك الصورة عن العقل. وبتتبع تاريخ الفلسفة فى القرن السابع والثامن عشر مثلا من السهل جدا اظهار أفكار العقلانيين مثل ديكارت Descartes ولايبنتس Leibniz ان العقلانية الخالصة قد تكون طريق للمعرفة دون الاعتماد على التجربة بالمرة. الرياضيات كانت مثال جيد على هذا النوع من المعرفة. أما التجريبين من أمثال لوك Locke وهيوم Hume أصروا على ان التجربة هى طريقنا الوحيد لمعرفة طبيعة العالم، وفى منتصف القرن الثامن عشر رؤية وسطية متطورة اتطورت على ايد الفيلسوف الالماني أيمانيول كانط Immanuel Kant اللى جادل ان كل أفكارنا بتتضمن نوع من التفاعل ما بين التجربة وتركيبات ونماذج عقلية مسبقة اللى بنستخدمها لفهم التجارب الحسية. مفاهيم زى المكان، الزمان، والسببية من غير الممكن استنتاجها من التجربة، لكن الفرد لابد وان يكون عندة المفاهيم دى فى الاساس حتى يمكنة اكتساب المعرفة عن العالم من خلال التجربة! كانط كمان اعتقد ان الرياضيات الرياضيات بتعطينا معرفة حقيقة عن العالم وأن التجربة غير ضرورية لتبرير تلك الحقائق! (أرجع لحلقة معركة المنطق والتجربة). على اى حال التجريبين لابد وانهم يتجنبوا الصورة المبسطة لكيف للتجربة ان تؤثر على المعتقد. العقل مش مجرد متلقي للحقائق والمعلومات، لكن لابد من ادراك الدور الفعال والخلاق للعقل. السؤال الصعب اللى بيواجة التجريبين هو ازاى من الممكن قبول الافكار دى مع الالتزام بالفكرة الاساسية للتجريبية؟! . خلال تاريخ الفلسفة، أصطلاح العقلانية rationalism عادة ما بيستخدم للأشارة لرؤية مضادة لفكرة التجريبية empiricism، لكن فى المناقشات الحديثة فى الفلسفة الاصطلاح بشكل عام لايستخدم بتلك الصورة والرؤى العقلانية فى القرن العشرين عادة ما تكونت داخل عباءة المدرسة التجريبية والاصطلاح بشكل عام بستخدم للأشارة بثقة فى قدرة البشر على المنطق والعقلانية. على اى حال بغض النظر عن تاريخ الجدال واشكاليتة، المدرسة التجريبية كانت ومازالت مجموعة جذابة جدا من الافكار للعديد من الفلاسفة. وتأثير أفكارها فى كثير من الاحيان تخطي حدود الفلسفة وتأثيرة بشكل عام كان كبير على النهضة البشرية. ومش هنكون بنبالغ لو قلنا ان تقاليد المدرية التجريبية عادة ما بتكون موالية للعلم pro-science، دنيوية أكثر من كونها دينية، وأخيرا معتدلة سياسيا أو ليبرالية (بالرغم من ان المصطلحات السياسية دى من الصعب تطبيقها بشكل متسق عبر الفترات الزمنية المختلفة — هنناقش الليبرالية بالتفصيل فى حلقات سلسلة فلسفة السياسة ). وفلاسفة كبار من أمثال ديفيد هيوم، جون ستيوارت ميل، وبيرتراند راسل أمثلة قوية على هذا النوع من التعميم، والدين هو التعميم اللى بتوجد علية امثلة عديدة بتكسر القاعدة، مثلا بيركلي كان أسقف لكنة أعتنق الافكار التجريبية. لكن بشكل عام من غير المخل اننا نقول ان الافكارة التجريبية عادة ما بتميل للعملية، العلمية، البساطة، التحرر، والتخلص من ثوابت الايمان.
حلقة فيينا The Vienna Circle
الوضعية المنطقية كانت أحد أهم وأشهر صور المدرسة التجريبية اتطورت فى أوروبا بعد الحرب العالمية الاولي. قام بتأسيس الحركة مجموعة من الاوروبيين أهتمامتهم كانت علمية بالدرجة الاولي، وبشكل كبير كرهوا الاحداث الدائرة داخل الدوائر الفلسفية! المجموعة دى عرفت بحلقة تجريبيو فينيا Vienna Circle الفيلسوف والفزيائي الالماني موريتز شليك Moritz Schlick والفيلسوف وعالم الاجتماع والاقتصاد النمساوى أتو نويرات Otto Neurath أسسوا الحركة، زى ما أكيد توقعت فى فينيا بالنمسا لكن من بدايات الحركة الفيلسوف والمنطقي الالماني يهودي الاصل رودلف كارناب أصبح احد اهم رموز الحركة وشكل مصدر الهام لباقى الفلاسفة داخل الحركة. الوضعية التجريبية كانت احد اكثر فروع المدرسة التجريبية تطرفا فى طرحها، الوضعية positivism مشتقة من المدرسة الفلسفية العلمية فى منتصف القرن التاسع عشر لأوجوست كوميت Auguste Comte. لكن فى الثلاثينيات كارناب اقترح ان يتم تغير اسم الحركة من الوضعية المنطقية logical positivism للتجريبية المنطقية logical empiricism التغيير ده قد يوحي ان الحركة اصبحت اكثر تجريبية فى مراحلها الاخيرة، لكن العكس صحيح فى الحقيقة، على اى حال هنستخدم مصطلح الوضعية المنطقية للتعبير على المرحلة الاولى فى تاريخ الحركة والتجريبية المنطقية للتعبير على المرحلة الاخيرة فى تاريخ الحركة. لكن علشان نقدر نفهم الحركة لابد واننا نفهم الاطار التاريخي والاجتماعي اللى ظهرت فيه. فلاسفة الوضعية المنطقية كانوا متأثرين جدا بالتطورات العلمية فى بدايات القرن العشرين، خصوصا أعمال الفزيائي الشهير ألبرت أينشتين Einstein. ده بالاضافة الى انهم اعتقدوا ان التطورات فى المنطق، الرياضيات، وفلسفة اللغة اظهرت طريقة من الممكن تصنع فلسفة تجريبية جديدة قادرة على حل كل مشاكل الفلسفة! بعض المشاكل ستحل والبعض الاخر سيتم أهمالها لانها بلامعنى. أفكار فلاسفة الوضعية التجريبة حول اللغة كانت متأثرة بشكل كبير بأفكار وأعمال أحد أهم فلاسفة وعلماء المنطق فى القرن العشرين الفيلسوف الالماني لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein. بالرغم من ان فتغنشتاين نفسة كان معاصر للحركة لكنة ماكنش من أتباعها، من الجائز فلاسفة الحركة قد يكونوا اساؤوا فهم افكارة او اعتنقوها فى غير محلها. على اى حال بالرغم من ان قادة الحركة كانوا معجبين ومتأثرين بأفكار بعض الفلاسفة، الا ان الحركة بشكل عام ماكنتش راضية عن الحوارات الفلسفية الدائرة، فى السنوات التالية لموت الفيلسوف الالماني أيمانيول كانط سنة 1804 الفلسفة شهدت ظهور عدد من المنظومات الفكرية شفاها اتباع الحركة على انها غامضة، جوفاء، بلامعنى، وفى بعض الوقت مؤذية اجتماعيا وسياسيا! .. ويمكن أحد رؤس الشر من وجهة نظرهم كان الفيلسوف الالماني هيجل G. W. F. Hegel مؤسس حركة المثالية الالمانية German idealism اللى عمل فى بدايات القرن التاسع عشر وكان تأثيرة عميق على الفكر الاوروبي فى تلك الفترة بشكل عام والالماني بشكل خاص. أهم واشهر اعمال هيجل كانت حول العلاقة بين الفلسفة والتاريخ، واعتقد ان التاريخ البشري ككل عبارة عن عملية فيها روح وجوهر عالمي World Spirit بتصل تدريجيا لأدراك ذاتها وكيانها. بالنسبة لهيجل، الافراد اقل اهمية من الاقليم او الجماعة ككل، خصوصا دور الامة او الجماعة فى التقدم التاريخي. الافكار دى اخذت كمنصة قوية لدعم صور قوية وفي بعض الاحيان متطرفة من القومية Nationalism. فلسفة هيجل كانت مثالية لانها نظرت لصورة الواقع كصورة عقلية روحية. لكن الصورة دى مش معنى كدة ان كل فرد بيصنع الواقع طبقا لصورة عقلية ما، لكن هناك صورة واحدة للواقع ككل ذات شخصية روحية وعقلية، الصورة اللى عادة مابيطلق عليها “المثالية المطلقة absolute idealism” (هنرجع نناقش أفكار هيجل والمدرسة المثالية بالتفصيل فى حلقات سلسلة فلسفة الاجتماع). على اى حال تأثير هيجل انتشر وازدهر فى القارة الاوروبية ثم انحسر وتراجع مع الوقت فى النصف الثاني من القرن التاسع عشر لكن مع تراجعه فى أوروبا بدأ بالانتشار بقوة فى كلا من انجلترا وامريكا. المثالية المطلقة مثال جيد على الفلسفات والافكار اللى كان قادة حركة الوضعية المنطقية ضدها. على سبيل المثال الفيلسوف الألماني القريب من الحركة هانز ريتشنباك Hans Reichenbach في كتابه “صعود فلسفة العلم The Rise of Scientific Philosophy” اللى نشرة سنة 1951 اشتمل على اقتباس من أهم أعمال هيجل فى الفلسفة والتاريخ، اللى قال فيه “العقل هو جوهر، وقوة لانهائية، مادته اللانهائية هى كل الحياة الطبيعية و الروحية، كما هو الشكل اللامتناهي ، الذي يضع المادة في الحركة” .. ريتشنباك أعتقد كدارس للفلسفة عند قراءته الاولي للجملة دى، انه المشكلة في قدرته على الاستيعاب وبالتالي ماقدرش يفهم الجملة. لكن بعد دراسة ومحاولة جادة طويلة بيكتشف ان الخطأ عند هيجل فى أن الجملة تبدو بلا معنى، لأن اى حقيقة بتحاول الجملة ايصالها ضاعت فى الاستخدام السيئ للغة. الدارسين عادة ما بصفوا هذه الفترة في التاريخ على انها كانت معارك طاحنة ما بين اتباع الوضعية التجريبية وفلاسفة المثالية المطلقة. لكن فى الحقيقة الصورة دى مش دقيقة، لان فى بدايات القرن العشرين كان فى مدارس فلسفية عديدة منتشرة فى أوروبا. مثلا مدرسة الرجوع لفلسفة كانط (اللى يبدوا وأنها حركة بيعاد احيائها فى التاريخ كل 100 سنة )، حركة اخرى كانت منافسة للوضعية المنطقية هى فلسفة مارتين هايدغر . Martin Heidegger هيكون من الصعب فى المساحة المتاحة من الوقت انى الخص لك فلسفة هايدغر، لكن بشكل عام من الممكن تصنيف هايدغر على أنه فيلسوف وجودي existentialist ومن الجائز أنه أكثر فلاسفة الغرب الغامضين واللى من الصعب فهم أفكارهم. وجادل ان لابد وان نفهم حياتنا على انها قائمة في الأساس على التكيف مع العالم وليس معرفته، كل تجاربنا متأثرة إدراكنا لفكرة أننا مسافرون عبر الحياة تجاه الموت. وأفضل ما يمكن ان نفعلة فى تلك الحالة نعيش حياة حقيقية خالصة. الصورة دى للحياة تبدو منطقية، لكن هايدغر دمج رؤيتة عن كيف يشعر تجاة كيف نحيا مع تخمينات ميتافيزيقية مجردة، خصوصا فى مناقشاته لطبيعة اللاشئ Nothing (هنناقش أفكار هايدغر بالتفصيل فى حلقات سلسلة الفلسفة الوجودية). على اى حال هايدغر كان احد اهم اعداء حركة الوضعية المنطقية اللى ادعت تمثيل افكار وقيم حركة التنوير الاوروبية فى مواجهة التصوف، الغموض، الرومانسية، والقومية. وأتباعها رفعوا العقل فوق الغموض. والمنطق فوق البديهي. ده بالاضافة لانهم كانوا أمميين internationalists وفضلوا فكرة الكونية على القومية، ولغة محددة دقيقة يستطيع كل البشر استخدامها للتواصل بشكل واضح محدد. حلقة فيينا ازدهرت في منتصف العشرينيات حتى منتصف الثلاثينيات، وأفكار الوضعية المنطقية انتقلت لإنجلترا عن طريق الفيلسوف الانجليزي ألفريد أير A. J. Ayer فى كتابة المهم “اللغة، الحقيقة، والمنطق Language, Truth, and Logic” سنة 1936 لكن مع ظهور أفكار وفلسفة كلا من الفيلسوف الإنجليزي جورج موور G. E. Moore و الفيلسوف والرياضي الانجليزى برتراند راسل Bertrand Russell الفلسفة الانجليزية تخلت عن المثالية المطلقة وعادت مرة أخرى التجريبية التقليدية. لكن مسار الحركة اختلف فى قارة أوروبا، مع بداية الثلاثينيات بدأ نجم هتلر فى الظهور. كثير من أتباع حلقة فيينا كانوا ذو ميول أشتراكية socialist وبعضهم كان من جذور يهودية، وبكل تأكيد ماكنش مابينهم اتباع للحزب النازى. وبالتالى تم اضطهادهم من قبل النازيين اللى شجعوا الحركات الفلسفية والاجتماعية القومية الداعمة لألمانيا بشكل خاص اللى عادة ما اتسمت بنوع من الغموض، التصوف، والنزعات القومية. هايدغر انضم للحزب النازي سنة 1933 وبقي عضو في الحزب طوال فترة الحرب. وكثير من فلاسفة الوضعية المنطقية زى رودلف كارنب، وهانز روتشينبيك، كارل هيمبيل Carl Hempel هربوا من أوروبا للولايات المتحدة.الأمر اللى ساهم في انتشار وازدهار الفلسفة الأمريكية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن فى أمريكا صوت الوضعية المنطقية أصبح أكثر هدوءا نتيجة المناخ الفكري والسياسي المختلف عن ألمانيا والنمسا اللى كانت بيئة مكثفة للتفلسف فى ثلاثينيات القرن الماضى.
التحقيق والاستدلال Verification and Induction
أفكار الوضعية المنطقية عن العلم والمعرفة الجوهرية كانت قائمة على نظرية عامة للغة. اللى اتسمت بفكرتين أساسيتين التفريق ما بين التحليلي والاصطناعي the analytic synthetic distinction ونظرية التحقق من المعنى the verifiability theory of meaning. فكرة التمييز ما بين التحليلي والاصطناعي هتبدو بديهية على الأقل فى البداية، ببساطة بعض الجمل صحيحة true أو خاطئة false ببساطة بناء على معناها، بغض النظر عن صورة العالم الخارجي الجمل دى بيطلق عليها جمل تحليلية analytic أما الجمل الاصطناعية synthetic هل جمل صحيحة او خاطئة بناء على معنى الجملة وصورة العالم الخارجي. مثلا “كل العزاب غير متزوجين” هو المثال القياسي للجمل التحليلية الصحيحة، اما “كل العزاب سمر البشرة” مثال على جملة اصطناعية فى الحالة دى خاطئة. بصورة ابسط الحقائق التحليلة حقائق فارغة لاتضيف محتوى معرفي حقيقي factual content جديد، الحقائق اللى بتقدمها ضرورية، لأنها فارغة من أي إضافة حقيقية عن العالم. التفريق ده ما بين التحليلي والاصطناعي analytic-synthetic موجود من القرن الثامن عشر وصاغها العقل الفذ إيمانويل كانط. بالرغم من التفريق يبدو بديهي جدا، الا ان اعتناق فلاسفة الوضعية المنطقية جعل منها إشكالية فلسفية، الوضعية المنطقية ادعت ان كل الرياضيات والمنطق تحليلية . بالنسبة لاتباع الحركة الفرضيات الرياضية لاتصف العالم، لكنها بتسجل فهمنا للعالم عن طريق مجموعة من الرموز المتفق عليها. الادعاءات الاصطناعية عن العالم من الممكن وصفها عن طريق الرياضيات، زى مثلا ان هناك 9 كواكب في النظام الشمسي. لكن الاثباتات والتحقيقات داخل الرياضيات نفسها تحليلية. الفلاسفة الاوائل داخل المدرسة العقلانية Rationalism ادعوا ان هناك اشياء بديهية a priori بمعنى أن من الممكن الوصول لها ومعرفتها بشكل مستقل عن التجربة الذاتية. لكن أتباع حركة الوضعية المنطقية اصروا على ان الاشياء اللى تعرف بعيدا عن التجربة والواقع فارغة من اى حقائق اى انها تحليلية. أحد أشهر الامثلة على الفكرة دى من تاريخ العلم هى هندسة أقليدس Euclid اليونانية القديمة اللى اعتقد انها نموذج ساطع للمعرفة الحقيقة لقرون عديدة . أيمانيول كانط كان ملهم بالتطبيق الناجح للهندسة الإقليدية على الطبيعه في الفيزياء النيوتونية. لدرجة انه ادعى ان الهندسة الاقليدية جنبا الى جنب مع باقى الرياضيات بديهيات اصطناعية. لكن فى القرن التاسع عشر الرياضيين علموا على منظومة هندسية بديلة لمنظومة أقليدس كتمرين رياضي وليس كبديل لوصف لوصف الخطوط، الزوايا، والأشكال في الطبيعة. وفي بدايات القرن العشرين نظريات اينشتين الثورية فى الفيزياء أظهرت وجود هندسة غير أقليدية فى العالم! الأمر اللى كان محل اعجاب اتباع الوضعية المنطقية واثر على تحليلهم للمعرفة الناتجة عن الرياضيات. وأصروا ان الرياضيات الخالصة مجرد جمل تحليلية وقسموا الهندسة لقسمين، قسم رياضي بحت واعتبروه تحليلي لا يضيف اى معرفة جديدة عن العالم فقط يصف المنظومات الهندسية الممكنة. و قسم عبارة عن مجموعة من الادعاءات الاصطناعية عن اى منظومة هندسية ينطبق على الواقع. الفكرة الثانية فى النظرية العامة للغة اللى ألهمت الوضعية المنطقية هى نظرية التحقق من المعنى the verifiability theory of النظرية دى بتنطبق فقط على الجمل الغير تحليلية و تتضمن معنى حقيقي محدد، اى الجمل اللى بتحاول تقول شئ عن العالم. النظرية عادة ما يمكن صياغتها كالاتى “معنى الجملة بيتكون من طرق تحقيقها the meaning of a sentence consists in its method of verification” بصورة أبسط معرفة معنى جملة ما هو معرفة كيفية التحقق منها، وبالتالى لو هناك جملة بدون اى طريقة ممكنة للتحقق من صحتها، تصبح جملة بلا معنى. من المهم هنا الاشارة لان اتباع الحركة قصدوا بالتحقق verification عن طريق الملاحظة observation اللى تشتمل عىل كل صور التجربة الحسية. التحقيقية Verificationism
مبدأ تجريبي مهم واساسي، التجربة هي المصدر الوحيد للمعنى، وبالتالي المصدر الوحيد للمعرفة. من المهم ايضا الاشارة هنا الا ان التحقق هنا كافي لان يكون فى المبدأ وليس فى الممارسة، اى ان الفكرة قابلة للتحقيق، وان مش من الضروري وجود تحقيق اوا ختبار كامل وتام للفكرة او الجملة، المهم ان يكون هناك امكانية للوصول على دليل ملاحظ من الممكن أن يستخدم لاثبات او نفي الادعاء في الجملة. في بدايات الوضعية المنطقية الفكرة كانت أن على الأقل نظريا من الممكن ترجمة كل الجمل اللى بتحتوى على معاني حقيقية عن العالم إلى جمل بتعتمد فقط على الحواس وأنماط تربطها ببعضها البعض. الفكرة دى تم هجرها سريعها لانها كانت متطرفة جدا. لكن فكرة التحقق ظلت داخل الحركة بعد التخلص من فكرة الترجمة لجمل قائمة على الحواس فقط. مبدأ التحقيق استخدم كسلاح من فكرى من قبل أتباع الحركة، فى المناقشات العلمية اليومية الادعاءات قابلة للتحقيق وبتالى بتصبح ذات معنى، لكن بعض المناقشات من غير المفترض أن تحتوي على ادعاءات على الحقيقة وبالتالي بتفشل فى اختبار التحقيق، لكنها غير مضرة زى مثلا اللغة الشعرية اللى بتعبر عن العواطف والجمل الادبية الخ، لكن هناك جمل بتدعى حقائق عن العالم لكنها بتفشل فى اختبار التحقيق بالنسبة لأتباع حركة الوضعية المنطقية ده بيشتمل على غالب الفلسفة التقليدية، الأخلاق، الدين واللاهوت. التحليل ده للغة قدم إطار عمل للوضعية المنطقية لفلسفة العلم. العلم نفسه نظر إليه كنموذج معقد لنفس النمط من التفكير، المنطق، وحل الإشكاليات اليومية على العكس من المهاتارات اللغوية فى الفلسفة التقليدية من وجهة نظرهم. الوضعانيون فرقوا ما بين لغة الملاحظة observational واللغة النظرية theoretical بالرغم من انهم اختلافهم حول تحديد حدود الاختلاف بدقة. وعادة ما تم تطبيقه للمصطلحات المختلفة. فمثلا “أحمر” مصطلح ملاحظي، اما “الكترون” مصطلح نظري .. وبنفس الصورة جملة “القضيب مشع بالاحمرار” جملة ملاحظية اما جملة “ذرة الهيليوم بتحتوى على إلكترونين” جملة نظرية. لكن بقي السؤال المهم ماهو معيار التفريق مابين الملاحظ والنظرى؟ .. تشيلك Schlick اعتقد ان المصطلحات المرتبطة بالحواس فقط ملاحظية واى مصطلحات أخرى نظرية. Neurath اعتقد ان ده غير صحيح وجادل أن المصطلحات اللى بتشير للكائنات الفيزيائية الطبيعية جزء من لغة الملاحظة، وجادل ان الاختبار والتحقيق العلمي لابد وان لايرى من وجهة نظر فردية شخصية اللى عادة ما بتتكون من خلال الحواس. وبالتالى فقط المصطلحات اللى بتشير اللى كائنات فيزيائية طبيعية هى الأساس للغة الملاحظة التحقيقية. كارنب Carnap اعتقد ان فى عدد من الطرق المقبولة لترسيم الحدود ما بين الملاحظ والنظري في اللغة. وان الفرد من الممكن أن يستخدم الطريقة المناسبة للتعبير عن الغرض. الخطوة اللى كانت مقدمة اخدها كارنب تجاه رؤية جديدة مبنية على منظومة لغوية جديدة. على اى حال من المهم اننا نناقش أفكار حركة الوضعية المنطقية حول المنطق بما انة الاداة الاساسية فى العملية الفلسفية، بما في ذلك المناقشات الفلسفية داخل العلم. المنطق بشكل عام هو محاول لإعطاء نظرية مجردة لماذا جدلية ما صحيحة، متسقة ومقبولة. المنطق الاستنتاجي Deductive logic هو الصورة الأكثر شهرة من المنطق واللى غالبا هتكون مألوفة جدا لك لو كنت متابع لحلقات كلام فلسفة. اللى بيحدد إطار نمطى للجدليات حتى تنقل الحقيقة من مقدماتها إلى نتائجها. الإطار بيحدد ان لو مقدمات أو فرضيات الجدلية صحيحة لابد وان تكون نتيجتها صحيحة، المنطق اللى أعتقد فيه اتباع الوضعية المنطقية، اما النوع الاخر من المنطق اعتقدوا أنه محل للخلاف، وهو المنطق الاستقرائي inductive logic بنفس صورة المنطق الاستنتاجي الجدلية بتقدم دعم لصحة نتيجتها لكن هذا الدعم غير مضمون بشكل قاطع كما فى المنطق الاستنتاجي. بالنسبة للوضعانين تطوير المنطق الاستنتاجي كان له اهمية كبيرة، لان تقريبا معظم الحجج والجدليات اللى بنتعامل معاها فى حياتنا اليومية وفى العلم لا تتضمن هذا النوع من المنطق الاستنتاجي. حتى اقوى وافضل الأدلة العملية الموجودة اليوم غير قاطعة ولا ترقى لمستوى البرهان الاستنتاجي. هناك دائما مساحة للخطأ، لكن ده مش معناة انها ليست أدلة. والوضعانيون قبلوا فكرة امكانية وجود درجة من الخطأ، واعتقدوا أن العلم لن يصل ابدا لدرجة اليقين المطلق. فى وقتها الوضعية المنطقية كانت صورة ثورية، غير متسامحة، واحيانا متطرفة من التجريبية. قائمة بشكل كبير على نظرية اللغة. هدف العلم وهدف الأفكار، وعملية حل المشاكل اليومية بيتم في إطار تجريبي. وبالتالى نصبح قادرين على صنع تنبؤات عقلانية عن تجاربنا المستقبلية بناء على أنماط تجاربنا فى الماضى، لكن مش هتكون التنبؤات دى ابدا على نفس درجة البراهين القاطعة. وأن لايوجد أي سبيل آخر للمعرفة بجانب التجربة، والفلسفة فشلت رحلة بحثها عن المعرفة لما اعتنقت طرق أخرى للمعرفة بجانب التجربة. فى بدايات القرن العشرين تم تطوير صور أخرى قوية من المدرسة التجريبية، احدها الرؤية العملية operationalism اللى طورها الفيزيائي الأمريكي بيرسي بريدجمان Percy Bridgman وجادل فيها ان العلماء لابد وان يستخدما لغة علمية بطريقة فيها كل المصطلحات النظرية لابد وأن تكون مرتبطة باختبارات عن طريق الملاحظة. الرؤية القريبة جدا من الوضعية المنطقية لكنها بتستخدم لغة أكثر علمية.
نقد الوضعية المنطقية Logical Positivism Criticism
أفكار الوضعية المنطقية كانت ابدا ودائما فى حالة من التغير و مادة للنقد. أحد أهم المشاكل كانت داخلية مرتبطة بصعوبة تحديد مبدأ التحقيق بوضوح بحيث انه يشمل كل ما هو علمي ويتجنب كل الأفكار الفلسفية التقليدية. الإشكاليات دى كانت في كثير من الأحيان هزلية .. علي سبيل المثال لو جملة “المعادن تتمدد بالحرارة” قابلة للاختبار والتحقق، إذن جملة “المعادن تتمدد بالحرارة و الروح المطلقة تامة الكمال” أيضا جملة قابلة للاختبار والتحقيق!.. بسبب قواعد المنطق، لو جملة مكونة من شقين س و ص، ان أثبت أن س صحيحة إذن ص صحيحة بسبب تبعية ربط الواو .. والعكس صحيح! .. المشروع كلة تحول بسرعة لعملية محبطة جدا! ده بالاضافة لان فكرة تطوير منطق الاستقرائي inductive logic قابلت مشاكل عديدة! .. ده غير النقد الموجهة للأفكار المحورية فى الحركة. النقد الاهم والاقوى الموجهة للحركة طُرح فى ورقة فلسفية قدمها الفيلسوف التحليلي وعالم المنطق ويلارد فان أورمان كواين Willard Van Orman Quine بتعد الاهم والاشهر فى تاريخ الفلسفة في القرن العشرين بعنوان “عقيدتي التجريبية Two Dogmas of Empiricism” نشرها سنة 1953 . كوين جادل فى ورقته لنظرية كلية للأختبار والتحقق، واستخدم الفكرة دى للتمهيد لنظرية كلية للمعنى بشكل عام. لكن قبل ما أقدم لك نظرية كوين، هحاول افسرلك المقصود بفكرة الكلية holism .. الفلسفة مليئة بأفكار بتوصف بالكلية، اى نظرية كلية عادة ما بتجادل أن من غير الممكن اننا نفهم شئ ما بدون فهم موقعة داخل شئ أكبر منة. يعنى مثلا فى حالة نظرية كلية للاختبار والتحقق، كوين جادل أن من غير الممكن اننا نختبر فرضية لوحدها او جملة منفردة بشكل منعزل. لكننا عادة ما بنختبر شبكة معقدة من الادعاءات والفرضيات. ده لان فقط الشبكات المركبة والمعقدة من الادعاءات والفرضيات قادرة على صُنع تنبؤات عن الامور والاشياء اللى بنلاحظها في العالم. لو حاولنا اختبار او التحقق من فرضية او ادعاء بشكل منفرد او منعزل عن العالم لابد وأن نصنع مجموعة كبيرة من الفرضيات عن أشياء اخرى، عادة ما هتكون الفرضيات دى عن اجهزة القياس، الظروف المحيطة وقت إجراء تجربة التحقق أو الاختبار، الثقة في بيانات الاختبار، وقدرة المُختبر او المُلاحظ على تسجيل بيانات الاختبار او التجربة بشكل مستقر، الخ .. إجراء التجارب للأختبار والتحقق من صحة فرضية معينة جزء اساسي في حياتي العملية، ودائما ما بتكون فرضية واحدة تحت الاختبار، لكن فى الواقع الاختبار بيقع على شبكة متصلة ومعقدة من الادعاءات والفرضيات الاخرى، الشبكة دى بتصنع النتيجة النهائية، لو النتيجة كانت غير متوقعة اذن من الجائز أن الخطأ حدث فى أى جزء من تلك الشبكة المعقدة والمتداخلة من الفرضيات، بصورة اخرى فشل التجربة او خطائها مش معناه بالضرورة دائما أن الخطأ فى الفرضية المخبرة. خلينى ابسط لك الفكرة اكثر، تخيل مثلا اننا عاوزين نختبر فرضية ان ضغط الهواء العالي مرتبط باعتدال الطقس، هنقوم بمجموعة من الملاحظات، خلال الملاحظات دى هنجد أن ضغط الهواء العالي مرتبط بالطقس الغير مستقر. من الطبيعي جدا اننا نعتقد ان القرضية اللى بدأنا بيها خاطئة، لكن في احتمالات أخرى، مثلا بارومتر قياس الضغط الجوى كان فيه مشكلة واعطى قراءات غير صحيحة لضغط الهواء. او من الجائز أن هناك خطأ فى الملاحظات اللى قمت بيها لحالة الطقس، اى ان الخطأ مش فى الفرضية لكن فى الفرضيات الجانبية الأخرى اللى وضعنها من أجل اختبار الفرضية. فى الحقيقة أجزاء من جدلية كوين مقنعة، فعلا شبكة من الادعاءات من الممكن ان تعطينا حقائق عن العالم، والخطأ فى النتيجة دائما ما هيكون له عدد كبير من التفسيرات الممكنة، وبالصورة دى الاختبار فى بتلك الصورة لابد وان يكون كلي. لكن الاشكالية ان طريقة التفكير دى دائما ما هيترك لنا إمكانية مفتوحة لألقاء لوم فشل النتيجة على احد العوامل الجانبية الأخرى. فى الواقع التجريبي العلم له طرق فعالة جدا فى إلقاء اللوم على العامل الصحيح. اللى بشكل صعوبة لتلك الفكرة الفلسفية، وفكرة ان فشل توقعات التجربة او الملاحظة دائما ما هيكون له عدد كبير من الاحتمالات الممكنة لن يحل جدال الكلية. الجدليات الكلية كان لها تأثير كبير على فلسفة العلم فى منتصف القرن العشرين. كوين اللى ورقته البحثية امتلأت بالامثلة والتجارب خفيفة الظل (اللى انصحك بقرائتها فى اقرب فرصة ممكنة) جادل أن التيار العام لفلاسفة التجريبية اعتنقوا فكرة سطحية ومبسطة جدا عن التحقق او الاختبار. وبالتالى الوضعية المنطقية لابد وأن نستبدل بنسخة كلية من التجريبية. لكن المشكلة ان اتباع الوضعية المنطقية قبلوا فكرة ان الاختبار او التحقق كلي، علي سبيل المثال هربرت فيجل Herbert Feigl كتب سنة 1943 “ان لا توجد اى فرضية علمية قابلة للتحقق والاختبار فى عزلة، فقط شبكات مترابطة ومتداخلة من الفرضيات من الممكن اختبارها، كارنب وأير وغيرهم من قادة الحركة أكدوا نفس المعنى بصورة او باخرى. النظرية الكلية للاختبار او التحقق أحيانا بيطلق عليها نظرية دوهيم-كوين the Duhem-Quine thesis نسبة إلى الفيزيائي الفرنسي بيير دوهيم Pierre Duhem اللى طرح نفس الفكرة. الاشكالية ان بالرغم من أن قادة الحركة كتبوا واقروا بفكرة الاختبار الكلية الا ان مبدأ التحقق يبدو وأنه بيفترض ان من الممكن اختبار الفرضيات والجمل بشكل منفرد ومستقل. بشكل محدد الوضعيون جادلوا أن الملاحظات مرتبطة بفرضية محددة قائمة على خلفية من الفرضيات الجانبية الاخرى، لكن يبدو بعد هذا انهم بيربطوا نتيجة الاختبار فقط بالفرضية نفسها بدون الفرضيات الجانبية. كوين على الجانب الآخر جعل تبعات الكلية واضحة جدا. وبنى أيضا نتائج عن اللغة والمعنى، بما ان هناك وصلة ما بين الاختبار والمعنى بناء على الوضعية المنطقية، كلية الاختبار لابد وأن تقود لكلية المعنى holism about meaning وكلية المعنى هتسبب مشكلة لكثير من أفكار الوضعيون. فكرة كوين عن الكلية اللى دافع عنها فى ورقته البحثية كانت متطرفة وشملت هجوم على فكرة قدمتها لك فى بداية الحلقة واعتبارنا انها منطقية وهى الفرق ما بين الجمل التحليلية والاصطناعية! كوين فى الحقيقة جادل ان التفريق ده ما لوش اى وجود وعقيدة اخرى غير مبررة فى المدرسةالتجريبية. كوين جادل ان فكرة ان هناك نوع من الجمل التحليلية الهدف منها هو كان حماية بعض الادعائات من اعادة النظر فيها او التحقق منها. لكن ف الحقيقة لاتوجد جمل غير قابلة للمراجعة او اعادة النظر. لكن كارنب كان قرر بالفعل ان الجمل التحليلة من الممكن ان تراجع، لكن بطريقة خاصة، المجتمع العلمي من الممكن انه يتخلى عن نموذج منطقي او لغوى بالكامل ويستبدلة باطار عمل او نموذج اخر. وبالنسبة لاطار العمل الجديد ده بعض الجمل هتكون تحليلة وبالتالى لن تكون قابلة للأختبار التجريبي. اى ان كارنب فى فلسفتة فرق ما بين التغيير داخل نفس الاطار اللغوى او المنطقي الواحد عن تغيير الاطار اللغوى او المنطقي بالكامل. كوين جادل ان لاتوجد طريقة علمية واضحة للتفريق ما بين التحليلي والاصطناعي، وربط ده بفكرة كلية الاختبار، بالنسبة له كل الأفكار والفرضيات عبارة عن شبكة واحدة متداخلة من المعتقدات اللى بتتصل مع التجربة الشخصية ككل. ملاحظة غير متوقعة من الممكن ان تدفعنا لتغيير جزء كبير من شبكة معتقداتنا او على الاقل نعيد النظر فيها. حتى الجمل اللى قد تبدو تحليلية من الممكن اعادة النظر فيها كرد فعل للتجربة، كوين استخدم النتائج الغريبة اللى توصل اليها العلماء في فيزياء الكم quantum physics جعلت العديد من العلماء يعتقد أن من الجائز بعض التعديلات على المنطق قد تكون مطلوبة!
التجريبية المنطقية Logical Empiricism
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كثير علماء ومفكري حلقة فيينا هربوا بالفعل لأمريكا. نفس الشخصيات اللى قادت الحركة فى المانيا والنمسا مازالت بتقودها فى امريكا لكن الأفكار اختلفت والحدة قلت. استبدلوا فكرة تدمير الفلسفة التقليدية ببرنامج دقيق للتحليل المنطقي للغة والعلم. بنفس الصورة السابقة فى حركة الوضعية المنطقية الأفكار والنظريات حول اللغة شكلت أفكار حركة التجريبية المنطقية عن العلم. التفريق ما بين الجمل التحليلية والاصطناعية لم يتم التخلص منه تماما لكنه وضع محل الشك. والتجريبية المنطقية وقعت تحت ضغط حجة كوين، ونظرية التحقق verifiability theory اللى كانت فى البدايات غير قابلة للنقاش استبدلت بنظرية تجريبية كلية للمعنى holistic empiricist theory of meaning . النظريات أصبحت تركيبات مجردة abstract structures بتربط الفرضيات ببعضها والتركيبات دى متصلة ببعضها البعض ككليات مستقبلة أو ملاحظة فى العالم الخارجي، لكن لاتوجد نظرية مستقلة او ادعاء منفرد له ملاحظات مستقلة خاصة بية فى العالم. مصطلح نظرى زى الالكترون او الجين، بيستقي معناه من المركب الكاملة ومن علاقة المركب الكامل بالعالم الملاحظ. الطرح اللى قدمته الوضعية المنطقية حول التفريق ما بين هو ملاحظ ونظرى تم الابقاء علية ، لكن فكرة ان لغة الملاحظة بتصف الإشارات الحسية الفردية تم التخلص منها. والاسس الملاحظية العملية أصبحت قائمة على وصف الكائنات والأشياء الملاحظة فى الطبيعة. أحد الامثلة على الاعمال اللى قدمتها حركة التجريبية المنطقية فكرة التفسير explanation فى العلم. هيمبل Hempel و أوبينم Oppenheim فى كتابهم المهم دراسات فى تفسير المنطق Studies in the Logic of Explanation. Philosophy of Science اللي نشروه سنة 1948 بالنسبة لهم تفسير شئ هو كيف تستنبط استخدمها فى جدلية منطقية، حيث ادعاءات الجدلية بتحتوى على الأقل على جملة واحدة من القانون الطبيعي. الفكرة دى بتوضح ان المنطق الاداة الاساسية فى فلسفة العلم. زى ما شفنا قبل كدة ان الوضعية المنطقية بتشوف ان هدف العلم الوحيد والأساسي هو البحث عن الانماط فى التجارب البشرية. بالنسبة للحركة لما العلماء بيحاولوا يوصفوا تركيبات من غير الممكن ملاحظتها فى العالم بتسبب الأشياء اللى بنراها، العلماء لابد وأن يصفوا العالم الملاحظ من خلال لغة خاصة مجردة، اللغة العلمية حتى الان لها معنى فقط فى التقاط وايجاد الأنماط فى التجارب. لكن حركة التجريبية المنطقية عانت كثيرا من نفس المبدأ، كارل هيمبل Carl Hempel نشر ورقة بعنوان “معضلة الباحث النظري The Theoretician’s Dilemma” نشرها سنة 1958 اللى طرح فيها إشكاليات التجريبية المنطقية مع الفكرة دى. هيمبل كان منجذب لفكرة الدور المحتمل الوحيد لتلك الأجزاء من اللغة التي يبدو أنها تشير إلى كيانات لا يمكن رؤيتها هي مساعدتنا على اختيار الأنماط في المجال المرصود. ولو هناك أجزاء فى النظرية لا يمكن وصفها بشكل واضح فى الحقيقة هذة الاشياء هتظهر قيمتها من خلال القيمة اللى بتظهرها فى الواقع. وبالتالي لا يوجد مبرر لتلك الأجزاء من اللغة العلمية لوصف أشياء خارج إطار تجربتنا الشخصية. لكن هيمبل والتجريبيون وجدوا نفسهم في مأزق لأن الحقيقة مختلفة فى الواقع عند اجراء البحث العلمي. عندما يستخدم العلماء مصطلح زى الكترون او جين بيتصرفوا ويتعاملوا معها على انها اكثر من مجرد أنماط ملاحظة فى الواقع. لكن الفكرة الى دافع عنها اتباع التجريبية المنطقية كان من الصعب تحقيقها. التجريبيون كانوا مدركين وفاهمين لفكرة أن العالم المعاش الملاحظ وراه عالم آخر اعلى وغير ملاحظ، كامل ونقي. لكن الرؤية دى لعالم مكون من مجموعة من طبقات الحقيقة كانت مشكلة بالنسبة لهم. منذ بدايتها فى الفلسفة الاغريقية القديمة عند أفلاطون Plato اللى فرق ما بين العالم الوهمي الملاحظ وعالم الكمال او الاشكال والانماط الكاملة Forms (أرجع لحلقة كهف أفلاطون) .. والتجريبيون كان عندهم حق فى تجنب الطرح ده. لكن المشكلة ان العلم فى كثير من الاحيان العاملين فية بيفرضوا فرضيات ونظريات عن مركبات وتركيبات خفية في العالم بتعطى صورة الظواهرة والأشياء اللى بنلاحظها بحواسنا من اول الذرة، الالكترون، للجين، الخ .. التركيبات الخفية دى مش كاملة او نقية او أكثر واقعية عن الكائنات الاخرى الملاحظة فى العالم، لكنها قابعة خلف ظاهرة القدرة على الملاحظة. صحيح أن بعض المركبات والاشياء الغير ملاحظة فى وقت ما قد تصبح قابلة للملاحظة فى وقت أخر مستقبلى باستخدام اجهزة خاصة، مثلا زى الجراثيم. بالرغم من العلم ما بيقولش اى حاجة عن اية بالظبط قدرتنا المستقبلية او ايه الاشياء اللى مابنقدرش نلاحظها دلوقتى ومن الممكن نقدر فى المستقبل، ومع ذلك العلم بيتقدم بخطى ثابتة حتى وإن فرض كائنات غير ملاحظة وقت البحث. بالنسبة لفيلسوف التجريبية التقليدية فهم العلم بطريقة فيها طبقتين للعالم طبقة للظواهر الملاحظة وطبقة للتركيبات الخفية الغير ملاحظة اللى بتؤدى لظهور الطبقة الملاحظة فكرة بتأخذنا لأيام فلسفة أفلاطون القديمة اللى رفضوها. وبتصبح النتيجة أن فلاسفة التجريبية التقليدية بيصروا ان الشئ الوحيد اللى من الممكن ان تصفة اللغة العلمية هو الانماط فى العالم الملاحظ فقط. او زى ما أشار بعض أتباع الحركة فى كتابتهم “فى العلم لايوجد عمق، فقط سطح الأشياء!” . بالرغم من بساطو الجملة إلا أنها بتعبر بوضوح عن فكرة رفض التجريبين لفكرة الواقع والطبيعة مكونة من طبقات قابلة للملاحظة وطبقات غير قابلة للملاحظة. على اى حال يبدو أن فلاسفة التجريبية فى القرن العشرين اخطأوا فى الفكرة دى. لان من الممكن فهم العلم فقط الآن على أنه محاولة لوصف التركيبات الخفية اللى بتعطي الصورة الظاهرة اللى بنلاحظها فى الكون. ده ببساطة فكرة مدرسة الواقعية العلمية scientific realism اللى هنرجع نناقشها فى الحلقات المستقبلية من السلسلة، واللى اتبعها جادلوا ان العمق موجود فى العلم ومش مجرد تفريق بسيط ما بين طبقتبن للمعرفة فى الطبيعة. فى الواقع الطبيعة مليئة بطبقات عديدة من التركيبات الملاحظة لنا اللى متصلة ومستمرة مع طبقات عديدة من التركيبات الغير ملاحظة لنا بدرجات مختلفة. الجينات خفية بالنسبة لنا بطريقة ما، لكنها مش خفية لنا زى الإلكترونات، اللى مش خفية لنا زى الكوارك quarks، الخ. واللى قد يكون خفي وبعيد عن المنال فى وقت مال، قد يصبح الملاحظ والمكشوف في وقت أخر!
إشكالية الاستقراء The Problem of Induction
لماذا تأكد الملاحظة Observation النظرية العلمية؟ .. ماهي العلاقة بين الملاحظة والنظرية اللى بتجعل الملاحظة دليل على النظرية؟ .. بشكل أو بآخر دى كانت مشكلة فلسفة العلم الرئيسية فى المائة سنة الماضية! واللى كانت محورية لمشروع حركة الوضعية المنطقيةlogical positivism والتجريبية المنطقية logical empiricism وكانت مصدر خيبة أمل كبيرة لكثير من اتباعها. هدف التجريبية المنطقية كان تطوير نظرية منطقية للدليل والتأكيد confirmation، نظرية تعامل التأكيد كعلاقة مجردة ما بين الجمل. اللى للأسف باء بالفشل زى ما شفنا. علشان نختبر ونحلل الأدلة المستخدمة فى العلم لابد من تطوير نظرية أخرى مخالفة للأفكار اللى استخدمها اتباع التجريبية المنطقية، لكن النظرية دى هتاخد مننا حلقات الى ان تظهر لنا الفكرة بوضوح!.. على أى حال هنبدأ بحثنا عند تطور فكرة إشكالية التأكيد فى منتصف القرن العشرين. لكن كالعادة كل المشاكل الفلسفية الحديثة لها جذور فى كلاسيكيات الفلسفة. وجذور إشكالية التأكيد بترجع لإشكالية فلسفية كلاسيكية معروفة بإشكالية الاستقراء the problem of induction اللى ببساطة من الممكن صياغتها فى التساؤل الآتي “ما الذي يدفعنا للاعتقاد فى ان الانماط الملاحظة فى الواقع من خلال تجاربنا الماضية هتتكرر فى المستقبل؟” .. ايه هو الاساس اللى علية بنينا قاعدة ان الانماط الملاحظة في الماضي تشكل تعميم التكرارية فى المستقبل؟ .. المناقشة الأشهر لإشكالية الاستقراء ظهرت في أعمال فيلسوف القرن الثامن عشر الاسكتلندى ديفيد هيوم David Hume، اللى تسائل ببساطة ماهو السبب لدينا للأعتقاد في أن المستقبل سيماثل الماضى؟ .. لايوجد اى تناقض منطقي فى افتراض ان المستقبل قد يختلف تماما مع الماضى. من الجائز جدا أن العالم يتغير بشكل جذري عند أى نقطة فى الزمن، الأمر اللى هيجعل كل التجارب السابقة عديمة القيمة. ولو ده محصلش حتى الان، كيف نضمن أنه لن يحدث فى المستقبل؟ .. من الممكن اننا نرد على هيوم ونقول ان السبب هو تجربتنا الشخصية المستقرة المتكررة، لما أعتمدنا على الأنماط الملاحظة فى الماضي وجدنا أنها بتتكرر في المستقبل! .. لكن هيوم هيرد ان ده تهرب من المطلوب (او احيانا بتعرف مصادرة على المطلوب) begging the question مقدمات الجدلية افترضت صحة نتيجتها! .. بافتراض أن الاستقراء قد عمل في الماضي .. ما فيش مانع، بس ده مازال الماضي ! .. لانك اشرت لماضي الماضي، لانه ماضي تجاربك، لكننا بنسأل السؤال على ماضي الحاضر .. بصورة ابسط هل هناك اى شئ في الماضي من الممكن أن يعطينا معلومات عن ماذا سيحدث في الغد؟ .. هيوم خلص لان لا يوجد سبب لدينا للأعتقاد في أن الماضي سيتماثل مع المستقبل. وكان متشكك في فكرة الاستقراء بشكل عام بالرغم من قبولة لفكرة استخدمنا الاستقراء بشكل يومي للتعامل مع العالم المحيط بينا، ماكنش بيقترح اننا نبطل التقليد ده (ان استطعنا من الأساس). لأن الاستقراء عملية طبيعية سيكولوجيا بالنسبة للبشر. لكن بالرغم من ده هيوم اعتقد ان الاستقراء ليس له أساس عقلاني!وشكوكة حول عقلانية الاستقراء أصبحت كابوس التجريبين عبر العصور!
أتباع حركة التجريبية المنطقية حولوا اظهار ان الادلة من الملاحظة من الممكن أن تدعم التجربة العلمية. لاحظ انى استخدمت كلمة تدعم، لأن هدف ماكنش اظهار انها إثبات للنظرية، لان دائما ما هتكون هناك امكانية للخطأ، لكن الدليل قد يرجح او يدعم نظرية على نظرية أخرى. المثال البسيط التقليدي على هذة الفكرة هو مثال لو لاحظت عدد كبير من البجع الابيض، ماهو السبب فى الاعتقاد ان كل البجع أبيض؟؟ ولن يكون هناك بجع له ألوان اخرى؟ .. طبعا مش كل الدعم من خلال الملاحظة فى العلم بيجرى على هذا النهج .. نظرية كوبرنيكوس بأن الأرض بتدور حول الشمس، أو نظرية دارون للتطور استخدمت طرق مختلفة.دارون ما لاحظش مجموعة من الحالات المنفردة للتطور مثلا وعلى أساسها عمم نظريتة. التجريبيين أرادوا صياغة نظرية للدليل أو نظرية للتأكيد theory of confirmation اللى من الممكن استخدامها لتغطية كل الحالات الممكنة، ومش المقصود هنا تطوير وصفة لكل نظريات وطرق التأكيد، لكن الهدف كان تطوير علاقة ما بين الجمل اللى بتتكون منها النظرية والجمل اللى تصف الملاحظة، هذه العلاقة تضع الملاحظة فى موقع الدعم للنظرية. عارف اللى بيدور في عقلك دلوقتى .. أكيد بتسأل وايه الأهمية فى وجود تحليل منطقي زى ده؟ .. هيفرق في ايه من الناحية العلمية؟ .. صحيح بالرغم من ان السلوك العلمي لايتبع نظرية تأكيدية، الا ان الاجراءات والعمليات العلمية من الممكن أن تعتمد على فرضيات فى نظرية التأكيد! .. يعني بصورة أبسط العلماء بيقوموا بأشياء كثيرة اليوم من الصعب تبريرها إن لم توجد نظرية للتأكيد! … قبل ما أوضح لك الفكرة بعمق، لابد واني افكرك تاني بالفرق ما بين المنطق الاستنتاجي deductive الاستقرائي inductive. المنطق الاستنتاجي بيعد النوع الاكثر قبولا واقل خلافا حولة من المنطق، وببساطة لو مقدمات الحجة صحيحة، نتيجة الحجة لابد وان تكون صحيحة، الحجج والجدليات اللى من هذا النوع بيطلق عليها صحيحة الاستنتاج deductively valid – المثال التقليدي على حجة صحيحة الاستنتاج هو كل الرجال فانية، سقراط رجل، إذن سقراط فاني. أتباع حركة الوضعية المنطقية كانوا شديدي الإعجاب بالمنطق الاستنتاجي زى ما شفنا قبل كدة لكنها اردكوا ان هذا النوع من المنطق لن يصلح كأداة تحليلية للادلة والجدليات المستخدمة فى العلم. النظريات العلمية لابد وأن تكون متسقة منطقيا، لكن كثير من الاستنباطات العلمية ليست صحيحة الاستنتاج deductively valid ولا يمكن ضمان استنتاجها منطقيا، لكنها مازالت استنباطات واستقراءات جيدة، ومازالت قادرة على دعم نتيجتها! .. التجريبيون اعتقدوا أن كل الادلة مشتقة من الملاحظة، والملاحظة دائما ما بتخص كائن أو شيء محدد وحدوثه فى الواقع. لكن فى نفس الوقت رأوا أن هدف العلم الأسمى هو اكتشاف ووضع التعليمات generalizations. او احيانا وصفوا الهدف ده بوصف قوانين الطبيعة، أو تكوين واختبار التعميمات، اللى لها نطاق واسع من التطبيقات، لكن لا يوجد عدد من الملاحظات المنتهية finite المحدودة اللى من الممكن أن تأسس لتعميم من هذا النوع .. وبالتالى الاستنباط امن الملاحظات لدعم التعميم دائما ما هيكون غير استنتاجي nondeductive ( لان كل المطلوب هو حالة واحدة من نفس النوع لكسر تعميم او نظرية ، كي تثبت خطأ التعميم او النظرية). ومن هنا التجريبين اشاروا للمنطق الاستقرائي على أنه كل الحجج المنطقية الصحيحة التى لا تندرج تحت تصنيف المنطق الاستنتاجي .. في مثال البجع الأبيض، من الممكن اننا نصيغ الفرضيات كالاتي البجعة ج1 تم ملاحظتها فى الوقت ت1 ، البجعة ج2 تم ملاحظتها فى الوقت ت2، الخ .. او من الممكن اننا نقول ببساطة أن كل البجع الملاحظ حتى الآن كان ابيض. أننا نقفز من الفرضية دى لاستنتاج أن كل البجع لابد وانه يكون ابيض، استنتاج قد يكون خاطئ لكنه مدعوم بالملاحظة. (من المهم الاشارة ان ليس كل الاستقراء من الملاحظة للتعميم بيتم بهذه الصورة البسيطة). على اى حال صورة أخرى من الاستنباط مرتبطة بفكرة الاستقراء هى فكرة الإسقاط projection. فى عملية الإسقاط بنستنتج من مجموعة من الحالات الملاحظة واستنتاج توقع الحالة التالية. لكن ليس تعميم لكل الحالات. مثلا عند رؤيتنا لعدد من البجع الابيض، و نستنبط أن البجعة التالية ستكون بيضاء. واضح أكيد أن هناك علاقة وثيقة ما بين الاستقراء والإسقاط. وبكل تأكيد فى صور اخرى من أنواع الاستدلال الغير استنتاجي nondeductive inference المستخدم فى العلم والحياة اليومية.
يمكن أحد أشهر الامثلة العملية كان فى الثمانينيات من القرن العشرين في ورقة بحثية بعنوان “المسببات الخارجية لحدوث العصر الطباشيري Extraterrestrial Cause for the Cretaceous-Tertiary Extinction” اللى نشرها الفيزيائي الامريكي لويس ألفاريز Luis Walter Alvarez وفريقه البحثي، وادعوا فيها أن هناك نيزك عملاق اصطدم بالارض منذ 65 مليون سنة، سبب انفجار هائل وتغير جذري في المناخ تزامن مع إنقراض الديناصورات. فريق ألفاريز ادعى أن السبب فى الانقراض هو النيزك العملاق، مفتاح أساسي للدليل على هذه الفرضية هو وجود معدلات عالية من عناصر كيميائية نادرة مثل الايريديوم iridium فى طبقات قشرة الأرض التى يبلغ عمرها حوالي 65 مليون سنة. هذه العناصر الكيميائية تميل إلى أن تكون موجودة في الشهب بتركيزات أعلى بكثير مما هي بالقرب من سطح الأرض. الملاحظة دى أُخذت كدليل قوي داعم لنظرية ألفاريز أن النيزك اصطدم بالأرض فى هذا التوقيت. لو وضعنا هذه الجدلية فى صورة فرضيات ونتائج. هيكون واضح جدا انها لاتندرج تحت الحجج الاستقرائية ولا الاسقاطية. لاننا مش نستنبط تعميم، لكننا نفترض تركيب او عملية من الممكن أن تفسر البيانات المتاحة. هناك عدد من المصطلحات بيستخدم فى الفلسفة للإشارة لهذا النوع من الاستنباطات .. أشهرها مصطلح المنطق الاحتمالي abductive، والبعض الاخر أطلق عليه الاستدلال التفسيري explanatory inductions أو الاستدلال النظري theoretical inferences ومؤخرا الكثير من الفلاسفة والعلماء استخدموا مصطلح استخدمناة فى العديد من حلقات كلام فلسفة السابقة وهو مصطلح الاستدلال بأفضل تفسير inference to the best explanation. على اى حال الثلاث صور من الاستدلال الغير استنتاجي nondeductive inference اللى عرضناها (الاستدلال أو الاستقراء induction، الاسقاط projection، والمنطق التفسيري أو الاحتمالي abductive) ينطبق عليها إشكالية التأكيد اللى بدأنا بيها. لكن ايه هى علاقة الصور الثلاث دى ببعضها البعض. بالنسبة للوضعية المنطقية و التجريبية المنطقية، الاستدلال والاستقراء هو الصورة الأساسية من الاستدلال الغير استنتاجي. وبعض أتباع الحركة ادعوا ان الصور الاخرى من الاستدلال من الممكن اعادة صياغتها بصورة استدلالية تقليدية. يعنى مثلا الاستدلال الاحتمالي من الممكن إعادة صياغته في صورة شبكة من الاستدلالات والاستنتاجات. الاشكالية فى الطرح ده ان الاستدلال التفسيري او الاحتمالي يبدو انه اكثر انتشارا عن الاستدلال فى ممارسات العلم اليومية. فى الواقع من حقك أن تتسائل ان كان العلم بيحتوى على الاستدلال أو الاستقراء التقليدي البسيط على غرار مثال البجع الأبيض بالمرة، الشك ده مبرر ومنطقي جدا. لكن فى الحقيقة الاجابة على السؤال ده بالايجاب، لان العلم فعلا بيحتوى على امثلة من الاستقراء التقليدي جدا على الاقل فى صورتها الظاهرية. على سبيل المثال خلال بحث جيمس واتسون وفرانسيس كريك James Watson and Francis Crick اللى قاد اكتشاف تركيب الحمض النووى DNA تم تقديم أساسي في إثبات النظرية باستخدام قواعد وصفها إروين تشارغاف Erwin Chargaff عالم الكيمياء الحيوية النمساوي-المجري طرحها سنة 1947 ورصد او لاحظ في عينات الحمض النووي اللى حللها أن مقادير C و G دائما متشابهة، ومقادير T و A دائما تقريبا نفس الشئ. الملاحظة دى اصبحت مهمة جدا فى المناقشات حول كيفية وضع جزيئات الحمض النووي، وعُملت على أنها حقيقة، بالرغم ان تشارغاف مارصدش كل جزيئات الحمض النووي الموجودة، لكنه بنى قاعدته على عدد صغير من الحالات (8 انواع مختلفة فقط من الكائنات الحية) .. النهاردة طبعا نقدر نفسر قواعد تشارغاف بأكثر من مجرد استقراء تقليدي بسيط بعد التقدم الكبير فى مجال الكيمياء الحيوية، لكن فى بدايتها القواعد كانت قائمة ببساطة على مجرد استقراء تقليدي بسيط!
التجريبيون حالوا بطرق مختلفة صياغة نوع من المنطق الاستقرائي او الاستدلالي يبدو على قدر المستطاع مثل المنطق الاستنتاجي، في بعض الأحيان باقتراض افكار من المنطق الاستنتاجي حين أمكن دى الطريقة اللى اتبعها كارل هيمبل Carl Hempel. او الطريقة الاخرى استخدمها رودلف كارنب Rudolf Carnap لتطبيق نظرية الاحتمالات theory of probability الرياضية. الطريقة اللى استخدمها كارنب من الصعب تفسيرها في كلام فلسفة بدون خلفية رياضية كبيرة عن نظرية الاحتمالات! .. لكن بشكل عام خلال حياته العملية كارنب طور مجموعة من نماذج التأكيد المعقدة بناء على نظرية الاحتمالات وطبقها على نماذج لغة اصطناعية. لكن المشاكل ظهرت تباعا، و افتراضات عديدة كان لابد أن تطرح حتى تكون نتائج هذه النماذج صحيحة، وفي الحقيقة ماكنش في ابدا على الاقل على حد علمي اى حجة قاطعة على خطأ طريقتة، لكن المشروع تراجع مع الوقت لانه بدى وكأنه أقل قابلية داخل ممارسات العلم اليومية وانتهى أمر المشروع في نهاية المطاف. وبالرغم من ان طريقة كارنب لتحليل التأكيد لم تنجح، الا ان فكرة استخدام نظرية الاحتمالات لفهم التأكيد بقت شهيرة وتطورت فى صورة عديدة هنرجع نناقشها بتفصيل أكبر في حلقات فلسفة العلم المستقبلية!
معضلة الغراب The Ravens Paradox
التجريبيون عملوا بجهد على تحليل وتأكيد التعميمات من الملاحظة. لكن السؤال اللى كان مؤرق بالنسبة لهم، ماهي العلاقة بين تكرارية الملاحظة في الماضي وتأكيد تعميمها كقاعدة متكررة الحدوث فى المستقبل؟ .. إشكالية الغراب، اللى احيانا بتعرف بإشكالية هيمبل Hempel’s paradox أو احيانا بيطلق عليها غراب هيمبل Hempel’s ravens نسبة للفيلسوف وعالم المنطق كارل هيمبل اللى طرح الإشكالية للمرة الأولى سنة 1940. الإشكالية قائمة على فكرة بسيطة جدا. بملاحظة كائنات مش سوداء ولا غراب قد يزيد من احتمالية أن كل الغربان لونها أسود. هيمبل صاغ الفرضية كالآتي (1) كل الغربان لونها أسود، كنتيجة إذا كان الكائن غراب إذن لونة هيكون أسود (2) وبالتالى باستخدام قانون النفي لو شئ ما غير أسود، لابد وانه مش غراب. وبالتالي جملة هذا الغراب لونه اسود بتدعم الفرضية الأولى. لكن الاشكالية بتظهر لو حاولنا نطبق ملاحظة على الجملة الثانية. مثلا بملاحظة تفاحة لونها أخضر. هذه التفاحة ليست سوداء، إذن التفاحة ليست غراب! .. وده أمر منطقي لأن لو شئ ما مش أسود إذن ليس غراب. لكن بما أن الجملة الثانية مكافئة منطقيا للجملة الأولى (جملة إن كل الغربان لونها أسود) .. بالتبعية إذن مشاهدة تفاحة لونها أخضر بيتبع هذا أن كل الغربان لونها أسود! النتيجة دى معضلة ومربكة جدا زى ما انت أكيد متصور، لأن من الواضح ان اننا اكتسبنا معرفة عن الغراب من خلال ملاحظة تفاحة! .. أنا سامع صوت اعتراضك، الفرضية الأولى بنيت على فكرة أن بملاحظة عدد كبير من الغربان السوداء مش معني كده أن مافيش غربان مش سوداء. قد يكون هناك غراب مش أسود .. لكن مع كل غراب أسود بنلاحظة عدد الغربان اللى مش لونها أسود بيقل .. بمعنى اخر احتمالية ان الفرضية صحيح بتزيد ببطئ مع كل ملاحظة جديدة لغراب أسود! .. لكن ده ما بيساعدش في حل الإشكالية! .. أولا اتباع حركة الوضعية المنطقية كان مهتمين اكثر بالحالات اللى فيها التعميم بيغطي عدد لانهائى من الحالات. فى الحالة دى، كل غراب بنلاحظة مش هيقلل عدد الاحتمالات اللى الفرضية من الممكن ان تفشل بيها، لان العدد لانهائى. وحتى وان افترضنا ان عدد الحالات محدود او نهائى، المنطق المستخدم مش هيساعد فى حل إشكالية الإسقاط Projection لان مهما كان عدد الحالات المُلاحظة ده مش هتعرفنا اى شئ عن اية اللى نتوقع رؤيته عند مُلاحظة الغراب التالي! … هيمبل أقترح أن منطقيا، كل ملاحظات الغربان السوداء بتأكد تعميم فرضية أن كل الغربان لونها أسود. هيمبل ذهب لأبعد من كدة، وعمم الفكرة ان بملاحظة ان اى شئ س له خاصية ص .. هيدعم فرضية أن كل الأشياء س لها خاصية ص. ورأى ان دى حقيقة منطقية بسيطة. بناء على الفكرة دى من الممكن أن نستنتج فكرة اخرى. اى دليل بيأكد ان فرضية ض، ايضا هيأكد الفرضية المكافئة منطقيا ل ض. لكن ايه يا ترى المقصود بالتاكفؤ المنطقي logical equivalence .. بشكل مبسط هو طرح نفس الفكرة جملتين مختلفتين! يعنى بصورة أخرى لو جملتين س و ص متكاتفين منطقيا لابد وان ص تكون صحيحة لو س صحيحة والعكس بالعكس. وهى ده جوهر إشكالية الغراب! .. لان طبقا لقوانين المنطق جملة “كل الغربان لونها أسود” مكافئة منطقيا لنفيها زى ما شفنا “كل الاشياء الغير سوداء ليست غراب” . من الممكن أن نقبل نتيجة القاعدة المنطقية دى حتى وان كانت عجيبة. على الاقل ده كان حل هيمبل للمعضلة عند طرحة لها. وبالتالى هنقل فكرة أن ملاحظة تفاحة لونها أخضر بيثبت ان كل الغربان لونها أسود. أكيد ده مش حل مقنع (على الاقل بالنسبة لي) .. على أى حال فى عدد كبير من الحلول طرح لإشكالية. ودراسي وطلاب الفلسفة كتبوا مؤلفات وأبحاث مطولة فيها. هنناقش اطروحتين لحل الإشكالية دى. الاولى هو ان ملاحظة تفاحة لونها أخضر أو غراب لونه أسود من الممكن ان تؤكد، او لاتؤكد ان كل الغربان لونها أسود. لان التعميم هيعتمد على عوامل أخرى. مثلا أفترض أننا على معرفة بان (1) أن كل الغربان لونها أسود، ونادرة جدا. او (2) معظم الغربان لونها أسود، وبعضها لونها أبيض ونادرة الوجود. إذن بملاحظة مجموعة بسيطة من الغربان السوداء هيدعم الفرضية الثانية اللى بتقول ان مش كل الغربان لونها أسود. لو كل الغربان لونها أسود، مش لابد واننا نلاحظها كلها، وبالتالي ملاحظة تفاحة لونها أخضر من الممكن ان يؤكد او لايؤكد الفرضية المطروحة بالاعتماد عن المعلومات المتاحة لدينا. الفيلسوف والرياضي أى جي جوود I. J. Good طرحة في ورقة بحثية بعنوان “معضلة التأكيد The Paradox of Confirmation” نشرها سنة 1960 الجدلية اللى طرحها جوود تبدو معقولة جدا، وبتربط بفكرة الكلية Holism فى الاختبار اللى ناقشناها فى بداية الحلقة. علاقة ملاحظة ما بالفرضة مش مجرد أمر بسيط قائم على محتوى الجملتين. لكن بتعتمد على افتراضات أخرى. ببساطة النقطة اللى بيحاول جوود يلفت نظرنا لها هى ان قاعدة هيمبل و الأمثلة اللى بيضربها أتباع الحركة مبسطة جدا .. مافيش عالم أحياء هيعتقد أن ملاحظة ألف حالة من الغربان السوداء هيجعل من الممكن جدا ان كل الغربان لونها أسود. معرفتنا بعلم الجينات، وتلون الطيور، هيقودنا لتوقع درجة من التغير فى لون الغربان. حتى مع مشاهدة حالات كثيرة جدا من لونها أسود. اقتراح آخر مرتبط بإشكالية الغراب، متسق مع فكرة جوود. سواء كانت ملاحظة الغربان او التفاح الاخضر هتأكد او تنفي أن كل الغربان لونها أسود، هيعتمد على الترتيب اللى عرفنا بيى خاصتين الكائنات. افترض مثلا ان كل الغربان لونها أسود، وانا قلت لك “انا معاية غراب، تحب تشوف لونه؟” .. المفروض توافق لان لو الغراب اللى معاية طلع لونه أبيض، فرضيتك هيتم نفيها، دلوقتى تخيل او كنت قلت لك “انا معاية كائن لونة أسود. تحب تشوف ان كان غراب ولا لأ؟” .. فى الحالة دى مش مهم بالنسبة لك ايه اللى معاية. انت بتعتقد ان كل الغربان لونها اسود، لكن مش لابد وأن تعتقد ان كل الاشياء السوداء مش غربان. دلوقتى تصور ان فى المثالين الكائن اللى معاية كان فعلا غراب أسود. فى المثال الأول ملاحظتك للغراب هتكون مرتبطة بفرضيتك عن لون الغراب، أما فى المثال الثاني ملاحظتك هتكون غير مرتبطة بالفرضية. من الجائز إذا أن تأكيد الفرضية جائز فقط لما الملاحظة تظهر من خلال أختبار حقيقي، بمعنى أنه اختبار قادر على عدم تأكيد الفرضية. هيمبل كمان شاف إمكانية صحة الرؤية دى واتفق مع جوود فى جدلية حول ترتيب الملاحظات، وجادل انه يريد تحليل علاقة التأكيد اللى بتوجد فقط ما بين الفرضية والملاحظة نفسها بغض النظر عن اى معلومات اضافية لدينا. لكن من الجائز أنه كان مخطئ فى فرضيته وان من غير الممكن الاجابة على تساؤل إن كانت ملاحظة غراب اسود هتأكد التعميم ولا لأ بدون فهم الطريقة اللى الملاحظة صنعت بها. هيمبل اعتقد ان بعض الملاحظات مرتبطة مباشرة بالفرضية بعض النظر عن اى شئ اخر، الفكرة الصحيحة فى حالة الدحض الاستنتاجي deductive refutation للتعميمات. بغض النظر عن كيف وفين لاحظنا غراب مش اسود، بمجرد الملاحظة حدوث الملاحظة دى هيتم دحض فرضية أن كل الغربان لونها أسود. لكن العكس غير صحيح. بصورة اخرى اللى صحبح بالنسبة للنفي أو الدحض الاستنتاجي غير صحيح بالنسبة للتأكيد الاستنتاجي.
لغز الاستدلال لجوودمان Goodman’s New Riddle of Induction
في كتابة الشهير والممتع “حقيقة، خيال، وتوقعات Fact, Fiction & Forecast” اللى نشرة سنة 1955 الفيلسوف الامريكي هنري نيلسون جوودمان Henry Nelson Goodman (انصحك بقراءة الكتاب الممتع سواء كنت دارس للفلسفة او باحث عن كتاب جيد للقراءة) .. على اى حال جوودمان فى الكتاب حاول اظهار ان من غير الممكن صياغة نظرية شكلية Formal تماما للتأكيد Confirmation. جوودمان ما اعتقدش ان التأكيد مستحيل، أو ان الاستدلال وهم. لكنه اعتقد انهم بيعملوا بطريقة مختلفة عن الطريقة اللى كثير من الفلاسفة خصوصا فلاسفة الوضعية التجريبية بيعتقدوا في طريقة عملهم. لكن يعني اية نظرية “شكلية formal” للتأكيد؟ .. اسهل طريقة اقدر اشرح لك بيها الفكرة هى من خلال حجة استنتاجية. (1) كل الرجال فانية (2) سقراط رجل (3) إذن سقراط فاني. لو فرضيات المقدمة صحيحة اذن حقيقة النتيجة مؤكدة وغير قابلة للضحد. لكن حقيقة صحة الجدلية مالهاش اى علاقة لا بسقراط ولا برجولته! .. اة جدلية بتتبع نفس الشكل form .. الشكل اللى على صورة (1) كل س هو ص (2) ع هو س (3) إذن ع هو ص. .. اى حجة لها نفس الشكل ده هى حجة صحيحة استنتاجية deductively valid، بعض النظر عن ايه اللى هنستبدلة مكان الرموز س،ص، و ع طالما ان الاشياء دى خواص محددة أو أشياء وكائنات، والمعنى واحد ومستقر خلال الجدلية، هتكون الجدلية صحيحة. اذن الحجج الصحيحة استنتاجيا بتعتمد فقط على شكلها، تركيبها، او قوامها وليس على محتواها. دى الفكرة اللى حاول فلاسفة الوضعية المنطقية أنهم ينقلوها من المنطق الاستنتاجي فى نظريتهم عن المنطق الاستدلالي والتأكيد. هدف جوودمان كان اظهار ان ده أمر مستحيل! .. ولن توجد أبدا نظرية شكلية Formal للاستدلال Induction او التأكيد Confirmation. لكن ازاى جوودمان طرح جدليته … فكر فى الجدلية دى (1) كل الزمرد المُلاحظ فى ظروف مختلفة قبل سنة 2019كان لونه أخضر (2) اذن كل الزمرد لونه أخضر. .. الجدلية دى حجة استدلالية inductive جيدة ، الجدلية لا تعطينا ضمان قاطع ان كل الزمرد أخضر زيها زى اى جدلية أستدلالية أخرى. … هريحك أكتر ونعيد صياغة نتيجة الحجة كالاتي “غالبا، كل الزمرد لونه اخضر” … دلوقتى فكر فى الجدلية دى “كل الزمرد المُلاحظ فى ظروف مختلفة قبل سنة 2019كان -جرو- .. اذن كل الزمرد -جرو-” .. قبل ما تسألني -جرو- كلمة جديدة اخترعتها هنعرفها كالاتي، الجرو هو الشئ اللى لوحظ للمرة الاول قبل سنة 2019ولونة اخضر، او الشئ اللى لوحظ قبل سنة 2019وكان لونة أزرق. .. العالم ملئ بالاشياء الجرو، مافيش اى شئ عجيب فى الاشياء دى، بالرغم من أن الكلمة غريبة. (انا عارف بس أصبر معاية هنوصل للنتيجة دلوقتى) .. العشب اللى في الحديقة العامة جرو، والسماء جرو، طالما ان الشئ لوحظ قبل سنة 2019 وكان لونة اخضر او ازرق إذن هينجح فى اختيار الجرو. وبالتالي الزمرد جرو. المشكلة ان الجدلية الثالثة دى مش جدلية استدلالية جيدة، لانها بتقودنا للأعتقاد ان الزمرد اللى هنلاحظة فى المستقبل هيكون أزرق بناء على مُلاحظة زمرد فى الماضى لونه اخضر! ده بالاضافة لانها بتتعارض مع الجدلية السابقة عليها. اللى اعتبرنها جدلية استدلالية جيدة. لكنهم بيتبعوا نفس الصور الشكلية “كل س المُلاحظ في ظروف مختلفة قبل 2019 كان ص، اذن كل س هو ص” .. اتمنى تكون لاحظت الفكرة اللى جوودمان بيحاول يوضحها لنا .. بالرغم من ان الجدليتين بيتبعوا نفس الشكل الا ان واحدة منهم صحيحة والاخرى خاطئة! .. اذن اللى بيجعل حجة استدلالية صحيحة او خاطئة ليس فقط الشكل Form. وبالتبعية لايمكن وجود نظرية شكلية نقية وصافية للاستدلال والتأكيد. لاحظ هنا ان الكلمية اللى أخترعتها -جرو- هتعمل بشكل جيد جدا فى حجة استنتاجية. من الممكن ان تستبدلها مكان فاني فى الجدلية الاولي ومش هتحصل اى مشكلة لانها حجة استنتاجية، لكن الاستدلال امر مختلف. دلوقتى لو أفترضنا ان جوودمان كان محق فى طرحة، وتخلينا عن فكرة نظرية شكلية للأستدلال. المشكلة لسة ما انتهتش، لان مازل لابد واننا نفسر اية الاشكالية فى جدلية الجرو الاستدلالية. المعضلة دى بيطلق عليها في أدبيات فلسفة العلم معضلة الاستدلال الجديدة. .. الحل السريع والبديهي اننا نقول ان في اشكالية ما في كلمة -جرو- اللى بتسبب مشكلة فى الاستدلال بيها. وبالتالي وكأننا بنقول ان اى نظرية جيدة للأستدلال لابد وأن تحتوى على حظر لبعض المصطلحات اللي من الممكن نستخدم فى الجدليات الاستدلالية .. “أخضر” مقبولة، لكن “جرو” مش مقبولة. ده تقريبا الرد الاشهر على الاشكالية، لكن زى ما جوودمان اشار ان من الصعب جدا تحديد تعريف واضح لتفاصيل الحظر على المصطلحات ده. يعنى مثلا لو قولنا ان مشكلة -جرو- ان التعريف احتوى على تحديد للمدة الزمنية .. جوودمان هيرد أن الطريقة اللى المصطلح بيعرف بها بتعتمد على اللغة. اى ان فكرة ان المصطلح بيحتوى على اشارة للزمن، أو مُعرف بناء على الوقت قضية متعلقة باللغة نفسها. المصطلحات اللى قد تبدو سليمة ومافيهاش مشكلة بالنسبة للغة ما قد تكون غريبة في لغة أخرى. وبالتالي لو هنحظر -جرو- من الجدليات الاستدلالية لانها بتعتمد على الوقت ده امر هيعتمد على اللغة المستخدمة. … على اى حال جوودمان اعتقد ان المصطلحات المستخدمة فى الجدليات الاستدلالية لابد وان تكون مصطلحات لها تاريخ فى الاستخدام داخل المجتمع، واعتبر ان ده حل كافي لإشكالية اللى هو طرحها. لكن للأسف الرد ده كان غير مقنع لمعظم الفلاسفة، لانها بتقر ان قيمة الحجج الاستدلالية بتعتمد على حقائق لغوية واجتماعية مالهاش اى علاقة بالظاهرة المُلاحظة. (واضح ان جوودمان فتح جحر الافاعي) … كثير من الفلاسفة حاولوا تجنب المصطلحات اللغوية والتركيز على الخواص properties اللى الكلمات بتحملها. او الفئات classes والأنواع kinds اللى الأشياء والكائنات بتتجمع بيها باستخدام الكلمات دى. من الجائز اننا نجادل ان الاخضرار شئ طبيعي ومجرد (اى مستقل بذاته) في الوجود وان ال-جرو- ليس كذلك. بصور ابسط الاشياء الخضراء بتصنع نوع طبيعي، نوع محدد بتشابهة فيزيائي حقيقي. اما الاشياء ال-جرو- مجرد مجموعة صناعية عشوائية تم جمع الكائنات فيها ليس بناء على تشابه فيزيائي. وبالتالي من الممكن اننا نقول ان جدلية استدلالية صحيحة لابد وأن تستخدم مصطلحات بتدل على انواع طبيعية. الإشكالية الطريقة دى فى حل المعضلة هتدخلنا في عالم أخر من المشاكل الفلسفية .. يعني اية خاصية property؟ .. يعني ايه نوع طبيعيnatural kind؟ .. الخ … مشاكل كانت ومازالت محل الجدل الفلسفي منذ ايام أفلاطون (أرجع لسلسلة فلسفة ماوراء الطبيعة )
التجريبيون الأوائل Early Empiricists
التجريبيون الأوائل كانوا فلاسفة المدرسة التجريبية في الطب Empiric school في اليونان القديمة اللى امن اتباعها بفكرة ان المعرفة مصدرها التجربة فقط، اللى وقتها كانت فكرة مضادة لمدرسة أخرى عرفت بالعقائدية او الدوغمائية Dogmatic or Rationalist school الطبية اللي كانت الاقدم بين المدارس الطبية اليونانية القديمة، واعتقد اتباعها في أراء الطبيب والفيلسوف اليوناني الاشهر أبقراط أو أبو الطب Hippocrates ( أول مدون لكتب الطب ومن اوائل من اعتمدوا على المنهج العلمي في ملاحظة الحالات المرضية، والية يعود قسم الأطباء المستخدم حتى اليوم) اللى دفع البعض ان يطلق عليهم الابقراطيين. علي اى حال التجريبيون الاوائل رفضوا مبادئ المدرسة الدوغمائية وجادلوا أن الملاحظة عن طريق الحواس هي خير وسيلة للوصول للمعرفة. أرسطو جادل ان العقل صفحة بيضاء (نفس المصطلح اللى استخدمه جون لوك من بعده بقرون) بيبدأ بدون اى مبادئ او أفكار بديهية Innate Ideas او اى محتوى معرفي على الاطلاق فكرة بيطلق عليها فى كلاسيكيات الفلسفة اليونانية اللوح الفارغ Tabula Rasa.. وعلي هذا الاساس جادلوا أن كل المعرفة تأتي عن طريق التجربة والإدراك. جدلية أرسطو على الفكرة دى ماكنتش تجريبية بالضرورة، لكن قامت على نظريتة الإمكانية و الحقيقة Potentiality and actuality، وتجربة الحواس المرتبطة بعقل الفرد الفعال Active Intellect. الافكار دى تعارضت مع أفكار أفلاطون عن المسلمات Forms، وان العقل البشري كائن وجد في مكان سماوي علوي سابق هو الجنة، قبل أن يبعث في الجسد البشري على الأرض. أفكار ارسطو طورها فلاسفة الرواقية Stoicism اللي فلسفتهم المعرفية قامت فى الأساس على فكرة أن العقل بيبدأ كلوحة بيضاء، وبيكتسب المعرفة من العالم الخارجي من خلال تجربة الاحتكاك والمعايشة. في العصور الوسطى نظرية اللوح الأبيض tabula rasa نضجت وتطورت على يد فلاسفة الإسلام، بداية بالفارابي ووصولا لكمال الفكرة على يد الشيخ الرئيس ابن سينا Avicenna اللي جادل ان اللوح الابيض إمكانية نقية بتتحقق بالتعلم، والمعرفة بتكتسب من خلال الإلمام التجريبي بالعالم وكائناته، وطريقة المنطق القياسي العقلانية syllogistic اللى فيها الملاحظة بتقود لجمل فرضية لما بيتم دمجها بتؤدى لمبادئ مجردة تعميمية عن الوجود. العقل Intellect بيتطور من العقال المادي أو الهيولي اللى بيكتسب المعرفة من خلال اتصاله بحواس الجسد ويودعها العقل الفعال وبالتالي يصبح العقل البشرى على اتصال بمصدر المعرفة الحقيقي وهو الاتصال بالعالم الخارجي من خلال التجربة. ابن طفيل فى القرن الثاني عشر طرح فكرة اللوح الأبيض واكتساب المعرفة عن العالم من خلال التجربة من خلال قصته الشهيرة حي بن يقظان، اللى فيها صور قصة تطور عقل الطفل حي اللى نمي فى البرية بداية من عقل لوح أبيض فارغ بمعزل عن المجتمع واكتسب معرفته عن العالم من خلال تجربته واحتكاكه بالبيئة المحيطة به، وتطورت أفكاره من مجرد أفكار بسيطة لمبادئ عامة مجردة معقدة، شملت فكرة وجود الروح الغير مادية، والله كائن علوى كامل الكمال (أرجع لحلقة المعرفة في الفلسفة الإسلامية. على اى حال حي بن يقظان تم ترجمتها من العربية للاتينية سنة 1671 وأثرت بشكل مباشر على فكرة اللوح الابيض اللى طورها جون لوك في عمله الأهم “مقال بخصوص الفهم البشري An Essay Concerning Human Understanding” .
الوضعية المنطقية و التجريبية المنطقية شكلوا حركة الوضعية التجريبية الجديدة neopositivism اللى ظهرت في منتصف القرن العشرين كتطور طبيعي للظروف التاريخية في الحضارة الغربية، الاوروبية على وجهة التحديد. جوهر الحركة قائم علي نظرية التحقق verificationism ونظرية المعرفة اللى أكدت أن الجمل المعرفية ذات المعنى هى الجمل اللي من الممكن التحقق منها من خلال الملاحظة التجريبية فقط. الحركة ازدهرت في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضى. وظهرت حلقات تجمع شهيرة لفلاسفة، علماء، ورياضي الحركة مثل حلقة برلين Berlin Circle في ألمانيا وحلقة فيينا Vienna Circle في النمسا. الحركات الوضعية تأثرت بشكل كبير بالأعمال الأولى لأحد أهم المنطقيين وفلاسفة اللغة لويدج فينجتشتين اللى حاول وضع مبدأ للتحقق وقياس معنى الجمل. اللى قادهم لتبنى فكرة جوهرية فى المدرسة التجريبية وهى أن المعرفة من الممكن الوصول لها فقط عن طريق الاتصال المباشر مع الواقع من خلال الحواس. وأصبح بالنسبة لهم التعامل مع الكائنات الغير ملاحظة فى عباءة العلم صور من الكناية عن كائنات وظواهره غير قابلة للملاحظة المباشرة بالحواس وأجهزة القياس المتاحة فى الوقت الحاضر، لكنها بتسبب الكائنات والظواهر الملاحظة بشكل غير مباشر! .. وبالتالي أصبحت المصطلحات النظرية بتشتق معناها فقط من المصطلحات المعبرة عن المُلاحظ فقط، ومن هنا يمكن إختزال القوانين النظرية لقوانين تجريبية عن طريق المنطقانية logicism أو التوجهة النظري لبرتراند راسل Bertrand Russell (أو اختزال الرياضيات للمنطق) .. اللى من خلالها قواعد الفيزياء الرياضية تختزل لرموز منطقية، وتتحول الجمل لمعايير قياسية منطقية متفق عليها للتعبير عن الملاحظ فى الطبيعية! الوضعية المنطقية ظهرت كرد فعل علي فلسفة هيجل اللي سيطرت على ألمانيا في هذا التوقيت، ورفض فكرة هيجل عن وجود كائنات ميتافيزيقية بدون أسس تجريبية. لكن الحركة أختفت مع نهاية الثلاثينيات، بسبب التقلبات السياسية الناتجة عن قيام الحرب العالمية الثانية، وموت وشتات رواد الحركة. لكن الحركة ساهمت بشكل أساسي في تطور الفلسفة التحليلية وأصبحت جزء أساسي من أفكارها ومبادئها.
القصة اللي بدأنا بيها .. مقتبسة عن القصة القصيرة “مغامرة مخططات بروس بارنجتون The Adventure of the Bruce-Partington Plans” .. واحدة من شيرلوك هولمز Sherlock Holmes كتبها سير آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle كواحدة من سلسلة قوسه الأخير: بعض مذكرات شيرلوك هولمز His Last Bow: Some Reminiscences of Sherlock Holmes مجموعة قصصية بطلها الشخصية الخيالية المحقق شيرلوك هولمز، والتي اتحولت لمسلسل تلفزيوني بريطاني. من خلال القصة اللى بترسم صورة تقليدية متكررة لشخصية شيرلوك هولمز اللى بيعطي أهتمام كبير للملاحظة والتفاصيل الدقيقة، وبيعتمد على الحواس المباشرة، والمنطق الاستدلالي لحل اللغز والقضية. هولمز كان حلم الوضعيون في علم قائم على الملاحظة المباشرة والمنطق الاستدلالي الذي يرقي لدرجة الاستنتاج.
ودلوقتى .. غمض عينيك للحظات … فكر في اللي هتشوفة لما تفتح عينيك! .. فتح عينك .. هل وجدت ما توقعت أن تراه؟! .. ليه ياتري بتعتقد ان نفس التجارب ستؤدى لنفس النتائج؟.. ماهي العلاقة بين تكرارية الملاحظة في الماضي وتأكيد تعميمها كقاعدة متكررة الحدوث فى المستقبل؟ .. هل نصل لحقيقة العالم بالاعتماد فقط على الحواس؟ .. أو من الجائز فعلا المعرفة تكتسب فقط عن طريق التجربة؟ .. لكن ما هو دور العقل في الوصول للحقيقة أذن؟! .. فكر تاني
https://archive.org/download/KalamFalsfa_EP48/EP48_2019_02_15.mp3
في الحلقات الجاية .. هنكمل رحلة بحثنا ما بين عوالم المنطق، العلم، والحواس! .. عن التأكيد … التغير العلمي .. المزيد من مشاكل المنطق الاستقرائي .. و قابلية النفي .. هنتفلسف المرة الجاية
من دلوقتى للحلقة الجاية .. عيش الحياة بفلسفة
Peter Godfrey-Smith – Theory and Reality
Alex Rosenberg – Philosophy of Science: A Contemporary Introduction
James Ladyman – Understanding Philosophy of Science
George Couvalis – The Philosophy of Science: Science and Objectivity
Carl G. Hempel – Philosophy of Natural Science
Alan F. Chalmers – What Is This Thing Called Science
The Blackwell Companion to the Philosophy of Science
Logical positivismالوضعية المنطقية
موريتز شليك Moritz Schlick
Rudolf Carnap رودلف كارناب
Ludwig Wittgenstein لودفيغ فتغنشتاين
Hans Reichenbach هانز ريتشنباك
German idealismالمثالية الألمانية
Martin Heideggerمارتن هايدغر
Nelson Goodmanنيلسون جوودمان
Fact, Fiction & Forecast حقيقة، خيال، وتوقعات
إشكالية الاستقراء The Problem of Induction
Deductive Reasoning المنطق الاستنتاجي
معضلة الغراب The Ravens Paradox
لغز الاستدلال لجوودمان Goodman’s New Riddle of Induction
Dogmatic schoolالمدرسة الدوغمائية
The Adventure of the Bruce-Partington Plans
https://youtu.be/BNYj0cM4G7A
Arthur Conan Doyleآرثر كونان دويل
Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa
The Bruce Partington Plans
Música con Flauta Chamánica
Ambient and dramatic soundtrack
Medieval Music – Bridgewell
Brandon Fiechter – High Elves of Waterfall Sanctuary
Derek & Brandon Fiechter – Mystery Music
Dinosaur Music and Prehistoric Music
Kevin MacLeod – Desert City
للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:
https://www.facebook.com/KalamFalsfa
https://kalamfalsfa.wordpress.com
https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa
https://twitter.com/kalamfalsfa
https://archive.org/details/@kalamfalsfa