تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية إلى الهجوم السيبراني الإيراني المدمر الذي شلّ عملاق التكنولوجيا الطبية الأمريكي"سترايكر".وأيضا إلى معالج ثوري يحول الحوسبة الكمومية إلى واقع تقني ملموس، قد يعيد تشكيل مستقبل التكنولوجيا والعلوم في العقود المقبلة.
هجوم "حنظلة" السيبراني يشلّ "سترايكر": عندما تمتدّ الحرب بين إيران والولايات المتحدة إلى الأجهزة الطبية
في الساعات الأولى من فجر الحادي عشر من مارس 2026، استيقظ آلاف الموظفين في شركة "Stryker"، العملاق الأمريكي في صناعة الأجهزة الطبية، على مشهد غير مألوف: شاشات سوداء، وأجهزة معطّلة، وخدمات داخلية توقفت عن العمل دفعةً واحدة في أكثر من سبعين دولة حول العالم. لم يكن الأمر عطلاً تقنياً عارضاً، بل كان إعلان حرب رقمية موجّهة، وصفعةً إلكترونية مدروسة تتجاوز في أبعادها حدود الشركة المستهدفة لتطرح أسئلة جدية حول هشاشة البنى التحتية الرقمية للشركات الكبرى في زمن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
"حنظلة" تتبنّى الهجوم: ردّ سيبراني على صاروخ استهدف مدرسة إيرانية
لم تمرّ ساعات قليلة على الهجمات السيبرانية حتى تبنّت مجموعة تطلق على نفسها اسم "حنظلة" Handala المسؤوليةَ الكاملة عن الهجوم و هي مجموعة مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية، وقد أعلنت عبر قناتها على تيليغرام بأن هذا الهجوم جاء ردا على الضربة الصاروخية الأمريكية التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران ، ما أسفر عن سقوط أكثر من مئة وخمسين قتيلا معظمهم أطفال ، معلنة أن “هذا مجرد بداية فصل جديد في الحرب السيبرانية"، مؤشّرةً إلى أن أهدافاً أخرى ستكون في المرمى.
لماذا استهداف شركة "سترايكر" عملاق الأجهزة الطبية في قلب الاقتصاد والصحة؟
لم يكن اختيار "سترايكر" هدفاً عشوائياً. فالشركة المدرجة في قائمة فورشن ٥٠٠ تُعدّ من أبرز شركات التكنولوجيا الطبية في العالم، وتمتلك حضوراً واسعاً في قطاعي المعدات الجراحية والتكنولوجيا العصبية. وتشغّل أكثر من ٥٣ الف موظف موزعين على شبكة من المكاتب في ٧٩ دولة، فيما بلغت إيراداتها العالمية عام ٢٠٢٤ نحو ٢٢،٦مليار دولار. استهداف مثل هذه الشركة يحمل رسالة مزدوجة: الأولى اقتصادية بامتياز، تتمثل في إيذاء شركة أمريكية كبرى في عمق مصالحها التشغيلية. والثانية رمزية، تقوم على اختراق قطاع حسّاس يمسّ الصحة والحياة البشرية.
برمجيات المسح القاتلة: ٥٠ تيرابايت مسروقة وآلاف الأجهزة مُدمَّرة
من الناحية التقنية، يُرجَّح أن المهاجمين اعتمدوا على ما يُعرف بــبرمجيات المسح أو "الوايبرWiper Malware، وهي أدوات مصمّمة تحديداً لتدمير البيانات بصورة نهائية لا يمكن التراجع عنها. ولا يستهدف هذا النوع من البرمجيات ابتزاز الضحية كما هو الحال في هجمات الفدية، بل يسعى إلى تحقيق أقصى درجات التعطيل والخسارة بلا أي نقطة تفاوض.وادّعت "حنظلة" Handala أنها نجحت في سرقة ٥٠ تيرابايت من البيانات قبل أن تشرع في محو عشرات الآلاف من الأجهزة والخوادم على الشبكة الداخلية للشركة. وفي ساعة متأخرة من الليل، وجد موظفون في الولايات المتحدة وأيرلندا وكوستاريكا وأستراليا أجهزتهم قد أُعيد ضبطها عن بُعد، كما وضعت سترايكر في إيرلندا ٥ الآلاف موظفا مؤقتا من دون عمل .فيما استُبدلت صفحة تسجيل الدخول إلى شبكة الإنترانت الداخلية بصورة تحمل شعار المجموعة المهاجمة، في رسالة استعراضية واضحة.
فوضى في مكاتب العالم: من الأنظمة السحابية إلى الورقة والقلم
الصورة التي رسمها الموظفون الذين تواصل معهم موقع Bleeping Computer الأمريكي كانت أقرب إلى مشهد كارثي مفاجئ. إذ اضطر بعض المكاتب إلى التخلي عن كل أدواتهم الرقمية والعودة إلى أسلوب العمل التقليدي بـالورقة والقلم. كما تضرر بعض الموظفين الذين كانت هواتفهم الشخصية مسجّلة للوصول المهني، إذ جرى مسح بياناتهم الخاصة أيضاً في إطار الهجوم، وهو ما اضطر الشركة إلى مطالبة جميع موظفيها بحذف تطبيقات العمل من أجهزتهم الشخصية فور الكشف عن الخرق.
رواية الشركة بين التشكيك وأسواق المال
في بيانها الرسمي، أقرّت شركة "سترايكر" بوقوع الهجوم، مؤكدةً حدوث "اضطراب عالمي في بيئة مايكروسوفت التابعة للشركة". غير أنها سارعت إلى نفي أي وجود لبرامج فدية أو برمجيات خبيثة، وأوضحت الشركة أن الوضع بات تحت السيطرة، محذّرةً في الوقت ذاته من أن التعطيل في الوصول إلى الأنظمة والتطبيقات سيستمر إلى حين اكتمال عمليات الاستعادة، دون أن تُحدد أي جدول زمني واضح لذلك. وعلى الصعيد المالي، ترجمت الأسواق قلقها بسرعة؛ إذ تراجعت أسهم الشركة في بورصة نيويورك بنسبة قاربت ٣بالمئة في أعقاب تقارير صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الهجوم وإمكانية ارتباطه بإيران.
من "ستاكسنت" إلى "سترايكر": تطور البصمة السيبرانية الإيرانية
يأتي هذا الهجوم في سياق ما باتت تُعرف بعملية "Epic Fury" "الغضب الملحمي " العملية العسكرية المشتركة الأمريكية -الإسرائيلية ضد إيران، التي رافقتها تحذيرات مبكرة من شركات دولية كثيرة بشأن احتمال تصاعد الهجمات الإلكترونية الانتقامية في أعقاب أي تصعيد عسكري.
ما يجعل هذه الحادثة مثيرة للقلق بشكل خاص هو أن المستهدَف ليس منشأةً عسكرية أو حكومية، بل شركة في القطاع الخاص ترتبط خدماتها بصحة الإنسان. وهذا يعني أن التوترات الجيوسياسية باتت تتجاوز ساحات المواجهة التقليدية لتصل إلى عمق الاقتصاد المدني، في ما يشبه رسالة مفادها: لا أحد بمنأى عن المعركة.
يذكّر هذا الهجوم بالتاريخ الحافل لإيران في مجال الحرب الإلكترونية منذ فيروس "ستاكسنت" عام ٢٠١٠، حيث طوّرت طهران قدراتها الهجومية تدريجياً. ويُرجّح أن استحواذ Stryker على شركة OrthoSpace الإسرائيلية عام ٢٠١٩جعلها هدفاً ذا رمزية بالغة للمجموعات الموالية لإيران، التي باتت تُكثّف هجماتها على المؤسسات الأمريكية والإسرائيلية في خضمّ عملية "الغضب الملحمي". ومع تعهد "حنظلة" Handala بمواصلة عملياتها، من سيكون الهدف المقبل؟
الحوسبة الكمومية: ثورة تكنولوجية تتجاوز العائق الفيزيائي
لطالما واجهت الحوسبة الكمومية عقبة فيزيائية تمثلت في عدم استقرار الكيو-بتات Qubits ، وهي الوحدات الأساسية التي تقوم عليها هذه التقنية. فأي اضطراب طفيف في البيئة المحيطة قد يؤدي إلى انهيار حالتها الكمومية وإفساد الحسابات فوراً. وكان كثير من العلماء يعتقدون أن السيطرة على هذه المشكلة قد تستغرق عقداً كاملاً من الزمن. غير أن شركة Quantinuum فاجأت المجتمع العلمي بإطلاق معالجها الجديد Helios، الذي أحدث نقلة نوعية في هذا المجال.
فقد أظهر تقرير حديث أن النظام تمكن من إنشاء ٤٨ كيو-بتاً منطقياً مستقراً اعتماداً على٩٨ كيو-بتاً فيزيائياً فقط، وهو إنجاز غير مسبوق يعيد رسم خريطة الطريق العالمية لتطوير الحوسبة الكمومية Quantum Computing.
التحدي الأكبر: فك الترابط الكمومي
تعتمد أجهزة الكمبيوتر التقليدية على البتات Bit التي تمثل حالتين فقط: الصفر أو الواحد. أما الكومبيوتر الكمومي فيستخدم الكيو-بتات التي يمكن أن توجد في حالات متعددة في الوقت نفسه بفضل ظاهرة Superposition التراكب الكمومي. تمنح هذه الميزة الحوسبة الكمومية قدرة حسابية هائلة تتجاوز بكثير إمكانات أجهزة الكومبيوتر الكلاسيكية.
تتفاعل الكيو-بتات باستمرار مع محيطها، وأي تغير حراري أو تداخل كهرومغناطيسي قد يؤدي إلى فقدان حالتها الكمومية الهشة. يطلق الفيزيائيون على هذه الظاهرة اسم فك الترابط Decoherence ، حيث تضيع المعلومات الكمومية قبل اكتمال العمليات الحسابية. لذلك يضطر المهندسون إلى عزل المعالجات الكمومية بعناية فائقة لتقليل هذا التأثير.
لمواجهة هذه المشكلة طُورت تقنيات تصحيح الأخطاء الكمومية، التي تعتمد على تجميع عدة كيو-بتات فيزيائية غير مستقرة لتكوين كيو-بت منطقي أكثر موثوقية. تقوم الخوارزميات برصد أي انحرافات وتصحيحها في الزمن الحقيقي. إلا أن هذه الطريقة كانت تتطلب موارد هائلة، إذ قد يحتاج كيو-بت منطقي واحد إلى مئات أو حتى آلاف الكيو-بتات الفيزيائية، ما جعل تطوير أجهزة كمبيوتر كمومية عملية أمراً بالغ الصعوبة.
البنية المبتكرة لمعالج Helios
يختلف معالج Helios جذرياً عن العديد من المعالجات الكمومية الأخرى التي تعتمد على الدوائر فائقة التوصيل. فقد تبنت Quantinuum تقنية مختلفة تُعرف باسم "مصيدة الأيونات" Ion Trap.باستخدام ذرات الباريوم-١٣٧ لتشكيل الكيو-بتات الفيزيائية. "مصيدة الأيونات" هي تقنية متطورة تُستخدم للقبض على الجسيمات المشحونة الأيونات وتعليقها في فضاء حيث تُبقي حقول كهرومغناطيسية مكثفة هذه الذرات معلقةً فوق رقاقة مجهرية، فيما تتولى أشعة الليزر التحكم في حالاتها الكمومية بدقة بالغة، مما يعزلها بشكل شبه كامل عن المادة المحيطة. كما تتميز ذرات الباريوم بإمكانية التحكم فيها بدقة عالية باستخدام أشعة الليزر التي تغير حالتها الكمومية بدقة كبيرة.
لكن الابتكار الأهم يكمن في الهندسة الديناميكية للرقاقة. إذ يقسم المعالج بنيته إلى مناطق مخصصة للذاكرة وأخرى للعمليات المنطقية، بينما تنقل قنوات دقيقة الأيونات بين هذه المناطق حسب الحاجة. وتتحكم تقاطعات مجهرية في تنظيم الحركة، بحيث تستهدف أشعة الليزر الأيونات المشاركة في العمليات فقط، مما يقلل التداخل بين المكونات المتجاورة ويعزز دقة الأداء.
دقة تشغيلية غير مسبوقة
حقق المعالج الجديد مستويات قياسية من الدقة التشغيلية فقد بلغت دقة العمليات ٩٩٫٩٩٧٥ % للعمليات أحادية الكيو بت و ٩٩٫٩٢١% للعمليات الثنائية المعقدة، متجاوزاً حدود المحاكاة الكلاسيكية وأفضل أجهزة الكمبيوتر العملاقة. وتعكس هذه الأرقام قدرة غير مسبوقة على التحكم بالمادة على المستوى الذري.تسمح هذه الدقة العالية بتنفيذ آلاف العمليات قبل حدوث خطأ مؤثر، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير خوارزميات كمومية أكثر تعقيداً ومرونة. كما يمكن للنظام استكشاف حالات فيزيائية لم تكن متاحة للأجيال السابقة من الحواسيب الكمومية، بل ويتجاوز في بعض المهام قدرات أقوى الحواسيب العملاقة التقليدية.
إنجاز في تصحيح الأخطاء
جاء التطور الأكثر لفتاً للانتباه مع تقديم أسلوب ترميز جديد يسمى Skinny Logic. يعتمد هذا البروتوكول على الموثوقية العالية للمكونات الفيزيائية لتقليل الحاجة إلى عمليات التحقق المعقدة التي كانت تستهلك موارد ضخمة في الأنظمة السابقة.بفضل هذا الأسلوب تمكن الباحثون من استخراج ٤٨ كيو-بتاً منطقياً مصحح الأخطاء من أصل ٩٨ كيو-بتاً فيزيائياً، مُسقِطين بذلك العقبةَ النظرية التي كانت تُعدّ عصيّة على الاختراق.
هذه النسبة المثيرة للإعجاب، كيوبتان فيزيائيان مقابل كيوبت منطقي واحد، تتحدى الفهمَ السائد الذي كان يُقدّر الحاجةَ إلى ملايين الكيوبتات الفيزيائية. ويعني ذلك أن الكيو-بتات المنطقية في Helios يمكنها الاحتفاظ بحالتها لفترات كافية لإجراء عمليات حسابية مفيدة، ما يختصر سنوات طويلة من التوقعات في مسار تطوير الحوسبة الكمومية.
تحكم برمجي متقدم في الزمن الحقيقي
إلى جانب التطور العتادي، طورت الشركة بيئة برمجية حديثة تُعرف باسم Guppy. تتيح هذه البيئة للمطورين كتابة برامج كمومية تتضمن شروطاً وحلقات تحكم مشابهة لتلك الموجودة في البرمجة التقليدية.
يقوم المترجم البرمجي بتحويل هذه التعليمات فوراً إلى أوامر تتحكم في أشعة الليزر داخل المعالج. وبذلك يمكن للنظام تعديل سلوكه أثناء التشغيل بناءً على النتائج المقاسة، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو جعل الحوسبة الكمومية أكثر مرونة وقابلية للاستخدام.
كما يتكامل المعالج بسهولة مع أجهزة الكمبيوتر العملاقة التقليدية المزوّدة بوحدات معالجة رسومية قوية. ففي الأنظمة الهجينة تتولى المعالجات الكلاسيكية المهام الحسابية المتكررة، بينما يتكفل جهاز الكومبيوتر الكمومي بالعمليات التي تتطلب قدرات كمومية خاصة، ليعمل كـمعالج مساعد عالي التخصص
تطبيقات علمية وصناعية واعدة
إن توفر عشرات الكيو-بتات المنطقية المستقرة يفتح الباب أمام تطبيقات عملية عديدة. فالباحثون يستخدمون هذه الأنظمة بالفعل لمحاكاة سلوك المواد على المستوى الذري، بما في ذلك دراسة ظاهرة الموصلية الفائقة عند درجات الحرارة المرتفعة.
كما يمكن للكيميائيين استخدام الحوسبة الكمومية لنمذجة التفاعلات الجزيئية المعقدة، مما قد يسرّع اكتشاف أدوية جديدة وتطوير بطاريات أكثر كفاءة. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، قد تساعد الخوارزميات الكمومية على تحليل التوزيعات الاحتمالية المعقدة التي تعتمد عليها النماذج التوليدية الحديثة.
وقد بدأت عدة شركات عالمية بالفعل اختبار هذه التطبيقات في مجالات مثل تحسين سلاسل التوريد والتنبؤ بالتقلبات المالية.
بداية عصر تكنولوجي جديد
يمثل نجاح Helios تحولاً مهماً في سباق تطوير الحوسبة الكمومية. فبينما ركزت العديد من الشركات على زيادة عدد الكيو-بتات في المعالجات فائقة التوصيل، أثبتت تقنية مصيدة الأيونات أنها قادرة على تحقيق مستويات عالية من الدقة والاستقرار.
ورغم أن الوصول إلى جهاز كمبيوتر كمومي قادر على كسر أنظمة التشفير الحديثة ما يزال هدفاً بعيداً، فإن إنجازات Helios تؤكد أن هذا الطريق أصبح قائماً على أسس فيزيائية متينة. لم تعد الحوسبة الكمومية مجرد فكرة نظرية طموحة، بل بدأت تتحول إلى واقع تقني ملموس قد يعيد تشكيل مستقبل التكنولوجيا والعلوم في العقود المقبلة .
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي