
Sign up to save your podcasts
Or


في زمن ما قبل الكاميرا في جيب كل مواطن، كان الحكم على الناس محتاج شوية مجهود: تسمع، وتسأل، وتفهم، ويمكن كمان تشك في اللي سمعته وتحتاج شهود. دلوقتي؟ ولا حاجة من كل ده بقت ضرورية. فيديو مدته ١٥ ثانية كفيل إنه يخلي أي حد فينا يتحول في لحظة إلى قاضي، ووكيل نيابة، وظابط وجلاد. كل ده وهو قاعد على الكنبة، ماسك موبايله بإيد، وكوباية شاي بلبن في الإيد التانية.
القصة الأخيرة بتاعة “أكياس الماية في صلاة العيد” كانت نموذج دراسي كامل للموضوع ده.
المشهد الأول: شباب واقفين في بلكونة عالية بيرموا أكياس ماية على مصلين لسه مخلصين صلاة. شيء مش منطقي ومش مفهوم. أي محاولة لتبريره أو فهم دوافعه هتقولنا إنه موقف جنوني في وقته ومكانه. وفي ثواني كان الحكم أصدر من الجماهير العريضة على السوشيال ميديا بعد نشر فيديو لكيس ماية وهو بيصيب راس ست كبيرة من المصليين، وأحد الشباب في البلكونة العالية وهو بيعمل إشارات قبيحة للناس المعترضة تحت.
الغضب كان فوري، والحكم كان جاهز: ”لازم يتقبض عليهم فورا عشان يتربوا ويتقبض كمان على أهاليهم اللي ما ربوهومش“ مع الكثير والكثير من الإحالة إلى رابط صفحة وزارة الداخلية على الفيس بوك.
أزيدك من الشعر بيت، لغرابة المكان والزمان والفعل، بدأ ناس مدفوعين بمناخ الزينوفوبيا والاحتقان الطائفي يجزموا إن دول أكيد مش مصريين، أو أكيد دول مش مسلمين. متناسيين إن أي أقلية أو جالية هيتجرأ فرد من أفرادها ويعمل كده فده كإنه هو ومجتمعه كله بيقوموا بفعل انتحار جماعي.
المهم إن الإحالات سمعت، والداخلية قبضت على أب وإبنيه، وخلاص الكل قلبه ارتاح وعاد إلى طبق الكحك والبسكوت بعد انتصاره في معركة الوعي والتربية من وجهة نظره.
وبعدين، زي ما بيحصل دايما، ظهرت زاوية تانية. فيديو أطول، أو أوضح، مع تفسير من ابن تاني من أبناء العائلة، بيحكي فيه الحقيقة من وجهة نظره ونظر عيلته.
الأول مفاجأة صاعقة: الشباب و البنات اللي في البلكونة العالية كانوا بيرموا عيديات وبالونات على المصليين. ثم زاوية تصوير جديدة بتبين إن الناس اللي في الشارع طلعوا على عربيتهم المركونة تحت البيت وكسروها، وإن فيه شتيمة وإيحاءات اتقالت للبنات اللي في البلكونة من بعض الشباب اللي كانوا تحت، وإن اللي حصل بعد كده كان رد فعل، مش بداية الهجوم.
فجأة، نفس الناس اللي كانت بتطالب بالعقاب، بدأت تقول: ” طب ثواني بأه، لأ احنا كده ما كناش فاهمين الموضوع. شكلنا اتسرعنا بأه والا إيه؟!“
المشكلة هنا مش في مين غلطان ومين صح. المشكلة في إننا بقينا مستعدين نكون رأي، ونطالب بعقوبة، ونحرض بناءا على نص الحقيقة. ونص الحقيقة، بالمناسبة، مش “نص عدل”. نص الحقيقة ممكن يكون ”ظلم كامل“.
إحنا بنكتشف مع بعض اننا بقينا نسخة شعبية، عشوائية، وغير منظمة من “جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. بس الفرق إن الجماعة دي زمان كان ليها –على الأقل نظريًا– قواعد، وتسلسل. دلوقتي؟ كل واحد فينا بقى عضو عامل وكارنيهه هو موبايله أبو كاميرا مستعدة في أي وقت إنها تصور جانب من الحقيقة وتشحن مجتمع بل وجهات رسمية بناءا على زاوية تصوير.
اللي بيحصل ده مش بس ظالم، ده مرعب. لأنه ببساطة، بكرة ممكن أي حد فينا يكون بطل الفيديو اللي بيتصور من زاوية معينة، وبيتحط في سياق معين. وفجأة، تلاقي نفسك متهم، ومطلوب القبض عليك.
ربنا يتولانا والله، في زمان بقى كل واحد فيه شايل في جيبه شاهد وقاضي ووكيل نيابة وجلاد.
By مونت كارلو الدولية / MCD
في زمن ما قبل الكاميرا في جيب كل مواطن، كان الحكم على الناس محتاج شوية مجهود: تسمع، وتسأل، وتفهم، ويمكن كمان تشك في اللي سمعته وتحتاج شهود. دلوقتي؟ ولا حاجة من كل ده بقت ضرورية. فيديو مدته ١٥ ثانية كفيل إنه يخلي أي حد فينا يتحول في لحظة إلى قاضي، ووكيل نيابة، وظابط وجلاد. كل ده وهو قاعد على الكنبة، ماسك موبايله بإيد، وكوباية شاي بلبن في الإيد التانية.
القصة الأخيرة بتاعة “أكياس الماية في صلاة العيد” كانت نموذج دراسي كامل للموضوع ده.
المشهد الأول: شباب واقفين في بلكونة عالية بيرموا أكياس ماية على مصلين لسه مخلصين صلاة. شيء مش منطقي ومش مفهوم. أي محاولة لتبريره أو فهم دوافعه هتقولنا إنه موقف جنوني في وقته ومكانه. وفي ثواني كان الحكم أصدر من الجماهير العريضة على السوشيال ميديا بعد نشر فيديو لكيس ماية وهو بيصيب راس ست كبيرة من المصليين، وأحد الشباب في البلكونة العالية وهو بيعمل إشارات قبيحة للناس المعترضة تحت.
الغضب كان فوري، والحكم كان جاهز: ”لازم يتقبض عليهم فورا عشان يتربوا ويتقبض كمان على أهاليهم اللي ما ربوهومش“ مع الكثير والكثير من الإحالة إلى رابط صفحة وزارة الداخلية على الفيس بوك.
أزيدك من الشعر بيت، لغرابة المكان والزمان والفعل، بدأ ناس مدفوعين بمناخ الزينوفوبيا والاحتقان الطائفي يجزموا إن دول أكيد مش مصريين، أو أكيد دول مش مسلمين. متناسيين إن أي أقلية أو جالية هيتجرأ فرد من أفرادها ويعمل كده فده كإنه هو ومجتمعه كله بيقوموا بفعل انتحار جماعي.
المهم إن الإحالات سمعت، والداخلية قبضت على أب وإبنيه، وخلاص الكل قلبه ارتاح وعاد إلى طبق الكحك والبسكوت بعد انتصاره في معركة الوعي والتربية من وجهة نظره.
وبعدين، زي ما بيحصل دايما، ظهرت زاوية تانية. فيديو أطول، أو أوضح، مع تفسير من ابن تاني من أبناء العائلة، بيحكي فيه الحقيقة من وجهة نظره ونظر عيلته.
الأول مفاجأة صاعقة: الشباب و البنات اللي في البلكونة العالية كانوا بيرموا عيديات وبالونات على المصليين. ثم زاوية تصوير جديدة بتبين إن الناس اللي في الشارع طلعوا على عربيتهم المركونة تحت البيت وكسروها، وإن فيه شتيمة وإيحاءات اتقالت للبنات اللي في البلكونة من بعض الشباب اللي كانوا تحت، وإن اللي حصل بعد كده كان رد فعل، مش بداية الهجوم.
فجأة، نفس الناس اللي كانت بتطالب بالعقاب، بدأت تقول: ” طب ثواني بأه، لأ احنا كده ما كناش فاهمين الموضوع. شكلنا اتسرعنا بأه والا إيه؟!“
المشكلة هنا مش في مين غلطان ومين صح. المشكلة في إننا بقينا مستعدين نكون رأي، ونطالب بعقوبة، ونحرض بناءا على نص الحقيقة. ونص الحقيقة، بالمناسبة، مش “نص عدل”. نص الحقيقة ممكن يكون ”ظلم كامل“.
إحنا بنكتشف مع بعض اننا بقينا نسخة شعبية، عشوائية، وغير منظمة من “جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. بس الفرق إن الجماعة دي زمان كان ليها –على الأقل نظريًا– قواعد، وتسلسل. دلوقتي؟ كل واحد فينا بقى عضو عامل وكارنيهه هو موبايله أبو كاميرا مستعدة في أي وقت إنها تصور جانب من الحقيقة وتشحن مجتمع بل وجهات رسمية بناءا على زاوية تصوير.
اللي بيحصل ده مش بس ظالم، ده مرعب. لأنه ببساطة، بكرة ممكن أي حد فينا يكون بطل الفيديو اللي بيتصور من زاوية معينة، وبيتحط في سياق معين. وفجأة، تلاقي نفسك متهم، ومطلوب القبض عليك.
ربنا يتولانا والله، في زمان بقى كل واحد فيه شايل في جيبه شاهد وقاضي ووكيل نيابة وجلاد.

308 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners