
Sign up to save your podcasts
Or


تنفس كثير من الناشطين في المجال البيئي الصُّعداء عندما تأكدوا من خبر انتصار جو بايدن على دونالد ترامب في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في الثالث من شهر نوفمبر –تشرين الثاني عام 2020 لعدة أسباب أهمها أن بايدن تعهد خلال حملته الانتخابية بإعادة بلاده إلى اتفاق باريس حول المناخ والذي كان قد أبرم في نهاية عام 2015. وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد اتخذ في بداية يونيو –حزيران عام 2017 قرار إخراج الولايات المتحدة من هذا الاتفاق لأنه كان يرى أن الاتفاق يُعيق تطور الاقتصاد الأمريكي وأن التغير المناخي بدعة اخترعها الصينيون لإحكام سيطرتهم على العالم كله.
ولا بأس من التذكير هنا بأن اتفاق باريس يعد أول نص إطاري عالمي يطلب من كل البلدان المتقدمة وذات الاقتصادات الناشئة والبلدان النامية بذل جهود للحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي السلبية وهي كثيرة.
وإذا كان القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بسحب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاق باريس قد اتخذ في يونيو –حزيران عام 2017، فإن الخروج الفعلي لم يحصل إلا في الرابع من شهر نوفمبر-تشرين الثاني عام 2020 بموجب الإجراءات القانونية التي ينص عليها الاتفاق بالنسبة إلى البلدان المصادقة عليه والتي ترغب في الانسحاب منه. وخروج الولايات المتحدة الفعلي حصل إذن غداة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تنافس فيها ترامب وبايدن وانتصر الثاني في أعقابها على الأول.
محاولات ترامب الرامية إلى إفشال اتفاق باريس
ورغم أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان يدرك عام 2017 أن قرار انسحاب بلاده من اتفاق باريس لن يكون فاعلا إلا في شهر نوفمبر من عام 2020، فإنه حرص على إرسال وفد إلى مؤتمر بون العالمي حول المناخ والذي نظم في بون شهر نوفمبر عام 2017 عساه أن يفلح في إقناع دول كثيرة صادقت على اتفاق باريس بالعمل على تعطيل المفاوضات في الكواليس. ولكن أحد الدبلوماسيين المنتمين إلى الوفد الرسمي الأمريكي في قمة بون أكد أن هذه المهمة قد فشلت وأن اهتمام المشاركين في المؤتمر كان مُركزا على ممثلي الولايات الأمريكية الأربع عشرة التي حرصت مع قرابة مائة مدينة وعشرات الشركات الأمريكية الكبرى على المشاركة في مؤتمر بون لتؤكد أنها ملتزمة باتفاق باريس وأنها تعمل على تنفيذ ما جاء فيه عبر مبادرات وشراكات فعلية من شأنها المساهمة فعلا في الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاساتها.
وخلال فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كانت عدة بلدان متقدمة تعلن عن استيائها من حرص الوفد الأمريكي الرسمي في مؤتمرات المناخ لمحاولة الترويج لأطروحات دونالد ترامب المشكك في ظاهرة الاحترار المناخي. ومع ذلك فإنه فإن بلدانا متقدمة أخرى كانت لديها مصلحة في أن تحضر الولايات المتحدة مؤتمرات المناخ حتى وإن كانت لا تشارك في المفاوضات حول طرق تفعيل اتفاق باريس حول المناخ. ويعزى ذلك إلى رغبة هذه البلدان في أن تضغط الولايات المتحدة من وراء الكواليس على البلدان النامية في ما يخص عدة قضايا منها مثلا قضية التمويلات الخضراء التي تطالب بلدانُ الجنوب بلدانَ الشمال بتوفيرها لمساعدتها على التكيف مع انعكاسات التغير المناخي. وهذا فعلا ما حصل في اجتماع نُظِّم في شهر سبتمبر –أيلول عام 2018 للتمهيد للدروة الرابعة والعشرين من دورات مؤتمر المناخ العالمي السنوية. فقد عطلت الولايات المتحدة طلبا بإلزام البلدان الصناعية بهذه التمويلات لاسيما وأن البلدان المتقدمة هي التي تتسبب أكثر من غيرها منذ بداية الثورة الصناعية التي حصلت في منتصف القرن التاسع عشر في تلويث الأرض والبحار والسماء.
فوائد كثيرة
ويرى نجيب صعب أمين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية أن اتفاق باريس حول المناخ حدث مهم جدا بالنسبة إلى الجهود الرامية إلى التصدي بشكل ناجع إلى ظاهرة الاحترار المناخي أيا تكن المآخذ التي تؤخذ على الاتفاق لاسيما تلك التي يقول أصحابها إن التزامات الدول بشأن خفض الانبعاثات الحرارية ليست إلزامية. ومن إيجابيات عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق أن هذه العودة تعزز مكانة الولايات المتحدة الأمريكية والصين البلدين اللذين ينتجان لوحدهما قرابة 42 في المائة من هذه الانبعاثات باعتبارهما قاطرة الجهود المبذولة على المستويات المالية والعلمية لمواجهة التغير المناخي وانعكاساته السلبية. فالولايات المتحدة الأمريكية كانت وينتظر أن تصبح بعد عودتها إلى الاتفاق من أهم الأطراف المساهمة في تمويل الصندوق الأخضر من أجل المناخ. وكان هذا الصندوق قد أنشئ خلال مؤتمر كوبنهاجن المناخي الدولي في عام 2009 بهدف تقديم مساعدات مالية إلى البلدان النامية الفقيرة للمساهمة في الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي السلبية. زد على ذلك أن للولايات المتحدة عبر القطاع الخاص مهارات مميزة من شأنها المساعدة على الانتقال من الاقتصاد الكربوني إلى الاقتصاد الأخضر. أما الصين الشعبية التي تحتل اليوم المرتبة الأولى في إنتاج الانبعاثات الحرارية بنسبة 28 في المائة من مجمل الانبعاثات، فإنها تظل المستثمر الأول في مجال مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة.
ولئن كان الدكتور إبراهيم عبد الجليل الخبير المتخصص في التغير المناخي يرى بدوره أن عودة الولايات المتحدة الأمريكية المرتقبة إلى اتفاق باريس حول المناخ أمر إيجابي على أكثر من صعيد، فإنه يشدد على ضرورة التزام الحذر تجاه الوعود التي التزم بها الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال حملته الانتخابية بشأن السياسة التي سيعتمدها في مجال البيئة والتنمية. ويلح الدكتور عبد الجليل على ضرورة تقويم سياسة بايدن وغيره من قادة العالم تجاه القضايا المتصلة بالمناخ والتنمية من خلال أفعالهم لا من خلال الوعود. وهذا ما يكرره بانتظام أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي يقول إن التغير المناخي هو أهم تحد مطروح أمام الأسرة الدولية اليوم وغدا.
أُطلق مشروع الحزام الأخضر الإفريقي الكبير في عام 2005 تحت مسمى " المبادرة الإفريقية للجدار الأخضر الكبير". وأُقر بشكل رسمي من قبل الاتحاد الإفريقي في عام 2007وبدا تنفيذه في عام 2008. وهو يهدف إلى إقامة حزام أخضر طوله قرابة سبعة آلاف و5 مائة كلم وعرضه 15 كيلومترا. أما البلدان الإفريقية المعنية بالمشروع فيبلغ عددها أحد عشر بلدا. وتقع غالبيتها في منطقة الساحل أو على تُخومها ومنطقة القرن الإفريقي. وهذه البلدان هي السنغال، وموريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، ونيجيريا، وتشاد، والسودان، وإثيوبيا، وإريتريا، وجيبوتي.
وتعزى الرغبة في بعث المشروع إلى اتساع رقعة التصحر في بلدان منطقة الساحل الإفريقي باتجاه الجنوب لعدة أسباب أهمها فترات الجفاف التي تطول أكثر من اللزوم وتزايد الضغوط على الأراضي الزراعية والمراعي في هذه البلدان مما جعل أتربها لا تصلح بالتدريج للرعي والزراعة. وكثيرا ما تتعرض هذه الأراضي إلى ظاهرتي الانجراف وانجراد أتربتها بسبب الرياح العاتية أو السيول الغزيرة التي تتحول بسرعة إلى فيضانات.
وبعد مرور خمسة عشر عاما على إطلاق المبادرة، يبدو السنغال البلد الوحيد الذي قطع خطوات مهمة لإقامة هذا الحزام والاستفادة منه في مجال التنمية المستدامة. فقد التزم السنغاليون منذ البدء في تنفيذ المشروع بغرس أشجار من أهمها شجرة الطلح في أماكن كانت مهددة بالتصحر إلى حد كبير بمعدل مليوني شجرة كل عام. وأصبحت هذه الأشجار تشكل بعد نموها بيئات مصغرة في مواضع كثيرة تصلح لزرع الخضروات والأشجار المثمرة ولنمو كائنات نباتية وحيوانية كانت قد اختفت منها أو كادت أن تختفي.
واتضح أن الأوضاع الأمنية في عدة بلدان كان يفترض أن تتمنطَق بالحزام الإفريقي الأخضر لم تتمكن من ذلك بسبب النزاعات والحروب. وهو مثلا حال مالي.
التزامات مالية لم تُنفّذ
ومن أهم العقبات الأخرى التي حالت دون المضي قدما في إنجاز الحزام الأخضر الإفريقي للحد من التصحر عدم ضخ أموال كافية لإنجازه والتعامل مع الحزام بمعزل عن أهدافه الأساسية أي غرس أشجار وشجيرات لديها علاقة وطيدة بالعميلة التنموية المحلية والمبادرات الرامية إلى مكافحة الفقر. هذا ما جعل الرئيسالموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أحد المشاركين في ندوة عن الجدار الأخضر أقيمت خلال قمة " كوكب واحد" الرابعة يوم الحادي عشر من شهر يناير 2021 يدعو البلدان المتقدمة لإلغاء جزء من ديون البلدان الإفريقية التي يشقها الجدار حتى يتسنى لهذه البلدان ضخه في مشاريع تنموية تعزز الجدار الأخضر الكبير.
وقد اهتدى الخبراء والسياسيون الذين تابعوا عن كثب منذ عام 2007 مبادرة الحزام أو الجدار الأخضر الإفريقي الكبير إلى أن اختيار عينات من أشجار تتلاءم مع طبيعة المناطق التي تغرس فيها ومع التغيرات المناخية القصوى والعمل على تنشيط الدورة الاقتصادية من حول هذا الحزام بواسطة مزروعات غير مسرفة في استهلاك المياه ومراع تستخدم بشكل غير مكثف وعلى نحو يأخذ بعين الاعتبار واقع المناطق التي يشقها الحزام عوامل لم تُـؤخذ في الحسبان من قبلُ وأنه من الضروري أخذها بعين الاعتبار اليوم حتى يكون هذا الحزام وسيلة ناجعة من وسائل التنمية المستدامة.
هذا ما أجمع عليه المشاركون في إحدى فعاليات قمة " كوكب واحد " في دورتها الرابعة التي نظمت يوم الحادي عشر من شهر يناير –كانون الثاني عام 2021 والتي خصصت لسبل تعزيز منظومة التنوع الحيوي. والملاحظ أن هذه القمة كانت دورتها الأولى قد أطلقت في ديسمبر عام 2017 بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومنظمة الأمم المتحدة والبنك العالمي. بل إن المشاركين في قمة " كوكب واحد" الرابعة توصلوا إلى إقناع عدة شركاء تابعين للقطاعين العام والخاص بالالتزام بتخصيص أحد عشر مليار و8 مائة مليون يورو لتمويل مشاريع إنمائية لديها علاقة بتعزيز الجدار الأخضر العظيم خلال الفترة الفاصلة بين عام 2021 و2025.
شراكة بين الصندوق الأخضر من أجل المناخ والصندوق العالمي للتنمية الزراعية
وهذا المبلغ مهم في حال ضخه فعلا في المشاريع الرامية لتعزيز الجدار الأخضر لأن الأطراف التي التزمت في قمة المناخ العالمية التي نظمت في باريس في أواخر عام 2015 بتقديم مساعدات مالية إلى البلدان التي يشقها الجدار الأخضر الكبير لم توف بالتزاماتها. وإذا كانت هذه الأطراف قد تعهدت آنذاك بتخصيص قدره أربعة مليارات من الدولارات لفائدة المبادرة، فإن المبالغ التي جُمعت فعلا في إطار هذه الالتزامات كانت أقل من نصف مليار دولار.
والحقيقة أن ما يدعو للتفاؤل اليوم بشأن إمكانية تعزيز الحزام الأخضر الإفريقي الكبير هو الشراكة التي تقرر إرساؤها بين عدد من المؤسسات التي تُعنى بالتنمية المستدامة لاسيما في الأوساط الريفية وهو أساسا حال الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والصندوق الأخضر من أجل المناخ. وتسمح الشراكة الجديدة التي أطلقت بين الصندوقين وشركاء آخرين بحشد ما يصل مجموعه إلى 1 مليار دولار أمريكي من الموارد المالية لصالح مبادرة الجدار الأخضر الكبير خلال عامي 2021 و2022. وهي تهدف إلى تنفيذ مشاريع ترمي إلى استعادة النظم الإيكولوجية في الأماكن التي يشقها الجدار الأخضر الإفريقي والتصدي للقضايا المترابطة والمتمثلة في تغيّر المناخ، وتهيئة فرص العمل، والتخفيف من وطأة الفقر، وتعزيز الأمن الغذائي وإحلال السلام.
وخلال الندوة التي أقيمت في إطار فعاليات الدورة الرابعة من دورات قمة " كوكب واحد قال السيد يانيك غليماريك المدير التنفيذي للصندوق الأخضر للمناخ إن "الصندوق الأخضر للمناخ ملتزم بتوسيع نطاق جهود بلدان منطقة الساحل الرامية إلى بناء الجدار الأخضر العظيم وتطويره، ومكافحة آثار الجفاف وقطع الغابات وتغيّر المناخ. وسيدفع هذا البرنامج الابتكاري، مع تركيزه الموسع على تعزيز سلاسل القيمة الزراعية المستدامة في جميع أنحاء المنطقة وزيادة استثمار القطاع الخاص في أشكال الطاقة المتجددة اللامركزية، عجلة التكيف مع تغيّر المناخ وقدرة ملايين الأشخاص على الصمود، فضلا عن دعمه للنظم الإيكولوجية المحلية والتنوع البيولوجي".
وحرصا على التزام الشفافية في مجال استخدام الموارد المالية المخصصة لتمويل مبادرة الجدار الأخضر الكبير، تقرر خلال قمة " كوكب واحد " في دورتها الرابعة أن تكون الأمانة العامة لاتفاقية مكافحة التصحر الدولية الطرف الذي سيتولى في المستقبل ضمان هذه الشفافية لاسيما في ما يخص المساعدات الدولية التي تقدم إلى البلدان التي يشقها الجدار بهدف تعزيزه.
وقد سعى المدير التنفيذي للصندوق الأخضر من أجل المناخ إلى إعطاء فكرة عن المشاريع التي أُطلقت بشأنها شراكة جديدة بين هذا الصندوق والصندوق الدولي للتنمية الزراعية والأمانة العامة لاتفاقية مكافحة التصحر الدولية فقال:" يعمل الصندوق الأخضر من أجل المُناخ في إطار شراكة مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر على بلورة برنامج إطار من أجل تسريع التطور الذي حققته بلدان الساحل الإفريقي في ما يتعلق بالسور الأخضر الكبير منذ عام 2007. وهذا البرنامج الإطار يهدف إلى إنجاز مشاريع تنموية مركزة على خمسة محاور هي الاستثمار في المؤسسات المتوسطة والصغرى وتأهيل الأراضي المتضررة والقابلة للزراعة وإدارةُ الأنظمة البيئية المصغرة بشكل مستدام وإقامة بنى تحتية قادرة على التكيف مع مناخ المنطقة. أضف إلى ذلك السماح للمستفيدين من هذه المشاريع بالحصول على مصادر الطاقة المتجددة وتعزيز قدراتهم وتعزيز الحكم الرشيد."
أما بخصوص أجندة تفعيل هذه الشراكة، فقد قال المدير التنفيذي للصندوق الأخضر من أجل المناخ : " وسيعمد الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة التي تعنى بمكافحة التصحر والصندوق الأخضر إلى إجراء سلسلة من المشاورات المكثفة مع كل الطراف المعنية بالسور الأخضر الكبير لبلورة برنامج مفصل عن البرنامج الإطار الذي نعده طوال عام 2021 بهدف عرضه على مجلس إدارة الصندوق الأخضر في أكتوبر عام 2021 وعرضه لاحقا أيضا على مؤتمر المناخ الدولي السنوي المقبل الذي سيعقد في نوفمبر عام 2021".
خلال قمة " كوكب واحد " في دورتها الرابعة التي عقدت يوم الحادي عشر من شهر يناير –كانون الثاني عام 2021 ، ألح جميع المشاركين على ضرورة تضافر جهود القطاعين العام والخاص لتمويل المشاريع الإنمائية المندرجة أساسا في إطار التكيف مع انعكاسات التغير المناخي السلبية والتصدي لها بشكل فاعل. ولكن هذه القمة أثبتت مرة أخرى أن هناك مشاكل عدة لاتزال قائمة في سياق الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة. هذا ما أكد عليه مثلا السيد فيليب الزواتي مدير مؤسسة " مينورا "المتخصصة في إدارة أموال الاستثمارات التي تضخ في التنمية المستدامة. فقد قال في كلمته أمام المشاركين في الندوة المخصصة لسبل إعادة الحياة إلى الجدار الأخضر الإفريقي الكبير: "إن التعاون بين مؤسسات التمويل العامة والخاصة موجود اليوم ولكنه بعيد حتى الآن عن التوصل إلى حشد الأموال الضرورية. فآجال الحصول على الأموال العامة تظل طويلة. بل إن مطالب المستثمرين التابعين للقطاع العام في ما يخص مردودها المالي وتحمل مخاطر الاستثمار في العملية التنموية تجاوزت أحيانا مطالب المستثمرين التابعين للقطاع الخاص. وفي المقابل، على أطراف الاستثمار الخاص في المشاريع المتعلقة بالتنمية المستدامة أن تكون في مستوى المقاييس المعتمدة التي لا تلحق ضررا بالاعتبارات البيئية والاجتماعية. وعلى القطاع الخاص ألا تشوبه شائبة في هذا الشأن. ويتطلب تنفيذ مثل هذه المشاريع أيضا اعتماد نموذج من التعاون يقوم على الثقة وسرعة الإنجاز وقابلية استنساخها".
بارقة أمل في استكمال بناء الجدار الأخضر
عندما أطلقت مبادرة الجدار أو السور الأخضر الإفريقي الكبير بشكل رسمي عام 2007، كانت رغبة مطلقيه ملحة في أن يتم التوصل في حدود ألفين وثلاثين إلى تأهيل قرابة مائة مليون هكتار من الأرضي التي يشقها الجدار وجعلها قادرة على تثبيت التربة وتثبيت سكان المناطق التي يقطعها الجدار أيضا ويقدر عددهم بمائة وثلاثين مليون شخص. ولكن المساحة التي أعيد تأهيلها للعمل الزراعي وتربية الماشية المستدامين أقل من 18 مليون هكتار لأسباب كثيرة أهمها قلة المساعدات المخصصة لتعزيز هذه الجدار لاسيما وأن غالبية البلدان التي يشقها الجدار ليست ثرية. وثمة اليوم أمل في أن يتم جمع الأموال التي تضمن نجاح المبادرة في غضون السنوات العشر المقبلة إذا تضافرت الجهود المحلية والإقليمية والدولية العامة والخاصة وإذا حولت الالتزامات المالية من قبل مؤسسات التمويل العامة في البلدان الغربية والصناديق الدولية المخصصة للتنمية المستدامة إلى أفعال.
في عام 1965 ولدت عند الفرنسي كلود لوريوس فكرة إعادة تخزين ذاكرة الجليد المتجمد منذ فترات طويلة في عدة مناطق في العالم باطن منطقة القطب الجنوبي المسماة أيضا " أنتاركتيكا".
ويعد لوريوس الذي يبلغ اليوم الثامنة والثمانين من العمر من أفضل علماء الجليد المتجمد، وهذا العلم هو جزء من علوم الأرض ويعنى بدراسة الصفائح الجليدية المتجمدة في أعالي الجبال أو في بعض الأنهار والوهاد القائمة بينها وبالظواهر المناخية التي تتحكم فيها.
لقد ولدت لدى هذا العالم الفرنسي فكرة تخزين ذاكرة الجليد المتجمد الذي بدأت ظاهرة التغير المناخي تساهم في عملية ذوبانه بوتيرة غير مسبوقة، عندما كان موجودا في المنطقة القطبية الجنوبية لإجراء مجموعة من الأبحاث الميدانية.
رأى كلود لوريوس أن فقاعات من الجليد المتجمد الذي كان يضعه في كأس يشرب منه، كانت تخرج من الكأس بشكل لافت.
ومن ثم أصبح عالم الجليد المتجمد الفرنسي يدعو لدراسة هذه الفقاعات بشكل معمق من جهة والعمل من جهة أخرى على تجميع عينات من أماكن كثيرة في العالم أصبحت ثلوجها متجمدة منذ 20 ألف سنة أحيانا، ووضعها في باطن القطب الجنوبي لدراستها لاحقا.
والملاحظ أن مساحة المنطقة القطبية الجنوبية تعادل 14 مليون متر مربع وأن معدل سماكة صفائحها الجليدية المتجمدة يقارب كيلومترا وست مائة متر.
وميزة العينات التي التُقطت من أمكان عديدة في العالم معروفة بثلوجها المتجمدة أنها وُضعت في باطن جليد المنطقة القطبية الجنوبية في أماكن تبلغ درجات الحرارة فيها أربعا وخمسين درجة تحت الصفر. وتسمح إعادة خزنها في هذه الأماكن من جهة بتجنبيها خطر الذوبان.
من جهة أخرى، تسمح هذه العينات المخزنة بالعودة إليها ودراسة ذاكرتها البيولوجية والمناخية.
من جهة ثالثة، يتيح ذلك التعرفَ بشكل أفضل إلى ذاكرة الكرة الأرضية البيولوجية والمناخية.
وفي إطار مشروع يسمى "ذاكرة الجليد المتجمد" تم إطلاقه عام 2015 وتشرف عليه منظمة اليونسكو، تندرج عدة مبادرات منها واحدة يقودها باحثون فرنسيون وإيطاليون وروس. وتهدف إلى نقل عينات من جليد الجبل الأبيض المتجمد إلى مراكز بحث في كل من مدينة غرونوبل الفرنسية وأخرى في منطقة القطب الجنوبي المتجمدة.
وأما الموضع الذي تقرر أن تؤخذ منه ثلاث عينات تزن أطنانا من الجليد المتجمد، فيقع على ارتفاع 3500 متر من الجبل الأبيض أعلى قمة في سلسلة جبال الآلب التي تشق عدة بلدان أوروبية منها فرنسا وإيطاليا وسويسرا والنمسا.
وستظل إحدى العينات الثلاث التي اقتلعت من باطن جليد " الجبل الأبيض" على عمق 140 مترا في مختبر جامعة غرونوبل الفرنسية ويعنى بالدراسات الجيوفيزيائية والجليد والبيئة. وبإمكان مختلف الباحثين اللجوء إليها لدراستها بشأن هذه المسألة أو تلك.
وأما العينتان الأخريان فإنهما وُضعتا في براد طبيعي يقع في أعماق جليد القارة القطبية الجنوبية " أنتاركتيكا " للعودة إليهما وقت الحاجة بعد عشرات السنين أو بعد قرون. ويوجد هذا البراد في قاعدة علمية فرنسية إيطالية تقع في هذه القارة المتجمدة.
والحقيقة أن الحرص على القيام بهذا العمل يعزى إلى عدة عوامل وأسباب أهمها اثنان وهما احتداد ظاهرة التغيرات المناخية من جهة، وثراء المعلومات الموجودة داخل أعماق صفائح الجليد المتجمد من جهة أخرى.
فذوبان هذا الجليد المتجمد يحصل اليوم بوتيرة متسارعة وغير معهودة بسبب ارتفاع درجات الحرارة. وفي حال إنقاذه عبر المحافظة على الأقل بشكل طبيعي على عينات منه في أعماق القطب الجنوبي، سيسمح الأمر بمواصلة الدراسات عن مكونات الجو القريب من الأرض إلى زمن يعود إلى آلاف السنين.
ويذهب عالم الجليد المتجمد الفرنسي كلود لوريوس إلى القول إن تطور تقنيات علم الجليد المتجمد قادرة على مساعدة الباحثين على العودة إلى ما كانت عليه ذاكرة الأرض البيولوجية والمناخية قبل قرابة مليون سنة خلت.
كان يفترض أن يكون يوم السابع والعشرين من شهر يونيو-حزيران عام 2017 محطة بارزة في سجل التغيرات الجذرية التي شهدها قطاع النقل في المدن الفرنسية التي تشقها أنهار. وهذه مثلا حال باريس التي يشقها نهر السين والتي كان يفترض مبدئيا أن تُطلَق فيها انطلاقا من ذلك اليوم تجربة جديدة في مجال النقل داخل العاصمة الفرنسية يتم الاعتماد فيها على عربة هي في منزلة بين منزلتي المركب والسيارة. ويقول المهندس والبحار الفرنسي آلان تهيبو صائغ هذه العربة إن من يركبها يشعر أنه يركب بساطا تحمله رياح هادئة.
هذا المشروع لم ينجز في باريس لعدة أسباب منها أن سرعة العربة التي صنعها آلان تهيبو تصل إلى خمسين كيلومترا في الساعة بينما تنص القوانين الفرنسية على ألا تتجاوز نسبة سرعة الملاحة فوق نهر السين في العاصمة الفرنسية 12 كيلومترا في الساعة. ومن ثم فإن التجربة الأولى التي أجريت على هذه العربية لم تحصل فوق نهر السين بل قبالة سواحل بلدة كاسيس إحدى البلدات القريبة من مرسيليا والمطلة على ساحل المتوسط وذلك في الثاني والعشرين من شهر ديسمبر –كانون الأول عام 2020.
ومن خاصيات العربة المركب التي كانت بلدية باريس ترغب في الاعتماد عليها لتكون جزءا من تكاسي العاصمة الفرنسية أنها تتسع لأربعة أشخاص وأنها قادرة على التحرك بسرعة من خلال جناحين يدوران تحت مياه الأنهار أو البحيرات أو البحار التي تشقها العربة بواسطة طاقة كهربائية مولدة من الشمس على غرار سفينة شراعية مخصصة للسباق اخترعها هذا المهندس الفرنسي الذي ولد في مدينة ديجون الفرنسية والذي يقضي اليوم شطرا هائلا من وقته وهو يجوب البحار والمحيطات.
وإذا كان المهندس الفرنسي آلان تهيبو يثني على تحمس آن هيدالغو عمدة بلدة باريس للمشروع، فإنه يأخذ على وزارتي المالية والنقل الفرنسيتين البطء الشديد في الرد على مطالب البلدية المتعلقة بتسهيل تنقل المركبات الجديدة التي ستسير على نهر السين كجزء من وسائل النقل العامة والخاصة في العاصمة الفرنسية. ويقول إنه متأكد من أن السلطات الفرنسية ستراجع مواقفها من اختراعه هذا بعد نجاحه في مدن كثيرة أخرى منها لندن وسان فرنسيسكو ومدن ألمانية وهندية ويابانية. بل إنه أبرم مع مؤسسة " غوغل" شراكة تسمح بتشغيل هذه " السيارة المركب" في بعض المدن اليابانية بدون أن تكون ثمة حاجة إلى سائق يقودها.
لقد تعلم Alain Thébault الكثير الكثير من فشله في إطلاق مشروع التاكسي الطائر فوق مياه نهر السن في العاصمة الفرنسية. فقد توصل مثلا إلى صياغة محرك يعمل بالهيدروجين ويعوض تدريجيا المحرك العامل بالتيار الكهربائي. وميزة هذا المحرك أنه يستحدم طاقة نظيفة أي أن تشغيله خال من الانبعاثات ويعتمد على الهيدروجين وهو أكثر عناصر الكرة الأرضية وفرة بالإضافة إلى كونه يتميز بسرعة إعادة تعبئته مقارنة مع وقت شحن الكهرباء. وإذا كان يصعب قيادة التاكسي الطائر فوق مياه الأنهار بسبب قوانين الملاحة الخاص بالأنهار، فإن هذا العائق غير موجود بالنسبة إلى مياه سواحل مرسيليا ولاسيما تلك التي تعد محميات طبيعية ويسهل الاستمتاع بها من البحر دون إحداث ضجيج ولا تلوث.
من أهم الأرقام التي شدت الانتباه خلال عام 2020 تلك التي تتعلق بالأموال التي دفعتها شركات التأمين والتي لديها علاقة بالكوارث الطبيعية. فقد قدرت هذه الأموال في العالم بـ153 مليار دولار. وينتظر أن تظل قيمة هذه الأموال في ارتفاع طوال الأعوام المقبلة بسبب تزايد وتيرة مثل هذه الكوارث.
وإذا كانت التجربة المغربية المتعلقة بالتأمين الزراعي المتعلق أساسا بالكوارث الطبيعية لاتزال في بداياتها، فإن هذا البلد أصبح اليوم يستخدم المهارات التي اكتسبها في هذا المجال كجزء من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية التي يسعى إلى تعزيزها في القارة الإفريقية بشكل خاص. ويعزى ثراء التجربة المغربية هذه رغم أنها لاتزال فتية إلى عدة عوامل من أهمها قناعة القطاعين العام والخاص بأن التأمين الزراعي المتصل بالكوارث الطبيعية ضرورة تفرض نفسها يوما بعد آخر بسبب التغير المناخي وانعكاساته على القطاع الزراعي ومنظومة الأمن الغذائي.
وقد استفادت المملكة المغربية كثيرا من تجربة إسبانيا في مجال التأمين الزراعي ومن بعض التوجهات التي أدرجتها في إطار تطوير القطاع الزراعي على نحو يأخذ في الحسبان مبدأ استخدام الثروات الطبيعية استخداما رشيدا في الإنتاج الزراعي. كما استفادت من التعاون الذي أقامته مع البنك الدولي في ما يخص سبل مواجهة الكوارث الطبيعية بشكل أفضل.
أما التجربة الإسبانية التي استلهمت منها المملكة الغربية تجربتها الفتية في ما يخص التأمين الزراعي فإنها تقوم أساسا على بعض القواعد المبتكرة التي غيرت رأسا على عقب الصورة المحمولة عادة في كل مكان عن العلاقة القائمة بين الشركات التي تقيم مع مؤسسات أو أفراد عقود تأمين والتي لا يرتاح فيها كلا الطرفين إلى الطرف الآخر. فكثيرا ما يشكو الطرف المؤمَّن من الشروط المجحفة التي يفرضها عليه الطرف المؤمن لتعويضه عن الأضرار التي تصيبه والتي يقوم بشأنها عقد التأمين. وكثيرا ما ترى شركات التأمين في تصرفات المؤمن شكلا من أشكال الابتزاز. ولكن الطرف المؤمِّن في التجربة الإسبانية الزراعية يتحول إلى مرشد زراعي ومناخي في الوقت ذاته. فهو يذهب مثلا إلى حد تقديم استشارات مجانية إلى الطرف المؤمن تتعلق بتجنب غرس الأشجار المثمرة في الممرات التي يستهدفها البرَد في مزرعته ونعته إلى أفضل أصناف الشعير أو القمح التي يكون محصولها أوفر أو أنواع السلالات الحيوانية القادرة على العطاء أكثر وتحمل الظروف المناخية القاسية.
وأما البنك الدولي فإنه يقيم شراكة في هذا الشأن مع المملكة الغربية يتم التركيز فيها على تدريب الثروات البشرية على التهيؤ للكوارث الطبيعية ومواجهتها والتكيف معها بشكل أفضل من خلال إطلاق مركز مختص في هذا الميدان يتخذ من الدار البيضاء مقرا له.
وقد سمحت هذه التجربة للمملكة المغربية بإطلاق عدة شراكات بين المغرب وبلدان إفريقية أخرى لتوسيع دائرة المستفيدين من التأمين على المخاطر التي تهدد القطاع الزراعي.
تُعدُّ ثمار المحار من أهم ثمار البحر التي يقبل عليها المحتفلون بعيدي الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة في البلدان المطلة على البحار والمحيطات. بل إن تربية المحار تطورت كثيرا في العقود الأخيرة في هذه البلدان على نحو جعل مزارعَها تصدر منتجاتها إلى بلدان لا تحيط بها بحار ومحيطات.
وإذا كان رواج صناعة اللؤلؤ يُعزى أساسا إلى تطور قطاع تربية المحار لهذا الغرض، فإن شركات ناشئة في عدة بلدان غربية منها فرنسا أصبحت تتخذ من منتجات أخرى مستمدة من أصداف المحار نشاطا اقتصاديا ما انفك يتعزز. ومن الشركات الفرنسية الناشئة المهتمة بهذا النشاط واحدة أطلقت في عام 2017 في مدينة تولوز الواقعة في جنوب البلاد الغربي. وولدت فكرة إطلاق هذه الشركة الناشئة لدى شاب زار أقرباءه في الريف الفرنسي القريب من المحيط الأطلسي فرأى حرص أحدهم على جمع أصداف المحار التي يُلقى بها في حاويات النفايات. وعندما سأل عن سبب جمع أصداف المحار، قال قريبه إنه يفعل ذلك حتى يفتتها ويقدمها كعلف إضافي مهم بالنسبة إلى الدواجن التي يربيها.
وسعى الشاب إلى البحث في المعارف المتصلة بالمحار فتأكد أن الدواجن التي تتغذى جزئيا وبشكل منتظم على مسحوق أصداف المحار تجد فيه ما يسمى "الأملاح المعدنية النادرة" أي تلك يحتاج إليها الجسم بكميات قليلة ولكنها ضرورية بالنسبة إلى الصحة. عندئذ قرر هذا الشاب الفرنسي الدخول في شراكة بعض زملائه لإنتاج أعلاف تكميلية للدواجن انطلاقا من أصداف المحار.
ومن التجارب الجديدة في هذا السياق والتي أطلقت مؤخرا في فرنسا، واحدة أطرافها ثلاثة هي مؤسسة ناشئة ومنظمة من منظمات المجتمع المدني ومختبر إحدى الجامعات الفرنسية. وتهدف هذه الشراكة إلى استخدام أصداف المحار لتصنيع أسمدة مخصبة يقتنيها أساسا أصحاب الحدائق والبساتين الصغيرة التي تقام في المدن وضواحيها والمتخصصة في ما يسمى "الزراعة الحضرية" أو "شبه الحضرية". ومن أهداف هذه الشراكة الأخرى صناعة خلطة جديدة من خلطات الملاط. ونُذَكر بأن عمليات الملاط التقليدية في مجال ورش البناء تتمثل في خلط الإسمنت بالماء والرمل لطلي الجدران أو وضع الخلطة بين حجرين أو آجرتين. وهذه الطريقة تسببت كثيرا في تعرية سواحل أو وديان أو أنهار من الرمال المتراكمة فيها على مر القرون. وأصبحت العملية تشكل خطرا على البيئة. أما الخلطة الجديدة التي يقترحها أطراف الشراكة الجديدة بين جمعية أهلية وشركة من الشركات الناشئة ومختبر تابع لإحدى الجامعات الفرنسية، فيُستبدل فيها الرمل بحبيبات صنعت من أصداف المحار وأثبتت فعلا جدواها في مجال ورش البناء.
إذا كان أهم حدث طبع عام 2020 هو تفشي وباء كورونا في مختلف مناطق العالم، فإن خبراء التنمية والبيئية يؤكدون أن الطريقة التي واصل من خلالها الإنسان الإساءة إلى الطبيعية خلال العام ذاته من خلال سلوكيات الإنتاج والاستهلاك لاسيما خلال فترات رفع الحجر الصحي المفروض هنا وهناك بسبب جائحة كورونا تثبت مرة أخرى أن الأنشطة البشرية مسؤولة بدرجة كبيرة عن تفاقم ظاهرة الاحترار المناخي مما ساهم في تفاقم أوضاع التنوع الحيوي النباتي والحيواني.
وتجلى ذلك أيضا عبر ذوبان ثلوج المناطق الجبلية المتجمدة ولكن بوتيرة غير مسبوقة. وفي عام 2020 بلغ ارتفاع درجات الحرارة في كثير من المناطق مستويات غير مسبوقة وهو مثلا حال المنطقة المتوسطية حيث تضررت مزارع الزيتون.
وإذا كانت الصين الشعبية قد أصبحت أول منتج للبروتينات المستخرجة من تربية الحشرات لإنتاج أعلاف حيوانية، فإن عام 2020 شهد بداية انخراط مناطق أخرى منها المنطقة المتوسطية ولو بشكل محتشم في هذه الطريق التي من شأنها المساعدة على التكيف مع التغير المناخي وعلى ترشيد استخدام الموارد الطبيعية لفائدة الأمن الغذائي.
مصطلح التربة الصقيعية في اللغة العربية يعرف بكلمة Pergélisol باللغة الفرنسية و Permafrost باللغة الإنجليزية. ويعني هذا المصطلح أتربة الأراضي المتجمدة في المنطقة القطبية الشمالية والتي تمتد في عمق الأرض انطلاقا من سطحها من بضعة مترات إلى كيلومترات.
تغطي التربة الصقيعية تقريبا خمس أراضي الكرة الأرضية. وهي تشكل 90 في المائة من القشرة الأرضية التحتية في غرينلاند أكبر الجزر في العالم و80 في المائة في ما يتعلق بألاسكا ونصف القشرة الأرضية التحتية في كل من كندا وروسيا.
وقد كشفت الدراسات العلمية أن تحت التربة الصقيعية في منطقة القطب الشمالي خطرين اثنين يتهددان كوكب الأرض والإنسان والحيوان أكثر فأكثر بسبب التغير المناخي وهما الفيروسات والبكتيريا والانبعاثات الحرارية المحبوسة.
وقدّرت كميات هذه الانبعاثات المتأتية أساسا من الميثان بألف وست مائة مليار طن، أي ما يزيد عن كميات الانبعاثات التي أُفرزت انطلاقا من سطح كوكب الأرض خلال القرن العشرين.
ويسعى عالم روسي يسمى سيرغي زينوف وابنه نيكيتا زينوف منذ عقود إلى إجراء أبحاث وتجارب لمحاولة الحد من ذوبان الجليد المتجمد في شمال سيبيريا الشرقي عبر تربية حيوانات في محمية طبيعية. وهما يأملان في أن يؤدي دوس أظلاف هذه الحيوانات بشكل منتظم على الثلوج المتساقطة إلى تشكل قشرة عازلة تحمي التربة الصقيعية من الحرارة وتسمح لها بمنع الانبعاثات الحرارية والفيروسات والبكتيريا من الخروج من باطن الأرض.
وقد أصبحت روسيا تهتم بالفيروسات والبكتيريا التي هي في سبات عميق منذ فترة طويلة تحت التربة الصقيعية بعد أن لاحظت عودة أمراض إلى سيبيريا كان يُعتقد أنها ولت إلى غير رجعة.
وهو مثلا حال مرض الجمرة الخبيثة أو أنثراكس والذي تتسبب فيه بكتيريا الجمرة الخبيثة. وقد أتى هذا المرض في صائفة 2019 على ألفين من حيوان الأيل في شبه جزيرة يامال الواقعة في غرب سيبيريا. كما أقرت السلطات الروسية بأن الفيروس أتى على طفل. ولكن المنظمات الأهلية الروسية التي تعنى بهذا الموضوع ترى أن البكتيريا قد أتت على أشخاص آخرين ترفض السلطات الروسية الاعتراف بما حصل لهم حتى تتجنب الانتقادات واللوم.
ويقول الناشطون في هذه المنظمات إن روسيا تنفق سنويا مليارا وثلاث مائة ألف يورو لإصلاح الأضرار التي يتسبب فيها ذوبان الجليد المتجمد في سيبيريا في ما يخص البنى التحتية ولكنها لا تخصص أموالا كافية بهدف احتواء مخاطر الفيروسات والبكتيريا النائمة تحت كثبان الجليد المتجمد والتي بدأت تظهر بسبب ذوبان هذه الكثبان جراء التغير المناخي.
ويُذكِّرون بأن هذه الفيروسات والبكتيريا موجودة داخل جثث حيوانات حبستها كتلة التربة الصقيعية منذ قرون ويؤدي ذوبان الجليد المتجمد إلى الكشف عن هذه الجثث وإطلاق الفيروسات والبكتيريا التي قد تكون فيها. وهذا ما حصل فعلا في السنوات الأخيرة في سيبيريا وأعاد إلى بكتيريا الجمرة الخبيثة، التي قُضي عليها منذ قرابة قرن، نشاطها وحيويتها.
مجمل القول إن جزءا كبيرا من أراضي المنطقة القطبية الشمالية هو خزان لكميات كبيرة من الفيروسات والبكتيريا والانبعاثات الحرارية التي كان الإنسان يعتقد أنها ستظل مدفونة تحتها آلاف السنين أو اكثر. ولكن ظاهرة الاحترار المناخي التي ساهمت الأنشطة البشرية في تفاقهما من شأنها تسريع خروجها والتسبب في مشاكل صحية وبيئية من الصعب جدا احتواؤها.
من أهم المآخذ التي تأخذها منظمات المجتمع المدني التي تُعنى بالبيئة والتنمية المستدامة على قمم المناخ العالمية منذ عقود أن كل صاحب قرار من القرارات السياسية في الأسرة الدولية من الذين يشاركون فيها يركز خلالها عن أمرين اثنين أولهما أن التحدي المناخي تحد كبير وأنه لابد من تضافر الجهود الدولية لمحاولة كسبه. أما الأمر الآخر الذي يصر عليه كل رئيس دولة أو رئيس حكومة يشارك في مثل هذه القمم فهو الإسهاب في الحديث عن انخراط هذه الدولة أو تلك في منظومة الاستدامة التي تقوم على تعزيز علاقة مترابطة بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في المسار التنموي.
وبينما يؤكد الأمناء العامون الذين تعاقبوا على منظمة الأمم المتحدة خلال السنوات العشرين الأخيرة على أهمية التحرك الملموس عبر تعزيز سلوكيات الإنتاج والاستهلاك والسياسات الوطنية المتصلة بالتنمية المستدامة، لا يزال قادة العالم يسهبون في تكرار ملاحظة لا يختلف بشأنها خبراء المناخ الجادون ومفادها أن ظاهرة الاحترار المناخي تحتد سنة بعد أخرى وأن عواقبها وخيمية. ولا يزال هؤلاء القادة ينسبون إلى أنفسهم إجراءات ومبادرات تظل في غالبيتها نوايا حسنة ليس إلا.
في هذا السياق تحدث عدد من قادة دول الاتحاد الأوروبي في قمة المناخ الافتراضية التي عقدت يوم الثاني عشر من شهر ديسمبر -كانون الثاني عام 2020 بمناسبة مرور خمس سنوات على التوقيع على اتفاق باريس حول المناخ عن القرارات التي اتخذوها لرفع سقف التزامات دولهم في ما يتعلق بالحد من الانبعاثات الحرارية. وكذا فعل الرئيس الصيني ورئيس وزراء الهند وغيرهم. ولكن هذه القرارات تظل في نهاية المطاف مجرد نوايا حسنة لأنها تتعلق بالمدى المتوسط ولأن المسؤولين الكبار في غالبية البلدان الصناعية وذات الاقتصادات الناشئة كالصين والهند والبلدان النامية يعلمون أن عملية رفع سقف الالتزامات على الورق ليست عملية صعبة على خلاف ما هو عليه الأمر بالنسبة إلى رفع سقف المبادرات والإنجازات الفعلية التي تحققت في مجال الحد من الاعتماد على مصادر الطاقة الملوثة وتوسيع دائرة الاعتماد على مصادر الطاقات الجديدة والمتجددة.
وهناك اليوم شبه إجماع لدى منظمات المجتمع المدني بأن أهم ما طبع قمة المناخ الافتراضية التي عقدت يوم الثاني عشر من شهر ديسمبر عام 2020 هو ما قاله الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن من أن قرار عودة بلاده الفعلية إلى اتفاق باريس حول المناخ سيتم يوم العشرين من شهر يناير -كانون الثاني عام 2021 أي يوم استلام مهامه في البيت الأبيض خلفا لدونالد ترامب. ولكن بقدر ما ارتاحت منظمات المجتمع لهذا القرار، بقدر ما لدى الناشطين فيها قناعة بأن القمة الاستثنائية العالمية التي قال جو بايدن إنه سيدعو لعقدها خلال أيامه المائة في الحكم ستكون من جديد سوقا للنوايا الحسنة.
بدأت تجارب " المزارع العمودية " مع بداية القرن الحادي والعشرين وأصبح نطاق هذه التجارب يتسع قبل عشر سنوات خلت. وآخر هذه المزارع التي أطلقت خلال الشهر الأخير من عام 2020 تلك التي تقف وراءها مؤسسة دانماركية ناشئة تسمى " نورديك هارفيست". وقد أقيمت هذه المزرعة في أحد المستودعات المهجورة الواقعة قرب العاصمة كوبنهاجن. وتبلع مساحة المزرعة الجديدة سبعة آلاف متر مربع.
صحيح أن مساحة هذه المزرعة شبه الحضرية الدانماركية الجديدة أقل من هكتار واحد وبالتالي فإنه ينظر إليها بحسب مفهوم الزراعة التقليدية باعتبارها مزرعة صغيرة.
ومع ذلك فإن مطلقيها يدرجونها في دائرة المزارع العمودية الكبيرة في القارة الأوروبية لأن مساحتها الحقيقية تقاس بالمترات المكعبة لا بالمترات المربعة. ويتجلى ذلك في ما يخص هذه المزرعة العمودية الدانماركية من خلال طوابقها الأربعة عشر والتي يبلغ ارتفاعها عشرة أمتار عن قاع المستودع الذي أقيمت فيه. وهي قابلة للارتفاع أكثر.
ومن خاصياتها الأخرى أنها مجهزة بعشرين ألف فانوس من الفوانيس الخضراء أي التي تستهلك كميات قليلة من الطاقة. وإذا كانت الدانمارك تلبي حاجاتها من الطاقة الكهربائية بالاعتماد على الطاقة المولدة من الرياح بنسبة 40 في المائة، فإن المزرعة العمودية التي أطلقت في الشهر الأخير من عام 2020 في ضواحي كوبنهاجن تلبي حاجاتها من الطاقة الكهربائية المولدة من الرياح بنسبة مائة في المائة.
وهذه المزرعة مجهزة أيضا بروبوتات تساعد العاملين فيها على القيام بعدة عمليات متصلة بالنشاط الزراعي في المزارع العمودية منها التهوية والسقي وغرس المزروعات التي تشمل نباتات عطرية وخضرا وعددا من الفواكه. وقد حرص مطلقو هذه المزرعة على أن تُجمع محاصيلها بمعدل خمس عشرة مرة على امتداد فصول السنة وبكميات تبلغ ألف طن كل عام.
وما يرغب مطلقو المزارع العمودية في التأكيد عليه أيضا أن هذا النمط الزراعي الحديث الذي انتشر في السنوات الأخيرة بقوة في الأوساط الحضرية الآسيوية وفي الولايات المتحدة الأمريكية لديه فوائد كبيرة بالنسبة إلى سكان المدن الكبرى وضواحيها.
فهو نمط يتم الاعتماد فيه على الموارد الطبيعية بشكل يقوم على الترشيد. ومنتجات هذا النمط الزراعي يحصل عليها المستهلك بسرعة وهي طازجة لأن نقلها من مثل هذه المزارع يتم على مسافات قصيرة جدا بينما تقطع منتجات أنماط زراعية أخرى مسافات طويلة تبلغ أحيانا آلاف الكيلومترات.
أضف إلى كل ذلك أن تلبية جزء من حاجات سكان المدن الكبرى الغذائية عبر المزارع الأفقية والعمودية شبه الحضرية تساهم في الحد من تحويل كثير من المساحات المكسوة بالغابات في المناطق الريفية إلى مزارع.
From the publisher's feed
موعد يومي يبرز المبادرات الفردية والجماعية لحماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة.

1 Listeners

1 Listeners

6 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

2 Listeners

0 Listeners

3 Listeners

1 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

0 Listeners

1 Listeners

1 Listeners

0 Listeners