
Sign up to save your podcasts
Or


أنا منهكة.
منهكة من التظاهر بأن الأمور "عادية" وبأن ما نعيشه "طبيعي". منهكة من هذا التحايل اليومي المكرور على الحياة، الذي بات أداء نتقنه جميعًا، كأننا ممثلون رديئون في مسرحية رديئة لا نجيد سواها: كل يوم نرتدي وجوهنا، نشرب قهوتنا، نذهب إلى أعمالنا- أو بالأحرى إلى ما تبقى لنا من أعمال- فيما البلاد من حولنا لا تنهار فحسب، بل تتعفّن كجثة يعرف الجميع بوجودها في الغرفة، لكنهم يصرّون على رشّ العطر عليها بدل دفنها.
أنا منهكة من إعلام يبيعنا الرعب على شكل خبر عاجل، والكراهية على شكل تحليل، والانقسام على شكل حرية رأي. منهكة من شاشات تعرف تمامًا كيف تحوّل مأساتنا إلى محتوى، وجوعنا إلى مادة نقاش، ودمنا إلى نسبة مشاهدة.
أنا منهكة من اقتصاد يسرق أعمارنا. منهكة من العمل بلا جدوى، من الركض بلا أفق، من هذا الاستنزاف الوحشي الذي يجعل مجرد الرغبة في البقاء على قيد الحياة تبدو وكأنها وظيفة بدوام كامل.
أنا منهكة من السوشال ميديا، من هذا السيرك الرقمي الذي حوّل البشر إلى منتجات، والألم إلى منشور، والوعي إلى استعراض، والثورة إلى هاشتاغ. منهكة من ضرورة أن نبدو بخير، متفائلين، أقوياء، ناجحين، فيما أرواحنا بالكاد تجرّ حشرجاتها إلى آخر النهار.
أنا منهكة من الطوائف، من هذه الهويات الجاهزة التي تلصق بنا حتى قبل أن نتعلّم لفظ أسمائنا. من هذا القفص الديني الذي يسمّونه انتماءً، من هذه القبلية السياسية التي يسمّونها حماية. منهكة من أن يُطلب مني دائمًا أن أكون "ماركة" ما: ابنة طائفة، أو ابنة منطقة، أو ابنة خطاب، بدل أن أكون فقط إنسانة. انسانة حرة، معقدة، متغيّرة، لا تختصرها الخانات.
أنا منهكة من الخراب الذي صار روتينًا. من المصائب التي صارت جدول أعمال. من قدرتنا اللبنانية الخارقة- التي أكاد أحقد عليها- على التكيّف مع اللامعقول. منهكة من الصلابة بوصفها واجبًا. من الصمود بوصفه ابتزازًا. من عبارة "نحنا شعب ما بيموت"، فيما كل شيء فينا وحولنا يموت، قطعةً قطعة.
أنا منهكة من محاولة تفسير هذا الجنون، من محاولة إيجاد معنى لكل هذا العبث، من محاولة إنقاذ شيء ما، أي شيء، في وطن بتّ مقتنعة بأنه لا يريد أن يُنقَذ.
أنا منهكة، نعم، إلى درجة أنني لم أعد أريد نجاةً مؤقتة، ولا هدنةً قصيرة، ولا مسكّناتٍ على هيئة أملٍ عابر. لا أريد ترميمًا لهذا الخراب، بل أريد اقتلاعًا له من جذوره. أريد ضوءًا جديدًا لا يشبه هذا الضوء الكاذب الذي اعتدناه، صباحًا جديدًا لا أدخله محمّلةً كلَّ هذا الثقل، هواءً جديدًا لا يتعطّر بالخوف قبل أن يصل إلى رئتيّ. أريد بدايةً جديدة تعيدني إلى تلك المرأة التي لم تكن أحلامها محصورةً في البقاء على قيد الحياة.
أريد، باختصار، ولادةً جديدة تعيدني إليّ.
By مونت كارلو الدولية / MCDأنا منهكة.
منهكة من التظاهر بأن الأمور "عادية" وبأن ما نعيشه "طبيعي". منهكة من هذا التحايل اليومي المكرور على الحياة، الذي بات أداء نتقنه جميعًا، كأننا ممثلون رديئون في مسرحية رديئة لا نجيد سواها: كل يوم نرتدي وجوهنا، نشرب قهوتنا، نذهب إلى أعمالنا- أو بالأحرى إلى ما تبقى لنا من أعمال- فيما البلاد من حولنا لا تنهار فحسب، بل تتعفّن كجثة يعرف الجميع بوجودها في الغرفة، لكنهم يصرّون على رشّ العطر عليها بدل دفنها.
أنا منهكة من إعلام يبيعنا الرعب على شكل خبر عاجل، والكراهية على شكل تحليل، والانقسام على شكل حرية رأي. منهكة من شاشات تعرف تمامًا كيف تحوّل مأساتنا إلى محتوى، وجوعنا إلى مادة نقاش، ودمنا إلى نسبة مشاهدة.
أنا منهكة من اقتصاد يسرق أعمارنا. منهكة من العمل بلا جدوى، من الركض بلا أفق، من هذا الاستنزاف الوحشي الذي يجعل مجرد الرغبة في البقاء على قيد الحياة تبدو وكأنها وظيفة بدوام كامل.
أنا منهكة من السوشال ميديا، من هذا السيرك الرقمي الذي حوّل البشر إلى منتجات، والألم إلى منشور، والوعي إلى استعراض، والثورة إلى هاشتاغ. منهكة من ضرورة أن نبدو بخير، متفائلين، أقوياء، ناجحين، فيما أرواحنا بالكاد تجرّ حشرجاتها إلى آخر النهار.
أنا منهكة من الطوائف، من هذه الهويات الجاهزة التي تلصق بنا حتى قبل أن نتعلّم لفظ أسمائنا. من هذا القفص الديني الذي يسمّونه انتماءً، من هذه القبلية السياسية التي يسمّونها حماية. منهكة من أن يُطلب مني دائمًا أن أكون "ماركة" ما: ابنة طائفة، أو ابنة منطقة، أو ابنة خطاب، بدل أن أكون فقط إنسانة. انسانة حرة، معقدة، متغيّرة، لا تختصرها الخانات.
أنا منهكة من الخراب الذي صار روتينًا. من المصائب التي صارت جدول أعمال. من قدرتنا اللبنانية الخارقة- التي أكاد أحقد عليها- على التكيّف مع اللامعقول. منهكة من الصلابة بوصفها واجبًا. من الصمود بوصفه ابتزازًا. من عبارة "نحنا شعب ما بيموت"، فيما كل شيء فينا وحولنا يموت، قطعةً قطعة.
أنا منهكة من محاولة تفسير هذا الجنون، من محاولة إيجاد معنى لكل هذا العبث، من محاولة إنقاذ شيء ما، أي شيء، في وطن بتّ مقتنعة بأنه لا يريد أن يُنقَذ.
أنا منهكة، نعم، إلى درجة أنني لم أعد أريد نجاةً مؤقتة، ولا هدنةً قصيرة، ولا مسكّناتٍ على هيئة أملٍ عابر. لا أريد ترميمًا لهذا الخراب، بل أريد اقتلاعًا له من جذوره. أريد ضوءًا جديدًا لا يشبه هذا الضوء الكاذب الذي اعتدناه، صباحًا جديدًا لا أدخله محمّلةً كلَّ هذا الثقل، هواءً جديدًا لا يتعطّر بالخوف قبل أن يصل إلى رئتيّ. أريد بدايةً جديدة تعيدني إلى تلك المرأة التي لم تكن أحلامها محصورةً في البقاء على قيد الحياة.
أريد، باختصار، ولادةً جديدة تعيدني إليّ.

311 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

5 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners