
Sign up to save your podcasts
Or


هناك أفلامٌ لا تُشاهَدها، بل تُشاهدكَ. تبحلق في روحك وتعرّيك وتقلبك من الداخل. أفلام لا تخرج منها كما دخلت، لأنك لا تخرج منها أصلاً: تخرج هي بك، تنقلك من جلدٍ إلى جلد، من طمأنينةٍ واهية إلى قلقٍ لا يُحتمل. هكذا كان فيلم "صوت هند رجب" بالنسبة إليّ. لم أشاهده أمس فحسب، بل عشته، بل نزفَ فيَّ.
منذ الدقائق الأولى، شعرتُ أن الصوت هو البطل الحقيقي. لا الصورة، ولا الحكاية، ولا الممثلون، بل تلك النبرة المرتجفة التي تشقّ الهواء مثل نداءٍ أخير. صوت طفلة لا تطلب بطولة، لا تطلب مجداً، لا تطلب حتى شفقة. تطلب فقط أن تُسمَع. وكأنّ الحياة كلّها يمكن أن تُختَصر في سؤال واحد: "هل تسمعونني؟". إنه الصوت حين يُترَك وحيداً في مواجهة العالم؛ إنها الإنسانية حين تُختَبر في أبسط أشكالها: هل تستجيب، أم تكتفي بالإصغاء؟
ما يهزّ في الفيلم ليس الموت. نحن في هذه المنطقة، اعتدنا الموت كما يعتاد الناس نشرات الطقس. ما يهزّ هو العُري الكامل للعجز. أن تكون الحياة معلّقة بخيط مكالمة. أن يصبح الهاتف شرياناً. أن يتحوّل الانتظار إلى مقصلة بطيئة. أن نكتشف كم نحن عاجزون أمام رصاصة، أمام دبابة، أمام قرار وحشي .
كنت أتابع وأنا أعرف أنني لا أتابع فيلماً فقط، بل مرآة. مرآة لطفولاتنا جميعاً في هذه الجغرافيا الموبوءة بالظلم والعنف. كم مرة نمنا على أصوات القصف؟ كم مرة اختلطت في آذاننا أصوات المفرقعات بأصوات الانفجارات؟ الفيلم لم يقدّم خطاباً سياسياً مباشراً، لكنه كان سياسياً حتى العظم.
أكثر ما أوجعني هو أن صوت "هنّود" لم يكن هستيرياً. لم يكن مسرحياً. كان عادياً. عادياً إلى حدّ الفجيعة. وهذا ما جعل الألم مضاعفاً. نحن نتحمّل الصراخ أحياناً، لأنه يضع مسافة بيننا وبين الكارثة. لكن الصوت البريء، المرتبك، الباحث عن نجاة بسيطة، يقتحمك بلا إذن. "تعالوا خدوني": جملة ربضت على صدري ورفضت المغادرة.
الفيلم يطرح سؤالاً قاسياً: ماذا يعني أن نعيش في زمن تُوثَّق فيه المأساة لحظةً بلحظة، ومع ذلك تستمر؟ ماذا يعني أن نسمع ولا نتحرّك؟ أن نشارك، أن نعلّق، أن نبكي أمام الشاشة، ثم نعود إلى عشاء دافئ؟ هل أصبح التعاطف طقساً استهلاكياً؟ هل تحوّل الألم محض محتوى؟
بينما كنتُ أشاهد، شعرتُ بشيء من الخجل. ليس لأنني بعيدة عن الألم، فنحن هنا نعرفه جيداً. ولكن لأنني أعرف أيضاً كيف نتكيّف معه. كيف نصنع لأنفسنا مساحات طبيعية وسط اللامعقول واللامقبول. "صوت هند رجب" كسر هذا التكيّف. أعاد الألم إلى مكانه الخام، قبل أن نغلّفه بأدوات احتمال واقعنا المتوحش: السخرية أو الفلسفة أو التحليل أو اللامبالاة.
خرجتُ من الفيلم مثقلة، لكن ممتنة. ممتنة لأن الفن، رغم كل شيء، لا يزال قادراً على أن يهزّنا. أن يوقظ فينا ما نحاول تخديره. أن يذكّرنا بأنّ خلف كل رقم، كل خبر عاجل، كل صورة عابرة، قلباً صغيراً يخفق.
... والصوت، صوتها، سيظل يتردّد في أذني.
لا كذكرى، بل كاتهام.
By مونت كارلو الدولية / MCDهناك أفلامٌ لا تُشاهَدها، بل تُشاهدكَ. تبحلق في روحك وتعرّيك وتقلبك من الداخل. أفلام لا تخرج منها كما دخلت، لأنك لا تخرج منها أصلاً: تخرج هي بك، تنقلك من جلدٍ إلى جلد، من طمأنينةٍ واهية إلى قلقٍ لا يُحتمل. هكذا كان فيلم "صوت هند رجب" بالنسبة إليّ. لم أشاهده أمس فحسب، بل عشته، بل نزفَ فيَّ.
منذ الدقائق الأولى، شعرتُ أن الصوت هو البطل الحقيقي. لا الصورة، ولا الحكاية، ولا الممثلون، بل تلك النبرة المرتجفة التي تشقّ الهواء مثل نداءٍ أخير. صوت طفلة لا تطلب بطولة، لا تطلب مجداً، لا تطلب حتى شفقة. تطلب فقط أن تُسمَع. وكأنّ الحياة كلّها يمكن أن تُختَصر في سؤال واحد: "هل تسمعونني؟". إنه الصوت حين يُترَك وحيداً في مواجهة العالم؛ إنها الإنسانية حين تُختَبر في أبسط أشكالها: هل تستجيب، أم تكتفي بالإصغاء؟
ما يهزّ في الفيلم ليس الموت. نحن في هذه المنطقة، اعتدنا الموت كما يعتاد الناس نشرات الطقس. ما يهزّ هو العُري الكامل للعجز. أن تكون الحياة معلّقة بخيط مكالمة. أن يصبح الهاتف شرياناً. أن يتحوّل الانتظار إلى مقصلة بطيئة. أن نكتشف كم نحن عاجزون أمام رصاصة، أمام دبابة، أمام قرار وحشي .
كنت أتابع وأنا أعرف أنني لا أتابع فيلماً فقط، بل مرآة. مرآة لطفولاتنا جميعاً في هذه الجغرافيا الموبوءة بالظلم والعنف. كم مرة نمنا على أصوات القصف؟ كم مرة اختلطت في آذاننا أصوات المفرقعات بأصوات الانفجارات؟ الفيلم لم يقدّم خطاباً سياسياً مباشراً، لكنه كان سياسياً حتى العظم.
أكثر ما أوجعني هو أن صوت "هنّود" لم يكن هستيرياً. لم يكن مسرحياً. كان عادياً. عادياً إلى حدّ الفجيعة. وهذا ما جعل الألم مضاعفاً. نحن نتحمّل الصراخ أحياناً، لأنه يضع مسافة بيننا وبين الكارثة. لكن الصوت البريء، المرتبك، الباحث عن نجاة بسيطة، يقتحمك بلا إذن. "تعالوا خدوني": جملة ربضت على صدري ورفضت المغادرة.
الفيلم يطرح سؤالاً قاسياً: ماذا يعني أن نعيش في زمن تُوثَّق فيه المأساة لحظةً بلحظة، ومع ذلك تستمر؟ ماذا يعني أن نسمع ولا نتحرّك؟ أن نشارك، أن نعلّق، أن نبكي أمام الشاشة، ثم نعود إلى عشاء دافئ؟ هل أصبح التعاطف طقساً استهلاكياً؟ هل تحوّل الألم محض محتوى؟
بينما كنتُ أشاهد، شعرتُ بشيء من الخجل. ليس لأنني بعيدة عن الألم، فنحن هنا نعرفه جيداً. ولكن لأنني أعرف أيضاً كيف نتكيّف معه. كيف نصنع لأنفسنا مساحات طبيعية وسط اللامعقول واللامقبول. "صوت هند رجب" كسر هذا التكيّف. أعاد الألم إلى مكانه الخام، قبل أن نغلّفه بأدوات احتمال واقعنا المتوحش: السخرية أو الفلسفة أو التحليل أو اللامبالاة.
خرجتُ من الفيلم مثقلة، لكن ممتنة. ممتنة لأن الفن، رغم كل شيء، لا يزال قادراً على أن يهزّنا. أن يوقظ فينا ما نحاول تخديره. أن يذكّرنا بأنّ خلف كل رقم، كل خبر عاجل، كل صورة عابرة، قلباً صغيراً يخفق.
... والصوت، صوتها، سيظل يتردّد في أذني.
لا كذكرى، بل كاتهام.

319 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

4 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners