تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" إلى المواجهة الرقمية المتصاعدة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة او كيف باتت الهجمات السيبرانية تُحدد مسار الصراع العسكري.و تستعرض استراتيجيات الأطراف الثلاثة، من التحالف الهجومي الإسرائيلي الأمريكي القائم على الذكاء الاصطناعي، إلى عقيدة الاختراق الإيرانية، مع تحليل مفهوم التوازن السيبراني الهش الذي يسود المنطقة.
الحرب السيبرانية في الشرق الأوسط: معركة الخوارزميات
في الأسابيع الأولى من عام ٢٠٢٦، وفي خضم عمليتَي "الغضب الملحمي" و"زئير الأسد" العسكريتين، اندلعت معركة موازية لا تُرى بالعين المجردة، لكن تداعياتها تطال شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، بل وخيارات القادة على رأس هرم السلطة.
إيران، من جهة، تشن مئات الهجمات السيبرانية يومياً عبر مجموعات مدعومة من الحرس الثوري، مستهدفةً البنية التحتية الحيوية الإسرائيلية والأمريكية.
توظف إسرائيل ذكاءها الاصطناعي لتتبع قيادات طهران، وشل شبكاتها، وتقليص الإنترنت الإيراني إلى ما دون الأربعة بالمئة.
أما الولايات المتحدة، فتُدير من الخلف منظومة هجومية رقمية غير مسبوقة بالتنسيق مع تل أبيب. هذه الحرب، التي تخاض في الفضاء السيبراني ، باتت تحدد إيقاع الصراع العسكري برمته، وتُعيد تعريف مفهوم القوة في منطقة الشرق الأوسط.
التكامل الهجومي على الجبهة الإسرائيلية الأمريكية
لم تكتفِ إسرائيل والولايات المتحدة بالدفاع عن أنظمتهما الحيوية، بل اختارتا المبادرة بالهجوم. فمنذ يناير ٢٠٢٦، كثّفت وحدة ٨٢٠٠، وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ، تعاونها مع القيادة السيبرانية الأمريكية USCYBERCOM ، تُشير مراكز أمنية إسرائيلية إلى أن هذا التعاون يشمل منصات تحليل هجومية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، بهدف رصد أنماط السلوك الرقمي الإيراني وتفكيك ما يُعرف بـ"شبكات القيادة والسيطرة" التي تدير منظومات الطائرات المسيّرة والصواريخ.
كما تجاوزت هذه العمليات حدود الرصد والتحليل، حيث نفّذت وحدات هجومية سلسلةً من "الاختراقات الصامتة" ضد خوادم في محافظة كرمانشاه الإيرانية، استهدفت تعطيل قنوات الاتصال بين وحدات الدفاع الجوي الإيراني ومنصاتها الاستخبارية الأرضية، وذلك تمهيداً لعملية "زئير الأسد".
مكنت هذه الهجمات السيطرة على اثنتي عشرة برج اتصالات خلوية محيطة بمقر المرشد علي خامنئي، وتوظيف كاميرات المرور في شوارع طهران لرسم خرائط حركة القيادات الإيرانية. هذه العمليات لم تكن ممكنة دون نظام "هابسورا" -Habsora-، وهو نموذج ذكاء اصطناعي إسرائيلي، قادر على تحليل ملايين الاتصالات آنيا، والتنبؤ بمسارات الهجمات قبل وقوعها.
وعلى صعيد النتائج الميدانية، نجحت هذه المنظومة المشتركة في احتواء زيادة بلغت ٧٠٠% في حجم الهجمات الإيرانية،عبر أتمتة الدفاع مع أنظمة ذكاء اصطناعي التي تنبأت بسلوكيات الهجمات الإيرانية دون تدخل بشري كبير مع تقليص نسبة الإنترنت الإيراني إلى ما دون أربعة بالمئة خلال الأسابيع الأولى من الصراع.
عقيدة الاختراق بالظل في صلب الاستراتيجية الإيرانية
لم تقف طهران مكتوفة الأيدي، غير أنها اختارت مقاربة مغايرة تُعرف بـ "عقيدة الاختراق بالظل". يقوم هذا النهج على التمويه، والتدرج في اختراق الأنظمة، وزرع شيفرات خبيثة خاملة داخل البنى التحتية للخصم، لا بهدف التدمير الفوري، بل لتأسيس موطئ قدم رقمي دائم يمكن تفعيله في لحظات الأزمات العسكرية أو السياسية.
وتتصدر المشهد الإيراني مجموعات هجومية متعددة، أبرزها: CyberAv3ngers، وAPT34 المعروفة بـ Helix Kitten أوبـ OilRig، وAPT33 المعروفة بـ Elfin Team، إضافة إلى جماعات القرصنة الناشطين "الهاكتيفيست" مثل "حنظلة" و"المقاومة الإسلامية الإلكترونية". وقد سجّلت هذه الأخيرة وحدها أكثر من ٦٠٠ هجوم خلال الفترة الممتدة بين أواخر فبراير ومارس٢٠٢٦، استهدفت أنظمة الدفاع الجوي في شركة "رافائيل"، وخدمة كشف الطائرات المسيرة " VigilAir"، بالإضافة لشبكات الكهرباء والمياه في فنادق تل أبيب.
أما مجموعة" حنظلة "المرتبطة بوزارة الاستخبارات الإيرانية، فقد نفذت عمليات جريئة واختراق وتعطيل الشركة الأمريكية Stryker.للتكنولوجيا الطبية و قامت بمسح ٤٠ تيرابايت من بيانات "الجامعة العبرية" في القدس، واخترقت شركة" Verifone "للاتصالات الأمريكية الإسرائيلية، كما استهدفت أنظمة وقود الأردن وقطاع الرعاية الصحية الإسرائيلي لتوليد ضغط شعبي داخلي. وقد رُصد في هذا الإطار تعاون لافت بين مجموعات إيرانية ونظيراتها الروسية، كـNoName057 وRussian Legion، في هجمات استهدفت منظومة القبة الحديدية وخوادم الجيش الإسرائيلي.
غير أن قيداً بنيوياً يُعيق الجانب الإيراني؛ فاضطراره إلى الاعتماد على أدوات ذكاء اصطناعي تجارية كـ"ـشات جي بي تي" و"جيميناي" بسبب العقوبات الدولية، يُخلّف بصمات رقمية يسهل تتبعها ورصده من قِبل الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية والأمريكية.
الذكاء الاصطناعي من أداة إلى سلاح استراتيجي
يُمثل توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا الصراع نقطة تحول ،إذ يُحوّل المواجهة من حرب بين بشر إلى سباق بين خوارزميات. فالولايات المتحدة اعتمدت ما يُعرف بـ"نظم القرار الهجومي الآلي"، القادرة على تحليل سلوك الشبكات الإيرانية وتوليد ردود هجومية ذاتية في غضون ثوانٍ، من دون تدخل بشري مباشر. مما يرفع احتمالية التصعيد غير المحسوب حين تسبق الخوارزمية إدراكَ صانع القرار.
الفارق بين الطرفين عميق ومتعدد الأبعاد. فبينما تعتمد إسرائيل على منظومات ذكاء اصطناعي محلية الصنع تتميز بالدقة والتكيف الذاتي، تضطر إيران إلى الاكتفاء بتوظيف الأدوات الجاهزة في "الحرب النفسية منخفضة التكلفة": تصيد احتيالي متطور، وتزوير عميق – Deepfakes- لنشر روايات مشككة في فعالية الدفاعات الإسرائيلية، وكشف ثغرات أمنية في المواقع والأنظمة. وبالرغم من تضاعف النشاط الإيراني عشرة أضعاف، تظل فعاليته الفعلية متوسطة.
الحرب الإدراكية ميدان بلا حدود
تجاوزت المواجهة السيبرانية حدود الاختراق التقني لتبلغ مستوى أعمق يُعرف بـ"الحرب الإدراكية"- The Cognitive War، حيث يُستهدف العقل قبل البنية التحتية. توظف طهران المنصات الاجتماعية وشبكات إعلامية رقمية لنشر روايات تُشكك في قدرة واشنطن على حماية حلفائها، في حين تُمارس تل أبيب عمليات تضليل معاكسة تستهدف الداخل الإيراني، مركّزةً على استنزاف الثقة بمنظومة الحرس الثوري وقدرة القيادة السياسية على إدارة الأزمات.
هذا التداخل بين الهجمات التقنية والحرب النفسية جعل البيئة الرقمية ميداناً استخباراتياً متكاملاً يتخطى الحدود الجغرافية، إذ بات التأثير في الرأي العام الداخلي لأي طرف هدفاً استراتيجيا بالقدر ذاته الذي يُمثله تعطيل شبكة كهرباء أو قطع خط اتصال.
نحو توازن سيبراني هش
يكشف هذا المشهد أن الأطراف الثلاثة دخلت مرحلة ما يُمكن وصفه "بـالتوازن السيبراني المتذبذب": ردع متبادل يحول دون الانهيار الشامل، لكنه عاجز عن وقف الاشتباكات الموضعية المتكررة. واستمرار الهجمات منخفضة الشدة عبر قراصنة مجموعات التهديدات المستمرة ما يُنبئ بأن هذا الصراع مرشح للتصاعد لا الانحسار.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي