مدونة اليوم

جمانة حداد: بين الغثيان والرقص


Listen Later

بعد اللقاء المباشر في واشنطن بين السفيرين الى الولايات المتحدة، اللبناني والإسرائيلي، قرأتُ على منصة "إكس" ردَّي فعل لافتين. كتبت امرأة أنها شعرت بالغثيان حين رأت العلمين اللبناني والإسرائيلي جنباً إلى جنب. وكتب شاب أنه يتشوّق الى السهر في ملاهي تل أبيب الليلية.

قد يبدو التعليقان متناقضين، لكنهما في الواقع أكثر تشابهاً مما يخيل للقارئ للوهلة الأولى. فالاثنان سطحيان بالحد الأدنى، والأفدح من سطحيتهما أنهما يفضحان العطب نفسه: العجز اللبناني المزمن عن التفكير خارج ردود الفعل الجاهزة. 

التعليق الأول اختزل هاويةً سياسية وتاريخية وإنسانية كاملة في تشنج جسدي، كأن الغثيان موقف سياسي، كأن الاشمئزاز وحده يكفي ليمنح صاحبه براءة أخلاقية. أما الثاني فاختزل الأزمة كلها في توق استهلاكي ساذج، كأن العدالة تتحقق برقصة. الأول قال "لا" بلغة التابو. والثاني قال "نعم" بلغة الاستعراض. لا هذا فكّر، ولا ذاك تعمّق.

وهنا بيت القصيد: في أن هذين الموقفين المتناقضين في الظاهر متشابهان في تفاهتهما. كلاهما سريع، لا يتخطى القشور. كلاهما يهرب من المهمة الأصعب: التفكير. ماذا جرى فعلاً؟ من يفاوض من؟ تحت أي ميزان قوى؟ ما معنى الحديث عن "سلام" أو "تطبيع"، فيما القصف مستمر، والقرى مدمَّرة، والناس بين نزوح وموت وإذلال؟ بأي ثمن؟ وعلى حساب من؟

كلا الموقفين لا يريان الجثث تحت الأنقاض. لا يريان أن تحويل العداء إلى عقيدة أبدية تمنح صاحبها رخصة أخلاقية، ليس موقفاً، ولا الحديث عن التطبيع بينما العنف الإسرائيلي مستمر هو موقف. نحن في لبنان أسرى معسكرين بدائيين: معسكر يقدّس الرفض من أجل الرفض، ومعسكر يفتتن بالتطبيع من أجل التطبيع. بين هذين الابتذالين، يختنق العقل.

المأساة أن لبنان نفسه صار مصنعاً لهذا الفقر في التفكير. لقد أُنهكنا طويلاً حتى صرنا إما عاجزين عن التحليل، وإما متلهفين إلى التباهي بأننا "مختلفون". بعضنا يتشبث بالمحرمات القديمة لأن محض مساءلتها بالنسبة إليه خيانة. وبعضنا الآخر يركض إلى كسرها لأنه يخلط بين الاستفزاز والشجاعة. لكن لا أحد تقريباً يطرح السؤال الصعب الوحيد الجدير بالطرح: أي سلام نريد، وبناء على أي شروط، وفي ظل أي عدالة، وأي سيادة؟

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الصدمات، ولا إلى مزيد من الاستعراض. يحتاج إلى شيء أكثر نضجاً، وأكثر ندرة: فكر بارد، واقعي، شجاع، وغير استعراضي. يحتاج إلى جيل لا يقول أمام صورة العلمين: "تفه" أو "أين أقرب نادٍ ليلي؟" بل يسأل: ما الذي أدى إلى هذه الصورة؟ من رتّبها؟ من يستفيد منها؟ ماذا تخفي؟ وأي مستقبل يمكن أن يجعل هذا المشهد أقل إذلالاً وأكثر عدلاً لنا جميعاً؟

أين أنتَ، يا مولايَ العقل، من هذا كلّه؟ أين انت؟

...more
View all episodesView all episodes
Download on the App Store

مدونة اليومBy مونت كارلو الدولية / MCD


More shows like مدونة اليوم

View all
Learning English Grammar by BBC Radio

Learning English Grammar

311 Listeners

سهرة خليجية by مونت كارلو الدولية / MCD

سهرة خليجية

1 Listeners

صحتكم تهمنا by مونت كارلو الدولية / MCD

صحتكم تهمنا

1 Listeners

الصحة المستدامة by مونت كارلو الدولية / MCD

الصحة المستدامة

5 Listeners

طرب by مونت كارلو الدولية / MCD

طرب

1 Listeners

حكاية نغم by مونت كارلو الدولية / MCD

حكاية نغم

1 Listeners

أصوات المدينة by مونت كارلو الدولية / MCD

أصوات المدينة

0 Listeners

هوى الأيام by مونت كارلو الدولية / MCD

هوى الأيام

0 Listeners

مدونة اليوم by مونت كارلو الدولية / MCD

مدونة اليوم

0 Listeners

نافذة على العالم by مونت كارلو الدولية / MCD

نافذة على العالم

1 Listeners

ثقافات by مونت كارلو الدولية / MCD

ثقافات

0 Listeners

ساعة موسيقى by مونت كارلو الدولية / MCD

ساعة موسيقى

2 Listeners

يوميات مسافرة by مونت كارلو الدولية / MCD

يوميات مسافرة

0 Listeners

تعلموا الفرنسية مع مسلسل Les voisins du 12 bis by مونت كارلو الدولية / MCD

تعلموا الفرنسية مع مسلسل Les voisins du 12 bis

3 Listeners

الساعة الخليجية by مونت كارلو الدولية / MCD

الساعة الخليجية

1 Listeners

قراءة في الصحافة العالمية by فرانس 24 / FRANCE 24

قراءة في الصحافة العالمية

2 Listeners

قرأنا لكم by مونت كارلو الدولية / MCD

قرأنا لكم

0 Listeners

ريبورتاج by مونت كارلو الدولية / MCD

ريبورتاج

0 Listeners

ريبورتاج ثقافي by مونت كارلو الدولية / MCD

ريبورتاج ثقافي

0 Listeners

يستحق الانتباه by BBC Arabic Radio

يستحق الانتباه

6 Listeners

النشرة الرقمية by مونت كارلو الدولية / MCD

النشرة الرقمية

1 Listeners

من قاعات التحرير by مونت كارلو الدولية / MCD

من قاعات التحرير

1 Listeners

وقفة مع الحدث by مونت كارلو الدولية / MCD

وقفة مع الحدث

0 Listeners