لم يكن الاحتلال، عبر التاريخ الحديث، مجرّد سيطرةٍ على الأرض بالقوة العسكرية، بل كان دائمًا مشروعًا أعمق يستهدف الإنسان بوعيه، لغته، ثقته بثقافته، بنفسه وبمن حوله.
في الجزائر استخدم الاستعمار الفرنسي عملاء محليين وفرقًا متنكرة لاختراق جبهة التحرير، وبث الشك داخل المجتمع.
أما الاستعمار البريطاني
في الهند وفلسطين وإيرلندا، فاعتمد على مخبرين وعملاء محليين، لنقل الاخبار والمعلومات.
بينما استخدم الجيش الأمريكي في فيتنام
برامج اختراق اجتماعي (مثل برنامج فينيكس)، لكنها اعتمدت على العملاء المحليين أكثر من التنكّر الثقافي الكامل.
في السياق الفلسطيني، نستطيع اعتبار التجربة الإسرائيلية أكثرها تطرفًا وتنظيمًا
حيث يُعدّ المستعربون أحد أخطر تجليات هذا النمط من الاحتلال وأدواته، حيث تُستعمل الهوية نفسها كسلاح.
متى بدأت إسرائيل باستخدام المستعربين؟
يعود استخدام المستعربين في المشروع الصهيوني إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل. ففي عام 1942أنشأت بريطانيا بالتعاون مع المنظمات الصهيونية المسلحة، وحدات خاصة تضم يهودًا يتقنون العربية ويتقنون تقمص اللهجة والسلوك الفلسطيني، للعمل داخل المدن والقرى العربية لاختراقهم.
بعد النكبة، تطور هذا الأسلوب ليصبح جزءًا رسميًا من أجهزة الأمن الإسرائيلية، الشرطة والجيش والشاباك. ثمة وحدة تسمى "متسادا" تابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية مهمتها قمع اضطرابات الأسرى ومحاولة استدراج الأسرى الفلسطينيين
للحصول منهم على معلومات تورطهم في التهم المنسوبة إليهم.
وظيفتهم ...
ظاهريًا، تتمثل وظيفة المستعربين في:
جمع المعلومات الاستخبارية، اعتقال أو اغتيال مطلوبين، تفكيك خلايا المقاومة واختراق التظاهرات والفعاليات الشعبية
لكن الوظيفة الأعمق — والأخطر — هي تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني من الداخل.
هؤلاء يتحدثون بلهجة محلية دقيقة ويحاكون العادات اليومية وربما يكونون في المساجد والاعراس والأسواق
إنه (المحتل) متنكّر بوجه الجار أو الصديق.
احتلال الشخصية لزرع الخوف وعدم الثقة
يستهدف المجتمع كله. فحين يصبح محتملًا لأي شخص أن يكون عدوًا متخفيًا، تنهار إحدى أهم ركائز المقاومة: الثقة المتبادلة.
وحين تُستعمل اللغة والعادات كسلاح، تتحول الهوية من ملاذ إلى خطر.
بهذا المعنى، يسكن الاحتلال داخل الشخصية الفلسطينية، ويحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى ساحة اشتباه.
المستعربون ليسوا مجرد وحدة أمنية، بل فلسفة احتلال ترى أن السيطرة الأنجع لا تتحقق حين يعرف الناس عدوهم، بل حين يعجزون عن التعرف عليه. إنها حرب اختراق تُستخدم فيها الهوية كسكين، واللهجة كقناع، والإنسان كفخّ للإنسان.
في مواجهة هذا النوع من الاحتلال، يصبح التنظيم والتضامن أسلحة أساسية وتصبح حماية الثقة، والوعي الجماعي، أشكالًا من المقاومة لا تقل أهمية عن أي شكل آخر.