تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" إلى تقرير وكالة رويترز عن منح عمالقة الذكاء الاصطناعي واشنطن مفاتيح نماذجهم قبل إطلاقها. وإلى تقرير شركة تاليس الذي يكشف عن تحول الإنترنت إلى ميدان تسرح فيه البوتات وإلى تراجع المستخدمين البشريين.
اتفاق تاريخي يُعيد رسم العلاقة بين وادي السيليكون والحكومة الأمريكية
في خطوة تُجسّد تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين شركات التكنولوجيا الكبرى والسلطات الفيدرالية الأمريكية، أعلنت كلٌّ من مايكروسوفت وغوغل وشركة xAI التابعة لإيلون ماسك، في الخامس من مايو ٢٠٢٦، عن اتفاق يُتيح للحكومة الأمريكية الوصول المبكر إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي لديها، قبل إطلاقها الرسمي للعموم. والهدف المُعلن: تقييم المخاطر المرتبطة بالأمن القومي قبل أن تنتشر هذه النماذج على نطاق واسع.
مخاوف أمنية تدفع واشنطن إلى التحرك
فقد باتت النماذج الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي قادرةً على الاستدلال وكتابة البرامج وتحليل الصور والمقاطع المرئية، مما يجعلها تتجاوز بمراحل قدرات أسلافها. وهذا التفوق بعينه هو ما يُقلق واشنطن؛ إذ إن إساءة توظيف هذه النماذج قد تُسهّل الهجمات الإلكترونية وحملات التلاعب بالمعلومات، بل وتُساهم في تطوير الأسلحة. وقد أسهمت قدرات نموذج "ميثوس" التابع لشركة أنثروبيك في تأجيج هذا الجدل عالمياً، إذ أثارت مخاوف جدية من احتمال توظيفها في زعزعة استقرار الدول.
مركز CAISI: الذراع الفيدرالية للرقابة على الذكاء الاصطناعي
يشرف على هذا الاتفاق "مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي" (CAISI) The Center for AI Standards and Innovationالتابع لوزارة التجارة الأمريكية. يضطلع هذا المركز، المُصمَّم بوصفه مركزاً فيدرالياً للتقييم، بمهمة إجراء اختبارات موجَّهة نحو الأمن القومي قبل أي نشر علني، وتحديد الاستخدامات الأكثر حساسيةً كالأمن السيبراني وعلم الأحياء وعمليات التأثير، ثم رفع توصياته إلى جميع أجهزة الدولة. وقد أعلن المركز أنه أنجز حتى الآن أكثر من أربعين تقييماً، شملت نماذج متطورة لم تُطرح بعد للاستخدام العام، مع الإشارة إلى أن الشركات تُقدّم أحياناً نسخاً بضوابط أمان مُخففة، تُتيح اختباراً أعمق للمخاطر. وفي هذا الإطار، أكد مدير المركز كريس فول أن "علم القياس المستقل والدقيق ضروري لفهم الذكاء الاصطناعي المتطور وتداعياته على الأمن القومي".
خطوط حمراء وتنازلات: موازين القوى في الاتفاقيات
لم تنخرط الشركات الثلاث في هذا الاتفاق بمواقف متطابقة. فقد اختارت غوغل وxAI نهجاً يقوم على قبول جميع الاستخدامات الحكومية المشروعة، غير أن غوغل اشترطت ألّا يُوظَّف ذكاؤها الاصطناعي في المراقبة الجماعية المحلية أو الأسلحة ذاتية التشغيل، بما فيها اختيار الأهداف، دون إشراف بشري كافٍ. في المقابل، كانت شركة أنثروبيك قد رفضت في وقت سابق من عام ٢٠٢٦ أي استخدام لتقنيتها في المراقبة الجماعية أو الأسلحة المستقلة، وهو الموقف لم يمنع حصول أوبن إي آي على عقود مع وزارة الدفاع الأمريكية. وكانت قد أبرمت وزارة الدفاع الأمريكية اتفاقيات مع سبع شركات ذكاء اصطناعي، من بينها أوبن إي آي وغوغل وxAI، لتوظيف تقنياتها في الشبكات العسكرية السرية.
جذور الاتفاق في عهد الرئيس جو بايدن
. فقد سبقت هذا الاتفاق مذكرات تفاهم أُبرمت عام ٢٠٢٤ في عهد إدارة بايدن مع شركتي أوبن إي آي وأنثروبيك، حين كان المركز يحمل اسم "المعهد الأمريكي لأمن الذكاء الاصطناعي". تلك التفاهمات منحت الحكومة الأمريكية صلاحية الوصول المبكر إلى النماذج الجديدة لقياس قدراتها ومخاطرها. وعليه، يبقى ما جرى إعلانه تغييراً في النطاق والأطراف، لا تحولاً جذرياً في المبدأ.
معيار جديد يترسّخ طوعاً... في الوقت الراهن
تجدر الإشارة إلى أن الاتفاق يرتكز على التزامات طوعية، لا على إلزام قانوني. بيد أن أثره العملي يتجاوز ذلك، إذ بات يُرسي معياراً جديداً في قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مفاده أن النماذج الأكثر تقدماً يجب أن تخضع لمراجعة أمنية وطنية قبل انتشارها الواسع. وهكذا، يبدو أن العلاقة بين السيليكون فالي وواشنطن تدخل مرحلة جديدة، تتشابك فيها متطلبات الابتكار مع ضرورات الأمن القومي.
لم يعد الإنسان سيّد الفضاء الرقمي، الإنترنت يتحوّل إلى ميدان للبرامج الآلية أو البوتات الروبوتات تتصدّر المشهد الرقمي
لم يعد الإنسان سيّد الفضاء الرقمي. فوفق تقرير Thales Bad Bot ٢٠٢٦الذي رصد حركة مرور الإنترنت خلال العام ٢٠٢٥، باتت البرامج الآلية تُمثّل ٥٣% من إجمالي حركة المرور العالمية، مقابل ٥١% في عام ٢٠٢٤ ، فيما تراجعت حصة المستخدمين البشريين إلى ٤٧%.
لا تعمل هذه البرامج جميعها في الخفاء لأغراض خبيثة، إذ تؤدي نسبة كبيرة منها مهام مشروعة، كمحركات البحث التي تُفهرس صفحات الويب، ومواقع مقارنة الأسعار، وبرامج الذكاء الاصطناعي التي تُنفّذ المهام نيابةً عن الشركات. غير أن أربعة من كل عشرة برامج آلية تُصنَّف ضمن الفئة الخبيثة.
البرامج الخبيثة والمشروعة: الفارق في النيّة لا في السلوك
تعمل البرامج الآلية أو الروبوتات الخبيثة والروبوتات المشروعة بأساليب متطابقة تقريبًا: ذات السرعة، وذات الطلبات، وذات التفاعل مع النماذج الإلكترونية. الفارق الوحيد بينهما يكمن في النيّة لا في السلوك، مما يجعل التمييز بينهما تحديًا تقنيًا يواجه أنظمة الحماية اليوم.
واجهات برمجة التطبيقات: البوابة الجديدة للاختراق
بما أن وسائل الحماية التقليدية تُركّز على ما يراه المستخدم من صفحات ويب ونماذج تسجيل دخول، لجأ القراصنة إلى ما لا تراه هذه الأنظمة: واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، وهي القنوات التقنية التي تتيح للأنظمة التواصل فيما بينها بعيدًا عن الأعين. وتكشف بيانات شركة تاليس أن ٢٧% من هجمات الروبوتات أو البرامج الآلية باتت تستهدف واجهات برمجة التطبيقات مباشرةً، مستعينةً ببيانات اعتماد مسروقة لكنها صالحة، وبطلبات مُنسَّقة بدقة عالية.
لا تقتصر هذه الهجمات على اختراق الأنظمة، بل تمتد إلى استغلال منطق العمل ذاته، من جمع بيانات العملاء، إلى التلاعب بعمليات الدفع، واختراق العمليات الداخلية للمؤسسات.يتحمّل القطاع المالي النصيب الأوفر من هذه الهجمات حيث تصل نسبة مجموع الهجمات إلى ٢٤% من مجمل هجمات البرامج الآلية في هذا القطاع، كما يستأثر بنسبة لافتة تبلغ ٤٦% من عمليات اختراق الحسابات.
نحو حوكمة ذكية لا حظر شامل
يرى تيم تشانغ، رئيس أمن التطبيقات في شركة تاليس، أن مجرد الكشف عن وجود برنامج آلي لم يعد يكفي. إذ بات من الضرورة تحديد ما إذا كانت الروبوتات تعمل لصالح المؤسسة أم ضدّها. وبما أن قطاعًا متناميًا من الأعمال التجارية بات يعتمد على الأتمتة، فإن الحظر الجماعي للبرامج الآلية أو الروبوتات هو خيار غير عملي. المطلوب بدلًا من ذلك حوكمة دقيقة قادرة على التمييز بين ما هو نافع وما هو ضارّ.
الذكاء الاصطناعي يُضاعف المخاطر
تضاعفت هجمات الذكاء الاصطناعي ١٢٫٥ مرة في عام واحد. وإن كانت برامج الروبوت تُعدّ قبل ثلاث سنوات مجرد مصدر إزعاج هامشي، فإنها اليوم تُؤثّر على حركة البيانات، وتُشوّه مؤشرات الأعمال، وتتداخل باستمرار مع آليات عمل المنصات الرقمية. إنها لم تعد في هامش الصورة، بل باتت في قلبها.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي