
Sign up to save your podcasts
Or


في الغرب، لديهم روميو وجولييت.
قصة حب جميلة، مأسوية، خالدة. حبّ مصقول بالشعر، ومحفوظ في الذاكرة الإنسانية بوصفه ذروة العشق المستحيل، وانتصار الأدب على الموت، حتى حين يروي الموت.
أما نحن، فلدينا حمد وعلا. ولدينا، معهما، ما هو أفدح من المأساة: تسطيح المأساة واعتبارها شيئاً عادياً، لا "يستحق" أن يتحوّل أدباً. قصة حمد وعلا ليست أقل جمالاً من قصة روميو وجولييت، ولا أقل إيلاماً، ولا أقل استحقاقاً للخلود. لكنها وُلدت في مكان لا يملك رفاهية تحويل آلامه إلى أساطير، أو ترف صوغ كوارثه بلغة شعرية.
روميو وجولييت ماتا لأن عائلتين تكره إحداهما الأخرى. حمد وعلا ماتا لأن هذه البلاد تكره أولادها. هو خطفه انفجار المرفأ في 2020.
وهي خطفتها غارة إسرائيلية قبل أيام. تختلف التواريخ، تختلف الأدوات، تختلف الذرائع، لكن الجريمة واحدة: أن تولد هنا. أن تحب هنا. أن تبني حياة هنا. أن تجرؤ على التصديق بأن الغد قد يأتي طبيعياً، لا على هيئة نعش أو ركام أو خبر عاجل.
علا لم تمت مرة واحدة. ماتت يوم مات حمد، وماتت يوم قتلها القصف. وبين هاتين الميتتين ماتت، مثلنا جميعاً، ألف مرة: كل مرة طُلب منها أن تصمد، أن تصبر، أن تتكيّف، أن تصدق، أن تأمل. ماتت من الاعتياد المقزّز على الفاجعة، من التدريب القسري على تلقّي الغدر كتفصيل، كروتين، كطقس طبيعي من طقوس العيش.
هذه ليست قصة حب بالمعنى العالمي: هي قصة حب لبنانية. ولبنان هنا ليست صفة جغرافية، بل حكم بالإقامة داخل التهديد الدائم. أي أن تعشق وأنت تعرف أن حبّك قد تسرقه قذيفة. أن تبني بيتاً وأنت تعرف أن السقف قد ينهار على رأسك في أي لحظة. أن تنجب وأنت تعرف أنك تمنح حياة مطعونة سلفاً في ظهرها.
كم يبدو الغرب محظوظاً، حتى في مآسيه. هناك تصبح الفاجعة إرثاً ثقافياً وإنسانياً. هنا تصبح شريطاً عاجلاً أسفل الشاشة، ثم تمضي الحياة، أو ما يشبهها، فوق أجسادنا.
لهذا أقول إن حمد وعلا أهم من روميو وجولييت. نعم، أهم. ليس لأن الحب عندنا أعمق، بل لأن الموت عندنا أكثر وقاحة. لأنهما ليسا شخصيتين من ورق، بل حقيقتان من لحم ودم وارتجاف ودمع. لأن موتهما لا يخص عائلتيهما وحدهما، بل يخصنا جميعاً. يخص بلداً كاملاً يُذبح بالتقسيط. يخص عالماً يتفرّج علينا كما لو أننا موسم جديد من مسلسل لا ينتهي.
في الغرب، لديهم روميو وجولييت. أما نحن، فلدينا حمد وعلا.
هناك يموت الحب بين دفتي كتاب، أو على خشبة مسرح، ثم يدخل الخلود. هنا يموت في الشارع، تحت الردم، تحت القصف، داخل شقة، على باب مغلق أمام النجاة.
هناك تلد المأساة أسطورة أدبية. هنا تلد قبراً آخر.
By مونت كارلو الدولية / MCDفي الغرب، لديهم روميو وجولييت.
قصة حب جميلة، مأسوية، خالدة. حبّ مصقول بالشعر، ومحفوظ في الذاكرة الإنسانية بوصفه ذروة العشق المستحيل، وانتصار الأدب على الموت، حتى حين يروي الموت.
أما نحن، فلدينا حمد وعلا. ولدينا، معهما، ما هو أفدح من المأساة: تسطيح المأساة واعتبارها شيئاً عادياً، لا "يستحق" أن يتحوّل أدباً. قصة حمد وعلا ليست أقل جمالاً من قصة روميو وجولييت، ولا أقل إيلاماً، ولا أقل استحقاقاً للخلود. لكنها وُلدت في مكان لا يملك رفاهية تحويل آلامه إلى أساطير، أو ترف صوغ كوارثه بلغة شعرية.
روميو وجولييت ماتا لأن عائلتين تكره إحداهما الأخرى. حمد وعلا ماتا لأن هذه البلاد تكره أولادها. هو خطفه انفجار المرفأ في 2020.
وهي خطفتها غارة إسرائيلية قبل أيام. تختلف التواريخ، تختلف الأدوات، تختلف الذرائع، لكن الجريمة واحدة: أن تولد هنا. أن تحب هنا. أن تبني حياة هنا. أن تجرؤ على التصديق بأن الغد قد يأتي طبيعياً، لا على هيئة نعش أو ركام أو خبر عاجل.
علا لم تمت مرة واحدة. ماتت يوم مات حمد، وماتت يوم قتلها القصف. وبين هاتين الميتتين ماتت، مثلنا جميعاً، ألف مرة: كل مرة طُلب منها أن تصمد، أن تصبر، أن تتكيّف، أن تصدق، أن تأمل. ماتت من الاعتياد المقزّز على الفاجعة، من التدريب القسري على تلقّي الغدر كتفصيل، كروتين، كطقس طبيعي من طقوس العيش.
هذه ليست قصة حب بالمعنى العالمي: هي قصة حب لبنانية. ولبنان هنا ليست صفة جغرافية، بل حكم بالإقامة داخل التهديد الدائم. أي أن تعشق وأنت تعرف أن حبّك قد تسرقه قذيفة. أن تبني بيتاً وأنت تعرف أن السقف قد ينهار على رأسك في أي لحظة. أن تنجب وأنت تعرف أنك تمنح حياة مطعونة سلفاً في ظهرها.
كم يبدو الغرب محظوظاً، حتى في مآسيه. هناك تصبح الفاجعة إرثاً ثقافياً وإنسانياً. هنا تصبح شريطاً عاجلاً أسفل الشاشة، ثم تمضي الحياة، أو ما يشبهها، فوق أجسادنا.
لهذا أقول إن حمد وعلا أهم من روميو وجولييت. نعم، أهم. ليس لأن الحب عندنا أعمق، بل لأن الموت عندنا أكثر وقاحة. لأنهما ليسا شخصيتين من ورق، بل حقيقتان من لحم ودم وارتجاف ودمع. لأن موتهما لا يخص عائلتيهما وحدهما، بل يخصنا جميعاً. يخص بلداً كاملاً يُذبح بالتقسيط. يخص عالماً يتفرّج علينا كما لو أننا موسم جديد من مسلسل لا ينتهي.
في الغرب، لديهم روميو وجولييت. أما نحن، فلدينا حمد وعلا.
هناك يموت الحب بين دفتي كتاب، أو على خشبة مسرح، ثم يدخل الخلود. هنا يموت في الشارع، تحت الردم، تحت القصف، داخل شقة، على باب مغلق أمام النجاة.
هناك تلد المأساة أسطورة أدبية. هنا تلد قبراً آخر.

311 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners