تتطرق نايلة الصليبي في"النشرة الرقمية" إلى بدء المرحلة الأساسية من التطبيق العملي لمعظم أحكام قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبيAI Act. فما الذي تغيّر؟ وما أبرز الصلاحيات الجديدة؟ وكيف ستؤثر هذه القواعد في شركات التكنولوجيا في العالم؟
الاتحاد الأوروبي ينتقل من التشريع إلى التنفيذ
دخل الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة في تنظيم الذكاء الاصطناعي مع بدء سريان مجموعة من الأحكام الرئيسية في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي AI Act، لينتقل من مرحلة وضع القواعد إلى التطبيق العملي والرقابة والتنفيذ. ويمنح هذا التحول المفوضية الأوروبية صلاحيات رقابية وتنفيذية واسعة لمتابعة امتثال الشركات، والتحقيق في المخالفات، وفرض العقوبات عند الضرورة، بما يجعل القانون أحد أكثر الأطر التنظيمية شمولًا وطموحًا في العالم.
ويأتي التنفيذ وفق جدول زمني متدرج بدأ بدخول القانون حيز النفاذ في الأول من أغسطس 2024، ثم تطبيق الأحكام العامة وحظر الأنظمة ذات المخاطر غير المقبولة في فبراير 2025، قبل أن تبدأ غالبية أحكامه التنفيذية في أغسطس 2026، على أن يكتمل تطبيق بعض البنود خلال عامي 2027 و2028.
نهج قائم على المخاطر لتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي
يعتمد القانون الأوروبي على "النهج القائم على المخاطر"Risk-based approach، الذي يصنف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفق مستوى خطورتها.
يحظر القانون الأوروبي الممارسات التي تُعد ذات مخاطر غير مقبولة، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي لخداع الأشخاص أو التلاعب بهم، واستغلال نقاط ضعفهم المرتبطة بالعمر أو الإعاقة، إلى جانب بعض تطبيقات التقييم الاجتماعي Social Scoring والتمييز البيومتري.
أما التطبيقات المصنفة عالية المخاطر، مثل تلك المستخدمة في التوظيف والتعليم والرعاية الصحية، فتخضع لقيود تنظيمية صارمة تشمل التوثيق، والشفافية، والإشراف البشري، وإدارة المخاطر. وفي المقابل، يسمح بتطوير الأنظمة منخفضة المخاطر مع الالتزام بالحد الأدنى من متطلبات الشفافية، مثل إعلام المستخدم عند تفاعله مع روبوت المحادثة Chatbot.
شفافية أكبر وضوابط على المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي
يفرض قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي AI Act متطلبات جديدة لتعزيز الشفافية، إذ يلزم الشركات بوضع علامات واضحة على المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك محتوى التزييف العميقdeepfakes ، ليتيح للمستخدمين التعرف على صانع المحتوى بسهولة. كما مُنحت النماذج الموجودة حاليا في السوق مهلة حتى الثاني من ديسمبر2026 للامتثال لهذه الالتزامات.
وفي إطار التشديد على الاستخدامات المحظورة، سيدخل حظر الأنظمة القادرة على توليد صور عارية للأشخاص دون موافقتهم حيز التنفيذ اعتبارًا من ديسمبر2026، بينما تؤجل بعض الأحكام الخاصة بتنظيم أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية الخطورة إلى عامي 2027 و2028 لإتاحة مزيد من الوقت أمام الشركات للاستعداد.
صلاحيات رقابية غير مسبوقة لـ "مكتب الذكاء الاصطناعي"
أُسندت مهمة مراقبة تنفيذ هذه القواعد إلى "مكتب الذكاء الاصطناعي" AI Office التابع للمفوضية الأوروبية. يمتلك هذا المكتب صلاحيات واسعة لإجراء مراجعات تقنية وتقييمات للنماذج الكبرى، بل ويمكنه، في بعض الحالات، الاطلاع عليها قبل إطلاقها في الأسواق.حيث يمثل توسيع صلاحيات AI Office أحد أبرز التحولات التي جاء بها القانون.
كما تمتلك المفوضية الأوروبية صلاحيات إجراء التحقيقات وعمليات التفتيش، وإلزام الشركات باتخاذ إجراءات تصحيحية عند رصد المخالفات، إضافة إلى تقييد نشر بعض النماذج الجديدة. أما النماذج الأقل تعقيدًا، فتخضع لرقابة الهيئات الوطنية في دول الاتحاد.
التزامات تشغيلية وتشريعية على الشركات المطورة
يفرض القانون التزامات واسعة على الشركات التي تطور أو تقدم نماذج ذكاء اصطناعي عامة (General-Purpose Artificial Intelligence) داخل السوق الأوروبية، سواء كانت أوروبية أو غير أوروبية، بما يشمل شركات كبرى مثل " أنثروبيك" "غوغل" و"مايكروسوفت" و"ميتا" و"أوبن إيه آي" و"أمازون".
وتشمل هذه الالتزامات تقييم المخاطر، وتوثيق عمليات التدريب، وتقديم ملخصات عن بيانات التدريب المحمية بحقوق النشر، وتطبيق تدابير الأمن السيبراني وإدارة المخاطر، وتقييد استخدام البيانات الحساسة في حالات محددة، إضافة إلى تعيين ممثل قانوني داخل الاتحاد الأوروبي بالنسبة للشركات غير الأوروبية.
هذا يعني أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي AI Act يفرض التزامات جديدة على جميع الشركات التي تطور أو توفر نماذج ذكاء اصطناعي عامة سواء كانت الشركة أوروبية أو غير أوروبية، فإن وجودها داخل السوق الأوروبية يفرض عليها الالتزام بالقواعد الجديدة. وهذا يشمل الشركات العالمية الكبرى. وسيكون عليها توثيق كيفية تدريب نماذجها، وتقديم معلومات عن بيانات التدريب المحمية بحقوق النشر، وتعزيز إجراءات الأمن السيبراني، وإدارة المخاطر، وتعيين ممثل قانوني داخل الاتحاد الأوروبي إذا كانت شركة أجنبية.
عقوبات مالية مشددة لضمان الامتثال
يتضمن القانون منظومة عقوبات مالية صارمة تستهدف الشركات المخالفة. وتصل الغرامات في الأنشطة المحظورة إلى 7% من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية للشركة أو 35 مليون يورو، "على أن يُحتسب المبلغ الأعلى".
أما المخالفات الأخرى، فقد تصل عقوباتها إلى 3% من الإيرادات السنوية العالمية أو 15 مليون يورو، إضافة إلى فرض غرامات على الشركات التي تعرقل التحقيقات التي تجريها المفوضية الأوروبية.
بين حماية المستخدمين وتحديات الابتكار
يرى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي AI Act أن تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي يهدف إلى حماية الحقوق الأساسية وتعزيز الثقة في الأنظمة الرقمية، وصولًا إلى ترسيخ مفهوم Trusted AI باعتباره علامة جودة للذكاء الاصطناعي الموثوق والآمن.
أثارت متطلبات الامتثال مخاوف داخل قطاع التكنولوجيا، خاصة لدى الشركات الناشئة، بسبب ارتفاع كلفة الالتزام التنظيمي، والحاجة إلى موارد قانونية وتقنية كبيرة، فضلاً عن احتمال تأخير إطلاق بعض المنتجات نتيجة التعقيدات الإجرائية وضبابية بعض التفسيرات القانونية.
وتزداد هذه المخاوف مع تبني الولايات المتحدة نهجًا أكثر مرونة، واستمرار الصين في الاستثمار المكثف في الذكاء الاصطناعي، ما يثير تساؤلات حول تأثير القيود التنظيمية في القدرة التنافسية الأوروبية وسرعة الابتكار.
"تأثير بروكسل"... من تنظيم أوروبي إلى معيار عالمي
لا يقتصر أثر القانون على السوق الأوروبية، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ"تأثير بروكسل" (The Brussels Effect)، إذ بدأت الشركات العالمية إعادة النظر في سياساتها ومنتجاتها بما يتوافق مع المتطلبات الأوروبية لضمان استمرار نشاطها داخل السوق الأوروبية.
تشير بحوث مؤسسة تومسون رويترز إلى أن نسبة كبيرة من الشركات التي تستشهد بالقانون هي شركات غير أوروبية، وهو ما يعزز مكانة التشريع باعتباره مرجعًا تنظيميًا عالميًا. كما بدأت دول عدة في اقتباس بعض بنوده عند إعداد أطرها القانونية الخاصة بتنظيم الذكاء الاصطناعي.
شرعت شركات في تعديل آليات جمع البيانات وتدريب النماذج، بينما طالبت شركات كبرى بتأجيل بعض الأحكام خشية تأثيرها في القدرة التنافسية. ويعكس ذلك انتقال الاتحاد الأوروبي من مجرد سوق استهلاكية للتقنيات إلى جهة تنظيمية تمتلك أدوات رقابية وتنفيذية تؤثر في استراتيجيات الشركات التقنية والقانونية على المستوى العالمي.
فكثير من الشركات العالمية بدأت بالفعل مراجعة سياساتها وآليات تطوير نماذجها استعدادًا للامتثال. فالامتثال لهذه القواعد يعني استثمارات إضافية في الموارد البشرية والتقنية، وإعادة تصميم بعض المنتجات قبل طرحها في الأسواق، فضلًا عن تعزيز أنظمة الحوكمة وإدارة المخاطر داخل الشركات.
نجح قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي Ai Act حتى الآن في وضع خطوط حمراء لحماية المستخدمين وحقوقهم، ولكنه فشل جزئياً في تشجيع الابتكار السريع.
لا يوقف قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي سباق الذكاء الاصطناعي، ولكنه غيّر قواعده: أوروبا اختارت أن تركز على "حوكمة وتأطير التقنية". وما تراه واشنطن وبكين خطوة تبطئ النمو، يراه الاتحاد الأوروبي ضرورة أخلاقية لحماية المجتمعات المستقبليّة.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي