أستيقظ صباحًا، يباغتني هاتفي بمقاطع قصيرة تخبر المتابعين الذين تقرر لي ولهم الخوارزمية ما يشاهدون..
كيف "نحتضن طفلنا الداخلي"، وكيف "نغفر لأنفسنا"، وكيف "نختار السلام"...
بنفس الوقت في الخلفية ومنذ شهر، صباحا أبي يتابع الجزيرة... تدور حروب، وتُهدم مدن، وتُعاد كتابة الخرائط بدمٍ أحمر لا يظهر في الفلاتر التي يستخدمها المؤثرين العرب!
المفارقة ليست في الاهتمام بالصحة النفسية، فهذا حقّ إنساني نبيل،
حتى لا نفقد أحبتنا كما حصل مع الدكتورة روضة ضياء وقبلها ميرونا عصفور..
المفارقة هي الطريقة التي تحوّل بها هذا الاهتمام إلى موضة موسمية، تُستهلك كما تُستهلك القهوة بالحليب ذات الطعم الذي يتماشى مع الفصل المناخي... لاتيه ورد وللا لاتيه بمبكن سبايس!!!! وطبعا دائما لمن يستطيع أن يدفع فقط...
غوص سطحي في أعماقٍ افتراضية
لقد أصبح الغوص في المشاعر نشاطًا يوميًا، لكن بطريقة تشبه السباحة في مسبحٍ ضحل مع نظارات غوص فاخرة
نحلّل مشاعرنا بدقة،
نُسمي القلق "قلقًا"
ونُصنّف الحزن "حزنًا" على الأداء
ثم نُكافئ أنفسنا لأننا "واعون عاطفيًا"
بينما العالم من حولنا ينهار بوعيٍ أقل، لكنه بواقعٍ أشد قسوة
في بلادنا، أمّهات ثكلى لا تملك رفاهية تسمية مشاعرها
لا وقت لديها لتسأل: "هل هذا قلق أم صدمة؟"
هي فقط تحاول أن تُبقي طفلها حيًا!!!
أب يهيم على وجهه يبحث عن مساحة يبني فيها خيمة لعائلته المهجرة ويرتجي عملاً بدراهم يعود بها لهم...
على الجانب الآخر من الشاشة، البعض مشغولون بسؤال أكثر أناقة:
"هل وضعت حدودًا صحية مع الطاقة السلبية اليوم؟"
في كتابه سيكولوجية الجماهير، يشرح غوستاف لوبون فكرة مقلقة
"أن الجماهير لا تُقاد بالعقل، بل بالعاطفة، وأنها تميل إلى تبسيط الواقع وتحويله إلى صور سهلة الاستهلاك"
اليوم، لا تحتاج الجماهير إلى قائد في ساحة عامة،
يكفي "ترند" ذكي، أو مقطع مؤثر،
أو جملة قصيرة تقول: "اختر نفسك أولًا"
فيتحول العالم إلى مساحة شخصية جدًا
شخصية إلى درجة أننا ننسى أن هناك عالمًا خارج أنفسنا!
نعيش في عالم يطلب منا أن نكون بخير دائمًا،
حتى لو لم يكن هناك سبب حقيقي لذلك.
نبتسم، نتنفس بعمق، نكتب في دفاتر الامتنان،
بينما الاقتصاد يترنح، والحروب تشتعل، واليقين يختفي
يريدون اقناعنا بأهمية إصلاح الداخل
كي لا نضطر إلى مواجهتهم وهم يدمرون الخارج والداخل معا!
أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نفقد الإحساس، بل أن نحتفظ به بطريقة مريحة جدًا
لا نغيّر شيئًا.