
Sign up to save your podcasts
Or


أمس، اذ كنت اشاهد فيلما وثائقيا عن حياة الكاتب المسرحي الاميركي الراحل آرثر ميلر، لفتني ما قاله عندما سألته ابنته، وهي مخرجة الفيلم، عن سبب تشاؤمه الدائم. أجابها: "ذلك ان التشاؤم حمايتي الوحيدة من التفاؤل".
شخصيا، لطالما عشت حياتي بحسب الطرف النقيض لهذا المبدأ. أي انني لطالما أصررت على التفاؤل، حتى في أحلك الظروف وأسوأها، لأن التفاؤل، واختراع الأمل "بالقوة"، كانا حمايتي الوحيدة من التشاؤم. لكنني اليوم أجدني، للأسف، اكثر ميلاً إلى اعتماد فلسفة ميلر. اليوم بت مقتنعة، وبازدياد، ان التفاؤل ما هو إلا أداة خيبة اكيدة، وان سلاحنا الوحيد، نحن اللبنانيين، ضد أوهامه الموجعة، هو التمسّك بالتشاؤم. اي ان نخفض توقعاتنا، ونجعلها عند الحد الادنى، كي لا ننصدم.
لم يعد الأمر مجرّد تبدّل في المزاج، ولا محض انزلاق عابر نحو العتمة. إنه تحوّل بطيء، عنيد، في أطباعي، يشبه تآكل الحجر من الداخل. كأن التفاؤل الذي كنت أتباهى به، وأقدّمه لنفسي كفعل مقاومة، لم يكن سوى قناع موقت. قناع كان يتيح لي أن أقول "سننجو"، فيما كل ما حولي كان يهمس (بل يعوي): "أنتِ فقط تؤجلين قبول الخسارة".
في هذا البلد، التفاؤل ليس بريئًا. إنه تواطؤ غير معلن مع الوهم. لأنك حين تتفاءل، تفترض وجود منطق ما، عدالة ما، توازن ما، ينتظرك في نهاية الطريق. تفترض أن الخراب له سقف، وأن الجنون له حدود. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض هو الخدعة الكبرى؟ ماذا لو كان التفاؤل، في حالتنا، شكلاً من أشكال الكسل المعنوي، أو حتى الجبن؟ كأننا، عبره، نؤجّل المواجهة مع الحقيقة، نؤجّل الاعتراف بأن ما نعيشه ليس أزمة عابرة، بل نظام كامل من الانهيار.
أفكر في كل المرات التي قلت فيها "ستمرّ". الحرب ستمرّ، الانفجار سيمرّ، الانهيار الاقتصادي سيمرّ، هذا العبث السياسي سيمرّ. وها نحن لا نزال نُدفع من هاوية إلى أخرى، من خيبة إلى خيبة، كأننا فئران لتجارب لا تنتهي. وفي كل مرة، يتسلل التفاؤل كمسكّن، لا ليشفينا، بل ليؤخّر صراخنا.
ربما لهذا بدأت أفهم ميلر: التشاؤم درعاً، طريقة لحماية ما تبقّى من كرامة. لأنك حين تتوقّع الأسوأ، لا تفاجئك القسوة. حين تضع سقفًا منخفضًا لأحلامك، لا يقصم الواقع ظهرك، ولا يخلع رقبتك. التشاؤم، في هذا المعنى، ليس استسلامًا، بل نوع من الانضباط العاطفي. من الاقتصاد في الأمل.
لكن، هل هذا ما نريده فعلًا؟ أن نصبح كائنات مقتصدة في الحلم، حذرة في الفرح، بخيلة في التوقّع؟ أن نعيش وكأننا ننتظر مسبقًا من الحياة أن تخذلنا؟
هنا تكمن المفارقة. اذ ان التشاؤم، رغم كل حكمته الدفاعية، يحمل في داخله خطرًا آخر: خطر أن يتحوّل إلى نبوءة تحقق ذاتها. أن نصير، نحن، حرّاس الخراب، لا ضحاياه فقط.
ربما المطلوب ليس أن نختار بين التفاؤل والتشاؤم، بل أن نفضح الاثنين. أن نجرّدهما من براءتهما الزائفة. أن نبتكر موقفًا ثالثًا، أكثر جرأة وصدقًا: أن نرى الأشياء كما هي، بلا زينة، بلا مخدّر، وأن نقرّر، رغم ذلك، أن نرغب بما لا يبدو ممكنًا.
… ليس لأننا واثقون من حدوثه، بل لأننا نرفض أن نُختصر بما يحدث لنا.
By مونت كارلو الدولية / MCDأمس، اذ كنت اشاهد فيلما وثائقيا عن حياة الكاتب المسرحي الاميركي الراحل آرثر ميلر، لفتني ما قاله عندما سألته ابنته، وهي مخرجة الفيلم، عن سبب تشاؤمه الدائم. أجابها: "ذلك ان التشاؤم حمايتي الوحيدة من التفاؤل".
شخصيا، لطالما عشت حياتي بحسب الطرف النقيض لهذا المبدأ. أي انني لطالما أصررت على التفاؤل، حتى في أحلك الظروف وأسوأها، لأن التفاؤل، واختراع الأمل "بالقوة"، كانا حمايتي الوحيدة من التشاؤم. لكنني اليوم أجدني، للأسف، اكثر ميلاً إلى اعتماد فلسفة ميلر. اليوم بت مقتنعة، وبازدياد، ان التفاؤل ما هو إلا أداة خيبة اكيدة، وان سلاحنا الوحيد، نحن اللبنانيين، ضد أوهامه الموجعة، هو التمسّك بالتشاؤم. اي ان نخفض توقعاتنا، ونجعلها عند الحد الادنى، كي لا ننصدم.
لم يعد الأمر مجرّد تبدّل في المزاج، ولا محض انزلاق عابر نحو العتمة. إنه تحوّل بطيء، عنيد، في أطباعي، يشبه تآكل الحجر من الداخل. كأن التفاؤل الذي كنت أتباهى به، وأقدّمه لنفسي كفعل مقاومة، لم يكن سوى قناع موقت. قناع كان يتيح لي أن أقول "سننجو"، فيما كل ما حولي كان يهمس (بل يعوي): "أنتِ فقط تؤجلين قبول الخسارة".
في هذا البلد، التفاؤل ليس بريئًا. إنه تواطؤ غير معلن مع الوهم. لأنك حين تتفاءل، تفترض وجود منطق ما، عدالة ما، توازن ما، ينتظرك في نهاية الطريق. تفترض أن الخراب له سقف، وأن الجنون له حدود. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض هو الخدعة الكبرى؟ ماذا لو كان التفاؤل، في حالتنا، شكلاً من أشكال الكسل المعنوي، أو حتى الجبن؟ كأننا، عبره، نؤجّل المواجهة مع الحقيقة، نؤجّل الاعتراف بأن ما نعيشه ليس أزمة عابرة، بل نظام كامل من الانهيار.
أفكر في كل المرات التي قلت فيها "ستمرّ". الحرب ستمرّ، الانفجار سيمرّ، الانهيار الاقتصادي سيمرّ، هذا العبث السياسي سيمرّ. وها نحن لا نزال نُدفع من هاوية إلى أخرى، من خيبة إلى خيبة، كأننا فئران لتجارب لا تنتهي. وفي كل مرة، يتسلل التفاؤل كمسكّن، لا ليشفينا، بل ليؤخّر صراخنا.
ربما لهذا بدأت أفهم ميلر: التشاؤم درعاً، طريقة لحماية ما تبقّى من كرامة. لأنك حين تتوقّع الأسوأ، لا تفاجئك القسوة. حين تضع سقفًا منخفضًا لأحلامك، لا يقصم الواقع ظهرك، ولا يخلع رقبتك. التشاؤم، في هذا المعنى، ليس استسلامًا، بل نوع من الانضباط العاطفي. من الاقتصاد في الأمل.
لكن، هل هذا ما نريده فعلًا؟ أن نصبح كائنات مقتصدة في الحلم، حذرة في الفرح، بخيلة في التوقّع؟ أن نعيش وكأننا ننتظر مسبقًا من الحياة أن تخذلنا؟
هنا تكمن المفارقة. اذ ان التشاؤم، رغم كل حكمته الدفاعية، يحمل في داخله خطرًا آخر: خطر أن يتحوّل إلى نبوءة تحقق ذاتها. أن نصير، نحن، حرّاس الخراب، لا ضحاياه فقط.
ربما المطلوب ليس أن نختار بين التفاؤل والتشاؤم، بل أن نفضح الاثنين. أن نجرّدهما من براءتهما الزائفة. أن نبتكر موقفًا ثالثًا، أكثر جرأة وصدقًا: أن نرى الأشياء كما هي، بلا زينة، بلا مخدّر، وأن نقرّر، رغم ذلك، أن نرغب بما لا يبدو ممكنًا.
… ليس لأننا واثقون من حدوثه، بل لأننا نرفض أن نُختصر بما يحدث لنا.

318 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

9 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners