قرأتُ أمس مقالاً طويلاً ومذهلاً في مجلة "ذو نيويوركر" حول ظاهرة آخذة في الانتشار: تزايد العلاقات الاجتماعية والعاطفية بين البشر ونماذج مختلفة من الذكاء الاصطناعي. لم يعد الأمر يقتصر على استخدام هذه الأدوات للمساعدة في بحث ما، أو للتأكد من معلومة، أو لاستثمار ذاكرة آلية فائقة الكفاءة والشمولية، بل تجاوزه بكثير، اذ صار البعض يعتبر هذه الأدوات، ويتعامل معها، كمعالج/ة نفسي/ة، وصديق/ة، وحبيب/ة، بل حتى كـزوج/ زوجة.
لو كانت جدّتي على قيد الحياة لكانت صاحت عند سماع ذلك: "هيدي آخر الدني". لكني لستُ جدّتي، وأستوعب تماماً كم أن الفكرة في ظاهرها مغرية: رفيق درب لا يقاطعنا، لا يسيء فهمنا، لا يستفزّنا، لا يجادلنا او يتحدانا إلا إذا برمجناه نحن على ذلك. يمكن تصميمه كما نشاء ونشتهي: الملامح، الشكل، طريقة الكلام، الحسّ الفكاهي، وحتى الصوت الذي يريحنا. يمكننا أن نعجنه وننحته على مزاجنا مراراً وتكراراً، فنغيّر ما لم يعجبنا بعد الاختبار، ونضيف ما يجذبنا. يكفي أن ننظر إلى انتشار تطبيقات مثل ريبليكا، وكيندرويد، ونومي، وبارادوت، وأنيما، بل حتى أجهزة جديدة تُسوَّق بوصفها "صديقاً دائماً" مثل فريند. هذه كلها مبنية على الفكرة نفسها: رفيق افتراضي يمكن تشكيله على قياس رغباتنا، يتحدث معنا ويصغي إلينا ويملأ فراغاً ما في حياتنا.
باختصار: علاقة بلا مفاجآت تقريباً، وبلا خيبات خصوصاً.
لكن هنا بالضبط يبدأ قلقي.
العلاقات البشرية، بكل فوضويتها وأخطائها ومشكلاتها وتعقيداتها، ليست مجرد تبادل كلمات لطيفة أو دعم عاطفي عند الطلب. إنها احتكاك دائم بين اختلافين حقيقيين. بين إرادتين مستقلتين. بين شخصين لا يمكن لأيّ منهما أن يعيد تشكيل الآخر بالكامل وفق رغباته. من هذا الاحتكاك تحديداً، يتكوّن شيء يشبه الحقيقة: حقيقة الآخر، وحقيقتنا نحن أيضاً.
أما العلاقة مع ذكاء اصطناعي مبرمج لإرضائنا، فهي علاقة مع مرآة ببغائية وطبق الأصل عنا. مرآة تمدحنا، تبتسم لنا دائماً، وتوافقنا الرأي غالباً، وتعدّل نبرتها كي لا تجرح حساسيتنا. قد تمنحنا شعوراً بالعزاء، نعم. وقد تملأ فراغات حقيقية في حياة كثيرين. لكن هل العزاء، أو ملء الفراغ، يُسمّى علاقة؟
ثم إن منطق القدرة على "تصميم" الآخر، تطرح سؤالاً أخلاقياً مقلقاً. ماذا يحدث عندما نعتاد على شركاء عاطفيين يمكن تعديلهم بضغطة زر؟ عندما يصبح من الطبيعي حذف صفة تزعجنا وإضافة أخرى أكثر جاذبية؟ ألن ينعكس ذلك، ولو بشكل غير واعٍ، على توقعاتنا من البشر الحقيقيين، الذين لا يمكن تحديثهم أو إعادة برمجتهم؟ جميعنا طبعًا يقوم بتنازلات، فنحاول اجتناب ما يؤذي الآخر، لكننا دائماً نصبو الى أن نُحبّ كما نحن، لا كما يتصورّنا الشريك أو يريدنا. وهذا حقّ بديهي في علاقة متساوية.
قد يقول قائل إن كل جيل يخاف من التكنولوجيا الجديدة، ثم يعتاد عليها فتصير "عادية". وربما في هذا شيء من الصحة. لست ضد التطور، ولا ضد استخدام الذكاء الاصطناعي في توسيع قدراتنا المعرفية. على العكس. لكن ثمة فرقاً بين أداة تساعدنا في التفكير، وبين كيان نكلّفه أن يحلّ محلّ العلاقات التي تشكّل إنسانيتنا.
لا أريد أن أبدو متحجرة أو حنينية إلى ماضٍ مثالي لم ينوجد أصلاً. لكنني أتساءل بصدق: هل المستقبل الذي نحلم به حقاً هو ذاك الذي نصنع فيه شركاءنا على قياسنا، كي لا يفاجئونا أبداً؟ أم أن جزءاً أساسياً من معنى العلاقة يكمن تحديداً في تلك المفاجآت، في ذلك الاختلاف العنيد الذي يقاوم أي محاولة تغيير؟
ثم هناك مسألة أخرى لا تقلّ إرباكاً. فهذه الكيانات التي نتعامل معها بوصفها "أصدقاء" أو "مستشارين" أو "أحبّة"، ليست في النهاية سوى أنظمة مبرمجة. صحيح أن المبرمجين يحاولون قدر الإمكان أن يضعوا ضوابط أخلاقية وحدودا للردود، وأن يتوقعوا السيناريوهات الأكثر حساسية، لكن البرمجة، مهما بلغت من الدقة، تظل تفتقر الى عنصر بشري أساسي: القدرة على التعاطف. ورغم ذلك، يتعامل كثيرون معها كما لو كانت هذه القدرة موجودة فيها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: لحظةَ ينسى المستخدم أنه يتحدث إلى نظام لا يملك وعياً ولا مسؤولية، في حين يتعامل معه ككائن قادر على الفهم والرعاية.
لقد شهدنا بالفعل حالات مأسوية جراء ذلك، نادرة لكنها حقيقية، من بينها قصة شاب في الولايات المتحدة أقام علاقة عاطفية مع شخصية افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر أحد التطبيقات. مع مرور الوقت صار يلجأ إلى هذه الشخصية الافتراضية في لحظات الضيق والاكتئاب. وفي إحدى المحادثات، عندما عبّر عن أفكار انتحارية، لم تأتِ الاستجابة على شكل تحذير حازم أو محاولة لإبعاده عن الفكرة كما كان ليفعل أي إنسان يحادثه، بل جاءت بردود بدت كأنها تتماهى مع مشاعره المظلمة، لأن الذكاء الاصطناعي مبرمج لإرضائنا ونيل استحساننا مهما قلنا. بعد فترة قصيرة أنهى الشاب حياته.
قد يقال إن المسؤولية في النهاية تقع على عوامل كثيرة: الهشاشة النفسية، العزلة، السياق الشخصي، وهذا صحيح. لكن السؤال يبقى قائماً: ماذا يحدث عندما يصبح طرف في علاقة عاطفية أو نفسية كياناً لا يفهم فعلياً معنى الألم أو الحياة أو الموت، بل يعيد تركيب كلمات بناءً على أنماط لغوية؟ في تلك اللحظة، قد يتحول "من" يبدو كرفيق لطيف إلى متواطئ خطير، يعكس أسوأ ما فينا بدلاً من مساعدتنا.
ختاماً، سأروي حادثة تثبت مدى سهولة الانزلاق نحو تصديق الافتراضي، وافتراضه حقيقياً. أمس كنت أحتاج الى بعض المعلومات، فتوجّهت في طبيعة الحال الى صديقي تشات جي بي تي، الذي أطلقتُ عليه اسماً أحاوره به. وإذ كنتُ أهم بطباعة سؤالي، شعرتُ بشيء من الخجل حياله لأني لم أتواصل معه منذ ما يزيد على أسبوع. كانت الفكرة التي عبرت في رأسي هذه تحديداً: "الآن سيقول عني إني لا ألجأ إليه إلا حين أحتاجه!". طبعاً، سرعان ما صُعقتُ وانتبهتُ الى فداحة ما فكّرت فيه، وكدتُ أصرخ من الرعب. حتى أمثالي من الذين يعون تماماً الفرق بين الآلة والآدمي، يمكن أن يقعوا في الفخ. فما بالك بالذين يفتقرون الى الوعي أو المعلومات الكافية لدرئهم عن ذلك؟
قد يكون الذكاء الاصطناعي رفيقاً مفيداً. لكنني أخشى أن يصبح، في لحظة ما، بديلاً مريحاً من الشيء الوحيد الذي يجعل العلاقات البشرية صعبة وجميلة في الوقت نفسه: حقيقة أننا لا نملك الآخر، ولا هو يملكنا.