مدونة اليوم

الوصاية في الرأس


Listen Later

حين يسقط نظامٌ مثل النظام البعثي السوري، الذي ذقنا منه، نحن اللبنانيين، الأمرين على مر عقود، لا بد من طرح السؤال الآتي: هل انتهى النظام فقط، أم انتهت الوصاية السورية علينا بكل أشكالها؟

كثيرون في لبنان يتعاملون مع التحوّلات السورية الأخيرة كأنها إعلان تلقائي عن نهاية زمن الوصاية. لكن الوصاية ليست دبابة تعبر الحدود، ولا ضابط مخابرات يجلس في عنجر. الوصاية، قبل أي شيء، هي حالة ذهنية. هي استعداد شعب ونخبته السياسية للبحث الدائم عن مركز قرار خارج حدوده، وعن "أخ أكبر" يحلّ خلافاته ويمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.

لهذا السبب، لم تكن المشكلة يومًا في سوريا وحدها. كانت أيضًا في لبنان. في الثقافة المجتمعية والطائفية، وفي طبقته السياسية التي أدمنت الاستقواء بالخارج، مرة بدمشق، ومرة بطهران، ومرة بعواصم أخرى، حتى صار اللبناني يشعر أن مصير بلده يُكتب دائمًا بلغةٍ أجنبية، فيما يكتفي هو بترجمة النتائج.

اللافت أن معظم النقاش الدائر اليوم لا يزال أسير السؤال الخطأ: هل ستعود الوصاية السورية؟ بينما السؤال الأهم هو: هل تخلّص لبنان أصلًا من قابلية الخضوع لأي وصاية؟

فالنفوذ الخارجي لا يدخل عادةً من الحدود، بل من الشروخ الداخلية لدولة هشة وضعيفة، ومؤسسات فاشلة، وأحزاب ترى في علاقتها بدول أخرى مصدرًا لشرعيتها أكثر مما تراه في علاقتها باللبنانيين، وبالدولة اللبنانية نفسها. 

وهنا تكمن المفارقة. قد يتبدّل النظام في سوريا، وتتغيّر التحالفات في المنطقة، لكن إذا بقيت الذهنية السياسية اللبنانية نفسها، فإن الأسماء فقط هي التي ستتغيّر. سيذهب وصي ويأتي آخر. وستبقى الدولة غائبة، لأن الجميع اعتادوا أن يعيشوا من دونها.

الأمر لا يتعلق فقط بالسياسة، بل بعلاقة المجتمع نفسه بالسلطة. لقد نشأت أجيال كاملة على فكرة أن الزعيم أقوى من الدولة، والطائفة أكثر أمانًا من المواطنة، والحليف الخارجي أكثر فاعلية من المؤسسات. هذه ليست مجرد خيارات سياسية، بل ثقافة كاملة أنتجت مواطنًا يثق بالراعي أكثر مما يثق بالقانون.

لهذا، فإن أي علاقة جديدة بين لبنان وسوريا يجب ألا تُبنى على العواطف، لا على عقدة الأخوّة ولا على عقدة العداء. الدول لا تتعامل بالحنين ولا بالانتقام، بل بمفهوم الدولة، وبالسيادة الواضحة، والاستقلال الواضح، والمصالح الواضحة والحدود الواضحة والاحترام المتبادل.

قد تكون سوريا الجديدة فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين. لكن الفرصة الحقيقية ليست هناك. إنها هنا، في لبنان.

لأن السيادة ليست أن ينسحب الآخر من أرضك. السيادة هي أن يتوقف حضوره في رأسك.

...more
View all episodesView all episodes
Download on the App Store

مدونة اليومBy مونت كارلو الدولية / MCD


More shows like مدونة اليوم

View all
Learning English Grammar by BBC Radio

Learning English Grammar

318 Listeners

سهرة خليجية by مونت كارلو الدولية / MCD

سهرة خليجية

1 Listeners

صحتكم تهمنا by مونت كارلو الدولية / MCD

صحتكم تهمنا

1 Listeners

الصحة المستدامة by مونت كارلو الدولية / MCD

الصحة المستدامة

5 Listeners

طرب by مونت كارلو الدولية / MCD

طرب

1 Listeners

حكاية نغم by مونت كارلو الدولية / MCD

حكاية نغم

1 Listeners

أصوات المدينة by مونت كارلو الدولية / MCD

أصوات المدينة

0 Listeners

هوى الأيام by مونت كارلو الدولية / MCD

هوى الأيام

0 Listeners

مدونة اليوم by مونت كارلو الدولية / MCD

مدونة اليوم

0 Listeners

نافذة على العالم by مونت كارلو الدولية / MCD

نافذة على العالم

1 Listeners

ثقافات by مونت كارلو الدولية / MCD

ثقافات

0 Listeners

ساعة موسيقى by مونت كارلو الدولية / MCD

ساعة موسيقى

2 Listeners

يوميات مسافرة by مونت كارلو الدولية / MCD

يوميات مسافرة

0 Listeners

تعلموا الفرنسية مع مسلسل Les voisins du 12 bis by مونت كارلو الدولية / MCD

تعلموا الفرنسية مع مسلسل Les voisins du 12 bis

4 Listeners

 by مونت كارلو الدولية / MCD

1 Listeners

قراءة في الصحافة العالمية by فرانس 24 / FRANCE 24

قراءة في الصحافة العالمية

2 Listeners

قرأنا لكم by مونت كارلو الدولية / MCD

قرأنا لكم

0 Listeners

ريبورتاج by مونت كارلو الدولية / MCD

ريبورتاج

0 Listeners

ريبورتاج ثقافي by مونت كارلو الدولية / MCD

ريبورتاج ثقافي

0 Listeners

يستحق الانتباه by BBC Arabic Radio

يستحق الانتباه

9 Listeners

النشرة الرقمية by مونت كارلو الدولية / MCD

النشرة الرقمية

1 Listeners

من قاعات التحرير by مونت كارلو الدولية / MCD

من قاعات التحرير

1 Listeners

 by مونت كارلو الدولية / MCD

0 Listeners