
Sign up to save your podcasts
Or


ثمّة سؤال طرحته عليّ صديقتي منال منذ أيام، ولم يغادرني منذ ذلك الحين، كشوكة عالقة في حلقي. كنا نتحدث عن يارون. عن بيوت طفولتنا التي تُهدم، كما لو أن هذه البلاد محكومة بأن تعيد موتها بالطريقة نفسها كل بضع سنوات. كنت قد أرسلت لها فيديو لجرافات تقتلع ما تبقّى من حجارة وذكريات، حين سألتني فجأة: "هل تخيّلتِ يومًا من كنتِ ستصبحين لو أنكِ وُلدتِ في هلسنكي؟
ضحكت تقريبًا من عبثية السؤال. لماذا هلسنكي تحديدًا، وهي مدينة لا تشبهنا بشيء؟ ما العلاقة بين امرأة جنوبية من يارون، وبين عاصمة باردة في أقصى الشمال؟
أجابت: "قرأتُ مؤخراً أن فنلندا هي أسعد بلد في العالم. فبدأتُ أتصفح حسابات فنلندية على مواقع التواصل. أردتُ أن أرى كيف يبدو البشر الذين يعيشون في أسعد مكان على وجه الأرض."
ثم أضافت جملة أربكتني أكثر مما توقعت: "كيف يكون شكل الإنسان الذي لم يعش حروبًا متسلسلة؟ كيف يخطط للمستقبل؟ كيف يحب؟ كيف يشيخ من دون أن يشاهد عالمه ينهار على دفعات؟"
ذكّرني كلام منال بتجربة عشتها العام الماضي، خلال رحلة من بيروت إلى لندن. كنت أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن لبنان في الخمسينيات والستينيات، ذلك "الزمن الذهبي" الذي يحوّله اللبنانيون، كلما ضاق بهم الحاضر، إلى أسطورة يلوذون بها. ما شدّني في الفيلم يومذاك لم يكن صور بيروت اللامعة، بل الوجوه المجهولة العابرة في الخلفية. اللبنانيون العاديون الذين مرّوا أمام الكاميرا من دون أن يعرفوا أن أحدًا، بعد عقود، سيتوقف عند ملامحهم كما لو أنه يحدّق في كائنات من كوكب آخر.
رحتُ أتأملهم بإمعان، محاوِلة اكتشاف الفروقات بيننا وبينهم. هل كانوا ينامون بطمأنينة أكبر؟ هل كانوا يضحكون من دون ذلك التوتر الخفي في أكتافهم؟ هل كانوا يحبّون ويؤسسون المشاريع ويخططون لأيامهم من دون ذلك الإحساس الدائم بأن الأرض قد تنشقّ فجأة تحت أقدامهم؟
بمعنى آخر: كيف تعاش الحياة حين لا يكون الرعب خلفية ثابتة لكل شيء، مثلما هي حالنا؟ ماذا يحدث لشعب يعيش عقودًا كاملة وجهازه العصبي في حالة طوارئ دائمة؟ ماذا يحدث له حين يصبح القلق جزءًا من الكيمياء اليومية للجسد؟ حين يتحول "الليكزوتانيل" إلى ما يشبه الخبز والحليب؟
أقول "شعب"، لكن الحقيقة المؤلمة أننا لم نصبح شعبًا. ليس بعد. نحن أفراد يعيشون معًا داخل مساحة اسمها لبنان، مثل غرباء يتشاركون شقة متداعية، لا وطنًا. لكن ربما لطالما كنّا هكذا، مع مهارة أكبر في التمويه. ربما الحروب المتلاحقة لم تغيّرنا، بل فقط نزعت عنا الأقنعة. ربما انهيار الدولة لم يصنع هشاشتنا، بل هو فضحها فحسب.
لهذا السبب أربكني كلام منال إلى هذا الحد. لأن السؤال الحقيقي ليس: من كنّا سنصبح لو وُلدنا في هلسنكي؟
السؤال الأكثر رعبًا هو الآتي: لو استيقظنا غدًا داخل بيروت عادية، هادئة، مستقرة...
هل سنعرف أصلًا كيف نعيش فيها معاً؟
By مونت كارلو الدولية / MCDثمّة سؤال طرحته عليّ صديقتي منال منذ أيام، ولم يغادرني منذ ذلك الحين، كشوكة عالقة في حلقي. كنا نتحدث عن يارون. عن بيوت طفولتنا التي تُهدم، كما لو أن هذه البلاد محكومة بأن تعيد موتها بالطريقة نفسها كل بضع سنوات. كنت قد أرسلت لها فيديو لجرافات تقتلع ما تبقّى من حجارة وذكريات، حين سألتني فجأة: "هل تخيّلتِ يومًا من كنتِ ستصبحين لو أنكِ وُلدتِ في هلسنكي؟
ضحكت تقريبًا من عبثية السؤال. لماذا هلسنكي تحديدًا، وهي مدينة لا تشبهنا بشيء؟ ما العلاقة بين امرأة جنوبية من يارون، وبين عاصمة باردة في أقصى الشمال؟
أجابت: "قرأتُ مؤخراً أن فنلندا هي أسعد بلد في العالم. فبدأتُ أتصفح حسابات فنلندية على مواقع التواصل. أردتُ أن أرى كيف يبدو البشر الذين يعيشون في أسعد مكان على وجه الأرض."
ثم أضافت جملة أربكتني أكثر مما توقعت: "كيف يكون شكل الإنسان الذي لم يعش حروبًا متسلسلة؟ كيف يخطط للمستقبل؟ كيف يحب؟ كيف يشيخ من دون أن يشاهد عالمه ينهار على دفعات؟"
ذكّرني كلام منال بتجربة عشتها العام الماضي، خلال رحلة من بيروت إلى لندن. كنت أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن لبنان في الخمسينيات والستينيات، ذلك "الزمن الذهبي" الذي يحوّله اللبنانيون، كلما ضاق بهم الحاضر، إلى أسطورة يلوذون بها. ما شدّني في الفيلم يومذاك لم يكن صور بيروت اللامعة، بل الوجوه المجهولة العابرة في الخلفية. اللبنانيون العاديون الذين مرّوا أمام الكاميرا من دون أن يعرفوا أن أحدًا، بعد عقود، سيتوقف عند ملامحهم كما لو أنه يحدّق في كائنات من كوكب آخر.
رحتُ أتأملهم بإمعان، محاوِلة اكتشاف الفروقات بيننا وبينهم. هل كانوا ينامون بطمأنينة أكبر؟ هل كانوا يضحكون من دون ذلك التوتر الخفي في أكتافهم؟ هل كانوا يحبّون ويؤسسون المشاريع ويخططون لأيامهم من دون ذلك الإحساس الدائم بأن الأرض قد تنشقّ فجأة تحت أقدامهم؟
بمعنى آخر: كيف تعاش الحياة حين لا يكون الرعب خلفية ثابتة لكل شيء، مثلما هي حالنا؟ ماذا يحدث لشعب يعيش عقودًا كاملة وجهازه العصبي في حالة طوارئ دائمة؟ ماذا يحدث له حين يصبح القلق جزءًا من الكيمياء اليومية للجسد؟ حين يتحول "الليكزوتانيل" إلى ما يشبه الخبز والحليب؟
أقول "شعب"، لكن الحقيقة المؤلمة أننا لم نصبح شعبًا. ليس بعد. نحن أفراد يعيشون معًا داخل مساحة اسمها لبنان، مثل غرباء يتشاركون شقة متداعية، لا وطنًا. لكن ربما لطالما كنّا هكذا، مع مهارة أكبر في التمويه. ربما الحروب المتلاحقة لم تغيّرنا، بل فقط نزعت عنا الأقنعة. ربما انهيار الدولة لم يصنع هشاشتنا، بل هو فضحها فحسب.
لهذا السبب أربكني كلام منال إلى هذا الحد. لأن السؤال الحقيقي ليس: من كنّا سنصبح لو وُلدنا في هلسنكي؟
السؤال الأكثر رعبًا هو الآتي: لو استيقظنا غدًا داخل بيروت عادية، هادئة، مستقرة...
هل سنعرف أصلًا كيف نعيش فيها معاً؟

311 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners