
Sign up to save your podcasts
Or


"إنه التاريخ، ثم التاريخ، ثم التاريخ مرة أخرى". هكذا يكتب وليد جنبلاط في مذكراته الصادرة حديثاً بالفرنسية عن منشورات "ستوك" في باريس، وتحمل عنوان " قدر في المشرق". جملةٌ مزلزِلة بالمعنى البنيوي التأسيسي، توقّفتُ عندها مراراً، بينما كنتُ أقرأ هذا الكتاب الذي يجمع بين السيرة الشخصية والتأمل السياسي وقراءة التحولات الكبرى التي عصفت بلبنان والمنطقة خلال العقود الماضية.
كم من مرة نظن أننا نصنع قراراتنا بحرية كاملة، ثم نكتشف أن التاريخ قد سبقنا إليها؟ كم من مرة نتصور أننا نعيش حدثاً جديداً، فإذا بنا نعيد تمثيل مشهد قديم بشعارات مختلفة وأبطال مختلفين؟ ليس التاريخ مجرد ما حدث في الأمس. إنه ما يواصل الحضور فينا حتى عندما نتوهم أننا تجاوزناه. قد تبدو الجملة كليشيهاّ، لكننا غالباً ننساها.
في لبنان، تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة من أي مكان آخر. نحن أبناء بلد لا يكف عن الدوران في حلقاته المفرغة. تتغير الوجوه، تتبدل التحالفات، تسقط أوهام وتولد أوهام أخرى، لكن شيئاً عميقاً يبقى على حاله. كأننا نسير إلى الأمام بأجسادنا فيما أقدارنا مشدودة إلى الخلف بحبال غير مرئية.
نحب أن نتحدث عن المستقبل. نرفع شعارات التغيير والإصلاح والنهضة. لكن المستقبل لا يولد من الرغبة وحدها. إنه يحتاج إلى مصالحة حقيقية مع الماضي، لا إلى دفنه تحت السجاد الوطني. فالماضي الذي لا نواجهه يتحول إلى شبح. والمجتمعات التي ترفض قراءة جراحها تظل تنزف منها، حتى عندما تدّعي أنها التأمت.
ربما لهذا السبب تبدو حياتنا اللبنانية اليوم معلقة بين زمنين. زمن قديم يرفض المغادرة، وزمن جديد لم ينجح بعد في الولادة. نرى ذلك في السياسة، وفي الثقافة، وفي العلاقات بين الطوائف، وحتى في اللغة التي نتحدث بها عن أنفسنا. نكرر المفردات نفسها منذ عقود: المقاومة، السيادة، المؤامرة، الخيانة، الانتصار، الهزيمة. كلمات استُهلكت إلى حد فقدت معه قدرتها على تفسير أي شيء، لكنها ما زالت تحكم وعينا الجماعي.
مع ذلك، لا أقرأ عبارة جنبلاط بوصفها حكماً بالإعدام على المستقبل. على العكس. أقرأها كدعوة إلى التواضع. فالتاريخ ليس سجناً فقط، بل معلّم أيضاً. المشكلة ليست في أن التاريخ يلاحقنا. المشكلة في أننا نادراً ما نصغي إلى ما يحاول أن يقوله لنا.
ربما يكون النضج الفردي شبيهاً بالنضج الجماعي. في الحالتين، لا نستطيع أن نصبح ما نريد أن نكونه قبل أن نفهم ما كنّاه. لا يمكن بناء هوية على الإنكار، ولا يمكن بناء وطن على النسيان.
"إنه التاريخ، ثم التاريخ، ثم التاريخ مرة أخرى". كلما فكرت في هذه الجملة، بدا لي أنها لا تتحدث عن الماضي بقدر ما تتحدث عن المسؤولية. مسؤولية أننا شركاء في ارتكاب الاخطاء، مسؤولية أن نتوقف عن اعتبار أنفسنا ضحايا أبديين لما حدث، وأن نبدأ أخيراً بطرح السؤال الأصعب: ماذا سنفعل بكل هذا التاريخ الذي يسكننا؟ وهل سنظل نسمح له بأن يكتب مصيرنا، أم سنجرؤ للمرة الأولى على كتابة مصير مختلف؟
By مونت كارلو الدولية / MCD"إنه التاريخ، ثم التاريخ، ثم التاريخ مرة أخرى". هكذا يكتب وليد جنبلاط في مذكراته الصادرة حديثاً بالفرنسية عن منشورات "ستوك" في باريس، وتحمل عنوان " قدر في المشرق". جملةٌ مزلزِلة بالمعنى البنيوي التأسيسي، توقّفتُ عندها مراراً، بينما كنتُ أقرأ هذا الكتاب الذي يجمع بين السيرة الشخصية والتأمل السياسي وقراءة التحولات الكبرى التي عصفت بلبنان والمنطقة خلال العقود الماضية.
كم من مرة نظن أننا نصنع قراراتنا بحرية كاملة، ثم نكتشف أن التاريخ قد سبقنا إليها؟ كم من مرة نتصور أننا نعيش حدثاً جديداً، فإذا بنا نعيد تمثيل مشهد قديم بشعارات مختلفة وأبطال مختلفين؟ ليس التاريخ مجرد ما حدث في الأمس. إنه ما يواصل الحضور فينا حتى عندما نتوهم أننا تجاوزناه. قد تبدو الجملة كليشيهاّ، لكننا غالباً ننساها.
في لبنان، تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة من أي مكان آخر. نحن أبناء بلد لا يكف عن الدوران في حلقاته المفرغة. تتغير الوجوه، تتبدل التحالفات، تسقط أوهام وتولد أوهام أخرى، لكن شيئاً عميقاً يبقى على حاله. كأننا نسير إلى الأمام بأجسادنا فيما أقدارنا مشدودة إلى الخلف بحبال غير مرئية.
نحب أن نتحدث عن المستقبل. نرفع شعارات التغيير والإصلاح والنهضة. لكن المستقبل لا يولد من الرغبة وحدها. إنه يحتاج إلى مصالحة حقيقية مع الماضي، لا إلى دفنه تحت السجاد الوطني. فالماضي الذي لا نواجهه يتحول إلى شبح. والمجتمعات التي ترفض قراءة جراحها تظل تنزف منها، حتى عندما تدّعي أنها التأمت.
ربما لهذا السبب تبدو حياتنا اللبنانية اليوم معلقة بين زمنين. زمن قديم يرفض المغادرة، وزمن جديد لم ينجح بعد في الولادة. نرى ذلك في السياسة، وفي الثقافة، وفي العلاقات بين الطوائف، وحتى في اللغة التي نتحدث بها عن أنفسنا. نكرر المفردات نفسها منذ عقود: المقاومة، السيادة، المؤامرة، الخيانة، الانتصار، الهزيمة. كلمات استُهلكت إلى حد فقدت معه قدرتها على تفسير أي شيء، لكنها ما زالت تحكم وعينا الجماعي.
مع ذلك، لا أقرأ عبارة جنبلاط بوصفها حكماً بالإعدام على المستقبل. على العكس. أقرأها كدعوة إلى التواضع. فالتاريخ ليس سجناً فقط، بل معلّم أيضاً. المشكلة ليست في أن التاريخ يلاحقنا. المشكلة في أننا نادراً ما نصغي إلى ما يحاول أن يقوله لنا.
ربما يكون النضج الفردي شبيهاً بالنضج الجماعي. في الحالتين، لا نستطيع أن نصبح ما نريد أن نكونه قبل أن نفهم ما كنّاه. لا يمكن بناء هوية على الإنكار، ولا يمكن بناء وطن على النسيان.
"إنه التاريخ، ثم التاريخ، ثم التاريخ مرة أخرى". كلما فكرت في هذه الجملة، بدا لي أنها لا تتحدث عن الماضي بقدر ما تتحدث عن المسؤولية. مسؤولية أننا شركاء في ارتكاب الاخطاء، مسؤولية أن نتوقف عن اعتبار أنفسنا ضحايا أبديين لما حدث، وأن نبدأ أخيراً بطرح السؤال الأصعب: ماذا سنفعل بكل هذا التاريخ الذي يسكننا؟ وهل سنظل نسمح له بأن يكتب مصيرنا، أم سنجرؤ للمرة الأولى على كتابة مصير مختلف؟

311 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

8 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners