
Sign up to save your podcasts
Or


تتطرق نايلة الصليبي في"النشرة الرقمية" إلى انتقال الفلاسفة من قاعات المحاضرات الرتيبة إلى قلب "السيليكون فالي"، حيث باتت الفلسفة من أكثر التخصصات طلبًا داخل أروقة كبرى شركات التكنولوجيا المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تتهافت على توظيف خريجي الفلسفة!
من قاعات المحاضرات إلى وادي السيليكون: كيف أصبح الفلاسفة صنّاع "الدساتير الأخلاقية" للذكاء الاصطناعي؟طويلًا ارتبطت الفلسفة في الأذهان بصورة العلم النظري الجاف، الغارق في تجريدات "ما وراء الطبيعة" البعيدة عن سوق العمل ومتطلبات الحياة العملية. حتى أن المستثمر التقني الشهير بول غراهام درس الفلسفة في مرحلته الجامعية، ووصف الأمر حينها بأنه اختيار غير عملي إلى حد كبير، قبل أن يصاب بخيبة أمل من رتابة موادها ويتحول لاحقًا إلى دراسة الذكاء الاصطناعي. لكن هذا المسار انعكس اليوم بشكل لافت، إذ عاد بول غراهام ليعترف بأن الفلسفة هي الجبهة الحقيقية للذكاء الاصطناعي. لقد تحوّل الفلاسفة من قاعات المحاضرات الرتيبة إلى قلب السيليكون فالي، لا ليتأملوا الوجود، بل ليضعوا "الدساتير الأخلاقية" التي ستحكم تصرفات الآلات التي قد تفوقنا ذكاءً.
توظيف الفلاسفة: من الهامش الأكاديمي إلى قلب الصناعةبينما كانت الفلسفة تُنظر إليها كترف فكري، باتت من أكثر التخصصات طلبًا داخل أروقة كبرى شركات التقنية. تكشف بيانات موقع التوظيف الأكاديمي PhilJobs أن نسبة الوظائف الفلسفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قفزت من ۱ بالمئة عام ٢٠۱٣ إلى ۱٦ بالمئة في العام ۲٠٢٥، وهو ما يعكس تحولًا بنيويًا لا مجرد موضة عابرة.
و قد برزت عبر هذا الطلب فئة من الفلاسفة تحت مسمى "الأنطولوجيين التطبيقيين" (Applied Ontologists)، إذ هناك طلب على خبراء "الأنطولبينها، لترجمةرع فلسفي يعنى بتصنيف الكيانات والعلاقات المنطقية بينها، لترجمة فوضى الواقع إلى بنى منطقية تفهمها الآلة.
جذور فلسفية لمشكلة تقنيةالمفارقة هنا أن الفلاسفة أنفسهم كانوا من بين أوائل من تأملوا فكرة صناعة عقول اصطناعية عبر التاريخ. وقد لعب كتاب الفيلسوف السويدي نيك بوستروم Nick Bostrom الصادر عام ٢٠۱٤ بعنوان Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies -الذكاء الفائق: المسارات والأخطار والاستراتيجيات- دورًا أساسيا في لفت الانتباه إلى المخاطر المحتملة لذكاء اصطناعي فائق القدرة. فإيلون ماسك متأثر برؤية نيك بوستروم، وبدوره سام ألتمان وصف الكتاب بأنه من أفضل ما قرأه عن مخاطر هذه التقنية. هذا التأثير امتد إلى برامج البحث في كبرى المختبرات، ليصبح الفيلسوف لا مجرد مراقب خارجي، بل طرفًا يسهم في صياغة السؤال الذي تحاول الصناعة اليوم الإجابة عنه.
لماذا يحتاج مهندسو الذكاء الاصطناعي إلى الفلاسفة أصلًا؟مع تطور النماذج التوليدية، لم تعد التحديات تقنية بحتة تتعلق بدقة الأداء أو سرعة المعالجة، بل امتدت إلى أسئلة أعمق حول التحيز والعدالة والمسؤولية، بل وحتى حول احتمال اقتراب هذه الأنظمة من شكل من أشكال الوعي. فحين يتخذ نموذج ما قرارات تؤثر في مجالات كالإعلام والتعليم والصحة والأمن، تبرز الحاجة إلى من يستطيع تفكيك مفاهيم لا تحسمها الهندسة وحدها: ما المقصود بالمصلحة العامة؟ وما حدود التحيز المقبول؟ ومتى يكون الامتناع عن الإجابة خيارًا أخلاقيًا أفضل من تقديم إجابة خاطئة؟
يضاف إلى ذلك بُعد آخر أكثر عملية، إذ يمتلك الفلاسفة أدوات في التحليل المنطقي واللغوي تفيد في توجيه النماذج اللغوية نحو استدلالات أكثر اتساقًا أو انسجاما، وهو ما يتقاطع مع ما يُعرف بهندسة الأوامر أو Prompt Engineering، ليس بمعنى صياغة طلب أذكى فقط، بل بفهم كيفية بناء المعنى واختبار الفرضيات وكشف الافتراضات الضمنية والتناقضات.
في قلب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يبرز موضوع "المحاذاة" أو Alignment، و التي أيضا تترجم "بالمواءمة" أي ضمان تصرف الأنظمة بما يتوافق مع القيم الإنسانية، وهي قضية تبدو تقنية في ظاهرها لكنها فلسفية في عمقها، فقبل "محاذاة" أي نظام مع قيم معينة، لا بد أولًا من تحديد أي قيم هي المعتمدة، ومن يملك حق تعريفها، خصوصًا في ظل اختلافات ثقافية ودينية وقانونية واسعة، بل وتناقضات داخل المجتمع الواحد بين الحرية والسلامة، أو بين الخصوصية والمراقبة.وقد صرّح سام ألتمان في مقابلة مع تاكر كارلسون بأن OpenAI استعانت بمئات خبراء الفلسفة الأخلاقية والتقنية عند وضع قواعد سلوك ChatGPT.
أنثروبيك وأماندا آسكل: حين تتحول الفلسفة إلى دستور لنموذج لغويتُعد شركة أنثروبيك الأكثر انخراطا في هذا التوجه بين الشركات الكبرى. فالفيلسوفة أماندا أسكل (Amanda Askell)، التي تعمل لدى أنثروبيك، تسعى إلى أن يمتلك نموذج "كلود" ما وصفته بـ"الشخصية الجيدة" إلى جانب كونه مساعدًا نافعًا. وفي يناير ٢٠۲٦، نُشر تحت إشرافها ما يُعرف بـ"دستور كلود"، وهو وثيقة فلسفية من۸٤ صفحة تحدد شخصية النموذج وسلوكه المتوقع، وتتضمن أقسامًا كثيفة في الأخلاقيات المعرفية ونظرية المعرفة، تُستخدم لاحقًا في تدريب النموذج نفسه.
لا تقتصر مساهمة الفلاسفة على العمل التعاقدي الدائم، فبعضهم يُستدعى كمستشارين لتقييم كيفية استدلال النماذج في معضلات أخلاقية، والبحث عن ثغرات أو افتراضات غير معلنة في منطقها. كما تعلن بعض الشركات الكبرى عن فرص عمل لحاملي الدكتوراه في الفلسفة براتب يصل إلى ٦٠ دولارًا في الساعة، لتوظيف خبرتهم في تطوير ما يوصف بـ"سير عمل فلسفية" مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
تذهب أنثروبيك إلى ما هو أبعد من الأخلاقيات التطبيقية، إذ تدير برنامج بحث حول "رفاه النموذج"، يتقصى ما إذا كانت أنظمتها تمتلك شكلًا من الوعي يستحق اعتبارًا أخلاقيًا، وهي فرضية تبقيها الشركة مفتوحة بينما يتحفظ عليها كثير من الفلاسفة المستقلين. بل إن الشركة أشارت في تدريب نموذج "كلود" إلى أنه، مع "نضجه الأخلاقي"، قد يواجه حالات نادرة يتوجب عليه فيها "تقديم أخلاقياته الخاصة" على غيرها، حيث قد تضطر الآلة في حالات إلى إعطاء الأولوية لمنظومتها الأخلاقية الخاصة وعصيان أوامر المستخدم إذا تعارضت مع مبادئ العدالة أو الحقيقة.
كما يقول ديفيد تشالمرز (David Chalmers)، رائد فلسفة العقل: "قدرة الآلة على التفوق فلسفيًا علينا هي بحد ذاتها معضلة فلسفية لا نملك إجابتها بعد".
"غوغل ديب مايند" وتوسّع سباق التوظيفلا تنفرد أنثروبيك بهذا الاتجاه، فالرئيس التنفيذي لـ Google DeepMind، ديميس هاسابيس، دعا مرارًا إلى إشراك مزيد من الفلاسفة في التفكير بالتحولات المجتمعية المصاحبة للذكاء الاصطناعي، ويُقال إن المختبر يوظف عشرة فلاسفة على الأقل، انضم بعضهم قبل شهر واحد فقط.ومن أبرز هذه التعيينات الأكاديمية أطوسا كاسيرزاديه (Atoosa Kasirzadeh)، أستاذة في Carnegie Mellon حصلت على إجازة تفرغ لدراسة فكرة: أننا نقترب من واقع لم تعد فيه "الوكالة الإدراكية" (Cognitive Agency) حكرًا على البشر. كما وظّف DeepMind الفيلسوف هنري شيفلين (Henry Shevlin) للعمل على قضايا الوعي الآلي وتفاعل الإنسان مع الذكاء الاصطناعي، والتحضير لمرحلة الذكاء العام الاصطناعي (AGI)، مع استمراره في التدريس بجامعة كامبريدج بالتوازي مع عمله في المختبر.
أما سام إلجين (Sam Elgin)، الباحث في المنطق وما وراء الطبيعة بجامعة بنسلفانيا، فقد عمل مستشارًا لشركة فضّلت عدم الكشف عن اسمها، بهدف تدريب نماذج لغوية على استدلال أخلاقي أكثر صرامة، عبر تغذيتها بمعضلات أخلاقية وتقييم منطقها بحثًا عن ثغرات. وتطرح التطورات الحالية فرضية يُطلق عليها إلجين "الانفجار الأخلاقي" (Morality Explosion): فكما نتوقع انفجارًا في الذكاء الإدراكي، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على البشر في "المنطق الأخلاقي" عبر تفكيك الافتراضات الضمنية والتحيزات التي نغفل عنها.
من الأنثروبولوجيا إلى "الفلسفة التطبيقية"في السبعينيات، استعانت شركات الكمبيوتر بعلماء الأنثروبولوجيا لفهم كيفية تفاعل البشر مع الآلات، مما أنشأ مجالًا يُعرف اليوم ببحوث تجربة المستخدم (UX). ، يقوم الفلاسفة اليوم بدور مشابه عبر ما يُسمى "الفلسفة التطبيقية".ويبدو أن الفلاسفة العاملين في شركات الذكاء الاصطناعي يسلكون مسارًا مماثلًا، إذ وصفت أسكل عملها في تدريب نموذج "كلود" بأنه شكل من "الفلسفة التطبيقية"، وهو المصطلح ذاته المستخدم في إعلانات التوظيف الموجهة لمتعاقدي الفلسفة. ودور الفيلسوف هنا تقني بامتياز، فهو يستخدم المنطق الاستدلالي (Inferential Reasoning) لبناء "سلاسل التفكير" (Chains of Thought) داخل النماذج اللغوية. والهدف ليس نظريًا فحسب، بل هو "تقليل الهلوسة البرمجية" (Hallucinations) عبر تفكيك التناقضات اللغوية وضمان اتساق الردود.
الجامعات تدخل السباق: تخصصات جديدة واستثمار طويل الأمدهذا الطلب المتصاعد على المؤسسات الأكاديمية دفع جامعات مثل جامعة آريزونا لإطلاق تخصص "الذكاء الاصطناعي والفلسفة" بحلول ۲٠۲۷، يركّز على دراسة الوعي وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بينما تطلق جامعة في بوفالو خريف ۲٠۲٦درجة دكتوراه في "الأنطولوجيا التطبيقية"، في استجابة لطفرة الذكاء الاصطناعي، معلنة أنها تسعى لتلبية سوق العمل طلب المتنامي لعلماء الأنطولوجيا.
يلاحظ تشارلز لاسيتر (Charles Lassiter)، الباحث في جامعة Gonzaga الذي حلّل بيانات التوظيف، أن غالبية هذه الوظائف الفلسفية الجديدة هي مناصب مبتدئة، ما يوحي بأن شركات التقنية والجامعات لا تنظر إلى الأمر كموضة مؤقتة، بل تبني جيلًا جديدًا من الكوادر الفلسفية المستديمة لا "مستشارين عابرين". ويؤكد ذلك ديفيد تشالمرز، فيلسوف العقل البارز في NYU، بإشارته إلى أن عددًا متزايدًا من زملائه في القسم باتوا يبحثون في قضايا الذكاء الاصطناعي رغم أنهم لم يكونوا كذلك سابقًا.
وقد رافق هذا الاهتمام تدفق تمويل مباشر أيضًا، إذ أعلنت الجمعية الفلسفية الأمريكية عام ۲٠۲٤ عن جائزتين سنويتين بقيمة ۱٠ آلاف دولار لكل منهما، لصالح باحثين يعملون على قضايا مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بتمويل من مؤسسة خيرية أسسها الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، إريك شميدت وزوجته ويندي.
جذور تاريخية: من تورينغ إلى اليومهذا التزاوج بين علوم الكمبيوتر والفلسفة ليس جديدًا في الواقع، فالرياضي البريطاني آلان تورينغ (Alan Turing) نشر ورقته البحثية الشهيرة عام ۱۹٥٠، والتي أسست لما بات يُعرف لاحقًا باختبار تورينغ . ويرى كثير من المختصين أن الفلاسفة مؤهلون بشكل خاص لشرح الرياضيات المعقدة داخل نماذج الذكاء الاصطناعي بلغة أكثر وضوحًا، وهو ما قد يسهم في تحسين قابلية تفسير هذه الأنظمة وتدقيقها والثقة بها.
مدرستان أخلاقيتان تتنافسان داخل النماذجيشير بنجامين ساذرلاند (Benjamin Sutherland)، الذي كتب عن هذه الظاهرة في مجلة The Economist، إلى إمكانية تلمّس أثر مدارس فلسفية بعينها في سلوك النماذج التجارية. فنماذج "كلود" التابعة لـ أنثروبيك ، تُظهر، على سبيل المثال، ميلًا واضحًا نحو الصدق الصارم، بما يعكس بنية واجبية أو Deontology، أي "أخلاق الواجب" التي يمنع فيها النموذج من الكذب، حتى لو كان الكذب سيؤدي لنتيجة جيدة.
في المقابل، تنحو مدرسة أخرى، هي المدرسة النتائجية أو Consequentialism، وشكلها الأقرب المتمثل في المذهب النفعي، نحو الحكم على الفعل بناءً على النتيجة الأكثر نفعًا للجميع، كما يظهر مثلًا في قرارات السيارات ذاتية القيادة عند حدوث حادث لا مفر منه، حيث يتعين على الآلة اتخاذ قرارات سريعة لتقليل الخسائر البشرية (مثل التضحية بشخص لإنقاذ خمسة).
يتوقع بنجامين ساذرلاند أن يميل التنظيم القانوني المتزايد للذكاء الاصطناعي عالميًا نحو المنطق الواجبي أكثر، بحكم أن القوانين نفسها واجبية بطبيعتها، إذ تحظر سلوكًا معينًا بصرف النظر عن النية أو النتيجة المرجوة منه.
هل يمكن أن يتفوق الذكاء الاصطناعي فلسفيًا على الإنسان؟من بين الأسئلة الأكثر إثارة للجدل بين الأكاديميين، احتمال أن تتفوق الأنظمة يومًا ما على البشر في الاستدلال الأخلاقي ذاته، فيما يوازي "الانفجار الأخلاقي" الذي يتحدث عنه سام إلجين (Sam Elgin)، المرافق للانفجار المعرفي المتوقع للذكاء الاصطناعي. وتبدو شركة أنثروبيك متوافقة جزئيًا مع هذا الطرح عبر ما أشارت إليه بشأن "النضج الأخلاقي" لنموذج "كلود".
أما ديفيد تشالمرز، فحين سُئل إن كان بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يمارس الفلسفة بشكل أفضل من الإنسان، اكتفى بوصف السؤال ذاته بأنه سؤال فلسفي مثير للاهتمام، دون حسم واضح.
مخاوف من تسليع الفلسفةفي مقابل هذا الزخم، تتصاعد تحفظات داخل الوسط الأكاديمي نفسه. فيحذّر دانيال فوغال (Daniel Fogal)، الباحث في NYU، من احتمال إنتاج عمل أكاديمي أقل جودة بفعل الحوافز غير المتوازنة التي يسببها التمويل الضخم، مثل جوائز إريك شميدت للفلاسفة. ويضيف دانيال فوغال أن قلب التفكير الفلسفي الجيد يقتضي التمهل والتأني، بعيدًا عن سرعة استجابة السوق، في حين يفرض واقع صناعة التكنولوجيا إيقاعًا مغايرًا تمامًا بينما تتحرك شركات التقنية بإيقاع سريع تحكمه المنافسة و يحكمه منطق الربح.
كما تتصاعد مخاوف موازية من أن اعتماد شركات التقنية الكبرى كموظف رئيسي للفلاسفة قد يقرّب الأبحاث المستقبلية أكثر من الأولويات التجارية على حساب الاستقلالية الأكاديمية البحتة.
من مراقب خارجي إلى شريك في القراريبقى الاتجاه العام واضحًا: فوجود فيلسوف داخل شركة تكنولوجيا لا يعني بالضرورة أن مشكلاتها الأخلاقية قد حُلّت، أو أن منتجها بات محايدًا تلقائيًا، إذ تظل القرارات النهائية محكومة غالبًا باعتبارات تجارية وتنظيمية وضغط المنافسة. لكن هذا لا يُلغي حقيقة أن قطاع الذكاء الاصطناعي لم يعد قادرًا على الاكتفاء بلغة الهندسة وحدها، فكلما ازدادت قدرة النماذج على التأثير في حياة البشر، ازدادت الحاجة إلى من يطرح الأسئلة الكبرى قبل أن تقدم الآلة الإجابات. وأيضا الحاجة إلى لغة أخرى تشرح المعنى والغاية والحدود. وهكذا ينتقل الفيلسوف تدريجيًا من موقع المراقب الخارجي إلى شريك فعلي في رسم مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على البشري، وفي تحديد السؤال الذي ينبغي أن يُبنى عليه النظام أصلًا، لا مجرد الإجابة عنه بعد فوات الأوان.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
By مونت كارلو الدولية / MCD2
11 ratings
تتطرق نايلة الصليبي في"النشرة الرقمية" إلى انتقال الفلاسفة من قاعات المحاضرات الرتيبة إلى قلب "السيليكون فالي"، حيث باتت الفلسفة من أكثر التخصصات طلبًا داخل أروقة كبرى شركات التكنولوجيا المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تتهافت على توظيف خريجي الفلسفة!
من قاعات المحاضرات إلى وادي السيليكون: كيف أصبح الفلاسفة صنّاع "الدساتير الأخلاقية" للذكاء الاصطناعي؟طويلًا ارتبطت الفلسفة في الأذهان بصورة العلم النظري الجاف، الغارق في تجريدات "ما وراء الطبيعة" البعيدة عن سوق العمل ومتطلبات الحياة العملية. حتى أن المستثمر التقني الشهير بول غراهام درس الفلسفة في مرحلته الجامعية، ووصف الأمر حينها بأنه اختيار غير عملي إلى حد كبير، قبل أن يصاب بخيبة أمل من رتابة موادها ويتحول لاحقًا إلى دراسة الذكاء الاصطناعي. لكن هذا المسار انعكس اليوم بشكل لافت، إذ عاد بول غراهام ليعترف بأن الفلسفة هي الجبهة الحقيقية للذكاء الاصطناعي. لقد تحوّل الفلاسفة من قاعات المحاضرات الرتيبة إلى قلب السيليكون فالي، لا ليتأملوا الوجود، بل ليضعوا "الدساتير الأخلاقية" التي ستحكم تصرفات الآلات التي قد تفوقنا ذكاءً.
توظيف الفلاسفة: من الهامش الأكاديمي إلى قلب الصناعةبينما كانت الفلسفة تُنظر إليها كترف فكري، باتت من أكثر التخصصات طلبًا داخل أروقة كبرى شركات التقنية. تكشف بيانات موقع التوظيف الأكاديمي PhilJobs أن نسبة الوظائف الفلسفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قفزت من ۱ بالمئة عام ٢٠۱٣ إلى ۱٦ بالمئة في العام ۲٠٢٥، وهو ما يعكس تحولًا بنيويًا لا مجرد موضة عابرة.
و قد برزت عبر هذا الطلب فئة من الفلاسفة تحت مسمى "الأنطولوجيين التطبيقيين" (Applied Ontologists)، إذ هناك طلب على خبراء "الأنطولبينها، لترجمةرع فلسفي يعنى بتصنيف الكيانات والعلاقات المنطقية بينها، لترجمة فوضى الواقع إلى بنى منطقية تفهمها الآلة.
جذور فلسفية لمشكلة تقنيةالمفارقة هنا أن الفلاسفة أنفسهم كانوا من بين أوائل من تأملوا فكرة صناعة عقول اصطناعية عبر التاريخ. وقد لعب كتاب الفيلسوف السويدي نيك بوستروم Nick Bostrom الصادر عام ٢٠۱٤ بعنوان Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies -الذكاء الفائق: المسارات والأخطار والاستراتيجيات- دورًا أساسيا في لفت الانتباه إلى المخاطر المحتملة لذكاء اصطناعي فائق القدرة. فإيلون ماسك متأثر برؤية نيك بوستروم، وبدوره سام ألتمان وصف الكتاب بأنه من أفضل ما قرأه عن مخاطر هذه التقنية. هذا التأثير امتد إلى برامج البحث في كبرى المختبرات، ليصبح الفيلسوف لا مجرد مراقب خارجي، بل طرفًا يسهم في صياغة السؤال الذي تحاول الصناعة اليوم الإجابة عنه.
لماذا يحتاج مهندسو الذكاء الاصطناعي إلى الفلاسفة أصلًا؟مع تطور النماذج التوليدية، لم تعد التحديات تقنية بحتة تتعلق بدقة الأداء أو سرعة المعالجة، بل امتدت إلى أسئلة أعمق حول التحيز والعدالة والمسؤولية، بل وحتى حول احتمال اقتراب هذه الأنظمة من شكل من أشكال الوعي. فحين يتخذ نموذج ما قرارات تؤثر في مجالات كالإعلام والتعليم والصحة والأمن، تبرز الحاجة إلى من يستطيع تفكيك مفاهيم لا تحسمها الهندسة وحدها: ما المقصود بالمصلحة العامة؟ وما حدود التحيز المقبول؟ ومتى يكون الامتناع عن الإجابة خيارًا أخلاقيًا أفضل من تقديم إجابة خاطئة؟
يضاف إلى ذلك بُعد آخر أكثر عملية، إذ يمتلك الفلاسفة أدوات في التحليل المنطقي واللغوي تفيد في توجيه النماذج اللغوية نحو استدلالات أكثر اتساقًا أو انسجاما، وهو ما يتقاطع مع ما يُعرف بهندسة الأوامر أو Prompt Engineering، ليس بمعنى صياغة طلب أذكى فقط، بل بفهم كيفية بناء المعنى واختبار الفرضيات وكشف الافتراضات الضمنية والتناقضات.
في قلب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يبرز موضوع "المحاذاة" أو Alignment، و التي أيضا تترجم "بالمواءمة" أي ضمان تصرف الأنظمة بما يتوافق مع القيم الإنسانية، وهي قضية تبدو تقنية في ظاهرها لكنها فلسفية في عمقها، فقبل "محاذاة" أي نظام مع قيم معينة، لا بد أولًا من تحديد أي قيم هي المعتمدة، ومن يملك حق تعريفها، خصوصًا في ظل اختلافات ثقافية ودينية وقانونية واسعة، بل وتناقضات داخل المجتمع الواحد بين الحرية والسلامة، أو بين الخصوصية والمراقبة.وقد صرّح سام ألتمان في مقابلة مع تاكر كارلسون بأن OpenAI استعانت بمئات خبراء الفلسفة الأخلاقية والتقنية عند وضع قواعد سلوك ChatGPT.
أنثروبيك وأماندا آسكل: حين تتحول الفلسفة إلى دستور لنموذج لغويتُعد شركة أنثروبيك الأكثر انخراطا في هذا التوجه بين الشركات الكبرى. فالفيلسوفة أماندا أسكل (Amanda Askell)، التي تعمل لدى أنثروبيك، تسعى إلى أن يمتلك نموذج "كلود" ما وصفته بـ"الشخصية الجيدة" إلى جانب كونه مساعدًا نافعًا. وفي يناير ٢٠۲٦، نُشر تحت إشرافها ما يُعرف بـ"دستور كلود"، وهو وثيقة فلسفية من۸٤ صفحة تحدد شخصية النموذج وسلوكه المتوقع، وتتضمن أقسامًا كثيفة في الأخلاقيات المعرفية ونظرية المعرفة، تُستخدم لاحقًا في تدريب النموذج نفسه.
لا تقتصر مساهمة الفلاسفة على العمل التعاقدي الدائم، فبعضهم يُستدعى كمستشارين لتقييم كيفية استدلال النماذج في معضلات أخلاقية، والبحث عن ثغرات أو افتراضات غير معلنة في منطقها. كما تعلن بعض الشركات الكبرى عن فرص عمل لحاملي الدكتوراه في الفلسفة براتب يصل إلى ٦٠ دولارًا في الساعة، لتوظيف خبرتهم في تطوير ما يوصف بـ"سير عمل فلسفية" مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
تذهب أنثروبيك إلى ما هو أبعد من الأخلاقيات التطبيقية، إذ تدير برنامج بحث حول "رفاه النموذج"، يتقصى ما إذا كانت أنظمتها تمتلك شكلًا من الوعي يستحق اعتبارًا أخلاقيًا، وهي فرضية تبقيها الشركة مفتوحة بينما يتحفظ عليها كثير من الفلاسفة المستقلين. بل إن الشركة أشارت في تدريب نموذج "كلود" إلى أنه، مع "نضجه الأخلاقي"، قد يواجه حالات نادرة يتوجب عليه فيها "تقديم أخلاقياته الخاصة" على غيرها، حيث قد تضطر الآلة في حالات إلى إعطاء الأولوية لمنظومتها الأخلاقية الخاصة وعصيان أوامر المستخدم إذا تعارضت مع مبادئ العدالة أو الحقيقة.
كما يقول ديفيد تشالمرز (David Chalmers)، رائد فلسفة العقل: "قدرة الآلة على التفوق فلسفيًا علينا هي بحد ذاتها معضلة فلسفية لا نملك إجابتها بعد".
"غوغل ديب مايند" وتوسّع سباق التوظيفلا تنفرد أنثروبيك بهذا الاتجاه، فالرئيس التنفيذي لـ Google DeepMind، ديميس هاسابيس، دعا مرارًا إلى إشراك مزيد من الفلاسفة في التفكير بالتحولات المجتمعية المصاحبة للذكاء الاصطناعي، ويُقال إن المختبر يوظف عشرة فلاسفة على الأقل، انضم بعضهم قبل شهر واحد فقط.ومن أبرز هذه التعيينات الأكاديمية أطوسا كاسيرزاديه (Atoosa Kasirzadeh)، أستاذة في Carnegie Mellon حصلت على إجازة تفرغ لدراسة فكرة: أننا نقترب من واقع لم تعد فيه "الوكالة الإدراكية" (Cognitive Agency) حكرًا على البشر. كما وظّف DeepMind الفيلسوف هنري شيفلين (Henry Shevlin) للعمل على قضايا الوعي الآلي وتفاعل الإنسان مع الذكاء الاصطناعي، والتحضير لمرحلة الذكاء العام الاصطناعي (AGI)، مع استمراره في التدريس بجامعة كامبريدج بالتوازي مع عمله في المختبر.
أما سام إلجين (Sam Elgin)، الباحث في المنطق وما وراء الطبيعة بجامعة بنسلفانيا، فقد عمل مستشارًا لشركة فضّلت عدم الكشف عن اسمها، بهدف تدريب نماذج لغوية على استدلال أخلاقي أكثر صرامة، عبر تغذيتها بمعضلات أخلاقية وتقييم منطقها بحثًا عن ثغرات. وتطرح التطورات الحالية فرضية يُطلق عليها إلجين "الانفجار الأخلاقي" (Morality Explosion): فكما نتوقع انفجارًا في الذكاء الإدراكي، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على البشر في "المنطق الأخلاقي" عبر تفكيك الافتراضات الضمنية والتحيزات التي نغفل عنها.
من الأنثروبولوجيا إلى "الفلسفة التطبيقية"في السبعينيات، استعانت شركات الكمبيوتر بعلماء الأنثروبولوجيا لفهم كيفية تفاعل البشر مع الآلات، مما أنشأ مجالًا يُعرف اليوم ببحوث تجربة المستخدم (UX). ، يقوم الفلاسفة اليوم بدور مشابه عبر ما يُسمى "الفلسفة التطبيقية".ويبدو أن الفلاسفة العاملين في شركات الذكاء الاصطناعي يسلكون مسارًا مماثلًا، إذ وصفت أسكل عملها في تدريب نموذج "كلود" بأنه شكل من "الفلسفة التطبيقية"، وهو المصطلح ذاته المستخدم في إعلانات التوظيف الموجهة لمتعاقدي الفلسفة. ودور الفيلسوف هنا تقني بامتياز، فهو يستخدم المنطق الاستدلالي (Inferential Reasoning) لبناء "سلاسل التفكير" (Chains of Thought) داخل النماذج اللغوية. والهدف ليس نظريًا فحسب، بل هو "تقليل الهلوسة البرمجية" (Hallucinations) عبر تفكيك التناقضات اللغوية وضمان اتساق الردود.
الجامعات تدخل السباق: تخصصات جديدة واستثمار طويل الأمدهذا الطلب المتصاعد على المؤسسات الأكاديمية دفع جامعات مثل جامعة آريزونا لإطلاق تخصص "الذكاء الاصطناعي والفلسفة" بحلول ۲٠۲۷، يركّز على دراسة الوعي وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بينما تطلق جامعة في بوفالو خريف ۲٠۲٦درجة دكتوراه في "الأنطولوجيا التطبيقية"، في استجابة لطفرة الذكاء الاصطناعي، معلنة أنها تسعى لتلبية سوق العمل طلب المتنامي لعلماء الأنطولوجيا.
يلاحظ تشارلز لاسيتر (Charles Lassiter)، الباحث في جامعة Gonzaga الذي حلّل بيانات التوظيف، أن غالبية هذه الوظائف الفلسفية الجديدة هي مناصب مبتدئة، ما يوحي بأن شركات التقنية والجامعات لا تنظر إلى الأمر كموضة مؤقتة، بل تبني جيلًا جديدًا من الكوادر الفلسفية المستديمة لا "مستشارين عابرين". ويؤكد ذلك ديفيد تشالمرز، فيلسوف العقل البارز في NYU، بإشارته إلى أن عددًا متزايدًا من زملائه في القسم باتوا يبحثون في قضايا الذكاء الاصطناعي رغم أنهم لم يكونوا كذلك سابقًا.
وقد رافق هذا الاهتمام تدفق تمويل مباشر أيضًا، إذ أعلنت الجمعية الفلسفية الأمريكية عام ۲٠۲٤ عن جائزتين سنويتين بقيمة ۱٠ آلاف دولار لكل منهما، لصالح باحثين يعملون على قضايا مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بتمويل من مؤسسة خيرية أسسها الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، إريك شميدت وزوجته ويندي.
جذور تاريخية: من تورينغ إلى اليومهذا التزاوج بين علوم الكمبيوتر والفلسفة ليس جديدًا في الواقع، فالرياضي البريطاني آلان تورينغ (Alan Turing) نشر ورقته البحثية الشهيرة عام ۱۹٥٠، والتي أسست لما بات يُعرف لاحقًا باختبار تورينغ . ويرى كثير من المختصين أن الفلاسفة مؤهلون بشكل خاص لشرح الرياضيات المعقدة داخل نماذج الذكاء الاصطناعي بلغة أكثر وضوحًا، وهو ما قد يسهم في تحسين قابلية تفسير هذه الأنظمة وتدقيقها والثقة بها.
مدرستان أخلاقيتان تتنافسان داخل النماذجيشير بنجامين ساذرلاند (Benjamin Sutherland)، الذي كتب عن هذه الظاهرة في مجلة The Economist، إلى إمكانية تلمّس أثر مدارس فلسفية بعينها في سلوك النماذج التجارية. فنماذج "كلود" التابعة لـ أنثروبيك ، تُظهر، على سبيل المثال، ميلًا واضحًا نحو الصدق الصارم، بما يعكس بنية واجبية أو Deontology، أي "أخلاق الواجب" التي يمنع فيها النموذج من الكذب، حتى لو كان الكذب سيؤدي لنتيجة جيدة.
في المقابل، تنحو مدرسة أخرى، هي المدرسة النتائجية أو Consequentialism، وشكلها الأقرب المتمثل في المذهب النفعي، نحو الحكم على الفعل بناءً على النتيجة الأكثر نفعًا للجميع، كما يظهر مثلًا في قرارات السيارات ذاتية القيادة عند حدوث حادث لا مفر منه، حيث يتعين على الآلة اتخاذ قرارات سريعة لتقليل الخسائر البشرية (مثل التضحية بشخص لإنقاذ خمسة).
يتوقع بنجامين ساذرلاند أن يميل التنظيم القانوني المتزايد للذكاء الاصطناعي عالميًا نحو المنطق الواجبي أكثر، بحكم أن القوانين نفسها واجبية بطبيعتها، إذ تحظر سلوكًا معينًا بصرف النظر عن النية أو النتيجة المرجوة منه.
هل يمكن أن يتفوق الذكاء الاصطناعي فلسفيًا على الإنسان؟من بين الأسئلة الأكثر إثارة للجدل بين الأكاديميين، احتمال أن تتفوق الأنظمة يومًا ما على البشر في الاستدلال الأخلاقي ذاته، فيما يوازي "الانفجار الأخلاقي" الذي يتحدث عنه سام إلجين (Sam Elgin)، المرافق للانفجار المعرفي المتوقع للذكاء الاصطناعي. وتبدو شركة أنثروبيك متوافقة جزئيًا مع هذا الطرح عبر ما أشارت إليه بشأن "النضج الأخلاقي" لنموذج "كلود".
أما ديفيد تشالمرز، فحين سُئل إن كان بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يمارس الفلسفة بشكل أفضل من الإنسان، اكتفى بوصف السؤال ذاته بأنه سؤال فلسفي مثير للاهتمام، دون حسم واضح.
مخاوف من تسليع الفلسفةفي مقابل هذا الزخم، تتصاعد تحفظات داخل الوسط الأكاديمي نفسه. فيحذّر دانيال فوغال (Daniel Fogal)، الباحث في NYU، من احتمال إنتاج عمل أكاديمي أقل جودة بفعل الحوافز غير المتوازنة التي يسببها التمويل الضخم، مثل جوائز إريك شميدت للفلاسفة. ويضيف دانيال فوغال أن قلب التفكير الفلسفي الجيد يقتضي التمهل والتأني، بعيدًا عن سرعة استجابة السوق، في حين يفرض واقع صناعة التكنولوجيا إيقاعًا مغايرًا تمامًا بينما تتحرك شركات التقنية بإيقاع سريع تحكمه المنافسة و يحكمه منطق الربح.
كما تتصاعد مخاوف موازية من أن اعتماد شركات التقنية الكبرى كموظف رئيسي للفلاسفة قد يقرّب الأبحاث المستقبلية أكثر من الأولويات التجارية على حساب الاستقلالية الأكاديمية البحتة.
من مراقب خارجي إلى شريك في القراريبقى الاتجاه العام واضحًا: فوجود فيلسوف داخل شركة تكنولوجيا لا يعني بالضرورة أن مشكلاتها الأخلاقية قد حُلّت، أو أن منتجها بات محايدًا تلقائيًا، إذ تظل القرارات النهائية محكومة غالبًا باعتبارات تجارية وتنظيمية وضغط المنافسة. لكن هذا لا يُلغي حقيقة أن قطاع الذكاء الاصطناعي لم يعد قادرًا على الاكتفاء بلغة الهندسة وحدها، فكلما ازدادت قدرة النماذج على التأثير في حياة البشر، ازدادت الحاجة إلى من يطرح الأسئلة الكبرى قبل أن تقدم الآلة الإجابات. وأيضا الحاجة إلى لغة أخرى تشرح المعنى والغاية والحدود. وهكذا ينتقل الفيلسوف تدريجيًا من موقع المراقب الخارجي إلى شريك فعلي في رسم مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على البشري، وفي تحديد السؤال الذي ينبغي أن يُبنى عليه النظام أصلًا، لا مجرد الإجابة عنه بعد فوات الأوان.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners