تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" إلى استراتيجية منصة البث سبوتيفاي للسيطرة على السلسلة الكاملة لصناعة المحتوى وإلى مستقبل البثّ كما تريده سبوتيفاي. وأيضا إلى الأسباب التي دفعت شركة مايكروسوفت إلى منع موظفيها من استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود كود" بالرغم من كفاءته العالية.
خطوات من سبوتيفاي تعلن انتهاء مرحلة البثّ التقليدي وبدء مرحلة جديدة مع الذكاء الاصطناعي، والتخصيص، والربح المباشر من مجتمعات صناع المحتوى
لم تعد سبوتيفاي تكتفي بدورها التقليدي بوصفها منصة لبث الموسيقى والبودكاست، بل بدأت تتحرك نحو نموذج أكثر طموحًا يضعها في قلب صناعة المحتوى نفسه. أعلنت سبوتيفاي عن ثلاث خطوات متزامنة تكشف بوضوح عن تحول استراتيجي عميق في نموذجها
اتفاق يونيفرسال ميوزيك وصياغة للعلاقة بين الفنان والجمهور والمنصة
الأولى تتمثل في الاتفاق مع مجموعة يونيفرسال ميوزيك الذي يتيح للمستخدمين، ولا سيما المشتركين المدفوعين، إنشاء مزج "ريميكس" وأعمال مشتقة والمقاطع المعادة التوزيع، باستخدام الذكاء الاصطناعي، ولكن ضمن إطار مرخّص قانونيًا. وهذه النقطة بالذات تحمل دلالة مهمة، إذ تسعى سبوتيفاي إلى نقل الإبداع المولّد من الهامش غير المنظم إلى داخل المنصة نفسها، بحيث يصبح خاضعًا لشروطها وآلياتها التجارية.
وبذلك، لا تعود المسألة مجرد سماح تقني للمستخدمين بالتجريب، بل تتحول إلى إعادة صياغة للعلاقة بين الفنان والجمهور والمنصة. فإذا كان المستمع يريد التفاعل مع الأغنية لا الاكتفاء بسماعها، فإن سبوتيفاي تريد أن يكون هذا التفاعل داخل بيئتها، وبما يضمن عائدًا للفنان وللشركة معًا.
عضويات صناع المحتوى”: “Creator Memberships
أما إطلاق “Creator Memberships” فهي خطوة نحو بناء اقتصاد مباشر بين صانعي المحتوى وجمهورهم. فبدل أن يعتمد "البودكاسترز" وغيرهم على الإعلانات وحدها، تتيح لهم سبوتيفاي الآن إنشاء نظام اشتراك أو دعم مدفوع تمنحهم دخلًا متكررًا من أكثر المتابعين ولاءً.
هذا النموذج ليس جديدًا وتشبه هذه الميزة إلى حد كبير منصة Patreon. وبهذا النموذج، لم تعد الإعلانات المصدر الوحيد للدخل، بل أصبح بإمكان المبدعين بناء مصادر إيرادات متكررة ومستقرة داخل المنصة نفسها. كما تعزز هذه الخدمة دور سبوتيفاي كوسيط مالي واجتماعي يتحكم في العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، لكنه يصبح أكثر تأثيرًا حين يُدمج داخل منصة ضخمة مثل سبوتيفاي. فالمنصة هنا لا تكتفي باستضافة المحتوى، بل تصبح وسيطًا ماليًا واجتماعيًا بين الطرفين، ما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في العلاقة بين المبدع والجمهور، وعلى إبقاء المستخدم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة.
بودكاستات شخصية تولد بالذكاء الاصطناعي
التحرك الثالث تحدثت عنه سابقا وهو: اختبار بودكاست شخصي يُنتج تلقائيًا بتقنية لذكاء الاصطناعي مع ميزة Spotify Studio يحول بيانات المستخدم إلى بودكاست شخصي. هذه الفكرة تنقل المحتوى الصوتي من منطق البرنامج الواحد للجمهور كله إلى منطق المحتوى المصمم لكل مستخدم على حدة. فبدل أن يبحث المستمع عن حلقة تناسب اهتمامه، يمكن للمنصة أن تولد له تجربة صوتية مخصصة وفق تفضيلاته وسلوكه.
فالمحتوى نفسه لم يعد ثابتًا، بل أصبح قابلًا للتشكيل الفوري. وإذا نجحت هذه التجارب، فإن سبوتيفاي لن تكتفي بتوزيع ما ينتجه الآخرون، بل ستدخل مباشرة في صناعة محتوى صوتي يُفصّل حسب الطلب.
استراتيجية السيطرة على السلسلة الكاملة
من خلال هذه الخطوات الثلاث، تبدو سبوتيفاي وكأنها تبني استراتيجية متكاملة للسيطرة على سلسلة القيمة كاملة: الذكاء الاصطناعي ينتج، والمنصة توزع، ونظام العضويات يحقق الدخل، والمجتمع يبقى داخل نفس البيئة الرقمية. وهذا ما يجعل ما يحدث اليوم أكثر من مجرد تحديثات منتج؛ إنه إعادة تعريف لدور المنصة في الاقتصاد الإبداعي.
اللافت أن هذه المقاربة تجمع بين الابتكار والاحتواء. فالمنصة لا تحارب الاستخدام الجديد للذكاء الاصطناعي، بل تستوعبه وتقننه وتحوّله إلى فرصة تجارية. كما أنها لا تكتفي بتشجيع المجتمعات حول المحتوى، بل تسعى إلى تحويل تلك المجتمعات نفسها إلى مصدر ربح مباشر.
مستقبل البثّ كما تريده سبوتيفاي
ما تفعله سبوتيفاي اليوم قد يكون مؤشرًا على المرحلة المقبلة في عالم الصوت الرقمي: مرحلة لا يكفي فيها أن تكون المنصة مكانًا للاستماع، بل يجب أن تصبح مكانًا للخلق والتخصيص والتسييل. وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد انتقالًا تدريجيًا من “منصات البث” إلى “منصات الإنتاج الذكي”، حيث يصبح كل مستمع أيضًا مستخدمًا قادرًا على التفاعل والتعديل وربما المشاركة في صناعة المحتوى نفسه.
تشير إلى انتقال سبوتيفاي من كونها منصة توزيع إلى كونها منصة تتحكم في دورة المحتوى كاملة: من إنتاجه وتخصيصه إلى تسويقه وتحقيق العائد منه. وفي هذا التحول، تضع الشركة نفسها في موقع أقرب إلى “المنظومة المغلقة” التي تحتضن المستخدم والمبدع والمعلن في آن واحد.
مايكروسوفت تتخلى عن نموذج "كلود كود" رغم نجاحه وكفاءته العالية
قررت شركة مايكروسوفت إنهاء تراخيص أداة "Claude Code"، ليس بسبب ضعف الأداء أو محدودية الفعالية، بل على العكس تمامًا، لأن الأداة أثبتت كفاءة عالية دفعت المطورين إلى استخدامها بكثافة، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف بشكل لافت.
وفي نهاية العام ٢٠٢٥، أتاحت الشركة لآلاف المهندسين ومديري المشاريع والمصممين استخدام "كلود كود" ضمن مبادرة وُصفت حينها بأنها تجربة عملية لاختبار أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل الحقيقية. إلا أن هذه الخطوة أثارت تساؤلات داخل القطاع، خاصة أن مايكروسوفت تمتلك نماذجها الخاصة في الذكاء الاصطناعي، بينما كانت تدفع لمنافس مباشر لتوفير هذه الأداة لموظفيها.
التحول إلى GitHub Copilot CLI
بحلول ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، موعد إغلاق السنة المالية لمايكروسوفت، سيتعين على فرق قسم Experiences & Devices المسؤول عن تطوير Windows وMicrosoft 365 وOutlook وTeams وSurface، التخلي عن "كلود كود" ومن المقرر أن تنتقل هذه الفرق إلى أداة GitHub Copilot CLI، وهي ملحق لبيئة التطوير المتكاملة Integrated development environment (IDE) يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وقد طورته GitHub وOpenAI لمساعدة المطورين عبر تقديم ميزة الإكمال التلقائي للكود. والتي تسعى مايكروسوفت إلى اعتمادها كمعيار داخلي موحد داخل المجموعة.
توحيد الأدوات.. والتكلفة الحقيقية
برّر راجيش جها، نائب رئيس الوحدة المعنية، في مقابلة مع موقع The Verge هذا القرار بالحاجة إلى توحيد أدوات العمل داخل الشركة، إضافة إلى الرغبة في استخدام منتج يمكن دمجه مباشرة مع GitHub بما يتوافق مع المستودعات الداخلية وسير العمل ومتطلبات الأمان الخاصة بالشركة.
لكن العامل الحاسم، بحسب المعطيات المتداولة، كان ارتفاع التكاليف التشغيلية المرتبطة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيل.
لماذا أصبح نموذج "كلود كود" مكلف؟
تكمن المشكلة في نموذج الفوترة المعتمد على استهلاك «الرموز» Tokens، وهي الوحدات الأساسية التي يعالجها النموذج لإنتاج الإجابات. وعلى عكس البرمجيات التقليدية التي تعتمد على اشتراكات ثابتة لكل مستخدم، ترتفع تكلفة أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيل كلما زادت العمليات التي ينفذها النموذج.
ولا يقتصر دور " كلود كود" على الرد عن الأسئلة، بل يقوم بتحليل مشاريع كاملة، وتخطيط مراحل التطوير، وكتابة الأكواد، ومراجعة الأخطاء، وتنفيذ مهام متوازية قد تستمر لساعات. ولهذا، يمكن لجلسة عمل واحدة أن تستهلك حجمًا من الرموز يعادل مئات المحادثات التقليدية.
قد تتراوح التكلفة الشهرية للمطور الواحد بين ٥٠٠ و٢٠٠٠ دولار، مع استمرار احتساب الاستهلاك حتى في غياب المتابعة المباشرة.
قطاع التكنولوجيا يواجه مفاجأة غير متوقعة
هذا النموذج من الاستخدام بدأ يترك أثره على شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي أبريل الماضي، كشفت شركة Uber أنها استنفدت الميزانية المخصصة للبرمجة بالذكاء الاصطناعي لعام ٢٠٢٦خلال أربعة أشهر فقط.
وخلال الفترة بين يناير ومارس٢٠٢٦، ارتفعت نسبة اعتماد نموذج "كلود كود" داخل شركة "آوبر"من ٣٢% إلى ۸٤% بين نحو ٥٠٠٠ مهندس، فيما بات الذكاء الاصطناعي يساهم في إنتاج ما يقارب ۷٠% من الشيفرات البرمجية داخل المؤسسة.
تبنٍ أسرع من التوقعات
وفق ما تكشفه هذه التجارب، تكمن المشكلة في أن الشركات لم تتوقع هذا المستوى السريع من التبني، ولا حجم استهلاك الرموز «توكنز" الناتج عنه. وقد بدأ هذا الخلل يظهر بوضوح في القطاع التقني، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى الإنفاق الضخم على أدوات الذكاء الاصطناعي.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي