
Sign up to save your podcasts
Or


يهيأ لي احيانا انه يمكن تصنيف القراء نوعين: النوع الذي يبحث في الكتب عن اجوبة- غالبا ما تكون جاهزة ومعلبة لا بل ومتوقعة- والنوع الذي يطارد فيها الاسئلة- تلك التي تقض المضاجع وترفع نسبة الأدرينالين وتهز الروح كزلزال.
بين هذين النوعين يتجلى في رأيي دور الادب: يكفي ان اسمع كاتبا يقول انه يكتب "لكي يغيّر العالم"، حتى اصرف النظر عنه تماما. ليس لاني مقتنعة بأن الادب لا يغير العالم، بل لأن القدرة الحقيقية على التغيير تكمن في النية، اي نية الكاتب، التي ينبغي لها، بالنسبة الي في الاقل، ان تكون خلال لحظة الكتابة في غاية التواضع، متحررة من اي ادعاء.
الادعاء يشوّه الخلق، بينما الفطرة أو الارتجال أو الغريزة تنقذه وتجمّله وتمنحه هالة الحقيقة التي وحدها تجعله مؤثّرًا. فالكاتب الذي يدخل إلى النص مثقلاً برسالة يريد تلقينها للآخر، أو بخلاصة أخلاقية يسعى لفرضها، غالبًا ما يخرج منه خاوي اليدين، لأن النص، مثل الكائن الحي، يرفض أن يُقاد من عنقه. الأدب لا يُروَّض. هو إمّا أن يُستدرَج أو يبقى بعيد المنال.
لهذا، لا أثق بالكتب التي تمدّ إصبعها في وجهي وتقول لي: "هكذا يجب أن تفكّري". أثق أكثر بتلك التي تجلس إلى جانبي في العتمة، وتهمس: "أنا خائفة مثلك، مرتبكة مثلك، ولا أملك جوابًا، لكن دعينا نفكّر معًا". في هذا التواطؤ الخفي بين الكاتب
والقارئ، يولد الأدب الحقيقي: لا في الوعظ والتعليم، بل في المشاركة؛ لا في محاولات الإقناع، بل في القلق المشترك.
الأسئلة التي أحبّها في الكتب ليست مريحة. هي أسئلة غير مهذّبة، تقتحم مناطق مسكوتًا عنها، وتفتح جروحًا كنا لنتمنى نسيانها. أسئلة عن السلطة والرغبة، عن الجسد والخسارة، عن الخوف الذي نسمّيه أحيانًا حذرًا، وعن التواطؤ الذي نسمّيه حكمة. أسئلة لا تبحث عن نهاية سعيدة، بل عن صدق قاسٍ، لأن الصدق، بعكس السعادة، لا يشيخ.
حين ينجح الأدب في ذلك، اي في زلزلة الداخل، هو لا يغيّر العالم مباشرة، ولا ينبغي له ذلك. هو يغيّر الإنسان، أو بالأحرى يخلخله. يزرع فيه شكًّا صغيرًا، شرخًا رفيعًا، فكرة غير مكتملة. ومن هذا الشرخ، فقط من هذا الشرخ، يمكن للعالم أن يتغيّر لاحقًا. التغيير الذي يُخطَّط له سلفًا، غالبًا ما يكون شكليًا، أما التغيير الذي يأتي كأثر جانبي للصدق، فهو الأكثر رسوخًا وخطورة.
ربما لهذا السبب، أفضّل الأدب الذي لا يعرف إلى أين يتّجه. الأدب الذي يكتب وهو يتلمّس طريقه، يتعثّر، يتراجع، يعترف بضعفه. الأدب الذي لا يَعِدُ بشيء، ولا يبيع خلاصًا، ولا يدّعي بطولة. أدبٌ يجرؤ على أن يكون هشًّا، لأن الهشاشة، paradoxically، هي أقصى أشكال القوة.
ختاماً، أنا لا أقرأ لأصبح أفضل، ولا أكتب لأجعل الآخرين أفضل. أقرأ وأكتب لأصبح أكثر وعيًا بتعقيداتي، بتناقضاتي،
بإنسانيتي غير المكتملة. وإذا خرج القارئ من كتابي أقلّ يقينًا وأكثر أسئلة، فأنا أعتبر ذلك نجاحًا لا يُضاهى.
By مونت كارلو الدولية / MCDيهيأ لي احيانا انه يمكن تصنيف القراء نوعين: النوع الذي يبحث في الكتب عن اجوبة- غالبا ما تكون جاهزة ومعلبة لا بل ومتوقعة- والنوع الذي يطارد فيها الاسئلة- تلك التي تقض المضاجع وترفع نسبة الأدرينالين وتهز الروح كزلزال.
بين هذين النوعين يتجلى في رأيي دور الادب: يكفي ان اسمع كاتبا يقول انه يكتب "لكي يغيّر العالم"، حتى اصرف النظر عنه تماما. ليس لاني مقتنعة بأن الادب لا يغير العالم، بل لأن القدرة الحقيقية على التغيير تكمن في النية، اي نية الكاتب، التي ينبغي لها، بالنسبة الي في الاقل، ان تكون خلال لحظة الكتابة في غاية التواضع، متحررة من اي ادعاء.
الادعاء يشوّه الخلق، بينما الفطرة أو الارتجال أو الغريزة تنقذه وتجمّله وتمنحه هالة الحقيقة التي وحدها تجعله مؤثّرًا. فالكاتب الذي يدخل إلى النص مثقلاً برسالة يريد تلقينها للآخر، أو بخلاصة أخلاقية يسعى لفرضها، غالبًا ما يخرج منه خاوي اليدين، لأن النص، مثل الكائن الحي، يرفض أن يُقاد من عنقه. الأدب لا يُروَّض. هو إمّا أن يُستدرَج أو يبقى بعيد المنال.
لهذا، لا أثق بالكتب التي تمدّ إصبعها في وجهي وتقول لي: "هكذا يجب أن تفكّري". أثق أكثر بتلك التي تجلس إلى جانبي في العتمة، وتهمس: "أنا خائفة مثلك، مرتبكة مثلك، ولا أملك جوابًا، لكن دعينا نفكّر معًا". في هذا التواطؤ الخفي بين الكاتب
والقارئ، يولد الأدب الحقيقي: لا في الوعظ والتعليم، بل في المشاركة؛ لا في محاولات الإقناع، بل في القلق المشترك.
الأسئلة التي أحبّها في الكتب ليست مريحة. هي أسئلة غير مهذّبة، تقتحم مناطق مسكوتًا عنها، وتفتح جروحًا كنا لنتمنى نسيانها. أسئلة عن السلطة والرغبة، عن الجسد والخسارة، عن الخوف الذي نسمّيه أحيانًا حذرًا، وعن التواطؤ الذي نسمّيه حكمة. أسئلة لا تبحث عن نهاية سعيدة، بل عن صدق قاسٍ، لأن الصدق، بعكس السعادة، لا يشيخ.
حين ينجح الأدب في ذلك، اي في زلزلة الداخل، هو لا يغيّر العالم مباشرة، ولا ينبغي له ذلك. هو يغيّر الإنسان، أو بالأحرى يخلخله. يزرع فيه شكًّا صغيرًا، شرخًا رفيعًا، فكرة غير مكتملة. ومن هذا الشرخ، فقط من هذا الشرخ، يمكن للعالم أن يتغيّر لاحقًا. التغيير الذي يُخطَّط له سلفًا، غالبًا ما يكون شكليًا، أما التغيير الذي يأتي كأثر جانبي للصدق، فهو الأكثر رسوخًا وخطورة.
ربما لهذا السبب، أفضّل الأدب الذي لا يعرف إلى أين يتّجه. الأدب الذي يكتب وهو يتلمّس طريقه، يتعثّر، يتراجع، يعترف بضعفه. الأدب الذي لا يَعِدُ بشيء، ولا يبيع خلاصًا، ولا يدّعي بطولة. أدبٌ يجرؤ على أن يكون هشًّا، لأن الهشاشة، paradoxically، هي أقصى أشكال القوة.
ختاماً، أنا لا أقرأ لأصبح أفضل، ولا أكتب لأجعل الآخرين أفضل. أقرأ وأكتب لأصبح أكثر وعيًا بتعقيداتي، بتناقضاتي،
بإنسانيتي غير المكتملة. وإذا خرج القارئ من كتابي أقلّ يقينًا وأكثر أسئلة، فأنا أعتبر ذلك نجاحًا لا يُضاهى.

327 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

8 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners