غزة، أمريكا وإيران، ثلاث فضاءات قد لا يجمع بينها شيء على مستوى الحراك السياسي الداخلي، بل قد تبدو وضعيات متضادة كما هو حال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو هو حال المساندة الأمريكية لسياسات نتنياهو في حرب الإبادة على غزة.
لكن بالرغم من هذا التضاد الظاهر، وبعيدا عن تأثير الفاعلين البارزين مثل نتنياهو أو ترامب أو النظام الإيراني، فإن هذه الفضاءات تطرح في الحقيقة نفس المعركة وهي معركة الإنسان. سواء في غزة ضد القهر الاستعماري الإسرائيلي أو في الشارع الإيراني ضد سلطة الشمولية الدينية أو حتى في الولايات المتحدة ضد الانزلاقات الخطيرة لانتشاء ترامب بالسلطة.
حال غزة، يعفينا من طويل كلام وإسهاب تحليل، فصور الحطام والخراب وما نراه في أعين الأطفال الفلسطينيين يكفي كي نفهم أن الحرب ليست ضد الفلسطيني كهوية وطنية فحسب، بل هي حرب ضد هويته كإنسان.
ها هي المعارك انتهت وها هي إيران تنكفئ حول مشاكلها وها هي حماس تشتتت، غير أن الحرب الإسرائيلية على إنسانية الإنسان الفلسطيني متواصلة.
متواصلة من خلال منع الغذاء والدواء ومن خلال رفض إعادة البناء وكأن إسرائيل تطرح فقط خياري الرحيل نحو اللجوء أو الموت.
كلمة واحدة تختزل كل مأساة غزة وباقي الأراضي الفلسطينية، الاحتلال. ليس احتلال الأرض فقط، بل احتلال الأرض دون سكانها. إنها معركة مزدوجة، معركة الإنسان ومعركة الفلسطيني المواطن الحر في دولته.
علاقة حركة حماس بإيران ليست بخافية على أحد، والمساندة الإيرانية لمقاومة الاحتلال حقيقة لا ترد. غير أن المساندة الإيرانية للحق الفلسطيني كانت في نفس الوقت وسيلة للتغطية على معاناة الإيراني الإنسان والمواطن.
فأحداث إيران الأخيرة والسابقة تؤكد مدى هيمنة منظومة الحكم ليس فقط لحرمان المواطن حريته، بل حتى لتتصرف في جسده كما هو الحال في موضوع الحجاب.
والخطير في الأمر، أن استعمال القضية الفلسطينية ضد الإنسان الإيراني من خلال الاستثمار الإعلامي في التعارض الرسمي بين إيران وإسرائيل، ساهم بشكل كبير في تراجع السند الشعبي لقضية الإنسان الفلسطيني.
في مقابل ساحتي الاحتلال في غزة والتسلط السياسي الديني في إيران قد تبدو الساحة الأمريكية غير معنية بمعركة الإنسان هذه في حدوده الإنسانية الدنيا خاصة ونحن في حضرة العراقة الديمقراطية.
لكن واقع الأمر خلال عهدة دونالد ترامب الثانية يقول عكس ذلك. إذ تشهد الساحة الأمريكية رِدة عن الحقوق والحريات ومن أهمها الحريات الأكاديمية.
كما عاد الأمريكيون للدفاع عن استقلالية قضائهم لتفادي الظلم. لكن الأخطر أن يصل الأمر حد تصفية الإنسان خلال الحملات على المهاجرين. أنها نفس معركة الإنسان في عالم منطق القوة.