
Sign up to save your podcasts
Or


لا يختلف البيان الصادر عن المؤتمر المناخي الإقليمي الذي استضافته دولة الإمارات المتحدة يوم الرابع من شهر أبريل - نيسان عام 2021 عما دأبت عليه بيانات المؤتمرات الإقليمية أو الدولية المماثلة في ما يتعلق بسقف الطموحات والتذكير بأهمية العمل الجماعي للحد من الانبعاثات الحرارية والانخراط في منظومة الاقتصاد الأخضر. وهذا أمر محمود في المبدأ انطلاقا من أن كل مؤتمر يسلط الضوء على إشكالية التحدي المناخي هو مسعى مهم لإرساء قواعد وضوابط جديدة للعمل التنموي.
ورغم ذلك، فإن من يتابع مسار غالبية المؤتمرات الدولية والإقليمية التي عقدت بعد عام 2015 أي السنة التي تم التوصل خلال أيامها الأخيرة إلى اتفاق تاريخي وهو اتفاق باريس حول المناخ، يلاحظ أن بياناتها الختامية تحولت شيئا فشيئا إلى مشكلة حقيقية بدل أن تكون أداة من الأدوات التي تسمح بشحذ العزائم وتوحيد الجهود للمرور من مرحلة النوايا الحسنة إلى مرحلة الفعل في ما يتعلق بمعالجة القضايا المتصلة بالتغير المناخي وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والجيوسياسية.
من يتابع مثل هذه المؤتمرات والقمم يلاحظ أن المشاركين فيها يظلون يرددون في بياناتها الختامية ويلفتون الانتباه إلى أن ملف المناخ مهم جدا وأن الضرورة تدعو لخفض بصمة الإنسان الكربونية على الكرة الأرضية والانخراط في جهود جماعية للحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع هذه الانعكاسات.
ويقول عدد من خبراء التنمية المستدامة من جهة إن المنهجية الأسلم والأكثر جدوى في صياغة بيانات قمم المناخ الإقليمية تتطلب الإجابة بشكل دقيق على بعض الأسئلة المحورية منها التالية: ما الذي تحقق على أرض الواقع بين مؤتمر وآخر أو قمة وأخرى لجعل سلوكيات الإنتاج والاستهلاك تُدرج بحق في منظومة الاستدامة؟ ما هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء نجاح المساعي العملية المندرجة في هذا الإطار أو المساعي الفاشلة ؟ ما الذي تقدمه البلدان الصناعية والبلدان ذات الاقتصادات الناشئة لمساعدة البلدان النامية الفقيرة على ترسيخ سلوكيات الاستدامة والتكيف مع أضرار التغير المناخي على اقتصاداتها وأوضاعها الاجتماعية والبيئية؟
ويقر كثير من هؤلاء الخبراء من جهة أخرى بأنه لا يمكن الحكم مسبقا على كل المؤتمرات والقمم المخصصة لقضايا التغير المناخي بأنها لا تقدم ولا تؤخر لأنها على علاتها تتضمن جوانبَ إيجابية.
ومن إيجابيات المؤتمر المناخي الإقليمي الذي عُقد في دولة الإمارات العربية في الرابع من شهر أبريل - نيسان عام 2021 أنه جمع ممثلي عدة دول عربية مشرقية وخليجية ومغاربية تحدثوا في ما بينهم عن مشاريع عدة يمكن إنجازها بواسطة التعاون الثنائي أو الإقليمي.
ومن إيجابيات المؤتمر أيضا أن جون كيري مبعوث الرئيس الأمريكي جوب بايدن للتغير المناخي حرص على المشاركة فيه لأن دور الولايات المتحدة في تفعيل اتفاق باريس حول المناخ أساسي.
ومن أهم العوامل الإيجابية في هذا المؤتمر أنه يتزامن وطرحا جديدا أصبح لدى عدد من بلدان منطقة الخليج المنتجة للنفط والغاز. فقد كان أصحاب القرارات السياسية في هذه البلدان يتعاملون مع مَن يشدد على أهمية التخلص التدريجي من الاعتماد على مصادر الوقود الأحفوري كما لو كان خصما. ولكنهم اهتدوا شيئا فشيئا إلى أن الاستثمار في مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة ولاسيما الطاقة الشمسية نعمة وليس نقمة لأسباب كثيرة منها أن هذا التوجه يسمح لبلدانهم بإيجاد بديل عن النفط والغاز عند نضوب آبار النفط والغاز بالإضافة إلى أن الاعتماد على الطاقة الشمسية لاستخراج النفط والغاز يحد من كلفة الإنتاج ومن الانبعاثات الحرارية.
إذا كان كثير من خبراء التنمية في العالم العربي يشاطرون رأي أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي ينزل التغير المناخي منزلة أهم تحد مطروح أمام الأسرة الدولية، فإنهم يقولون بشأن التحدي ذاته بالنسبة إلى المنطقة العربية إن أخطر ما فيه على الإنسان العربي وعلى بيئته الأرضية والبحرية هو ما يسمى " الكائنات الدخيلة" أو " الغازية". ومن خاصيات هذه الكائنات أنها تهاجر من مواطنها الأصلية عبر طرق متعددة إلى مواطن جديدة بحثا عن الغذاء وهربا من انعكاسات التغير المناخي
ولا يخلو اليوم أي بلد من البلدان العربية من هذه الكائنات الغازية التي أصبحت تُمَكن لنفسها يوما بعد آخر في هذه البلدان وبلدان الكرة الأرضية بكليتها. ففي المملكة العربية السعودية على سبيل المثال خلصت دراسة جماعية نشرت في سبتمبر 2019 في مجلة العلوم الزراعية والبيئية والبيطرية إلى أن ستة عشر نوعا من النباتات الدخيلة اجتاحت المنطقة الغربية في هذا البلد. وقسمت هذه النباتات الغازية إلى ست فئات من أشكال الحياة النباتية هي التالية: أشكال تحت شجرية وشجيريه وأعشاب حولية ونجيليات حولية واعشاب معمرة وأشجار. وفي العام ذاته أي عام 2019 خلص تقرير عن هيئة البيئة في إمارة أبو ظبي إلى أن عدد الكائنات الغازية في الإمارة ارتفع إلى قرابة مائة وخمسين نوعا منها في ما يخص الكائنات الحيوانية الحمام الصخري والجرذ الأسود.
ومن أنواع الأسماك الغازية التي اجتاحت بيئات بحرية عربية خلال العقدين الماضيين " السمكة الأرنب" أو " النفيحة" التي كانت تعيش في المحيط الهندي ودخلت إلى المياه البحرية العربية عبر البحر الأحمر. وأخطار هذه السمكة متعددة. فهي تحتوي على مواد سامة في بعض أجزائها تتسبب أحيانا كثيرة في هلاك من يتناولها إذا لم يتخلص من هذا الجزء أو إذا لم يتم إسعافه بسرعة بعد ظهور أعراض التسمم عنده . وهي بالإضافة إلى ذلك تتربص دوما بشباك الصيادين التقليديين فتقطعها بأسنانها الحادة وتُفرغها من حمولتها فتحرم الصيادين من رزقهم ورزق أسرهم.
ومن أهم الكائنات النباتية الغازية التي انتشرت في السنوات الأخيرة في عدة بلدان تشقها أنهار كبيرة، نبتة " ياسنت النيل" أو " ورد النيل". وقد انتقلت من مواطنها الأصلية في أمريكا اللاتينية إلى بلدان كثيرة أخرى خارج القارة الأمريكية منها البلدان الإفريقية. فقد نمت في بلدان أعالي نهر النيل في إفريقيا. وأصبحت اليوم تُعيق الملاحة النهرية في النهر لاسيما في بلدي المصب أي السودان ومصر. كما لوحظ نموها بشكل لافت خلال السنوات العشرين الأخيرة في العراق وبالتحديد في نهري دجلة والفرات. وعندما يُسأل صيادو السمك والمزارعون من حول هذه الأنهار الثلاثة أي النيل ودجلة والفرات عن مساوئها يقولون إنها لا تكاد تحصى ومنها سد قنوات الري وامتصاص كميات كبيرة من الماء والأوكسيجين على حساب الكائنات النباتية والحيوانية التي تنمو في هذه الأنهار ومن حولها.
والحقيقة أن خبراء التنمية الذين يعون أهمية التصدي للكائنات الغازية في المنطقة العربية يقرون بأن هناك اليوم مزيدا من الأبحاث العلمية بشأن طرق انتشارها. ولكنهم يرون أن المنهجية الأكثر نجاعة في مجال التصدي لهذه الكائنات والمساعدة على التكيف معها هي تلك التي تتمثل في تحالف عربي لشن الحرب على هذه الكائنات على مستوى الأبحاث وعلى مستويات كثيرة أخرى مشتركة انطلاقا من مبدأ أن أي بلد غير قادر اليوم على كسب رهان التحدي المناخي بمفرده وانطلاقا أيضا من حقيقية مفادها أن الكائنات الغازية لا تعترف بالحدود.
متعددة هي العناصر التي تدعم المقولة التي يرى أصحابها بموجبها أن هناك عناصر إيجابية كثيرة تتعلق بالقمة الافتراضية التي دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى عقدها حول سبل التصدي لانعكاسات التغير المناخي السلبية بشكل أفضل مما هي عليه الحال اليوم. وموعد هذه القمة مبدئيا هو يوم الثاني والعشرين من شهر أبريل-نيسان عام 2021
ويتمثل أهم عنصر من هذه العناصر في رمزية القمة المرتقبة أيا تكن نتائجها. فلم يكن كثير من الذين يولون ملف التغير المناخي أولية خاصة ويتعاملون معه بوصفه أهم تحد مطروح اليوم أمام الأسرة الدولية يحلمون بأن تعقد مثل هذه القمة قبل وصول وباء كورونا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وكانوا شبه واثقين أن نجاح الرئيس السابق دونالد ترامب في تنشيط الدورة الاقتصادية وفي التصدي لظاهرة البطالة كفيلان -أيا تكن المآخذ عليه- بالإبقاء عليه في البيت الأبيض لولاية ثانية وبالسماح له بمواصلة سياسته تجاه القضايا البيئية التي يعتبرها غير أساسية. بل إنه كان ينظر إليها بوصفها عائقا كبيرا يحول دون إنعاش الدورة الاقتصادية. ومن ثم فإن عقد قمة افتراضية بسبب الإجراءات الوقائية من وباء كورونا من قبل جو بايدن يُعد انتصارا كبيرا لأن الولايات المتحدة هي البلد الثاني بعد الصين الشعبية في ما يتعلق بحجم الانبعاثات الحرارية التي تنتجها.
من العناصر الأخرى التي تفتح أفقا أمام التصدي لانعكاسات التغير المناخي بشكل أفضل، أن الرئيس الأمريكي جو بادين دعا نظيريه الصيني والروسي للمشاركة في قمة المناخ الافتراضية التي ستعقد الثاني والعشرين من شهر أبريل -نيسان عام 2021 برغم الخلافات القائمة بينه وبينهما في مجالات متعددة. وهذا أمر إيجابي في حد ذاته لأن النجاعة في الجهود الرامية إلى الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاساتها السلبية تمر عبر طرق عدة منها تكاتف الجهود الثنائية والإقليمية والدولية.
ومن أهم هذه العناصر الإيجابية الأخرى المتصلة بعقد مثل هذه القمة أن كثيرا من البلدان المتقدمة وذات الاقتصادات الناشئة أو النامية من التي تمت دعوتها للمشاركة فيها كانت ولا تزال من كبار البلدان التي تنتج مصادر الوقود الأحفوري وتصدره. ولكنها تعي اليوم أكثر فأكثر أن الوقت قد حان لإعداد العدة التي تسمح بالمرور بشكل متدرج وثابت من مرحلة الاقتصاد الكربوني إلى مرحلة الاقتصاد الأخضر. وهو مثلا حال المملكة العربية السعودية التي أطلقت مبادرتين في هذا الإطار هما مبادرة " السعودية الخضراء " ومبادرة " الشرق الأوسط الأخضر".
رغم هذا التفاؤل المبرر بقمة المناخ التي دعا الرئيس الأمريكي إلى عقدها في الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 2021 بشأن التغير المناخي، فإن عوامل "التشاؤل" حتى لا نقول التشاؤم بشأن جدوى مثل هذه القمة متعددة هي الأخرى ومن أهمها أن كثيرا من قادة العالم الذين يشاركون في قمم المناخ من بلدان الشمال والجنوب على حد سواء يصرون على استغلالها لإطلاق التزامات ووعود طموحة تظل في كثير منها حبرا على ورق.
في 20 شهر مارس – آذار عام 2017 أصدرت المحكمة العليا في ولاية أوتارخُند الهندية الواقعة في شمال البلاد حكما يقضي بمنح نهر الغانج صفة " الشخصية المعنوية" ويتيح بالتالي لهذا النهر ورافده الأساسي المسمى "يامُونا " باكتساب الحقوق ذاتها التي تُمنحُ الناسَ عادة. ومن ثم فإنه بالإمكان الدفاع عن حقوق النهر في الحفاظ على صحته ومعاقبة كل من يسيء إليه.
وقد ارتاحت منظمات الدفاع كثيرا لهذا الحكم. كما ارتاح له كثيرا الهندوس الذين يتعاملون مع نهر الغانج باعتباره نهرا مقدسا لديه روح. فهم يقصدونه كل يوم بعشرات الملايين ليطهروا أجسادهم بمياهه التي يتبركون بها لأنها قادرة حسب معتقداتهم على تحرير أرواح الموتى. ولكن المحكمة الهندية العليا سرعان ما نقضت هذا الحكم بحجة أن محكمة هندية محلية لا يمكن لها أن تتفرد بإصدار حكم على نهر الغانج الذي يشق كل البلاد.
وبصرف النظر عن هذه الانتكاسة القضائية التي مني بها نهر الغانج، فإن كثيرا من المدافعين عن البيئة كانوا يعولون إلى حد كبير على رئيس الوزراء الحالي نارندرا مودي لبلورة خطة طموحة تهدف إلى إنقاذ النهر من التلوث أو إلى الحد على الأقل من هذه الظاهرة.
وفعلا قرر رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي منذ وصوله إلى الحكم عام 2014 العمل على إطلاق خطة جديدة لمحاولة تخليص النهر من الشوائب التي علقت به وأصبحت تهدده بالاختناق لاسيما وأن تلويث النهر بشكل غير مسبوق بدأ منذ أكثر من قرن.
ويتمثل أحد مصادر تلويث مياه الغانج في إلقاء مياه الصرف الصحي فيه دون معالجتها كلها. بل إن التقارير الأخيرة حول الموضوع تؤكد أن مياه الصرف الصحي التي تخضع لعملية علاج قبل ضخها في مياه الغانج لا تتجاوز الثلث حتى الآن. وتفيد التقارير ذاتها أيضا أن معدل مياه الصرف الصحي غير المعالجة التي يُلقى بها في مياه نهر الغانج تقارب مليارا وثلاث مائة مليون لتر كل يوم في مدينة بيناريس إحدى المدن التي يشقها النهر.
ومن أهم مصادر تلويث النهر الأخرى أيضا المصانع الصغيرة التي تقام على حافتيه طوال رحلته وقبل أن يصب النهر في خليج البنغال. وأكثر هذه المصانع خطرا على بيئة النهر كلُّ المواد الكيميائية التي تُستخدم في صناعة الجلود بالطرق التقليدية والحديثة. وفي مدينة كامبور التي يشقها النهر، يوجد اليوم أكثر من أربع مائة مصنع من مصانع الدباغة التي ترمي في النهر نفاياتها الخطرة كل يوم على امتداد فصول السنة.
وهناك رأي متفش لدى عدد هام من الهنود يقول أصحابه بموجبه إن كل المبادرات السابقة لتطهير النهر الطاهر من هذه الشوائب فشلت فشلا ذريعا لعدة أسباب من أهمها البيروقراطية والفساد. وبرغم الجهود التي بذلتها حكومة رئيس الوزراء الهندي الحالي في للحد من تلوث مياه نهر الغانج، فإن البيروقراطية والفساد لايزالان عائقين يحولان دون إنقاذ النهر والمستفيدين منه ماديا وروحيا من الاختناق.
بحيرة "إيرييه" هي إحدى البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية. تبلغ مساحتها قرابة 26 ألف كلم مربع. وقد كسب الناشطون في منظمات المجتمع المدني التي تسعى إلى الحفاظ على بيئة هذه البحيرات الاستفتاء المحلي الذي جرى يوم السادس والعشرين 26 من شهر فبراير- شباط عام 2019. وهذه البحيرة يعيش من حولها قرابة 13 مليونا وخمس مائة ألف شخص من الأمريكيين والكنديين.
شارك في الاستفتاءقرابة ست مائة ألف شخص هم سكان مدينة توليدو الأمريكية ومحيطها. وتقع المدينة المنتمية إلى ولاية أوهايو في شمال غرب البلاد على تخوم هذه البحرية. أما السؤال الذي طرح عليهم في الاستفتاء فهو التالي: " هل ترغبون في أن تكون لبحيرة "إيرييه" الحقوقُ ذاتها التي اكتسبها المواطنون في الولايات المتحدة الأمريكية؟".
لقد رد سكان مدينة توليدو ومحيطها بالإيجاب على السؤال الذي طرح عليهم بنسبة 61 فاصل 37 في المائة. وفتح ذلك أفقا واعدا أمام البحيرة وبيئتها والسكان الذين تمدهم بالماء الصالح للشرب في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. وبداية هذا الأفق إمكانية مقاضاة ملوثي البحيرة والذين تزايدت أعدادهم في العقود الماضية.
وقد أعدت منظمات المجتمع المدني التي نجحت في حمل السلطات المحلية على تنظيم هذا الاستفتاء عدة دراسات وتقارير تخلص كلها إلى أن البحيرة أصبحت في العقود الأخيرة مكبا للأسمدة والمبيدات الكيميائية التي يستخدمها الصناعيون والمزارعون ومربو المواشي والذي يستخدمون طرق الإنتاج المكثف.
وقد تسببت ممارساتهم هذه على سبيل المثال في حرمان قرابة أربع مائة ألف شخص عام 2014 من مياه الشرب لمدة أيام بسبب طحالب سامة نمت في البحرية جراء هذه النفايات غير المرغوب فيها والتي تحملها الرياح ومياه السيول إلى البحيرة.
وقبل عام 2019، فشلت كل المساعي الرامية إلى ملاحقة ملوثي البحيرة أمام القضاء بسبب افتقارها لحقوق تشبه حقوق الأفراد والمجموعات البشرية. أما اليوم، فإن الملوثين يدركون تماما عواقب تصرفاتهم السيئة تجاه البحيرة انطلاقا من كونها كائنا حيا حسب القانون.
في سيبيريا، يسعى الباحثون المهتمون بانعكاسات التغير المناخي على الكائنات النباتية والحيوانية إلى تسقط أخبار الدببة التي تعيش فيها عبر طائرات بدون طيار. ومن أهداف هذه الطريقة تحديد أعداد هذه الدببة التي يضعها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة في قائمة الحيوانات الهشة المهددة بالانقراض.
من أهداف الباحثين الروس الأخرى في هذا السياق العمل على إنقاذ صغار الدببة البيضاء من الغرق بسبب ذوبان الجليد المتجمد بشكل غير معهود جراء ظاهرة الاحترار المناخي.
وفي كندا، أصبحت السلطات تخصص أموالا أكثر لتطوير الأبحاث المتعلقة بالدببة الهجينة التي هي نتاج تزاوج يحصل أكثر فأكثر بين الدببة البيضاء والدببة البنية. ويتم ذلك بعد أن وجدت الدببة البيضاء نفسها مضطرة إلى الفرار من مناطق الجليد المتجمد حيث كانت تعيش حتى الآن باتجاه الغابات حيث تعيش الدببة السمراء اللون.
ولايزال المهتمون ببيئة القطب الشمالي يتناقلون عبر وسائل التواصل الاجتماعي صورة دب أبيض من دببة القطب الشمالي والمناطق المجاورة له. ويبدو هذا الدب فوق بقية كثيب من الجليد المتجمد وهو هزيل جدا.
وتقول المصورة الفوتوغرافية الألمانية كيرستين لنغربرغر التي التقطت هذه الصورة ووزعتها في أواخر شهر أغسطس -آب عام 2015 على شبكات التواصل الاجتماعي إن ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق في منطقة القطب الشمالي ومن حوله في السنوات الأخيرة عامل مهم من عوامل تدهور أوضاع الدببة التي تعيش فيها ولاسيما تلك المتصلة بالغذاء والتغذية.
فقد كانت هذه الدببة تقطع من قبلُ مئات الكيلومترات مشيا فوق المياه المتجمدة. وكانت تجد فيها بسهولة الحيوانات التي تتغذى عليها والأماكن التي تأوي إليها لترتاح أو تتكاثر. ولكن هذه البيئة تغيرت رأسا على عقب خلال السنوات العشرين الأخيرة.
لقد ارتفعت درجات الكرة الأرضية بوتيرة غير معهودة وعلى نحو أدى إلى ذوبان أجزاء كثيرة مما كانت دببة القطب الشمالي تعتبره مرتعها. وانعكس الأمر سلبا على الثروة النباتية والحيوانية الأساسية التي كانت تسمح حتى الآن للدببة بالعيش في أمان.
وكثيرا ما تقطع الدببة اليوم عشرات الكيلومترات دون العثور على أي شيء تقتات منه. بل إن التنقل في مراتع الأمس أصبح أمرا شاقا لأن الدببة تجد نفسها مضطرة أكثر فأكثر إلى السباحة في المياه على امتداد مسافات طويلة للتنقل من مكان إلى آخر يمكن العثور فيه على طريدة. ولكن الإعياء من جهة والجوع من جهة أخرى أصبحا عاملين مهمين من العوامل المتسببة في تدهور أوضاع دب القطب الشمالي المعيشية وبلوغه حدا يهدد بانقراضه عما قريب.
وما يزيد من قلق المهتمين ببيئة القطب الشمالي، أن هناك سباقا محموما يتصاعد وقعه يوما بعد آخر بين البلدان الواقعة من حول القطب الشمالي وأن هذا السباق تتسارع خطى المشاركين فيه على حساب الاعتبارات البيئية لأنه يتركز فقط على سبل استغلال كميات النفط والغاز الهائلة التي تحويها هذه المناطق واستخدامها ممرا بحريا جديدا بين أوروبا وآسيا وأمريكا لنقل البضائع.
وما يحز في أنفسهم هو أن صورة الدب الهزيل الذي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي لأشهر خلال عام 2015 قد التقطت في أرخبيل سفالبارد النرويجي حيث قررت الأسرة الدولية عام 2008 استخدام إحدى جزره مخزنا عالميا لعينات من كل الأنواع والأصناف النباتية التي تستخدم في التغذية البشرية والتي يمكن العودة إليها وقت الشدة أي بعد حصول كوارث طبيعية هائلة تقضي على المزروعات في العالم. ويدل موت الدببة جوعا في هذه الجزر حسب المهتمين بالبيئة على أن الإنسان لم يدرك بعد المخاطر المحدقة به جراء التغيرات المناخية القصوى.
ولابد من التذكير هنا بأن دببة القطب الشمالي تقدر أعدادها اليوم بين 22 ألفا وواحد وثلاثين ألفا. وهي تعيش أساسا في ولاية ألاسكا الأمريكية وفي كندا وجزيرة غرينلاند الدانماركية وجزرِ سفالبارد النرويجية وسيبيريا.
تتعالى منذ أشهر أصوات المنظمات البيئية التي تدعو منذ سنوات إلى ضرورة تحرك الأسرة الدولية لحماية غابة الأمازون من الأخطار التي تهددها لاسيما البرازيل. وتشعر هذه المنظمات بقلق كبير إزاء ظاهرة ما انفكت تتفاقم على حساب غابة الأمازون وتتمثل في إقدام أشخاص على التوغل في الشق من غابة الأمازون التابع لولاية روندونيا الواقعة في شمال البرازيل وقطع أشجارها في عدة أماكن وعرضها للبيع عبر منصات البيع والشراء التابعة لـ"فيسبوك".
كانت الضغوط الدولية قد حملت السلطات البرازيلية قبل قرابة خمس عشرة سنة على اتخاذ تدابير وسن قوانين من شأنها حماية غابة الأمازون عبر عدة مبادرات منها إقامة محميات طبيعية كثيرة فيها وتقنين عملية بيع بعض الأجزاء من هذه الغابة من خلال الالتزام بشروط يراد من ورائها حماية التنوع الحيوي والحيلولة دون استغلال غابة الأمازون استغلالا جائرا.
وهذا ما حصل مثلا في ولاية روندونيا. ومن هذه الشروط التزام مالكي قطع أرضية مكسوة بالأشجار بعدم توسيع المساحات المخصصة فيها للزراعة أو تربية المواشي أو مشاريع أخرى.
ولكن ما يحصل اليوم في ولاية روندونيا يتنافى وكل هذه الشروط. فإذا كان بيع قطعة من الأرض - حتى ولو كانت صغيرة جدا- من الأراضي المكسوة بأشجار غابة الأمازون في البرازيل يتطلب استظهار البائع بشهادة ملكية، فإن الذين يعرضون اليوم بيع مثل هذه القطع عبر فيسبوك غير قادرين على الاستظهار بشهادة الملكية لأنه ليست لديهم أراض هي جزء من منظومة غابة الأمازون.
ولكنهم يبيعون قطعا منها عبر الإنترنت لأن السلطات لا تتحرك لإيقاف هذه الصفقات غير المشروعة. وفي حال تحركها من حين لآخر باسم ضرورة الحفاظ على غابة الأمازون، فإن الإجراءات المتخذة ضد أشخاص يعملون لحسابهم أو لفائدة شركات أو شبكات لا تُفَعَّلُ إذا اتُّخذت بسبب الفساد. وكثير منها لا يُتَّخذ للسبب ذاته.
الملاحظ أن الأراضي التي تغطيها غابة الأمازون فقدت خلال عام 2020 حسب إحصائيات الأمم المتحدة مليونا و840 ألف هكتار بسبب الحرائق المتعمدة أو الناتجة عن انعكاسات التغير المناخي أو بسبب قطع الأشجار في سياق أغراض لا علاقة لها بالتنمية المستدامة.
وفي البرازيل الذي يُؤوي لوحده 63 في المائة من أشجار غابة الأمازون، ساهم وصول الرئيس الحالي جايير بولسونارو إلى السلطة في يناير- كانون الثاني عام 2019 في تفاقم أوضاع هذه الغابة لأنه يشاطر كثيرا من الأفكار التي كانت ولا تزال عند الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي يرى في التغير المناخي بدعة صينية للإساءة إلى الاقتصاد الأمريكي.
ولا بد من التذكير عبر بعض الأرقام بأهمية الخدمات التي تقدمها غابة الأمازون إلى سكان البلدان التي تغطيها وفي مقدمتها البرازيل. بل إن الإنسانية كلها تستفيد من هذه الخدمات. فمساحتها تعادل خمسة ملايين وخمس مائة ألف كلم مربع. وهي الغابة الثانية من حيث اتساعُ رقعتها في العالم بعد غابة " التايغا" أو ما يُسمى " الغابة الثلجية " التي تغطي الأراضي المحيطة بالقطب الشمالي. وتشكل غابة الأمازون لوحدها نصف الغابات الاستوائية المعروفة بثراء تنوعها الحيوي وبقدرتها على امتصاص جزء مهم من الانبعاثات الحرارية.
تؤكد الدراسات والأبحاث التي يجريها الباحثون في علوم الاجتماع أن الأزمات التي تطول أكثر من اللزوم تساهم بشكل او بآخر في عودة الحيوية إلى نظام المبادلات التجارية عبر المقايضة والذي تم التخلي عنه في السابق لعدة أسباب واعتبارات.
ومن الأسباب التي أدت إلى عودة نظام المقايضة مثلا صعوبة تجزئة بعض البضائع وصعوبة التوفيق في كل الصفقات التي تمر عبر المقايضة بين رغبات البائع والمشتري. فعارض ملابس يريد مقايضتها على سبيل المثال بمادة غذائية يحتاج إليها ليس متأكدا من التوصل إلى إبرام صفقة بشكل سريع إذا لم يتوفر الغذاء في السلع المعروضة عليه في إطار المقايضة.
وكان كثير من الناس يظنون أن أزمة كورونا عابرة، فأكد الفيروس المتسبب فيها أن الأمر غير ذلك. واضطر كثير من المستهلكين حتى في البلدان المتقدمة إلى اللجوء من جديد إلى نظام المقايضة على غرار ما حصل في ظل أزمات سابقة منها مثلا الأزمة المالية والاقتصادية التي انطلقت من الولايات المتحدة في سنة 1929 واجتاحت أوروبا خلال السنوات التي تلتها.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن العوامل التي استوجبت العودة - على خلفية أزمة كورونا- إلى نظام المقايضة في عدد من المبادلات التجارية لا كلها في البلدان المتقدمة والنامية متعددة ومنها تسبب فترات الحجر الجزئي أو الكلي في شل عدة أنشطة دون أن يستفيد متعاطوها من مساعدات حكومية.
أضف إلى ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تسهل كثيرا على سكان المدينة الواحدة أو الحي الواحد تبادل البضائع من خلال عرضها مباشرة على المشترين أو شرح الخدمات التي يمكن تبادلها بواسطة الإنترنت.
ومن أهم العوامل الأخرى التي ساهمت في إعادة الاعتبار إلى نظام المقايضة في البلدان المتقدمة منذ انطلاق أزمة كورونا وفرة السلع المعروضة لدى السكان من جهة، والوعي من جهة أخرى بأن العودة إلى نظام المبادلات التجارية هذا يخدم مبدأ الاستهلاك المستدام الذي يتم الحرص عبره على تجنب إهدار الموارد الأولية والطبيعية.
ففي فرنسا على سبيل المثال، خلصت عملية استطلاع للرأي واسعة النطاق أجرتها شركة " إيبسوس " المتخصصة في سبر الآراء إلى أن خمسة وسبعين في المائة من الملابس والمعدات والأثاث المنزلي لا يتم استخدام جزء منها إلا في الحالات النادرة. وترتفع هذه النسبة إلى 120 في المائة بالنسبة إلى من يسكنون في منازل لا في شقق.
وتأمل منظمات المجتمع المدني التي تُعنى بشكل أو بآخر بالتنمية المستدامة في أن يظل لنظام المقايضة حيز مهم في المبادلات التجارية بين سكان أحياء المدن أو بين المقيمين في المدن المتوسطة والصغيرة بعد معالجة أزمة كورونا، لأن اعتماد هذا النظام في إطار المستقبل التضامني يمكنه فعلا أن يساعد على الحفاظ على كوكبنا الجميل.
صحيح أن الأشخاص الذين لعبوا دورا مهما في استحداث ما يسمى "لحم المختبرات" أو "اللحم المزروع" أو "المُستزرَع" ينتمون عادة إلى الباحثين في مجال هندسة الأنسجة أو الزراعة الخلوية أو إلى الشركات الصغيرة التي أطلقت منذ تسعينات القرن العشرين والتي تعتمد كثيرا في أنشطتها ومنتجاتها على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة وتعمل على إنتاج لحوم لا تمر بالضرورة عبر تربية الحيوانات.
مع ذلك فإننا نجد ضمن هذه الأسماء رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ويلسن تشرشل الذي تُنسب إليه مقولة شهيرة وردت عل لسانه أو قلمه في ثلاثينات القرن العشرين. وقد جاء فيها ما يلي: "سنهرب من عبث تربية دجاجة كاملة من أجل أكل الصدر أو الجناح، من خلال زراعة هذه الأجزاء بشكل منفصل باستخدام وسيط مناسب."
والحقيقة أن تشرشل لم يكن باحثا ولا متخصصا في هندسة الأنسجة ولا في الزراعة الخلوية. ولكن الذين يميلون إلى الظن أن هذه المقولة صادرة عنه يرون أن سنوات الثلاثينات كانت أفضل فترة تحول فيها هذا السياسي المخضرم إلى كاتب بعد أن وجد نفسه خارج اللعبة السياسية لبضع سنوات استغلها في الكتابة عن السياسة والأدب وعن بعض التحديات التي كانت مطروحة آنذاك أمام الإنسانية ومنها التحدي المتمثل في الأمن الغذائي.
وإذا كانت اللحوم التقليدية تتطلب تربية الماشية بشكل تقليدي أو عبر النظام المكثف أو الزراعة العضوية، فإن لحوم الزراعة الخلوية يتم الحصول عليها بواسطة عينات تُؤخذ من خلايا البقر أو الغنم أو الدواجن وتُستزرع في المختبرات من خلال اللجوء إلى تطبيقات التكنولوجيا الحيوية وهندسة الأنسجة والبيولوجيا الجزيئية والبيولوجيا التركيبية لإنشاء طرق جديدة لإنتاج البروتينات والدهون والأنسجة التي تنتجها عادة تربية الحيوانات في المراعي التقليدية.
مطبخ اللحم الاصطناعي في سنغافورة
الملاحظ أن سنغافورة هي أول بلد سمح في شهر ديسمبر –كانون الأول عام 2020 باستهلاك لحم الدجاج الاصطناعي الذي انتجته شركة أمريكية ناشئة تسمى " إيت جاست". وثمة حرص لدى الشركات الناشئة التي تُجري اليوم تجارب ترمي إلى تصنيع لحوم المختبرات أو اللحوم الاصطناعية على ربط الموضوع بمسار العملية التنموية المستدامة انطلاقا مما يسمى "الاستهلاك المستدام".
وفي هذا الشأن يقول نيكولا مورين فوريست أحد مؤسسي شركة " سوبرام " الفرنسية الناشئة المتخصصة في إجراء تجارب لإنتاج اللحوم الاصطناعية " نظن أن اللحمَ المُستزْرَعَ في المختبرات يُشكل طريقةً ثالثة من أشكال الإنتاج ستسمح بتوفير البروتينات واللحوم التي تحتاج إليها الإنسانية على نحو ينعكس بشكل أفضلَ على البيئة. بل إن اللحمَ المُسْتزِرَعَ سيفتح بكل بساطة الطريق أمام نمط استهلاكي يقوم على الاستدامة على المدى الطويل".
اللحوم الاصطناعية غير مسرفة في استخدام الموارد الطبيعية
ومن أهم الحجج الأخرى التي يلجأ إليها المروجون فكرة استبدال اللحوم التقليدية التي يتم الحصول عليها عبر تربية الماشية بلحوم يتم إنتاجها في المختبرات أن الحصول على هذه اللحوم لا يحتاج إلى كميات كبيرة من الموارد المائية ولا إلى مساحات كبيرة بالإضافة إلى كون العملية تحد من بصمة الإنسان الكربونية عبر الانبعاثات الحرارية التي تتسبب في إنتاجها تربية الحيوانات التي نحتاج إلى لحومها.
هذا ما يلح عليه الناشط الأمريكي بول شابيرو المدافع عن حقوق الحيوانات ومؤلف كتاب " اللحم النظيف" في إشارة إلى لحوم المختبرات. فهو يرى" أن كوكبَ الأرض لا تتسعُ رقعتُه. ولكنَّ نطاقَ بصمةِ الإنسان الكربونية على الكوكبِ هي اليوم بصدد الاِتساعِ. ومن العوامل التي يتسع نطاقها عبر هذه البصمة الكربونية تزايدُ استهلاك اللحوم. بل إن ما نستهلكه اليومَ من لحوم يتجاوز في حجمه كلَّ ما استهلكناه من قبلُ. ويقود كل ذلك إلى استغلال الموارد الطبيعية بشكل مُكثَّف. ولذلك فإنه أمامنا اليوم إمكانيةٌ لإنتاج لحوم تسمح بخفض كميات الانبعاثات الحرارية إلى حد كبير وباستغلال كميات أقلَّ من الطاقةِ والمياه وعلى نحو يُتيح أيضا الِاعتمادَ على مساحات ترابية أقلَّ وتجنبَ مزيد من القسوة تُجاه الحيوانات. علينا أن نكون منفتحين على هذا الشكل من أشكال الحلول المطروحة لمشاكل التغذية حتى نستطيعَ الصمودَ أمام مرحلة التغير المُناخي والتي نحن بصدد الانخراط فيها اليوم".
اللحوم الاصطناعية والشفافية وآلام الحيوانات
يتضح مما سبق أن المدافعين بشراسة عن هذه اللحوم يرون أنها صديقة للصحة باعتبار أن عملية تصنيعها تحتاج إلى مراقبة صارمة بدءا من أخذ الخلايا التي يراد تنميتها في المختبرات ومرورا بتغذيتها داخل المختبرات ووصولا إلى وضعها في صحون المستهلكين.
وهم يقولون أيضا إن إنتاج اللحوم بالطرق التقليدية مسرف في استهلاك الموارد الطبيعية وفي صدارتها الموارد المائية نظرا لأن إنتاج كيلوغرام واحد من لحوم الأبقار التي تربى يتطلب استخدام 15 ألف لتر من الماء. أما اللحم الاصطناعي فإن الحصول عليه لا يحتاج إلى مراع وإلى كميات كبيرة من المياه ولا ينتج انبعاثات حرارية مصدرها الميثان أساسا على عكس ما هي عليه الحال في ما يتعلق بتربية الأبقار.
أضف إلى ذلك أن مشكلة انعدام الشفافية على مستوى العملية الإنتاجية لا تُطرح في ما يخص لحوم المختبرات كما يقول دييديه توبيا أحد مؤسسي شركة " أليف فارمس" المتخصصة في إجراء تجارب لإنتاج هذه اللحوم. «إن مسألةَ الشفافية أمر مهم جدا في ما يتعلق باللحوم المُستزرَعة. فكلُّ مرحلة من مراحل الإنتاج تخضع للرقابة. وبالتالي فإن ذلك يسمح لنا بمعرفة خاصيات المُنتجات التي نُصَنِّعها بشكل شفاف كأحسنَ ما تكون الشفافيةُ بالنسبة إلى كل مرحلة من هذه المراحل".
والحقيقة أن أحد العوامل الأخرى التي يركز عليها المدافعون عن فكرة استبدال اللحوم التقليدية المعدّة للاستهلاك بلحوم اصطناعية يتمثل في كون هذه اللحوم التي لاتزال عموما في طور التجارب حتى الآن توفر على الحيوانات كثيرا من الآلام عند الذبح لأنه لا حاجة بنا في المستقبل إلى ذبح الحيوانات للاستفادة من لحومها نظرا لأن المختبرات هي التي ستوفر هذه اللحوم.
الوجه غير المضيء في اللحوم المزروعة
ولكن من يطلع عن كثب على التجارب الحالية التي يُراد من ورائها إنتاج لحوم اصطناعية، يهتدي إلى أن جزءا من الأغذية التي تنمى بواسطتها هذه اللحوم متأت من أمصال جنينية لدى الأبقار التي يتم ذبحها خصيصا للحصول على هذه الأمصال.
والواقع أن أصحاب الشركات الناشئة التي تُجري تجارب لإنتاج اللحوم المزروعة أو العاملين فيها يُقِرُّون فعلا بوجود هذه المشكلة، ولكنهم يلفِتون الانتباه إلى أنهم جادون اليوم في المساعي الرامية إلى استبدال هذه الأمصال الجنينية بمواد أخرى تجنب الحيوانات الألم.
هذا ما تشدد عليه سارة لوكا المشرفة على العمليات في مؤسسة " موزا ميت " المتخصصة في البحث عن بدائل للحوم الحيوانات التقليدية. "نحن نلجأ إلى استخدام طريقة تحتوي على عناصِرَ مُكوَّنةٍ من السكر والفيتامينات والمعادنِ وتسمح لخلايا اللحم المُستزرَع بالنمو دون أن يتسبب ذلك في ألم شبيه بذلك الذي تُحس به الحيوانات عندما نرغب في الحصول على لحومها".
وإذا كانت للمدافعين عن اللحوم الاصطناعية التي لاتزال في طور التجارب حجج متعددة يعتمدون عليها ليقولوا إن لهذه اللحوم مستقبلا في صحون المستهلكين، فإن المتحفظين عليها لديهم بدورهم حججهم ومنهم على سبيل المثال جان فرانسوا هوكيت مدير الأبحاث في المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الزراعية.
فهو يرى أن اللحوم الاصطناعية لا تستحق فعلا أن تسمى " لحوما". ويبرر ذلك فيقول: " ثمة مساران لا يتم أخذُهما بعين الاعتبار عندما يتعلق الأمرُ باللحوم الاصطناعية. فعمليةُ نُضج هذه اللحوم لا تُؤخذ في الحُسبان قبل كل شيء. وأُذكِّر بأن هذه العملية هي مسارٌ طبيعي يسمح للعضَلة بأن تصبح ليِّنةً وبأن تتحولَ إلى لحم. زد على ذلك أن اللحم الحقيقي أو العضلة َ الحقيقية لا يتركبان من أليافٍ عَضلِيّة فحسب بل أيضا من أعصاب وأوعية دموية وخلايا ومادة دُهنية. وهذه العناصر هي التي تعطي اللحمَ مذاقَه. والواقع أن الباحثين في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث الزراعية ينظرون إلى اللحوم الاصطناعية باعتبارها أليافا عَضَلية أو بروتيناتٍ حيوانية أكثر مما يتعاملون معها باعتبارها لحوما حقيقية".
على غرار جان فرانسوا هوكيت الباحث في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية، يرى المتحفظون عل فكرة الاستمرار في التجارب الرامية إلى استبدال اللحوم التقليدية التي يستهلكها الإنسان بلحوم اصطناعية يتم إنتاجها في المخابر أن هذه اللحوم ألياف عضلية أو بروتينات حيوانية ليس إلا.
وهم يقولون أيضا في السياق ذاته إن الحجة التي يقول أصحابها بموجبها إن اللحوم الاصطناعية صديقة للبيئة مردودة على الذين يروجون لها لأن عدة أبحاث علمية أثبتت عكس ذلك.
هذا مثلا حال بحث أجرته جامعة أوكسفورد البريطانية وخلص واضعوه إلى أن انعكاسات إنتاج اللحوم الاصطناعية على البيئة على المدى الطويل أكثر ضررا مما هي عليه عملية إنتاج لحوم عبر تربية الماشية. فصحيح أن غاز الميثان الذي يتسرب إلى الجو من خلال تربية الأبقار أشد وطأة على الجو بخمس وعشرين مرة ما هو عليه غاز ثاني أكسيد الكربون المتولد عن إنتاج اللحوم الاصطناعية. ومع ذلك، فالنماذج الرياضية التي وُضعت بشأن انبعاثات الميثان تخلص إلى أنها أقل ضررا من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون لأنها تزول من الجو بشكل أسرع بكثير مما هي عليه انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. ومن ثم فإن بقاء ثاني أوكسيد الكربون في الجو لمدة أطول يتسبب على المدى الطويل في أضرار أخف من تلك التي يتسبب فيها غاز ثاني أوكسيد الكربون.
كل هذا يدعونا مجددا إلى طرح سؤال جوهري هو التالي: ما مستقبل اللحوم الاصطناعية في صحون المستهلكين؟
مختصر الرد على هذا السؤال انطلاقا مما سبق هو أن المعركة لا تزال مستمرة على أَشُدِّها بين الذين يقولون إنه لا مستقبل لهذه اللحوم لأسباب كثيرة منها ارتفاع تكلفة الإنتاج وعدم رغبة المستهلكين في استبدال اللحوم الحالية والضبابية المستمرة حول طرق الحصول عليها من جهة وبين الذين يقولون من جهة أخرى إنه لا مفر للإنسان من لحوم المختبرات لاعتبارات كثيرة منها أن الإنسان غير قادر على الصمود أمام نتاج البحث العلمي والتكنولوجي والابتكار أيا تَكُن انعكاساته السلبية.
خلال الفترة الفاصلة بين الرابع والثامن من شهر فبراير-شباط عام 2021، حملت الرياح الآتية من إفريقيا كميات كبيرة من حبيبات رمال الصحراء الإفريقية إلى عدة بلدان أوروبية جنوبية منها إسبانيا وفرنسا.
ليست هذه الظاهرة جديدة باعتبار أنه تأكد عبر الدراسات والأبحاث العلمية أن غبار العواصف الرملية في القارة الإفريقية أو في قارات أخرى يمكن أن يشق البحار والمحيطات ويبلغ قارات أخرى. ولكن كميات حبيبات الغبار الرملية التي ذرتها الرياح من الصحراء الإفريقية إلى أوروبا الجنوبية خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير-شباط عام 2021 تجاوزت بمئات المرات ما كان عليه الأمر من قبل حسب الهيئة الأوروبية المكلفة بمراقبة هواء الجو.
وإذا كانت زوابع رمال الصحراء الإفريقية تتسبب في عدة مشاكل صحية وبيئية وأخرى من شأنها تعطيل الحركة الاقتصادية في البلدان الإفريقية التي تنطلق منها أو تشقها وهي في الطريق إلى قارات أخرى ولاسيما القارتين الأوروبية والأمريكية، فإن حبيبات الرمال الكثيرة التي حملتها الرياح من الصحراء الإفريقية إلى جنوب أوروبا في بداية شهر فبراير –شباط عام 2021 قد فاقمت هذه المشاكل التي من بينها عسر التنفس وتسرب حبيبات الغبار إلى محركات الطائرات في السماء أو محركات وسائل النقل البري أو إلى الألواح التي تُوَلِّد الطاقة من الشمس.
والواقع أن غالبية الطائرات مشلولة بسبب جائحة كورونا أثناء الفترة التي اجتاحت خلالها كميات كبيرة من رمال الصحراء الإفريقية أجواء أوروبا الجنوبية. ولكنه لوحظ أن لون حبيبات الرمال الأصفر والأحمر قد حجب الرؤية عن سائقي الشاحنات والسيارات التي كانت تجوب الطرقات في جنوب فرنسا الغربي مثلا.
وقد يتساءل البعض عن سر اللون الأصفر والأحمر الذي تبدو عليه حبيبات رمال الصحراء الإفريقية والتي تجتاح بشكل منتظم أجواء أوروبا الجنوبية. ومرد ذلك أن تحرك العواصف الرملية القوية في الصحراء الإفريقية يتم عادة على ارتفاع يقدر بخمسة كيلومترات. وعبر انتقال حبيبات الرمل، تختلط بأتربة أراض داكنة اللون. وشيئا فشيئا، يميل مزيح لون الرمل المتحرك بهذه الأتربة إلى الاحمرار.
وفي سياق الأضرار التي تتسبب فيها الزوابع الرملية التي تنشأ في إفريقيا وتصل إلى أوروبا الجنوبية، لوحظ أن كثيرا من الذين يملكون مسابح في حدائق منازلهم في بلدان أوروبا الجنوبية يفاجئهم في كثير من الأحيان نُموُّ الطحالب الخضراء في هذه المسابح بسبب تسرب حبيبات رمال الصحراء الإفريقية التي تحملها الرياح والعواصف إليها. ويحتاج التخلص من هذه الطحالب إلى وقت وأموال.
ويقول خبراء الأرصاد الجوية والظواهر المناخية القصوى إن أفضل الطرق للحد من انعكاسات هذه الزوابع انطلاقا من التجربتين الآسيوية والأمريكية تتمثل في الحصول بانتظام على معلومات الأرصاد الجوية عن مواعيد حصول مثل هذه الزوابع والطرق التي تسلكها بعد انطلاقها. وهذا الأمر من شأنه السماح باتخاذ عدة إجراءات وقائية منها مثلا وضع أغطية على الألواح الشمسية أو المسابح أو ممتلكات أخرى قد تضرر من مثل هذه الزوابع وانعكاساتها. ويتطلب الأمر أيضا في كثير من الأحيان إيقاف حركة الملاحة الجوية والبرية لحين في المناطق التي تشقها هذه الزوابع إذا كانت عاتية.
From the publisher's feed
موعد يومي يبرز المبادرات الفردية والجماعية لحماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة.

1 Listeners

1 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners