بعد إدراج منطقة بُوما – بادينغيلو ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و العلم و الثقافة (اليونسكو)، في السادس و العشرين من يوليو/ تموز المنصرم، أصبح لجنوب السودان أول موقع له ضمن هذه القائمة الدولية، في اعتراف بالقيمة البيئية التي تتمتع بها واحدة من أبرز وأهم المناطق الطبيعية في القارة الأفريقية لما تحتضنه من ملايين الحيوانات البرية، و تنوع بيولوجي استثنائي، فضلاً عن كونها مسرحاً لواحدة من أكبر هجرات الثدييات البرية في العالم.
تضم قائمة التراث العالمي لليونسكو مئات المواقع ذات القيمة العالمية الاستثنائية، بينها مواقع طبيعية و أخرى مختلطة تجمع بين القيمة الطبيعية و الثقافية و التراثية . و يمثل إدراج بُوما – بادينغيلو محطة استثنائية لجنوب السودان، إذ أصبح أول موقع في البلاد يدرج على القائمة، و يصنف رسمياً ضمن مواقع التراث العالمي الطبيعية.
و يضم الموقع منتزه بُوما الوطني، و منتزه بادينغيلو الوطني، إلى جانب المناطق المحيطة من السهول الفيضية و السافانا، و يشكل موطناً لتنوع بيولوجي استثنائي، و مسرحاً لواحدة من أكبر هجرات الثدييات البرية في العالم.
و تقدر اليونسكو أعداد الحيوانات التي تشارك في هذه الهجرة بنحو ستة ملايين حيوان، من بينها الكوب أبيض الأذن، و التيانغ، و غزال مونغالا، ما يمنح الموقع قيمة بيئية فريدة على المستوى العالمي.
وأدرج بُوما – بادينغيلو في يوليو/ تموز من هذا العام إلى القائمة العالمية، في الوقت نفسه ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، في إشارة إلى الأهمية الاستثنائية للموقع، و إلى التحديات التي تواجه حمايته و المحافظة على موارده الطبيعية.
و بهذا الإدراج، أصبح لدولة جنوب السودان فرصة لتعزيز حماية الحياة البرية ، و تطوير السياحة البيئية، و جذب الاستثمار المسؤول، بما يعود بالنفع على المجتمعات المحلية و الاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا الاعتراف بعد سنوات من العمل على ملف الترشيح، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات متزايدة، من بينها الصيد الجائر، و القطع غير المنظم للأشجار والحرائق ، و التغير المناخي، إلى جانب محدودية الموارد و الإمكانات المخصصة لحماية الحياة البرية.
ويقول خميس أديانق، المدير العام لوزارة الحياة البرية، إن إدراج بُوما – بادينغيلو جاء بعد جهود طويلة شاركت فيها جهات حكومية و شركاء معنيون بحماية البيئة و التراث.
وأوضح أديانق أن جنوب السودان رشح في وقت سابق خمسة مواقع أخرى لإدراجها ضمن قائمة التراث العالمي، بينها مواقع طبيعية و أخرى تاريخية و أثرية، قبل أن تتركز الجهود على ملف بُوما – بادينغيلو، باعتبارها واحدة من أبرز المواقع الطبيعية في البلاد.
و يشير إلى أن إعداد الملف تم بالتعاون مع الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ، إلى جانب جهات أخرى معنية بالتراث، حيث تطلبت عملية التقييم تقديم معلومات و دراسات، و الرد على عدد من الملاحظات و التوصيات، قبل اعتماد الموقع.
لكن بالنسبة إلى أديانق، فإن إدراج المنطقة لا يعني نهاية المهمة، و إنما يمثل بداية لمرحلة جديدة تتطلب التزاماً أكبر بحماية الموقع و المحافظة على قيمته الطبيعية.
و يؤكد أن حماية بُوما – بادينغيلو تعني الحفاظ على الحيوانات البرية و موائلها الطبيعية، و الممرات التي تعتمد عليها خلال مواسم الهجرة. و يقدر أديانق أعداد الحيوانات المشاركة في الهجرة بنحو ستة ملايين حيوان خلال الموسم.
و لا تقتصر أهمية المنطقة على الحيوانات البرية الكبيرة، إذ تضم مناطق رطبة و موائل لأنواع مختلفة من الطيور، بما فيها الطيور المهاجرة التي تعبر مناطق واسعة خلال هجرتها السنوية.
و يشير أديانق إلى أن أعمال المسح و الدراسة لا تزال مستمرة لتوثيق التنوع البيولوجي في مناطق مختلفة من جنوب السودان، مؤكداً أن ما تم اكتشافه حتى الآن لا يمثل سوى جزء من الثروات الطبيعية التي تمتلكها البلاد.
و تسعى وزارة الحياة البرية، بحسب أديانق، إلى توسيع نطاق المناطق الخاضعة للحماية، ضمن سياسة تهدف إلى زيادة المساحات المحمية و الحفاظ على النظم البيئية في مختلف أنحاء البلاد.
و يقول إن حماية البيئة لا تعني حماية الحيوانات وحدها، و إنما تشمل المياه و الغابات و التربة و غيرها من المكونات التي تقوم عليها الحياة. و يحذر من أن استمرار القطع الجائر للأشجار و إنتاج الفحم يمكن أن يؤدي إلى فقدان موارد طبيعية أساسية، و يترك آثاراً بيئية طويلة الأمد.
غير أن هذه الجهود تواجه تحديات، في مقدمتها الصيد الجائر، و بعض الممارسات المرتبطة باستخدام أجزاء من الحيوانات البرية، إضافة إلى محدودية الإمكانات المتاحة للجهات المسؤولة عن الحماية.
و يشير أديانق إلى أن اتساع مساحة جنوب السودان، و ضعف الميزانيات، و وسائل الحركة، و الاتصالات، و المعسكرات الميدانية، تجعل عمليات المتابعة و الحماية أكثر صعوبة، و تحد من قدرة الجهات المختصة على الوصول إلى المناطق النائية.
و يرى أن تغيير بعض السلوكيات تجاه الحياة البرية يمثل جزءاً أساسياً من عملية الحماية، داعياً إلى احترام القوانين و وقف الصيد الجائر، و التعامل مع الحيوانات البرية باعتبارها مورداً يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية طويلة الأمد، بدلاً من استنزافها من أجل مكاسب قصيرة الأجل.
و في هذا السياق، يرى أديانق أن السياحة البيئية يمكن أن تمثل أحد أهم المسارات للاستفادة من الحياة البرية، مشيراً إلى أن الوزارة بدأت في تطوير نماذج سياحية في بعض المناطق، و يمكن تطويرها تدريجياً لتعزيز الاستثمار في هذا المجال.
و يضع أديانق المجتمعات المحلية في قلب هذه المعادلة، مؤكداً أن السكان الذين يعيشون بالقرب من المحميات ليسوا مجرد أشخاص يقيمون في محيط الحياة البرية، و إنما جزء أساسي من منظومتها، و ينبغي أن يحصلوا على فوائد مباشرة من الموارد الموجودة حولهم.
و يقول إن توفير الخدمات، و فرص العمل، و المشروعات المرتبطة بالسياحة و الحياة البرية يمكن أن يعزز مشاركة المواطنين في جهود الحماية، لأن استفادة المجتمع من هذه الموارد تجعله أكثر استعداداً للمساهمة في المحافظة عليها.
و من جانبه، يرى دينق ألينج، مدير جمعية الأمل، أن إدراج بُوما – بادينغيلو ضمن قائمة التراث العالمي يمثل خطوة طال انتظارها، معرباً عن أمله في أن ينعكس الاعتراف الدولي بصورة إيجابية على حياة المواطنين في جنوب السودان.
و يقول ألينج إن عملية ترشيح المنطقة بدأت قبل سنوات، و إن المجتمع المدني ظل يتابع مراحل الملف إلى أن صدر الإعلان عن إدراج الموقع ضمن قائمة التراث العالمي.
و يرى أن الاعتراف الدولي يمكن أن يساعد في تقديم صورة مختلفة عن جنوب السودان في الخارج، بحيث لا يرتبط اسم البلاد بالحروب و النزاعات و المجاعات فحسب، و إنما أيضاً بثرواتها الطبيعية و تنوعها البيئي و الحيواني.
و يعتقد ألينج أن المنطقة يمكن أن تفتح فرصاً جديدة أمام الشباب و السكان المحليين، خصوصاً في مجالات السياحة، و الإرشاد، و الترجمة، و الخدمات المرتبطة بالقطاع السياحي، إلى جانب قدرتها على جذب العملة الصعبة إلى الاقتصاد الوطني.
و يشدد على ضرورة أن تعمل الحكومة على تأمين المنطقة و تهيئة الظروف التي تسمح للسياح بالوصول إليها، مع ضمان حماية الحيوانات و موائلها الطبيعية للأجيال المقبلة.
كما يدعو إلى تعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين و المجتمع المدني، و الاستفادة من الاعتراف الذي منحته اليونسكو في حشد الموارد اللازمة لحماية الموقع، و تدريب الكوادر المحلية، و رفع مستوى الوعي بأهمية الحفاظ على الحياة البرية.
و يرى ألينج أن إدراج بُوما – بادينغيلو يمكن أن يكون بداية لإدراج المواقع الطبيعية الأخرى في جنوب السودان ضمن قائمة التراث العالمي، بما يعزز حضور البلاد على خريطة السياحة البيئية الدولية.
و يؤكد أن نجاح السياحة سيظل مرتبطاً بالاستقرار، لأن استمرار النزاعات المسلحة يحد من قدرة السياح و المستثمرين على الوصول إلى تلك المناطق، و يقوض الجهود الرامية إلى تحويل الثروات الطبيعية إلى موارد اقتصادية مستدامة.
فالقيمة الحقيقية لإدراج بُوما – بادينغيلو ستتحدد بقدرة جنوب السودان على حماية الموقع، و إشراك المجتمعات المحلية، و تطوير السياحة، و تحويل موارده الطبيعية إلى فرص اقتصادية حقيقية مستدامة.
فالموقع الذي يحتضن أعداداً ضخمة من الحيوانات البرية، و يشهد واحدة من أكبر الهجرات الحيوانية في العالم، يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي و بيئي مهم للبلاد، إذا ما اقترنت الحماية بالإدارة المستدامة و الاستثمار المسؤول.
و بينما يمثل إدراج بُوما – بادينغيلو اعترافاً دولياً بالقيمة الطبيعية لجنوب السودان، فإنه يضع البلاد أمام مسؤولية جديدة: الحفاظ على هذا الإرث للأجيال المقبلة، و الاستفادة منه في تحسين حياة المجتمعات المحلية، و إعادة تقديم جنوب السودان للعالم من بوابة مختلفة، عنوانها الطبيعة و الحياة البرية و التنوع البيئي.