
Sign up to save your podcasts
Or


ثمة شيء مرعب في تشابه الأيام هذه الفترة: ليس التشابه الذي يريح ويطمئن، كأن نعرف مثلاً أن الصباح سيأتي بعد الليل، وأن عبق القهوة سيفوح في المطبخ، وأن ضوءاً خفيفاً سيتسلّل من بين الستائر. ما نعيشه الآن هو تشابه من نوع آخر: تشابه مُسطّح، بلا طعم ولا رائحة ولا لون، كأن الزمن فقد حواسه، أو كأننا نحن الذين فقدنا القدرة على تذوّقه.
أستيقظ، فلا أعرف إن كان اليوم الاثنين أم الخميس أم شيئاً بينهما. لم تعد الأيام تحمل أسماءها: فقدت هويتها، ذابت بعضها في بعضها الآخر حتى صارت كتلة رمادية واحدة. لا شيء يفصل بينها سوى استمرار الخوف، ذلك الخيط الرفيع الذي بات يربط كل شيء، ويمنحه نكهته الوحيدة.
الخوف هنا ليس حالة عابرة. ليس توجّساً خفيفاً يمكن تهدئته بكأس ويسكي أو بمكالمة صديق. إنه بنية كاملة بتنا نعيش داخلها، مثل جدران غير مرئية تحيط بنا من كل الجهات. نتحرّك، نتكلّم، نبتسم أحياناً، لكننا نفعل ذلك كله من داخل هذه الجدران، من داخل هذا القفص الشفّاف الذي يسمح لنا برؤية العالم، ولكن لا يسمح لنا بلمسه وشمّه وسماعه والاستمتاع به.
في موازاة هذا الخوف، يتعالى القلق في داخلنا كمثل مدّ بلا جزر. أحاول أن أقاومه كما يقاوم المرء غرقاً بطيئاً: أفتح درساً في البرتغالية، أتمسّك بكلمات جديدة كأنها طوق نجاة، أهرب إلى مسلسل، إلى كتاب، إلى حكاية أخرى غير حكايتي. أقول لنفسي إن الانشغال علاج، وإن المعرفة خلاص مؤقت. لكن القلق أكثر عناداً من كل ذلك. يتسرّب بين السطور، يجلس معي أمام الشاشة، يهمس في أذني وأنا أحاول التركيز. لا شيء ينجح في إسكاته تماماً. كل هذه المحاولات تبدو كترتيب وسائد على حافة هاوية.
كل شيء يبدو مكرّراً حتى الاستنزاف، خصوصاً لنا نحن أبناء الحروب المتتالية وبناتها. الأخبار نفسها، الأطراف نفسها، العبارات نفسها. حتى الغضب صار مكروراً. حتى الحزن فقد حدّته وصار أشبه بضجيج خلفي دائم.
ربما الأكثر قسوة في هذا الوضع ليس الخوف نفسه، ولا القلق في حد ذاته، بل اعتيادنا عليهما. أي حين يصبح الخوف طقساً لا استثناء، حين يتسلّل القلق الى تفاصيلنا ويستقرّ في موقعه الأثير بين الكتفين. نعم، الرعب الحقيقي يبدأ حين لا نعود نسأل: أيّ يوم هو هذا؟ بل حين لا يعود يهمّنا أن نعرف.
By مونت كارلو الدولية / MCDثمة شيء مرعب في تشابه الأيام هذه الفترة: ليس التشابه الذي يريح ويطمئن، كأن نعرف مثلاً أن الصباح سيأتي بعد الليل، وأن عبق القهوة سيفوح في المطبخ، وأن ضوءاً خفيفاً سيتسلّل من بين الستائر. ما نعيشه الآن هو تشابه من نوع آخر: تشابه مُسطّح، بلا طعم ولا رائحة ولا لون، كأن الزمن فقد حواسه، أو كأننا نحن الذين فقدنا القدرة على تذوّقه.
أستيقظ، فلا أعرف إن كان اليوم الاثنين أم الخميس أم شيئاً بينهما. لم تعد الأيام تحمل أسماءها: فقدت هويتها، ذابت بعضها في بعضها الآخر حتى صارت كتلة رمادية واحدة. لا شيء يفصل بينها سوى استمرار الخوف، ذلك الخيط الرفيع الذي بات يربط كل شيء، ويمنحه نكهته الوحيدة.
الخوف هنا ليس حالة عابرة. ليس توجّساً خفيفاً يمكن تهدئته بكأس ويسكي أو بمكالمة صديق. إنه بنية كاملة بتنا نعيش داخلها، مثل جدران غير مرئية تحيط بنا من كل الجهات. نتحرّك، نتكلّم، نبتسم أحياناً، لكننا نفعل ذلك كله من داخل هذه الجدران، من داخل هذا القفص الشفّاف الذي يسمح لنا برؤية العالم، ولكن لا يسمح لنا بلمسه وشمّه وسماعه والاستمتاع به.
في موازاة هذا الخوف، يتعالى القلق في داخلنا كمثل مدّ بلا جزر. أحاول أن أقاومه كما يقاوم المرء غرقاً بطيئاً: أفتح درساً في البرتغالية، أتمسّك بكلمات جديدة كأنها طوق نجاة، أهرب إلى مسلسل، إلى كتاب، إلى حكاية أخرى غير حكايتي. أقول لنفسي إن الانشغال علاج، وإن المعرفة خلاص مؤقت. لكن القلق أكثر عناداً من كل ذلك. يتسرّب بين السطور، يجلس معي أمام الشاشة، يهمس في أذني وأنا أحاول التركيز. لا شيء ينجح في إسكاته تماماً. كل هذه المحاولات تبدو كترتيب وسائد على حافة هاوية.
كل شيء يبدو مكرّراً حتى الاستنزاف، خصوصاً لنا نحن أبناء الحروب المتتالية وبناتها. الأخبار نفسها، الأطراف نفسها، العبارات نفسها. حتى الغضب صار مكروراً. حتى الحزن فقد حدّته وصار أشبه بضجيج خلفي دائم.
ربما الأكثر قسوة في هذا الوضع ليس الخوف نفسه، ولا القلق في حد ذاته، بل اعتيادنا عليهما. أي حين يصبح الخوف طقساً لا استثناء، حين يتسلّل القلق الى تفاصيلنا ويستقرّ في موقعه الأثير بين الكتفين. نعم، الرعب الحقيقي يبدأ حين لا نعود نسأل: أيّ يوم هو هذا؟ بل حين لا يعود يهمّنا أن نعرف.

311 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners