
Sign up to save your podcasts
Or


كمية الكراهية والحقد التي تتفجّر اليوم على منصات التواصل الاجتماعي بين شعوب لبنان (نعم نحن شعوب ولسنا شعباً) تكاد تجعل القنابل والصواريخ تبدو، للمفارقة، أقلّ فتكاً.
ليس لأن الموت المادي أخفّ وطأة، بل لأن هذا العنف الآخر أكثر خبثاً: بطيء، متسلّل، ويملك قدرة لا نهائية على التكاثر. القنبلة تنفجر وتنتهي. أما الكلمة المسمومة فتبقى، تتناسل، وتستقرّ فينا كأنها حقيقة.
أفتح هاتفي فأجد نفسي في ساحة حرب. لا دخان، لا جثث، لكن كل شيء يشبههما. جمل قصيرة كالرصاص، شعارات جاهزة كالقنابل اليدوية، وأحكام نهائية لا تترك مجالاً لأي احتمال آخر. لغة التخوين أصبحت اللغة الأم. كل من لا يشبهنا خائن. كل من لا يردّد مفرداتنا مشبوه. كل من يجرؤ على التفكير خارج القطيع يُدان، لا لأنه مخطئ، بل لأنه مختلف.
لا أستثني نفسي من هذا المشهد. هذه هي الحقيقة غير المريحة. نحن جميعاً، بدرجات متفاوتة، نشارك في هذه اللعبة. نغضب، نردّ، ننفعل، ونقنع أنفسنا بأننا ندافع عن قضية عادلة. لكن العدالة، حين تفقد إنسانيتها، تتحول إلى طرف في الجريمة.
ثمة لذة في هذا العنف. لذة يجب أن نعترف بها كي نفهمها. لذة التفوق الأخلاقي، لذة الانتماء إلى معسكر "الصح"، لذة إلغاء الآخر بضغطة زر. وسائل التواصل لم تخلق هذه اللذة، لكنها منحتها مسرحاً مثالياً. كلما ازددت قسوة، ازداد التصفيق. كلما ارتفعت نبرة الإلغاء، اتسعت دائرة الانتشار. هكذا ببساطة.
لكن ماذا نفعل بأنفسنا ونحن نفعل ذلك؟
هذا العنف ليس بريئاً. هو تدريب يومي على القسوة. على اختزال البشر في مواقف، وفي شعارات، وفي هويات مغلقة. على التعود على فكرة أن الآخر ليس شخصاً، بل خصم يجب سحقه. وهذا التمرين، حين يتكرر، لا يبقى على الشاشة. يتسرّب إلى اللغة التي نتكلمها، إلى الطريقة التي ننظر بها بعضنا الى بعض، وربما، في لحظة ما، إلى أفعالنا.
نقول إننا تعبنا من الحروب. لكن ماذا يعني هذا التعب إذا كنا نعيد إنتاج شروط هذه الحروب كل يوم، بأصابعنا؟ ماذا يعني أن نرفض القذائف، ونحن نطلق قذائف لغوية لا تقلّ تدميراً في أثرها البعيد؟
الأخطر أننا بدأنا نعتاد. نعتاد هذا المستوى من الكراهية كما لو أنه طبيعي. نمرّ عليه بسرعة، نشارك فيه أحياناً من دون تفكير، ونسمّيه “تنفيساً”. لكنه ليس تنفيساً. إنه تراكم. والتراكم، في بلد مثل لبنان، ليس تفصيلاً عابراً، بل هو تاريخ يعيد كتابة نفسه بأشكال جديدة.
ربما لا نستطيع أن نوقف الحروب الكبرى. لكننا، على الأقل، نستطيع أن نتوقف لحظة قبل أن نضيف سطراً جديداً إلى هذه الحرب الصغيرة التي نكتبها يومياً. أن نسأل أنفسنا: هل ما أقوله محاولة للفهم، أم مجرد رغبة في الإلغاء؟
في زمن السرعة، قد يبدو التروّي ضعفاً. وفي زمن الاستقطاب، قد يبدو الحياد خيانة. لكن ربما، في بلد كلبنان، لا يبقى لنا شكل آخر من أشكال "المقاومة" سوى هذا: أن نرفض أن نتحوّل، نحن أيضاً، إلى قنابل.
By مونت كارلو الدولية / MCDكمية الكراهية والحقد التي تتفجّر اليوم على منصات التواصل الاجتماعي بين شعوب لبنان (نعم نحن شعوب ولسنا شعباً) تكاد تجعل القنابل والصواريخ تبدو، للمفارقة، أقلّ فتكاً.
ليس لأن الموت المادي أخفّ وطأة، بل لأن هذا العنف الآخر أكثر خبثاً: بطيء، متسلّل، ويملك قدرة لا نهائية على التكاثر. القنبلة تنفجر وتنتهي. أما الكلمة المسمومة فتبقى، تتناسل، وتستقرّ فينا كأنها حقيقة.
أفتح هاتفي فأجد نفسي في ساحة حرب. لا دخان، لا جثث، لكن كل شيء يشبههما. جمل قصيرة كالرصاص، شعارات جاهزة كالقنابل اليدوية، وأحكام نهائية لا تترك مجالاً لأي احتمال آخر. لغة التخوين أصبحت اللغة الأم. كل من لا يشبهنا خائن. كل من لا يردّد مفرداتنا مشبوه. كل من يجرؤ على التفكير خارج القطيع يُدان، لا لأنه مخطئ، بل لأنه مختلف.
لا أستثني نفسي من هذا المشهد. هذه هي الحقيقة غير المريحة. نحن جميعاً، بدرجات متفاوتة، نشارك في هذه اللعبة. نغضب، نردّ، ننفعل، ونقنع أنفسنا بأننا ندافع عن قضية عادلة. لكن العدالة، حين تفقد إنسانيتها، تتحول إلى طرف في الجريمة.
ثمة لذة في هذا العنف. لذة يجب أن نعترف بها كي نفهمها. لذة التفوق الأخلاقي، لذة الانتماء إلى معسكر "الصح"، لذة إلغاء الآخر بضغطة زر. وسائل التواصل لم تخلق هذه اللذة، لكنها منحتها مسرحاً مثالياً. كلما ازددت قسوة، ازداد التصفيق. كلما ارتفعت نبرة الإلغاء، اتسعت دائرة الانتشار. هكذا ببساطة.
لكن ماذا نفعل بأنفسنا ونحن نفعل ذلك؟
هذا العنف ليس بريئاً. هو تدريب يومي على القسوة. على اختزال البشر في مواقف، وفي شعارات، وفي هويات مغلقة. على التعود على فكرة أن الآخر ليس شخصاً، بل خصم يجب سحقه. وهذا التمرين، حين يتكرر، لا يبقى على الشاشة. يتسرّب إلى اللغة التي نتكلمها، إلى الطريقة التي ننظر بها بعضنا الى بعض، وربما، في لحظة ما، إلى أفعالنا.
نقول إننا تعبنا من الحروب. لكن ماذا يعني هذا التعب إذا كنا نعيد إنتاج شروط هذه الحروب كل يوم، بأصابعنا؟ ماذا يعني أن نرفض القذائف، ونحن نطلق قذائف لغوية لا تقلّ تدميراً في أثرها البعيد؟
الأخطر أننا بدأنا نعتاد. نعتاد هذا المستوى من الكراهية كما لو أنه طبيعي. نمرّ عليه بسرعة، نشارك فيه أحياناً من دون تفكير، ونسمّيه “تنفيساً”. لكنه ليس تنفيساً. إنه تراكم. والتراكم، في بلد مثل لبنان، ليس تفصيلاً عابراً، بل هو تاريخ يعيد كتابة نفسه بأشكال جديدة.
ربما لا نستطيع أن نوقف الحروب الكبرى. لكننا، على الأقل، نستطيع أن نتوقف لحظة قبل أن نضيف سطراً جديداً إلى هذه الحرب الصغيرة التي نكتبها يومياً. أن نسأل أنفسنا: هل ما أقوله محاولة للفهم، أم مجرد رغبة في الإلغاء؟
في زمن السرعة، قد يبدو التروّي ضعفاً. وفي زمن الاستقطاب، قد يبدو الحياد خيانة. لكن ربما، في بلد كلبنان، لا يبقى لنا شكل آخر من أشكال "المقاومة" سوى هذا: أن نرفض أن نتحوّل، نحن أيضاً، إلى قنابل.

311 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners