
Sign up to save your podcasts
Or


حين يسقط نظامٌ مثل النظام البعثي السوري، الذي ذقنا منه، نحن اللبنانيين، الأمرين على مر عقود، لا بد من طرح السؤال الآتي: هل انتهى النظام فقط، أم انتهت الوصاية السورية علينا بكل أشكالها؟
كثيرون في لبنان يتعاملون مع التحوّلات السورية الأخيرة كأنها إعلان تلقائي عن نهاية زمن الوصاية. لكن الوصاية ليست دبابة تعبر الحدود، ولا ضابط مخابرات يجلس في عنجر. الوصاية، قبل أي شيء، هي حالة ذهنية. هي استعداد شعب ونخبته السياسية للبحث الدائم عن مركز قرار خارج حدوده، وعن "أخ أكبر" يحلّ خلافاته ويمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.
لهذا السبب، لم تكن المشكلة يومًا في سوريا وحدها. كانت أيضًا في لبنان. في الثقافة المجتمعية والطائفية، وفي طبقته السياسية التي أدمنت الاستقواء بالخارج، مرة بدمشق، ومرة بطهران، ومرة بعواصم أخرى، حتى صار اللبناني يشعر أن مصير بلده يُكتب دائمًا بلغةٍ أجنبية، فيما يكتفي هو بترجمة النتائج.
اللافت أن معظم النقاش الدائر اليوم لا يزال أسير السؤال الخطأ: هل ستعود الوصاية السورية؟ بينما السؤال الأهم هو: هل تخلّص لبنان أصلًا من قابلية الخضوع لأي وصاية؟
فالنفوذ الخارجي لا يدخل عادةً من الحدود، بل من الشروخ الداخلية لدولة هشة وضعيفة، ومؤسسات فاشلة، وأحزاب ترى في علاقتها بدول أخرى مصدرًا لشرعيتها أكثر مما تراه في علاقتها باللبنانيين، وبالدولة اللبنانية نفسها.
وهنا تكمن المفارقة. قد يتبدّل النظام في سوريا، وتتغيّر التحالفات في المنطقة، لكن إذا بقيت الذهنية السياسية اللبنانية نفسها، فإن الأسماء فقط هي التي ستتغيّر. سيذهب وصي ويأتي آخر. وستبقى الدولة غائبة، لأن الجميع اعتادوا أن يعيشوا من دونها.
الأمر لا يتعلق فقط بالسياسة، بل بعلاقة المجتمع نفسه بالسلطة. لقد نشأت أجيال كاملة على فكرة أن الزعيم أقوى من الدولة، والطائفة أكثر أمانًا من المواطنة، والحليف الخارجي أكثر فاعلية من المؤسسات. هذه ليست مجرد خيارات سياسية، بل ثقافة كاملة أنتجت مواطنًا يثق بالراعي أكثر مما يثق بالقانون.
لهذا، فإن أي علاقة جديدة بين لبنان وسوريا يجب ألا تُبنى على العواطف، لا على عقدة الأخوّة ولا على عقدة العداء. الدول لا تتعامل بالحنين ولا بالانتقام، بل بمفهوم الدولة، وبالسيادة الواضحة، والاستقلال الواضح، والمصالح الواضحة والحدود الواضحة والاحترام المتبادل.
قد تكون سوريا الجديدة فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين. لكن الفرصة الحقيقية ليست هناك. إنها هنا، في لبنان.
لأن السيادة ليست أن ينسحب الآخر من أرضك. السيادة هي أن يتوقف حضوره في رأسك.
By مونت كارلو الدولية / MCDحين يسقط نظامٌ مثل النظام البعثي السوري، الذي ذقنا منه، نحن اللبنانيين، الأمرين على مر عقود، لا بد من طرح السؤال الآتي: هل انتهى النظام فقط، أم انتهت الوصاية السورية علينا بكل أشكالها؟
كثيرون في لبنان يتعاملون مع التحوّلات السورية الأخيرة كأنها إعلان تلقائي عن نهاية زمن الوصاية. لكن الوصاية ليست دبابة تعبر الحدود، ولا ضابط مخابرات يجلس في عنجر. الوصاية، قبل أي شيء، هي حالة ذهنية. هي استعداد شعب ونخبته السياسية للبحث الدائم عن مركز قرار خارج حدوده، وعن "أخ أكبر" يحلّ خلافاته ويمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.
لهذا السبب، لم تكن المشكلة يومًا في سوريا وحدها. كانت أيضًا في لبنان. في الثقافة المجتمعية والطائفية، وفي طبقته السياسية التي أدمنت الاستقواء بالخارج، مرة بدمشق، ومرة بطهران، ومرة بعواصم أخرى، حتى صار اللبناني يشعر أن مصير بلده يُكتب دائمًا بلغةٍ أجنبية، فيما يكتفي هو بترجمة النتائج.
اللافت أن معظم النقاش الدائر اليوم لا يزال أسير السؤال الخطأ: هل ستعود الوصاية السورية؟ بينما السؤال الأهم هو: هل تخلّص لبنان أصلًا من قابلية الخضوع لأي وصاية؟
فالنفوذ الخارجي لا يدخل عادةً من الحدود، بل من الشروخ الداخلية لدولة هشة وضعيفة، ومؤسسات فاشلة، وأحزاب ترى في علاقتها بدول أخرى مصدرًا لشرعيتها أكثر مما تراه في علاقتها باللبنانيين، وبالدولة اللبنانية نفسها.
وهنا تكمن المفارقة. قد يتبدّل النظام في سوريا، وتتغيّر التحالفات في المنطقة، لكن إذا بقيت الذهنية السياسية اللبنانية نفسها، فإن الأسماء فقط هي التي ستتغيّر. سيذهب وصي ويأتي آخر. وستبقى الدولة غائبة، لأن الجميع اعتادوا أن يعيشوا من دونها.
الأمر لا يتعلق فقط بالسياسة، بل بعلاقة المجتمع نفسه بالسلطة. لقد نشأت أجيال كاملة على فكرة أن الزعيم أقوى من الدولة، والطائفة أكثر أمانًا من المواطنة، والحليف الخارجي أكثر فاعلية من المؤسسات. هذه ليست مجرد خيارات سياسية، بل ثقافة كاملة أنتجت مواطنًا يثق بالراعي أكثر مما يثق بالقانون.
لهذا، فإن أي علاقة جديدة بين لبنان وسوريا يجب ألا تُبنى على العواطف، لا على عقدة الأخوّة ولا على عقدة العداء. الدول لا تتعامل بالحنين ولا بالانتقام، بل بمفهوم الدولة، وبالسيادة الواضحة، والاستقلال الواضح، والمصالح الواضحة والحدود الواضحة والاحترام المتبادل.
قد تكون سوريا الجديدة فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين. لكن الفرصة الحقيقية ليست هناك. إنها هنا، في لبنان.
لأن السيادة ليست أن ينسحب الآخر من أرضك. السيادة هي أن يتوقف حضوره في رأسك.

318 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

9 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners