
Sign up to save your podcasts
Or


"بدنا تعويض!"، تنهّدت أمي بحسرة أمس عندما اتصلتُ بها لكي أطمئن الى أحوالها في هذه الأوضاع الزفت. لم أفهم بداية ما تعنيه بالـ"تعويض". هل تقصد أرزاقنا في يارون؟ سألتُ: "أي تعويض يا ماما؟! يارون، لم تعد لنا، ولا شيء يمكنه أن يعوّض هذه الخسارة".
أجابتْ: "قصدي تعويض عن السنين يلي راحت من حياتنا هيك، بالحروب والانفجارات والاغتيالات. تعويض عن الوقت يلي انحسب علينا بس ما عشناه... مين بدو يردّلنا ياه؟ هالمصايب مش بس سرقت منّا أراضينا وبيوتنا وأماننا، سرقت أعمارنا كمان. شبّحت علينا إياما وشهورا وسنوات ظلم تتسمّى علينا".
هو ظلم فعلاً. تأمّلتُ طويلاً في كلامها، وفي مدى عبثية المطلب وأحقيتّه في آن واحد. نعم، من يردّ لها ولي ولنا جميعاً تلك الأعوام "المهدورة" التي سلبت منّا؟ في مباريات الفوتبول، ثمة شيء اسمه الوقت الضائع، الذي يعوّضون به عبر إضافته الى مدّة المباراة في نهاية الشوطين الأول والثاني. يا ريت الحياة ماتش فوتبول، فكّرت. ليت عدالة هذا الكون تضيف الى أعمارنا، نحن أبناء الحروب وبناتها، تمديداً يُعوّض عمّا راح.
لكن الوقت في حياتنا ليس كوقت الملاعب. في حياتنا، الوقت الضائع يُسجَّل علينا، لا لنا. يدخل في عداد أعمارنا كأنه عيش حقيقي، فيما هو في الحقيقة محض انتظار بين انفجار وآخر، بين حرب وأخرى، بين خوف وخوف.
ستقولون هناك ما هو أفدح بكثير: أرواح تسفك بالمئات، عائلات بأكملها تمحى، أمهات ثكلى وأطفال أيتام تملأ صرخاتهم الأنحاء. وهذا طبعاً أفدح، لكن هل الخسائر منافسة؟ هل علينا أن نقارن بين المآسي لنمنح إحداها شرعية الحزن، ونسحبها من الأخرى؟
أجيال كاملة في هذه البلاد تكبر، لكنها "لا تعيش". نتقدّم في السن بينما حياتنا معلّقة في مكان ما بين كارثة وأخرى. نؤجّل أشياء كثيرة: الفرح، السفر، المشاريع، وحتى الحب أحياناً. "مش وقتو هلق" نقول. ولكن متى يحين وقته؟ نعيش كمن يضع حياته بين قوسين، في انتظار أن ينتهي الفصل الجديد من جلجلتنا. كل مرّة نأمل: "هيدي آخر مرّة"، وإذ بمرّة أخرى تليها وتبزّها بشاعة وفظاعة ورعباً.
ربما لهذا بدت لي جملة أمي، رغم سورياليتها الظاهرة، عميقة إلى حد موجع. "بدنا تعويض"، أجل، ليس عن البيوت فقط، ولا عن الأراضي التي تحوّلت أرضا خرابا وخطوط تماس أو خرائط عسكرية، ولا عن المشاريع التي استنزفتنا مادياً ومعنوياً وجسدياً وهي الآن مغلقة حتى إشعار آخر. بل نريد تعويضاً أيضاً عن تلك الحياة التي كان يمكن أن تكون. عن الأيام التي كان يمكن أن نحياها بخفّة وبساطة، بلا حسابات الخوف، بلا هذا الشعور المزمن بأن المستقبل قد ينفجر في وجهنا في أي لحظة، بلا هذا القلق السرطاني حول مستقبلنا، ولقمة عيشنا، وأحلامنا...
طبعاً لن يأتي هذا التعويض. لا دولة ستدفعه، ولا تاريخ سيعترف به. لكن تسمية الظلم ربما تمثل بداية صغيرة للعدالة. أن نقول بوضوح إن ما سُرق منّا لم يكن فقط الحجر والأرض وعرق الجبين، بل الزمن نفسه. الزمن الذي يمرّ فوق رؤوسنا كقافلة مآس طويلة، بينما نحن نحاول أن نحصي ما تبقّى من أعمارنا.
By مونت كارلو الدولية / MCD"بدنا تعويض!"، تنهّدت أمي بحسرة أمس عندما اتصلتُ بها لكي أطمئن الى أحوالها في هذه الأوضاع الزفت. لم أفهم بداية ما تعنيه بالـ"تعويض". هل تقصد أرزاقنا في يارون؟ سألتُ: "أي تعويض يا ماما؟! يارون، لم تعد لنا، ولا شيء يمكنه أن يعوّض هذه الخسارة".
أجابتْ: "قصدي تعويض عن السنين يلي راحت من حياتنا هيك، بالحروب والانفجارات والاغتيالات. تعويض عن الوقت يلي انحسب علينا بس ما عشناه... مين بدو يردّلنا ياه؟ هالمصايب مش بس سرقت منّا أراضينا وبيوتنا وأماننا، سرقت أعمارنا كمان. شبّحت علينا إياما وشهورا وسنوات ظلم تتسمّى علينا".
هو ظلم فعلاً. تأمّلتُ طويلاً في كلامها، وفي مدى عبثية المطلب وأحقيتّه في آن واحد. نعم، من يردّ لها ولي ولنا جميعاً تلك الأعوام "المهدورة" التي سلبت منّا؟ في مباريات الفوتبول، ثمة شيء اسمه الوقت الضائع، الذي يعوّضون به عبر إضافته الى مدّة المباراة في نهاية الشوطين الأول والثاني. يا ريت الحياة ماتش فوتبول، فكّرت. ليت عدالة هذا الكون تضيف الى أعمارنا، نحن أبناء الحروب وبناتها، تمديداً يُعوّض عمّا راح.
لكن الوقت في حياتنا ليس كوقت الملاعب. في حياتنا، الوقت الضائع يُسجَّل علينا، لا لنا. يدخل في عداد أعمارنا كأنه عيش حقيقي، فيما هو في الحقيقة محض انتظار بين انفجار وآخر، بين حرب وأخرى، بين خوف وخوف.
ستقولون هناك ما هو أفدح بكثير: أرواح تسفك بالمئات، عائلات بأكملها تمحى، أمهات ثكلى وأطفال أيتام تملأ صرخاتهم الأنحاء. وهذا طبعاً أفدح، لكن هل الخسائر منافسة؟ هل علينا أن نقارن بين المآسي لنمنح إحداها شرعية الحزن، ونسحبها من الأخرى؟
أجيال كاملة في هذه البلاد تكبر، لكنها "لا تعيش". نتقدّم في السن بينما حياتنا معلّقة في مكان ما بين كارثة وأخرى. نؤجّل أشياء كثيرة: الفرح، السفر، المشاريع، وحتى الحب أحياناً. "مش وقتو هلق" نقول. ولكن متى يحين وقته؟ نعيش كمن يضع حياته بين قوسين، في انتظار أن ينتهي الفصل الجديد من جلجلتنا. كل مرّة نأمل: "هيدي آخر مرّة"، وإذ بمرّة أخرى تليها وتبزّها بشاعة وفظاعة ورعباً.
ربما لهذا بدت لي جملة أمي، رغم سورياليتها الظاهرة، عميقة إلى حد موجع. "بدنا تعويض"، أجل، ليس عن البيوت فقط، ولا عن الأراضي التي تحوّلت أرضا خرابا وخطوط تماس أو خرائط عسكرية، ولا عن المشاريع التي استنزفتنا مادياً ومعنوياً وجسدياً وهي الآن مغلقة حتى إشعار آخر. بل نريد تعويضاً أيضاً عن تلك الحياة التي كان يمكن أن تكون. عن الأيام التي كان يمكن أن نحياها بخفّة وبساطة، بلا حسابات الخوف، بلا هذا الشعور المزمن بأن المستقبل قد ينفجر في وجهنا في أي لحظة، بلا هذا القلق السرطاني حول مستقبلنا، ولقمة عيشنا، وأحلامنا...
طبعاً لن يأتي هذا التعويض. لا دولة ستدفعه، ولا تاريخ سيعترف به. لكن تسمية الظلم ربما تمثل بداية صغيرة للعدالة. أن نقول بوضوح إن ما سُرق منّا لم يكن فقط الحجر والأرض وعرق الجبين، بل الزمن نفسه. الزمن الذي يمرّ فوق رؤوسنا كقافلة مآس طويلة، بينما نحن نحاول أن نحصي ما تبقّى من أعمارنا.

308 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners