حواجز عسكرية إسرائيلية تطوق مدينة القدس، لا زينة رمضانية ولا إضاءات ملونة، أهل الضفة الغربية ممنوعون من الوصول، وكثيرون من أهل المدينة أبعدتهم إسرائيل عن البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
في الطريق من رام الله إلى القدس، جرافات إسرائيلية تشق طرقا وأنفاقا للمستوطنين على الأراضي الفلسطينية المصادرة.
أعلام إسرائيلية بكثافة عند كل حاجز عسكري ومستوطنات تنمو كل يوم.
باب العامود خال من أي زينة رمضانية أو إضاءة، ودرجاته التي لطالما كانت ملتقى للناس خالية.
رأيت الصحفي أحمد الصفدي، تحدثنا حول إبعاده عن المسجد الأقصى، وعن إغلاق جمعية "برج اللقلق" التي كانت تشكل متنفسا ثقافيا لأهالي القدس:
كل عام وأنتم بخير. ولكن شهر رمضان بالنسبة لي حزين جدا. أولا استهداف برج اللقلق جمعية عزيزة على قلوبنا وتخدم مئات الأطفال.
إجراءات الاحتلال قاسية جدا. أنا أسكن في البلدة القديمة على بعد أمتار من المسجد الأقصى، حرموني من الوصول للمسجد الأقصى لأني صحفي وأنا تربيت في المسجد الأقصى. حبوت على بلاطاته ودرست فيه. لعبت فيه صمت فيه صليت فيه. ناضلت في كل حياتي في المسجد الأقصى. حرموني وحرموا 250 فلسطيني منهم صحفيين ومنهم أنا ومنهم 33 موظف من الأوقاف.. تخيلي.
وديع الحلواني أمام محله قرب خان الزيت، يقلب التمر والجوز والمكسرات. يصر على فتح محله كل يوم رغم الحال الصعب:
الإغلاقات على سكان الضفة وتجديدات كثيرة ووضع اقتصادي ضعيف أيضاً.
أعلام إسرائيلية على المنازل الفلسطينية التي استولى عليها المستوطنون المسلحون بحماية الجيش الإسرائيلي، يرقص بعضهم بتهكم وعند باب المجلس أحد أبواب المسجد الأقصى، جنود مدججون بالسلاح يعتدون على امرأة مسنة، نفيسة خويص:
أنا أصلّي عند باب العمود، وأصلّي عند أبواب المسجد الأقصى. إنهم يقفون هناك، يعرفونني جيداً، وقد كانوا موجودين أيضاً عندما مررتُ ليلة أمس. لقد صلّيتُ عشر ركعات من التراويح، وكانوا واقفين عند الأبواب. بيتي لا يبعد عن الأقصى سوى ثلاث دقائق.
هناك تنكيل وضرب واعتقالات. كل يوم يحاولون إخلاء الأقصى ليتركوا المجال للمستوطنين كي يسرحوا ويمرحوا، ولا يريدون لأحد أن يواجههم أو يدافع عن حقه بيده. اعتدوا عليّ واعتقلوني، واحتجزوني في المسكوبية.
ماذا يمكن أن أكون بعد كل ذلك؟ ليست عيناي فقط من تبكيان… بل قلبي هو الذي يبكي.
دخلت ساحات المسجد الأقصى المليئة بأشجار الزيتون. الأعداد في الساحات أقل من زمن مضى. كذلك الحال في كنيسة القيامة القريبة، وفي طريق خروجي رأيت المسرحي حسام أبو عيشة:
هذه كلماتُ الموجوعين، لكنها أصبحت صغيرة أمام ما نعيشه. لقد تجاوزنا الوجع، حتى صار الوجع نفسه يتعلّم منا. اليوم باتت لدينا أكاديميات للصبر، نقدّم دروسها لكل الكون، لكل أهل الأرض. من أراد أن يتعلّم معنى الصبر الحقيقي، فليأتِ ويتعلّم منا.
هذه صورة من صور صمود القدس التي لا يدركها كثيرون. في القدس سرٌّ عميق، سرٌّ لا يُرى بسهولة، لكنه يسكن في روحها وأهلها.
لا شيء يضاهي القدس بسحرها وروحانيتها ورائحة أزقتها العتيقة، رغم كل الوجع.