
Sign up to save your podcasts
Or


أمس شاركني صديقٌ خبراً لا يُصدَّق. اذ اكتشف أن زميله السابق في العمل، الذي عرفه طوال خمس سنوات بوصفه شخصًا هادئًا، لطيفًا، متزنًا، قد اغتال خاله بدمٍ بارد… من أجل المال.
لا تاريخ عنف. لا ملامح وحش. لا سلوكيات نارية قد تشي بشخصيته. كان مجرد رجل "عادي"، بل مسالم حدّ الامحاء. هكذا قال لي صديقي وهو يحدّق في الفراغ، محاولاً، عبثاً، إيجاد ثغرة ما تبرّر ما قام به زميله.
هذه هي، فكّرتُ عندما أخبرني. هذه هي الفجوة بين ما نراه وما هو كامن تحت الجلد. تذكّرت ما قالته أغاثا كريستي: "قليلون منا هم ما يبدون عليه"، كتبت. وكم كانت على حقّ.
نحن نبالغ في تقديس "الانطباع الأول". نخلط بين الطيبة والبرود. نعتبر السيطرة على الانفعال فضيلة، وننسى أنها قد تكون تدريبًا طويل الأمد على الإخفاء. نحبّ السرديات البسيطة، ونُصنّف الناس بسرعة: هذا طيب، ذاك شرير. هذا آمن، ذاك خطر. لكن الحقيقة أكثر إزعاجاً بكثير. الحقيقة تقول إن اللطف قد يكون قناعًا، وإن الصمت ليس دائمًا سلامًا، وإن الوجوه التي لا تثير الشبهات قد تخفي أكثر الأطباع رعبًا.
الجريمة لا ترتدي دائمًا وجه المجرم. أحيانًا ترتدي ربطة عنق وابتسامة. أحيانًا تشرب قهوتها معنا. نضحك على النكتة نفسها، ونشاركها خبزنا وملحنا، ثم نكتشف فجأة أننا كنا نعيش بجانب هاوية خفية. أننا "زمطنا" بأعجوبة من أن نكون نحن ضحيتها.
ما يخيفني في القصة ليس فعل القتل وحده، بل ذلك الإحساس المريع بالخذلان المعرفي: إذا كان هذا الرجل، الذي عرفه صديقي خمس سنوات، قادرًا على قتل خاله من أجل حفنة من الدولارات، فمن نعرف حقًا؟
طبعاً ليس كل إنسان يحمل وحشًا في داخله، لكن كل إنسان يحمل أكثر من نسخة عن نفسه. النسخة الاجتماعية، النسخة التي يعرضها للآخرين، النسخة التي يحتاجها لينجو. ثم هناك النسخة التي لا تُستدعى إلا عند الضرورة القصوى: عند الحاجة، عند الخوف، عند الانهيار. وهذه هي النسخة التي تخون حقيقة المرء.
نعم، الشر قد يكون مهذبًا. الشر قد يكون خفراً. الشر قد يكون متحفظاً؛ شخصًا تظن أنّ "البسينة بتاكلّو عشاه"، على قول المثل اللبناني، ثم تنصدم وتشهق بعد خمس سنوات: "مستحيل! لم أتوقع هذا أبدًا!"
وقليلون منا، قليلون جدًا، هم ما يبدون فعلاً عليه.
By مونت كارلو الدولية / MCDأمس شاركني صديقٌ خبراً لا يُصدَّق. اذ اكتشف أن زميله السابق في العمل، الذي عرفه طوال خمس سنوات بوصفه شخصًا هادئًا، لطيفًا، متزنًا، قد اغتال خاله بدمٍ بارد… من أجل المال.
لا تاريخ عنف. لا ملامح وحش. لا سلوكيات نارية قد تشي بشخصيته. كان مجرد رجل "عادي"، بل مسالم حدّ الامحاء. هكذا قال لي صديقي وهو يحدّق في الفراغ، محاولاً، عبثاً، إيجاد ثغرة ما تبرّر ما قام به زميله.
هذه هي، فكّرتُ عندما أخبرني. هذه هي الفجوة بين ما نراه وما هو كامن تحت الجلد. تذكّرت ما قالته أغاثا كريستي: "قليلون منا هم ما يبدون عليه"، كتبت. وكم كانت على حقّ.
نحن نبالغ في تقديس "الانطباع الأول". نخلط بين الطيبة والبرود. نعتبر السيطرة على الانفعال فضيلة، وننسى أنها قد تكون تدريبًا طويل الأمد على الإخفاء. نحبّ السرديات البسيطة، ونُصنّف الناس بسرعة: هذا طيب، ذاك شرير. هذا آمن، ذاك خطر. لكن الحقيقة أكثر إزعاجاً بكثير. الحقيقة تقول إن اللطف قد يكون قناعًا، وإن الصمت ليس دائمًا سلامًا، وإن الوجوه التي لا تثير الشبهات قد تخفي أكثر الأطباع رعبًا.
الجريمة لا ترتدي دائمًا وجه المجرم. أحيانًا ترتدي ربطة عنق وابتسامة. أحيانًا تشرب قهوتها معنا. نضحك على النكتة نفسها، ونشاركها خبزنا وملحنا، ثم نكتشف فجأة أننا كنا نعيش بجانب هاوية خفية. أننا "زمطنا" بأعجوبة من أن نكون نحن ضحيتها.
ما يخيفني في القصة ليس فعل القتل وحده، بل ذلك الإحساس المريع بالخذلان المعرفي: إذا كان هذا الرجل، الذي عرفه صديقي خمس سنوات، قادرًا على قتل خاله من أجل حفنة من الدولارات، فمن نعرف حقًا؟
طبعاً ليس كل إنسان يحمل وحشًا في داخله، لكن كل إنسان يحمل أكثر من نسخة عن نفسه. النسخة الاجتماعية، النسخة التي يعرضها للآخرين، النسخة التي يحتاجها لينجو. ثم هناك النسخة التي لا تُستدعى إلا عند الضرورة القصوى: عند الحاجة، عند الخوف، عند الانهيار. وهذه هي النسخة التي تخون حقيقة المرء.
نعم، الشر قد يكون مهذبًا. الشر قد يكون خفراً. الشر قد يكون متحفظاً؛ شخصًا تظن أنّ "البسينة بتاكلّو عشاه"، على قول المثل اللبناني، ثم تنصدم وتشهق بعد خمس سنوات: "مستحيل! لم أتوقع هذا أبدًا!"
وقليلون منا، قليلون جدًا، هم ما يبدون فعلاً عليه.

321 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners