
Sign up to save your podcasts
Or


قرأتُ أخيرا عبارة للكاتب صموئيل جونسون تقول: "من يحوِّل نفسه إلى وحش يتخلّص من ألم كونه إنسانًا". جملة قاسية، نعم. لكنها، في مكان ما، صادقة إلى حدّ الإزعاج.
فالإنسان يتعب من إنسانيته. من هشاشتها، من شكوكها، من ذلك الارتباك الدائم الذي يرافق كل قرار وكل منعطف. أن تكون إنسانًا يعني أن تشعر أكثر مما ينبغي، أن تتذكّر أكثر مما يحتمل القلب، وأن تفكّر حتى في اللحظات التي تتوسّل فيها إلى رأسك أن يصمت. الإنسانية ليست هدية سهلة. إنها عبء الوعي.
لهذا، يلجأ كثيرون إلى القسوة كما لو كانت خلاصًا. يتدرّبون على التبلّد، على اللامبالاة، على خفض سقف التعاطف حتى لا ينكسروا مع كل ألم يمرّ بالقرب منهم. شيئًا فشيئًا، يتخلّون عن رهافة الإحساس، عن الشفقة، عن القدرة على الارتجاف أمام دمعة أو خسارة أو خيبة. يختارون أن يصبحوا أقلّ عرضةً للطعن. يختارون، بوعي أو بدونه، أن "يتوحّشوا".
لكن ما الذي يحدث فعلًا حين نفعل ذلك؟ هل نتخلّص حقًا من الألم، أم أننا فقط نغيّر شكله؟
الوحش لا يشعر بالذنب، صحيح. لا يتردّد، لا يعيد النظر، لا يجلد نفسه على خطأ أو قسوة أو خيانة. لكن الوحش أيضًا لا يختبر المعنى. لا يعرف ذلك الامتلاء الغامض الذي يمنحه الحب، ولا تلك الرعشة التي تسبق الغفران، ولا ذلك الثقل الجميل الذي يتركه الانتماء في الروح. الوحش ينجو من الألم، لكنه "ينجو" كذلك من الحياة.
أن تكون إنسانًا يعني أن تكون مكشوفًا. أن تمشي بلا درع. أن تدرك أنك قابل للكسر في أي لحظة، وأن تمضي رغم ذلك. أن تعرف أن الآخرين قد يخذلونك، وأن قلبك قد يتعب، وأن العالم ليس عادلًا، ومع ذلك تظلّ مصرًّا على أن تحب، أن تثق، أن تمدّ يدك بدل أن تغرز أظافرك.
التحوّل إلى وحش ليس دائمًا خيارًا واعيًا. أحيانًا هو ردّ فعل. دفاع. محاولة للبقاء. حين تتكرّر الخيبات، حين تتراكم الخسارات، حين يصبح الألم رفيقًا يوميًا، يبدأ الإنسان بالتنازل: تعاطف أقل، قسوة أكثر، والكثير من الصمت بدل البوح. هكذا، دون أن ينتبه، يبتعد عن نفسه الأولى.
لكن الألم الذي نحاول الهرب منه هو نفسه ما يذكّرنا بأننا أحياء. القدرة على المعاناة ليست ضعفًا، بل دليل حضور، دليل شجاعة، وأكاد أقول: دليل قوة. الوحش لا يتألّم. أما الإنسان فيتألّم لأنه يرى، ويتأثّر، ويتورّط في العالم.
أن تبقى إنسانًا، إذن، يحتّم أن تقبل الألم وتحتضنه دون أن تدعه يشوّهك. أن تتأذّى، لكن لا تتوحّش. أن تنكسر، لكن لا تتحجّر. أن تتعلّم كيف تحمل جرحك دون أن ترفعه في وجه الآخرين كسلاح.
الوحش يتخلّص من ألم كونه إنسانًا، نعم. لكنه يتخلّص، في الوقت نفسه، من جمال الرحمة، ومن رفاهية المعنى، ومن نعمة أن يكون قلبه حيًّا، حتى وهو ينزف.
By مونت كارلو الدولية / MCDقرأتُ أخيرا عبارة للكاتب صموئيل جونسون تقول: "من يحوِّل نفسه إلى وحش يتخلّص من ألم كونه إنسانًا". جملة قاسية، نعم. لكنها، في مكان ما، صادقة إلى حدّ الإزعاج.
فالإنسان يتعب من إنسانيته. من هشاشتها، من شكوكها، من ذلك الارتباك الدائم الذي يرافق كل قرار وكل منعطف. أن تكون إنسانًا يعني أن تشعر أكثر مما ينبغي، أن تتذكّر أكثر مما يحتمل القلب، وأن تفكّر حتى في اللحظات التي تتوسّل فيها إلى رأسك أن يصمت. الإنسانية ليست هدية سهلة. إنها عبء الوعي.
لهذا، يلجأ كثيرون إلى القسوة كما لو كانت خلاصًا. يتدرّبون على التبلّد، على اللامبالاة، على خفض سقف التعاطف حتى لا ينكسروا مع كل ألم يمرّ بالقرب منهم. شيئًا فشيئًا، يتخلّون عن رهافة الإحساس، عن الشفقة، عن القدرة على الارتجاف أمام دمعة أو خسارة أو خيبة. يختارون أن يصبحوا أقلّ عرضةً للطعن. يختارون، بوعي أو بدونه، أن "يتوحّشوا".
لكن ما الذي يحدث فعلًا حين نفعل ذلك؟ هل نتخلّص حقًا من الألم، أم أننا فقط نغيّر شكله؟
الوحش لا يشعر بالذنب، صحيح. لا يتردّد، لا يعيد النظر، لا يجلد نفسه على خطأ أو قسوة أو خيانة. لكن الوحش أيضًا لا يختبر المعنى. لا يعرف ذلك الامتلاء الغامض الذي يمنحه الحب، ولا تلك الرعشة التي تسبق الغفران، ولا ذلك الثقل الجميل الذي يتركه الانتماء في الروح. الوحش ينجو من الألم، لكنه "ينجو" كذلك من الحياة.
أن تكون إنسانًا يعني أن تكون مكشوفًا. أن تمشي بلا درع. أن تدرك أنك قابل للكسر في أي لحظة، وأن تمضي رغم ذلك. أن تعرف أن الآخرين قد يخذلونك، وأن قلبك قد يتعب، وأن العالم ليس عادلًا، ومع ذلك تظلّ مصرًّا على أن تحب، أن تثق، أن تمدّ يدك بدل أن تغرز أظافرك.
التحوّل إلى وحش ليس دائمًا خيارًا واعيًا. أحيانًا هو ردّ فعل. دفاع. محاولة للبقاء. حين تتكرّر الخيبات، حين تتراكم الخسارات، حين يصبح الألم رفيقًا يوميًا، يبدأ الإنسان بالتنازل: تعاطف أقل، قسوة أكثر، والكثير من الصمت بدل البوح. هكذا، دون أن ينتبه، يبتعد عن نفسه الأولى.
لكن الألم الذي نحاول الهرب منه هو نفسه ما يذكّرنا بأننا أحياء. القدرة على المعاناة ليست ضعفًا، بل دليل حضور، دليل شجاعة، وأكاد أقول: دليل قوة. الوحش لا يتألّم. أما الإنسان فيتألّم لأنه يرى، ويتأثّر، ويتورّط في العالم.
أن تبقى إنسانًا، إذن، يحتّم أن تقبل الألم وتحتضنه دون أن تدعه يشوّهك. أن تتأذّى، لكن لا تتوحّش. أن تنكسر، لكن لا تتحجّر. أن تتعلّم كيف تحمل جرحك دون أن ترفعه في وجه الآخرين كسلاح.
الوحش يتخلّص من ألم كونه إنسانًا، نعم. لكنه يتخلّص، في الوقت نفسه، من جمال الرحمة، ومن رفاهية المعنى، ومن نعمة أن يكون قلبه حيًّا، حتى وهو ينزف.

318 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners