استضاف برنامج كافية شو الباحثة في التراث ومصممة الأزياء العراقية هناء صادق، في لقاءٍ استعاد محطات من تجربتها الممتدة بين بغداد وباريس والعالم العربي، وتوقف عند علاقتها العميقة بالزي والحلي والتراث بوصفها أكثر من مجرد عناصر جمالية، بل وثائق تحفظ ذاكرة المرأة العربية وهويتها.
تحدثت هناء صادق عن طفولتها في بغداد، وعن البيت الذي نشأت فيه وسط أجواء ثقافية وفنية شجعتها على الرسم والاهتمام بالتراث، مشيرة إلى أن والدها كان من هواة جمع القطع التراثية، وأن بغداد التي عاشت فيها كانت حاضرة بقوة في تكوينها الإبداعي. وتوقفت عند انتقالها إلى باريس للدراسة، مؤكدة أن ابتعادها عن العراق لم يبعدها عن جذورها، بل جعلها أكثر وعياً بها وتمسكاً بهويتها العربية.
وأشارت إلى أن علاقتها بالأزياء لم تكن قائمة على التصميم وحده، إذ تحولت مع الوقت إلى بحث طويل في تاريخ الملابس والحلي ورموزها وتقنياتها ومعانيها. ومن خلال رحلاتها في البلدان العربية، جمعت آلاف القطع الفضية ومئات الأزياء، في محاولة لإنقاذها من الاندثار وحفظها للأجيال المقبلة. وتؤكد صادق أن هذه المقتنيات بالنسبة إليها ليست مجرد مجموعة شخصية، وإنما جزء من ذاكرة عربية واسعة تتجاوز الحدود السياسية.
وفي حديثها عن كتابها «الأزياء والحلي العربية بلا حدود»، تناولت صادق فكرة الترابط الثقافي بين المجتمعات العربية، موضحة أن تشابه الأزياء والحلي وتقنيات النسيج والتطريز يعكس جذوراً ثقافية مشتركة سبقت الحدود السياسية الحديثة. وقد صدر الكتاب بثلاث لغات، العربية والإنجليزية والفرنسية، في محاولة لتقديم هذا الإرث إلى جمهور أوسع. اكما تحدثت عن حضور الحرف العربي والشعر في تصاميمها، مؤكدة أن الحرف بالنسبة إليها ليس مجرد زخرفة، وإنما يحمل روحاً ومعنى وهوية. ولهذا أدخلت النصوص العربية والأبيات الشعرية إلى تصميماتها، لتحول الثوب إلى مساحة بصرية يمكن أن تحمل اللغة والذاكرة والشعور في آن واحد.
وفي جانب آخر من اللقاء، ناقشت صادق تأثير العولمة والموضة العالمية على الأزياء العربية، وانتقدت ذوبان الخصوصية المحلية في نمط عالمي متشابه، لكنها في الوقت نفسه شددت على أهمية تقديم التراث بروح معاصرة، لا باعتباره دعوة للعودة إلى الماضي، وإنما باعتباره مادة يمكن تطويرها لتناسب المرأة العربية اليوم. وهي ترى أن: "التصميم المعاصر لا يحتاج إلى التخلي عن الهوية".
وحضر التراث الفلسطيني بقوة في الحوار، حيث تحدثت هناء صادق عن تجربتها في الأردن واكتشافها ما تعتبره محاولات لطمس أو نسب عناصر من التراث الفلسطيني إلى غير أصحابه، الأمر الذي دفعها إلى جمع وتوثيق ما استطاعت من الأزياء والحلي الفلسطينية. بالنسبة إليها، يمكن للثوب الفلسطيني أن يتحول من قطعة ملابس إلى وثيقة تحمل قصة شعب وذاكرته وهويته.
كما استعاد اللقاء موقفها من المقاطعة والاعتماد على المنتج المحلي، والذي بدأ بالنسبة إليها منذ سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حين رأت أن التصميم والفن لا ينفصلان عن الواقع، وأن دعم الإنتاج المحلي يمكن أن يكون فعلاً اقتصادياً وثقافياً في مواجهة التبعية للمنتج المستورد. واليوم، في ظل الحرب على غزة، ما زالت ترى في الأزياء والحلي والتراث أدوات قادرة على التعبير عن الهوية والمقاومة، وإن كانت تدرك أن حجم المأساة يتجاوز قدرة أي رمز على التعبير الكامل عنها.
ومن العراق إلى فلسطين، ومن الحلي القديمة إلى الثوب المعاصر، بدا واضحاً خلال اللقاء أن مشروع هناء صادق يتجاوز فكرة تصميم الأزياء. فهي تجمع وتوثق وتبحث وتعيد تقديم التراث، وفي الوقت نفسه تحاول أن تمنحه حياة جديدة في الحاضر.
وبعد عقود من العمل، تبدو صادق أقرب إلى حارسة للذاكرة العربية امرأة تخشى أن تضيع القطع التي جمعتها والقصص التي تحملها إذا لم تجد هذه الذاكرة المكان الذي تستحقه. ولهذا تعمل على حفظ مجموعتها وأرشفتها، أملاً في أن تصل إلى الأجيال المقبلة بوصفها جزءاً من تاريخ ثقافي لا ينبغي ان يختفي.
المزيد من تفاصيل هذا اللقاء في الرابط أعلاه.