
Sign up to save your podcasts
Or


ثمّة كذبة كبيرة تُكرَّر على مسامعنا منذ الطفولة، حتى بتنا مقتنعين بها كما لو أنّها حقيقة علمية مطلقة: الإنسان كائن اجتماعي. تقال بثقة، وتُبنى عليها أنظمة تربوية، وأخلاقية، وعائلية، ومهنية كاملة. كأنّ الإنسان الذي لا يختلط كثيراً بالآخرين مشروعُ عطبٍ مؤجّل. كأنّ الوحدة خلل ينبغي إصلاحه، لا مساحة ينبغي حمايتها.
لكن ماذا لو كانت الحقيقة أكثر تعقيداً؟ ماذا لو كان الإنسان، في جوهره العميق، كائناً يحتاج إلى العزلة بقدر حاجته إلى الهواء؟ بل ربما أكثر؟
أكتشف يوماً بعد يوم أنّ الرفقة ليست دائماً خلاصاً. أحياناً تكون استنزافاً منظّماً. ضجيجاً متواصلاً. احتلالاً ماكراً للمساحة الداخلية. خصوصاً حين تكون مفروضة: عائلة لا تختارها، زملاء عمل تبتلع ساعاتك معهم، مناسبات اجتماعية تؤدّي فيها دور النسخة المقبولة منك، أحاديث فارغة تُعاد بلا نهاية، ورسائل ومكالمات وإشعارات تجعل الإنسان متاحاً طوال الوقت، كأنّ خصوصيته جريمة.
نعيش في عالم يعامل الوحدة كعقوبة أو مرض. الطفل الذي يلعب وحده يُقلق. المرأة التي تسافر وحدها تُخيف. الرجل الذي لا يحبّ السهرات الجماعية يُشتبه به. حتى الجلوس وحيداً أو وحيدة في مطعم ما يزال، في مجتمعاتنا، فعلاً يحتاج إلى شيء من الشجاعة. لماذا؟ ربما لأنّ البشر، في العمق، يخافون مواجهة أنفسهم. لذلك يركضون نحو الآخرين كما يركض المذعور نحو أي نقطة ضوء أثناء انقطاع الكهرباء.
لا أقول إنّ العلاقات الإنسانية بلا قيمة. الحبّ، الصداقة، التضامن، كلّها أمور قادرة على إنقاذنا أحياناً من الانهيار الكامل. لكن المشكلة أنّنا حوّلنا الاختلاط بالآخرين إلى واجب أخلاقي دائم، وإلى معيار للصحة النفسية والنجاح الاجتماعي. بينما الحقيقة أنّ كثيراً من العلاقات ليست سوى أشكال متبادلة من التحمّل. كثير من الأحاديث ليست سوى اغتيال للصمت. وكثير من الرفقة ليست سوى خوف متبادل من الوحدة.
أما الوحدة نفسها، فقد تعرّضت لأسوأ حملة تشويه في التاريخ البشري. صُوّرت كأنّها فراغ، بينما هي، بالنسبة إلى البعض في الأقل، وأعترف أني منهم، الامتلاء الوحيد الممكن. أن تقرأ بلا مقاطعة. أن تسمع أفكارك وهي تتشكّل ببطء. أن تمشي لساعات من دون أن تضطرّ إلى الكلام. أن تفعل ما تريد، في الوقت الذي تريد، من دون تفاوض أو مساومات. أن تكتب، وترقص، وتشاهد فيلماً، وتسافر، وتبكي، وتضحك، وتفكّر، بلا شاهد دائم على وجودك.
بل ربما أكثر من ذلك: الوحدة هي المساحة الأخيرة المتبقية لحريتنا. ففي العزلة فقط، تسقط الأقنعة. لا تعود مضطراً لأن تكون محبوباً، أو لبقاً، أو متفهّماً، أو مسلياً. تصبح نفسك، فقط. وهذا، في عالم قائم على الأداء الدائم، رفاهية تكاد تكون ثورية.
ربما لهذا السبب تحديداً يخاف المجتمع من الأشخاص القادرين على البقاء وحدهم. لأنّ الإنسان الذي لا يخشى وحدته يصعب ابتزازه. لا يحتاج إلى التصفيق المستمر، ولا إلى الانتماء القسري، ولا إلى الضجيج، كي يشعر أنّه موجود.
لا، الوحدة ليست نقيض الحياة. أحياناً هي الشكل الأكثر نقاءً لها.
By مونت كارلو الدولية / MCDثمّة كذبة كبيرة تُكرَّر على مسامعنا منذ الطفولة، حتى بتنا مقتنعين بها كما لو أنّها حقيقة علمية مطلقة: الإنسان كائن اجتماعي. تقال بثقة، وتُبنى عليها أنظمة تربوية، وأخلاقية، وعائلية، ومهنية كاملة. كأنّ الإنسان الذي لا يختلط كثيراً بالآخرين مشروعُ عطبٍ مؤجّل. كأنّ الوحدة خلل ينبغي إصلاحه، لا مساحة ينبغي حمايتها.
لكن ماذا لو كانت الحقيقة أكثر تعقيداً؟ ماذا لو كان الإنسان، في جوهره العميق، كائناً يحتاج إلى العزلة بقدر حاجته إلى الهواء؟ بل ربما أكثر؟
أكتشف يوماً بعد يوم أنّ الرفقة ليست دائماً خلاصاً. أحياناً تكون استنزافاً منظّماً. ضجيجاً متواصلاً. احتلالاً ماكراً للمساحة الداخلية. خصوصاً حين تكون مفروضة: عائلة لا تختارها، زملاء عمل تبتلع ساعاتك معهم، مناسبات اجتماعية تؤدّي فيها دور النسخة المقبولة منك، أحاديث فارغة تُعاد بلا نهاية، ورسائل ومكالمات وإشعارات تجعل الإنسان متاحاً طوال الوقت، كأنّ خصوصيته جريمة.
نعيش في عالم يعامل الوحدة كعقوبة أو مرض. الطفل الذي يلعب وحده يُقلق. المرأة التي تسافر وحدها تُخيف. الرجل الذي لا يحبّ السهرات الجماعية يُشتبه به. حتى الجلوس وحيداً أو وحيدة في مطعم ما يزال، في مجتمعاتنا، فعلاً يحتاج إلى شيء من الشجاعة. لماذا؟ ربما لأنّ البشر، في العمق، يخافون مواجهة أنفسهم. لذلك يركضون نحو الآخرين كما يركض المذعور نحو أي نقطة ضوء أثناء انقطاع الكهرباء.
لا أقول إنّ العلاقات الإنسانية بلا قيمة. الحبّ، الصداقة، التضامن، كلّها أمور قادرة على إنقاذنا أحياناً من الانهيار الكامل. لكن المشكلة أنّنا حوّلنا الاختلاط بالآخرين إلى واجب أخلاقي دائم، وإلى معيار للصحة النفسية والنجاح الاجتماعي. بينما الحقيقة أنّ كثيراً من العلاقات ليست سوى أشكال متبادلة من التحمّل. كثير من الأحاديث ليست سوى اغتيال للصمت. وكثير من الرفقة ليست سوى خوف متبادل من الوحدة.
أما الوحدة نفسها، فقد تعرّضت لأسوأ حملة تشويه في التاريخ البشري. صُوّرت كأنّها فراغ، بينما هي، بالنسبة إلى البعض في الأقل، وأعترف أني منهم، الامتلاء الوحيد الممكن. أن تقرأ بلا مقاطعة. أن تسمع أفكارك وهي تتشكّل ببطء. أن تمشي لساعات من دون أن تضطرّ إلى الكلام. أن تفعل ما تريد، في الوقت الذي تريد، من دون تفاوض أو مساومات. أن تكتب، وترقص، وتشاهد فيلماً، وتسافر، وتبكي، وتضحك، وتفكّر، بلا شاهد دائم على وجودك.
بل ربما أكثر من ذلك: الوحدة هي المساحة الأخيرة المتبقية لحريتنا. ففي العزلة فقط، تسقط الأقنعة. لا تعود مضطراً لأن تكون محبوباً، أو لبقاً، أو متفهّماً، أو مسلياً. تصبح نفسك، فقط. وهذا، في عالم قائم على الأداء الدائم، رفاهية تكاد تكون ثورية.
ربما لهذا السبب تحديداً يخاف المجتمع من الأشخاص القادرين على البقاء وحدهم. لأنّ الإنسان الذي لا يخشى وحدته يصعب ابتزازه. لا يحتاج إلى التصفيق المستمر، ولا إلى الانتماء القسري، ولا إلى الضجيج، كي يشعر أنّه موجود.
لا، الوحدة ليست نقيض الحياة. أحياناً هي الشكل الأكثر نقاءً لها.

314 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

9 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners